أخدود وادي غول: الجيولوجيا العميقة لـ”جراند كانيون” الشرق الأوسط
شقّ في جسد جبل شمس
في قلب سلسلة جبال الحجر الغربي، حيث يتربّع جبل شمس بوصفه أعلى قمة في سلطنة عُمان وفي شبه الجزيرة العربية بأسرها، ينفتح المشهد فجأة على هوّة سحيقة تشقّ كتلة الجبل الكلسية شقًّا عموديًا يكاد يكون مستحيلًا تصوّره قبل الوقوف على حافته مباشرة. هذا الشق هو أخدود وادي غول، أو كما يُعرف محليًا وعالميًا بـ”وادي النخر”، المكان الذي استحق لقب “جراند كانيون الشرق الأوسط” أو “جراند كانيون العرب” عن جدارة، ليس بوصفه نسخة مصغّرة من نظيره الأمريكي في ولاية أريزونا، بل بوصفه ظاهرة جيولوجية مستقلة بذاتها، تحمل سجلًّا صخريًا فريدًا يمتد عبر مئات الملايين من السنين.
يقع هذا الأخدود في ولاية الحمراء بمحافظة الداخلية، على ارتفاع يقترب من 2000 متر فوق سطح البحر عند حافته العليا، بينما يهوي قاعه إلى أعماق تتجاوز الألف متر في بعض المقاطع، وهو ما يجعله، بحسب عدد من المصادر السياحية والإعلامية المحلية، من أعمق الأخاديد في شبه الجزيرة العربية والشرق الأوسط، ويُصنَّف أحيانًا في المرتبة الثانية عالميًا من حيث العمق بعد أخدود كولورادو الكبير. غير أن ما يميّز وادي غول ليس فقط بُعده الرأسي المهيب، بل القصة الجيولوجية المكتوبة بدقة متناهية على جدرانه الصخرية، تلك الجدران التي تختزل في طبقاتها المتعاقبة أكثر من 600 مليون سنة من تاريخ الأرض.
هذه المقالة محاولة للغوص في أعماق هذا الأخدود لا بالمعنى المجازي فحسب، بل بمعناه الجيولوجي الحرفي: كيف تكوّنت هذه الصخور؟ ما العمليات التكتونية والمناخية التي نحتت هذا الشق العميق؟ وماذا تخبرنا طبقاته عن تاريخ شبه الجزيرة العربية منذ ما قبل تفكك القارة العظمى “جندوانا” وحتى يومنا هذا؟
الموقع والإطار الجغرافي
يقع وادي غول، ومعه أخدوده الشهير، في الجزء الجنوبي من جبل شمس، أحد أبرز قمم سلسلة جبال الحجر الغربي التي تمتد موازية للساحل الشمالي الشرقي لعُمان. يرتفع جبل شمس نفسه إلى ما يقارب 3000 متر فوق مستوى سطح البحر حيث يصل ارتفاعه إلى ما يقرب من 3009 مترًا فوق مستوى سطح البحر، وهو ما يجعله أعلى قمة في الخليج العربي بأكمله، ويمنحه مناخًا فريدًا يختلف جذريًا عن بقية مناطق السلطنة الحارة، إذ تتساقط الثلوج أحيانًا على قمته في فصل الشتاء.
تنحدر سفوح جبل شمس من جهته الجنوبية لتشكّل ما يُعرف بـ”شرفة النخر” أو “بلكونة وادي غول”، وهي نقطة الإطلالة الأشهر التي يقصدها الزوّار للوقوف على حافة الهاوية ومشاهدة الأخدود من الأعلى. وتنتشر حول الأخدود وعلى أكتافه الصخرية مجموعة من القرى الجبلية القديمة، أبرزها قرية “غول” بشطريها القديم والحديث، وقرية “ساب بني خميس” المهجورة التي تقع على حافة الأخدود مباشرة، وقرية “الخطيم” التي تُعد نقطة انطلاق لأبرز المسارات الجبلية المؤدية إلى حافة الوادي.
يتراوح طول الوادي عبر مساره الكامل من الذروة قرب جبل شمس وحتى مصبّه عند سفوح الجبال على عشرات الكيلومترات، فيما يبلغ عمقه الرأسي في أعمق نقاطه أكثر من ألف متر، إذ يشير أحد التقارير الصحفية المتخصصة إلى أن وادي النخر من أعمق الأخاديد في شبه الجزيرة العربية، إذ يزيد عمقه على ألف متر في بعض المواضع، ولذلك يُطلق عليه في كثير من المؤلفات العلمية والسياحية اسم “أخدود عُمان العميق”، تشبيهًا له بأخدود نهر كولورادو في الولايات المتحدة. وتؤكد مصادر أخرى أن الجرف المطل على الوادي يبلغ ارتفاعه نحو 1000 متر فوق وادي غول، وهو رقم يعطي فكرة واضحة عن ضخامة هذا التشكّل الطبيعي حين يقف الزائر على حافته فيشعر وكأنه يطلّ من شرفة سماوية على عالم سحيق في الأسفل.
جبال الحجر: السياق التكتوني الأوسع
لفهم نشأة أخدود وادي غول، لا بد من التموضع أولًا داخل الإطار التكتوني الأكبر الذي يحكم جبال عُمان كلها، وهي جبال تُعد من أكثر المناطق الجيولوجية إثارة للدهشة على مستوى العالم من حيث وضوح وتكامل سجلّها الصخري. فبحسب الدراسات الجيولوجية التي بدأت منذ مطلع القرن العشرين وتعمّقت لاحقًا على يد باحثين متخصصين، تحتوي جبال عُمان على أحد أفضل القطاعات الصخرية المكشوفة في العالم لصخور “الأوفيوليت” (Ophiolite)، وهي بقايا قشرة المحيط القديم التي انزلقت فوق حافة القارة العربية في عملية تكتونية ضخمة وقعت قبل نحو 95 مليون سنة. يصف أحد الباحثين المتخصصين في جيولوجيا عُمان هذا المشهد بقوله إن جبال عمان تحتوي أفضل قطاع صخري منكشف وبارز في العالم لصخور الأوفيوليت، مضيفًا أن منظر هذه الجبال يذهل الزائر لأنه يشبه إلى حد كبير المناظر الطبيعية التي لا تُرى عادة إلا في أفلام الخيال العلمي.
غير أن وادي غول تحديدًا لا ينتمي إلى نطاق صخور الأوفيوليت البركانية، بل ينحفر بالكامل تقريبًا داخل سلسلة سميكة من الصخور الرسوبية الكربوناتية (الجيرية والدولوميتية) التي تشكّلت على هامش قارّي مستقر استمر تكوّنه لمئات الملايين من السنين قبل أن تجتاحه أحداث التصادم القاري التي شكّلت جبال عُمان الحديثة. وهذا بالضبط ما يمنح وادي غول قيمته الجيولوجية الفريدة: فهو ليس مجرد أخدود حفرته المياه في صخر عشوائي، بل هو مقطع طبيعي كامل يخترق رصيفًا قاريًا قديمًا بأكمله، كاشفًا تتابعًا صخريًا غير منقطع تقريبًا.
رحلة عبر 600 مليون سنة: قراءة الطبقات
ما يجعل وادي غول مختبرًا جيولوجيًا مفتوحًا هو إمكانية “قراءة” تاريخ الأرض ببساطة عبر السير من فم الوادي إلى أعماقه، إذ تتكشف الطبقات الصخرية بترتيب زمني عكسي: كلما اتجه الزائر نحو القاع، كلما تعمّق أكثر في الماضي السحيق. تصف إحدى الدراسات هذه الظاهرة بدقة، موضحة أن صخور هذا الأخدود بمثابة صفحات لكتاب يسرد قصة تكون الصخور الجيرية في عمان، فمن الأعلى للأسفل يمكن مشاهدة مختلف التكوينات الصخرية متتابعة ومليئة بالعديد من المستحدثات (أي الأحافير).
وبحسب المصدر نفسه، فإن هذه الرحلة الزمنية الصخرية تمتد عبر زمن جيولوجي هائل، إذ تكشف جنبات الوادي 600 مليون سنة من العمر الجيولوجي تعرضها جنبات هذا الوادي عبر رحلة تبدأ من فم الوادي حيث صخور العصر الكريتاسي (90 مليون سنة) إلى صخور العصر البروتيروزوي (أكثر من 600 مليون سنة) في نهاية الوادي. وتضيف الدراسة أن هذه الرحلة تتيح فرصة الاطلاع على واحدة من أقدم الصخور الرسوبية التي كوّنت الحزام الشرقي العربي، وذلك قبل تحطّم القارة العظمى (جندوانا) وقبل انفتاح بحر التيثيس.
هذا المعطى بالغ الأهمية علميًا، فهو يعني أن الصخور الموجودة في أعمق نقاط الوادي تعود إلى ما قبل تفكك القارة الجنوبية العملاقة “جندوانالاند” (Gondwanaland)، التي كانت تضم في تشكيلتها القديمة أجزاءً واسعة مما يُعرف اليوم بأفريقيا وأمريكا الجنوبية والهند وأستراليا وشبه الجزيرة العربية مجتمعة في كتلة قارية واحدة. كما يشير إلى أن هذه الصخور ترسّبت قبل انفتاح “بحر التيثيس” (Tethys Sea)، ذلك المحيط القديم الذي كان يفصل بين القارات الشمالية والجنوبية قبل أن يتقلّص تدريجيًا ليُخلّف وراءه في النهاية البحر الأبيض المتوسط الحالي كأحد بقاياه الصغيرة.
بعبارة أخرى، فإن من يقف على حافة وادي غول وينظر إلى أسفل، إنما ينظر فعليًا إلى مقطع زمني يمتد من عصر الكريتاسي (العصر الطباشيري، حين كانت الديناصورات لا تزال تجوب الأرض) وصولًا إلى صخور عمرها يفوق 600 مليون سنة، أي ما يسبق ظهور الحياة المعقدة على اليابسة بمراحل طويلة، ويعود إلى ما يُعرف بحقبة ما قبل الكمبري المتأخرة (Late Precambrian / Proterozoic).
الحجر الجيري: المادة الأساسية للأخدود
العنصر الصخري المهيمن على معظم جدران وادي غول هو الحجر الجيري (الكلسي)، وهو صخر رسوبي يتكوّن أساسًا من ترسّب كربونات الكالسيوم في بيئات بحرية ضحلة دافئة، غالبًا عبر تراكم الهياكل الكلسية لكائنات بحرية كالشعاب المرجانية والمحاريات والطحالب الكلسية على مدى ملايين السنين. ويوضح أحد المسؤولين في قطاع التنمية السياحية أن وادي غول تشكّل بفعل قوة المياه المخترقة للحجر الجيري الرمادي والتي كوّنت جبال الحجر، مشيرًا إلى أن المتعة الحقيقية في هذا الموقع تكمن في ملامسة ومشاهدة الصخور ذات الملمس الزجاجي، مما يدل على ضغط المياه الكبير الذي يتخلل هذا الوادي.
هذا الملمس “الزجاجي” الذي يصفه الباحثون ليس أمرًا عرضيًا، بل هو دليل جيولوجي على عمليات “إعادة التبلور” (Recrystallization) التي يخضع لها الحجر الجيري حين يتعرّض لضغوط مائية وحرارية مستمرة عبر أزمنة جيولوجية طويلة، إذ تتحول البلورات الكلسية الدقيقة الأصلية إلى بلورات أكبر وأكثر صفاءً، فتمنح سطح الصخر لمعانًا شبه زجاجي يمكن ملاحظته بوضوح عند الاقتراب من الجدران الصخرية في عمق الوادي.
آلية النحت: كيف صنعت المياه هذا الأخدود؟
السؤال الجوهري الذي يطرحه أي زائر لوادي غول هو: كيف أمكن لقوة طبيعية أن تنحت شقًّا بهذا العمق والاتساع في كتلة صخرية صلبة كهذه؟ الإجابة تكمن في تضافر عدة عوامل جيولوجية ومناخية عبر أزمنة سحيقة.
العامل الأول هو التعرية المائية (Fluvial Erosion)، إذ تشير المصادر المتخصصة بوضوح إلى أن المياه الجارية هي القوة الأساسية التي شكّلت هذا الأخدود، فقد تشكل وادي غول بسبب قوة المياه التي اخترقت الأحجار الجيرية الرمادية، وبالتالي استطاعت أن تكوّن جبال الحجر. ورغم أن منطقة عُمان تُصنَّف اليوم ضمن المناطق الجافة وشبه الجافة، فإن التاريخ المناخي لشبه الجزيرة العربية شهد عصورًا رطبة متعاقبة عبر ملايين السنين، خاصة خلال فترات معروفة جيولوجيًا بـ”العصور المطيرة الأفريقية” (African Humid Periods) وفترات أخرى أقدم، حين كانت كميات الأمطار أكبر بكثير مما هي عليه الآن، مما سمح للمجاري المائية بحفر هذه الأخاديد العميقة بمرور الوقت.
العامل الثاني هو طبيعة الصخر الجيري نفسه وقابليته للتعرية الكيميائية، إذ يخضع الحجر الجيري لعملية تُعرف بـ”الكارستية” (Karstification)، وهي ذوبان الصخر الكلسي تدريجيًا بفعل المياه الحمضية الناتجة عن تفاعل ثاني أكسيد الكربون الجوي مع مياه الأمطار، فتتكوّن أحماض كربونية ضعيفة قادرة على إذابة كربونات الكالسيوم على مدى زمني طويل. هذه الظاهرة لا تقتصر فقط على نحت الأخاديد السطحية، بل تنتج أيضًا تجاويف وكهوفًا تحت سطحية، وهو ما يفسّر وجود ظواهر كارستية أخرى في محيط جبال الحجر مثل الحُفر العميقة والكهوف الكبرى المعروفة في مناطق قريبة.
العامل الثالث هو الرفع التكتوني (Tectonic Uplift)، إذ إن جبال عُمان بأكملها، بما فيها جبل شمس وحزامه الصخري، خضعت لعمليات رفع تكتوني هائلة نتيجة اصطدام الصفيحة العربية بالصفيحة الأوراسية، وهي العملية ذاتها التي لا تزال مستمرة حتى اليوم وتتسبب في النشاط الزلزالي في المنطقة بدرجات متفاوتة. هذا الرفع المستمر يعني أن المجاري المائية، حتى لو ظلّت بمعدل تدفق ثابت نسبيًا، استمرت في “ملاحقة” الانخفاض القاعدي بينما كانت الأرض ترتفع من تحتها، وهو ما يُعرف جيولوجيًا بظاهرة “التعمّق المتزامن مع الرفع” (Antecedent Drainage)، وهي آلية مشابهة تمامًا لتلك التي شكّلت أخدود كولورادو الكبير في أمريكا الشمالية، وإن اختلفت التفاصيل الزمنية والصخرية بين الموقعين.
نتيجة تضافر هذه العوامل الثلاثة عبر ملايين السنين، تشكّل هذا الشق العميق الذي يكشف اليوم عن مقطع صخري شبه متكامل، يتيح للزائر والباحث على حد سواء فرصة نادرة لرؤية “أعماق” الأرض دون الحاجة إلى الحفر، إذ تقوم الطبيعة بهذه المهمة نيابة عنّا.
الأحافير: شواهد الحياة البحرية القديمة
من أبرز ما يميّز التكوينات الصخرية المحيطة بمنطقة جبال الحجر عمومًا، ووادي غول ضمنها، وجود أحافير بحرية متنوعة محفوظة داخل طبقات الحجر الجيري، وهي شواهد مباشرة على أن هذه المنطقة، التي تبدو اليوم جبالًا قاحلة شاهقة، كانت يومًا ما قاع بحر دافئ ضحل. ويشير أحد التقارير إلى أن وادي بني عوف المجاور، الذي يشترك مع وادي غول في التكوين الجيولوجي العام، يتميّز بالحجر الجيري الطاغي حيث يمكن مشاهدة بعض الأحافير الساكنة في الصخور التي ترجع إلى العصر الطباشيري.
وتمتد هذه الظاهرة عبر منطقة جبال الحجر بأكملها، حيث يظهر الحجر الجيري الأبيض في مناطق أخرى قريبة على جانبي وادي الخوض جنوب شارع مسقط السريع، وقد تشكّل هذا التكوين في قاع البحر عندما كانت هذه المنطقة غنية بالحياة البحرية. وتشمل الأحافير المكتشفة في هذه التكوينات بقايا كائنات بحرية متنوعة تشهد على بيئة بحرية استوائية أو شبه استوائية سادت المنطقة لملايين السنين قبل أن ترتفع الأرض وتتحول إلى السلاسل الجبلية الحالية.
وفي سياق متصل بتاريخ الحياة في هذه المنطقة، تجدر الإشارة إلى اكتشافات أحفورية أخرى في مناطق قريبة من جبال الحجر، إذ اكتُشفت في وادي الخوض القريب من مسقط بقايا متحجرة تعود لكائنات ما قبل التاريخ. ويذكر أحد الباحثين أنه برفقة زميل له في عام 1982، عثر داخل صخور سائبة في وادي الخوض على عظام متحجرة أُرسلت إلى متحف التاريخ الطبيعي بلندن، حيث كانت مفاجأة للمختصين حين أوضحت التحاليل أن تلك العظام عبارة عن بقايا متحجرات لسلاحف وتماسيح ما قبل التاريخ والتي عاشت قديمًا في منطقة الخوض. كما أُشير إلى اكتشاف لاحق في عام 1987 لعظم ديناصور يعود تاريخه إلى نحو 65 مليون سنة، وهو ما يشير إلى أن عمان كانت مغطاة في ذلك الوقت بغطاء نباتي كثيف، إذ لا بد من وجوده لأنه المصدر الرئيسي لغذاء الديناصورات.
هذه الاكتشافات، وإن كانت في وديان مجاورة لوادي غول وليس داخله مباشرة، تساهم في رسم صورة أوسع للتاريخ البيئي لمنطقة جبال الحجر بأكملها، وتؤكد أن هذه المنطقة الجبلية القاحلة اليوم شهدت عبر تاريخها الجيولوجي تحولات بيئية ومناخية جذرية، من قاع بحري غني بالحياة، إلى يابسة عشبية تعيش عليها الديناصورات، وصولًا إلى مناخها الجاف الحالي.
فوهة وادي نحز وقرى الجبل: العمران فوق الزمن الجيولوجي
لا يقتصر سحر وادي غول على بُعده الجيولوجي البحت، بل يمتد إلى العلاقة الفريدة التي نسجها الإنسان العُماني عبر القرون مع هذه التضاريس القاسية، إذ استوطن السكان حواف الأخدود وشُرفاته الصخرية منذ زمن بعيد، وبنوا قراهم على نتوءات الجبل الشاهقة في تكيّف معماري لافت مع البيئة المحيطة. تصف إحدى الدراسات هذا المشهد بقولها: في كنف الأخدود وعلى خيطانه الشاهقة قام العمانيون ببناء بيوتهم، إذ يمكن رؤية قرية (ساب الخمامسة) المكونة من أحد عشر بيتًا صغيرًا بنيت على خيطان الجبل العالية.
وتضيف الدراسة وصفًا لمدخل الوادي قائلة إنه على فوهة وادي نحز يمكن رؤية قرى وادي غول، فعلى يمين الوادي تقع قرية غول الحديثة، أما على الجانب الأيسر فتقع قريتا غول الأثريتان، مشيرة إلى أن من الصعب تمييز البيوت نظرًا لاندغام ألوان البيوت بحجارة السفح الذي بُنيت عليه. هذا الاندغام اللوني بين العمارة التقليدية والصخر الجبلي ليس محض مصادفة جمالية، بل هو نتيجة استخدام السكان القدامى للمادة الصخرية المحلية ذاتها في البناء، وهي ممارسة معمارية شائعة في الجبال العُمانية تمنح القرى طابعًا يكاد يندمج كليًا مع التضاريس الطبيعية.
ومن أبرز هذه المواقع التاريخية أيضًا “حصن وادي غول”، الواقع في ولاية الحمراء، والذي يحظى بأهمية أثرية استثنائية بسبب كثرة النقوش الصخرية المحفورة على واجهاته، إذ يؤكد أحد الباحثين المتخصصين في التراث أن هذا الحصن يتميّز عن غيره من الحصون بكثرة النقوش في صخوره ليصبح بمثابة منطقة أثرية لها أهمية تاريخية عريقة، تحتوي على أكثر من 60 نقشًا صخريًا. ويعود تاريخ هذه النقوش، بحسب الدراسات الأثرية، إلى ما قبل الألف الثالث قبل الميلاد، وقد استمر استخدام الموقع للنقش حتى الفترة الإسلامية المتأخرة.
وقد دُرس هذا الحصن من قبل باحثين أجانب ومحليين على حد سواء، إذ أشار أحد التقارير إلى أن الباحث الجغرافي “شولتز” (Scholtz) قام في عام 1991 بدراسة الحصن ضمن تصنيف المنطقة الأثرية في وادي غول. وتُظهر العمارة الدفاعية للحصن مهارة هندسية لافتة تتكيّف مع طبيعة الموقع الجبلي الوعر، إذ زُوّد الحصن بنظام ري ذكي يعتمد على الأفلاج التقليدية، فقد تم بناء قناة يمر من خلالها فلج وادي غول ملاصقة للصخور الجبلية لتزويد الحصن بالمياه، وهو نموذج هندسي يعكس فهمًا عميقًا للسكان القدامى لتضاريس المنطقة الجيولوجية واستثمارها بذكاء لتأمين مصادر المياه في بيئة جبلية شحيحة الموارد.
المسارات الجبلية: التجربة المعاصرة للأخدود
تحوّل وادي غول في العقود الأخيرة إلى وجهة سياحية ومغامراتية بارزة، إذ تنتشر حول حافته شبكة من المسارات الجبلية التي تتيح للزوّار اختبار هذا المشهد الجيولوجي عن قرب. ويُعد مسار “الشرفة” أو ما يُعرف رمزيًا بمسار W6 الأشهر بين هذه المسارات، إذ يأخذ المتنزّهين في رحلة تمتد على طول حافة الأخدود مباشرة، بدءًا من قرية الخطيم الواقعة عند نهاية الطريق الجبلي المؤدي إلى جبل شمس. ويصف أحد الأدلاء السياحية هذا المسار بأنه يبدأ عبر حافة جراند كانيون بدءًا من قرية الخطيم التي تقع في نهاية طريق جبل شمس على حافة الوادي، مرورًا بإطلالات خلابة على الوادي والقرى المحيطة، وصولًا إلى قرية “ساب بني خميس” الأثرية المهجورة التي تضم بقايا حدائق وأبراج ومنازل مدرّجة قديمة.
إلى جانب هذا المسار، توجد طرق أخرى أكثر تحديًا، منها مسار ينحدر من قرية الخطيم نزولًا إلى قاع الوادي نفسه، إذ يُوصف بأنه يتميّز بشدة انحدارها مع وجود إطلالات رائعة على ناخور وأغوار الغول، بالإضافة إلى مرور الزائر بعدد من الأبراج الحجرية القديمة التي كانت تُستخدم كنقاط مراقبة من قبل سكان المنطقة عبر التاريخ. أما المسار الثالث فهو الأكثر مشقة وارتفاعًا، إذ يصعد بشكل حاد عبر الهضبة الجبلية وصولًا إلى قمة جبل شمس نفسها، وهو مسار موجّه أساسًا لهواة تسلق الجبال ذوي اللياقة البدنية العالية.
ولا يقتصر جذب الوادي على المتنزّهين والمتسلقين فحسب، بل يمتد إلى هواة التخييم والتصوير الليلي، إذ يوفر الموقع، بفضل ارتفاعه الشاهق وبعده عن مصادر التلوث الضوئي، ظروفًا مثالية لرصد السماء الليلية ومشاهدة النجوم بوضوح نادر، وهو ما جعل جبل شمس عمومًا يُحسب من أبرز مواقع السياحة الفلكية في شبه الجزيرة العربية.
هوّة جبل شمس: ظاهرة كارستية إضافية
بالقرب من قمة جبل شمس، وفي سياق متصل بالنظام الكارستي الذي يحكم منطقة الحجر الجيري بأكملها، توجد ظاهرة جيولوجية أخرى مثيرة، وهي هوّة عميقة تنفتح كثقب رأسي في قلب الصخر. يصف أحد التقارير هذه الهوّة بأنها مقطع عميق في قلب الصخر يمكن أن يطل عليه السائح من أعلى المنطقة التي تشرف رأسيًا على موقع الهوة، حيث تظهر أسفل هذه المنطقة مقاطع من الصخور التي صاغتها عوامل التعرية في أشكال مختلفة وعلى عمق سحيق جدًا. وتُعد هذه الهوّة، إلى جانب أخدود وادي غول الرئيسي، شاهدًا إضافيًا على قوة عمليات الذوبان الكارستي التي شكّلت تضاريس هذه المنطقة الجبلية بأكملها عبر أزمنة جيولوجية طويلة، إذ تتشابه آلية تكوّنها مع آلية تكوّن الكهوف الكبرى المنتشرة في تضاريس الحجر الجيري حول العالم، حين ينهار سقف تجويف تحت سطحي كبير ليُخلّف فجوة عمودية عميقة على السطح.
وادي غول ضمن السياحة الجيولوجية العُمانية
لم يَفُت المسؤولين والباحثين في القطاع السياحي العُماني إدراك القيمة الفريدة لهذا الموقع، إذ أصبح وادي غول أحد أبرز محاور مشاريع السياحة الجيولوجية في السلطنة. وقد أوضح أحد مسؤولي تطوير المنتج السياحي في وزارة السياحة العُمانية أن السلطنة تزخر بسياحةٍ جيولوجية مميزة، وطبيعةٍ بيئية أصيلة، تجعل منها قِبلةً فريدة للراغبين في استكشاف الطبيعة الجيولوجية العُمانية، مشيرًا إلى أن الوزارة أطلقت مشروع “المرشد الآلي للمسارات الجيولوجية” الذي يستهدف تعريف الزوار بأبرز ثلاثين موقعًا جيولوجيًا في السلطنة، يأتي وادي غول في طليعتها.
كما صدر كتاب توثيقي بعنوان “روائع عُمان الجيولوجية”، أعدّه فريق من المصورين والجيولوجيين العُمانيين، صنّف وادي غول ضمن قسم خاص أسماه “الجيولوجيا المهيبة”، إلى جانب مواقع جيولوجية بارزة أخرى مثل جبال مسندم ووادي بني عوف ووادي السحتن، إذ يشمل هذا القسم جبال مسندم، هوية نجم، وادي مستل، وادي بني عوف، وادي السحتن، جبل مشط، أخدود عُمان العظيم، وادي المعيدن، رأس الجنز، رأس مركز. ويستشهد الكتاب بأقوال خبير جيولوجي متخصص في جيولوجيا السلطنة، أكّد أن المناظر الطبيعية القاحلة وجيولوجية عُمان المذهلة طالما ألهمت زائريها، موضحًا أن معظم المعلومات الجيولوجية المتوفرة عن السلطنة جُمعت أساسًا من خلال عمليات البحث عن النفط والكشف عن صخور القيعان المحيطية التي تكوّن أوفيوليت سمائل وترسبات الحواسنة.
القيمة العلمية: لماذا يهتم الجيولوجيون بهذا الموقع؟
يحظى أخدود وادي غول باهتمام علمي يتجاوز بكثير قيمته السياحية البصرية، إذ يُشكّل سجلًّا طبقيًا (Stratigraphic Record) نادر الاكتمال لتطور هامش القارة العربية عبر مئات الملايين من السنين. فالتتابع الصخري المكشوف هنا، الممتد من صخور ما قبل الكمبري في القاع إلى صخور الكريتاسي قرب السطح، يتيح للباحثين دراسة التغيرات البيئية والمناخية والتكتونية التي مرّت بها هذه البقعة من الأرض دون الحاجة لحفر آبار استكشافية عميقة، إذ تقوم الطبيعة بكشف هذا “العمود الطبقي” مجانًا أمام أعين الباحثين.
هذا النوع من الكشف الطبيعي الكامل نادر نسبيًا على مستوى العالم، إذ تتطلب دراسة تتابعات صخرية بهذا العمق الزمني عادة الاعتماد على بيانات الآبار النفطية أو المسوحات الزلزالية تحت سطح الأرض، بينما يتيح وادي غول للجيولوجي الوقوف فعليًا أمام الصخر ولمسه ودراسة تفاصيله البنيوية والمعدنية والأحفورية مباشرة. وقد لعبت هذه الخاصية دورًا مهمًا تاريخيًا في تطوير الفهم العلمي لجيولوجيا شبه الجزيرة العربية بأكملها، خصوصًا في سياق صناعة النفط التي اعتمدت بشكل كبير على دراسة التكوينات الكربوناتية المماثلة الموجودة في الأعماق تحت سطح الأرض في حقول النفط الخليجية، والتي تتطابق في كثير من خصائصها مع ما هو مكشوف على السطح في وادي غول وما جاوره.
خاتمة: شاهد حيّ على عمر الأرض
يظل أخدود وادي غول أكثر من مجرد منظر طبيعي خلّاب يستحق صورة فوتوغرافية، إنه نافذة مفتوحة على عمق الزمن الجيولوجي ذاته. حين يقف الزائر على حافة “شرفة النخر” وينظر إلى الأسفل، فهو لا يرى مجرد هوّة صخرية مهيبة، بل يرى أمامه فعليًا أكثر من 600 مليون سنة من تاريخ الأرض مرصوفة طبقة فوق طبقة، بدءًا من قاع بحري قديم سبق وجود الديناصورات بمراحل طويلة، مرورًا بعصور كانت فيها هذه المنطقة جزءًا من قارة عملاقة موحدة، ووصولًا إلى الحاضر الذي تنحت فيه المياه والرياح هذا المشهد ببطء شديد ومستمر.
وبين هذا العمق الجيولوجي السحيق والوجود الإنساني الذي استوطن حواف الأخدود منذ آلاف السنين، تاركًا نقوشه على الصخر وبيوته على الخيطان الشاهقة، يقدّم وادي غول مثالًا نادرًا على التقاء التاريخ الطبيعي بالتاريخ الإنساني في موقع واحد، ليصبح بحق واحدًا من أكثر الكنوز الجيولوجية إثارة للدهشة، لا في عُمان وحدها، بل في الشرق الأوسط بأسره.