مدن وبلدات

اسباب تسمية قرى ومناطق ولاية ازكي بهذه الاسماء

اسباب تسمية قرى ومناطق ولاية ازكي بهذه الاسماء

مقدمة: نبض الطين وذاكرة الحجر في إزكي

تتداخل الجغرافيا بالتاريخ في سلطنة عمان لتصنع مزيجاً فريداً من الحكايات التي ترويها أسماء الأماكن والقرى والمحلات. ولاية إزكي، الرابضة في قلب العراقة والشموخ، تمثل نموذجاً حياً لكيفية تحول المفردة اللغوية إلى مرآة تعكس طبيعة الأرض، أو ثقافة المجتمع، أو عبق الحوادث التاريخية التي مرت بها المنطقة. إن البحث في أصول تسميات قرى ومناطق إزكي ليس مجرد ترف لغوي، بل هو غوص عميق في الوجدان العماني، واستنطاق للأرض التي نبتت فيها هذه الأسماء بناءً على تضاريس متميزة، أو نباتات برية جادت بها الطبيعة، أو سمات أخلاقية واجتماعية اتصف بها أهلها عبر العصور.

تتميز تسميات إزكي بتنوعها الباهر؛ فمنها ما يستند إلى فصاحة المعنى اللغوي القرآني، ومنها ما يرتبط بالبيئة النباتية والمائية، والبعض الآخر يعود إلى تشكيلات جبلية وتضاريسية فرضت حضورها على واضعي اللبنات الأولى لهذه الحواضر. في هذه المقالة المطولة، نستعرض دلالات وأسرار هذه التسميات بأسلوب يبعث الحياة في الكلمات، ويبرز القيمة التراثية والتاريخية لكل شبر من هذه الولاية العريقة.

دلالة الاسم الرمز: ولاية إزكي

البداية لا بد أن تكون من الاسم الجامع للولاية؛ إزكي. عند تتبع هذا اللفظ في لغة العرب، نجد أنه يدور في فلك النماء، الطهارة، والخير الوفير. فالزكاة هي تطهير للمال وزيادة فيه، والزرع الزكي هو الذي نما وطاب وثمر. وفي ثنايا التوجيه القرآني يبرز اللفظ ليدل على الطيب والبركة والرزق الحسن.

لذا، فإن إطلاق هذا الاسم على الولاية يأتلف تماماً مع طبيعتها كأرض معطاء جادت بالخيرات والمحاصيل، وتميزت بخصوبة تربتها ووفرة مياهها، مما جعلها بقعة يزكو فيها الشجر والثمر، ويفيض أهلها بالجود والكرم. إنه اسم يحمل في طياته بركة الأرض وطهارة السيرة.

الطبيعة النباتية وأثرها في التسمية

أثرت الحياة الفطرية والنباتية بشكل مباشر على الذاكرة الجغرافية لإزكي، حيث سُميت حواضر عديدة نسبة إلى ما ينبت في أراضيها من شجر وعشب:

الحميضيين والحميضة

يرتبط اسما الحميضيين والحميضة ارتباطاً وثيقاً بنبات “الحماض” البري. والحماض عشب ينتمي إلى فصيلة البطباطيات، ويتميز بورقه المشابه للهندباء وحموضة طعمه. تطلق كلمة “الحميضة” أو “المحمض” في اللسان العربي على الأرض التي تكثر فيها هذه الشجيرات، ونظراً لانتشار هذا النبات وصعوبة مسالك المنطقة تاريخياً أو قوتها في مواجهة العادين، خلدت الذاكرة الشعبية المكان بهذا الاسم الذي يجمع بين الوصف النباتي والصلابة الطبيعية.

وادي المابي

تتجسد الخصوصية المحلية في تسمية وادي المابي؛ إذ يشير اللفظ في العرف المحلي السائد بين سكان القرية إلى ثمرة شجر “الغاف” الشهير. وبسبب الكثافة الملحوظة لأشجار الغاف العتيقة في جنبات هذا الوادي وانتفاع الناس بظلها وثمارها، ارتبط اسم الوادي بهذه الدلالة النباتية الصرفة.

مَقْزَح

أما قرية مقزح، فإن اسمها مشتق من فعل “تقزح” الذي يُقال للنبات أو الشجر عندما يتشعب بكثرة وتتعدد فروعه وأغصانه. والمنطقة عُرفت بوفرة نباتاتها وتداخل أشجارها، مما جعل هذا التعدد والتشعب السمة الأبرز للمكان. وعلى الرغم من وجود تفاسير لغوية أخرى تدور حول الزينة والتحسين، إلا أن غلبة الطبيعة الخضراء المتشعبة تظل هي التفسير الأكثر التصاقاً بجغرافية القرية.

قَضْبات

تأتي قرية قضبات من مادة “القضب”، وهو ما قُطع من أغصان الشجر وطالت فروعه، ويُطلق كذلك على نوع من النباتات الرطبة التي تُجنى مراراً. اشتُهرت هذه المنطقة قديماً بكونها منبتاً خصباً للأشجار الطويلة التي تُقطع منها القُضبان، فصارت السمة الغالبة على الموضع وتناقلتها الأجيال بهذا المسمى الدال على الحيوية والنماء النباتي.

الملامح التضاريسية والجغرافية

لعبت الجبال، والأودية، والمرتفعات، والمنخفضات الدور الأكبر في تشكيل الهوية البصرية لأسماء القرى في إزكي، حيث تحول الشكل الجغرافي إلى عنوان دائم:

الخرماء

تُعرف الخرماء في اللغة بأنها رابية أو تلة تنحدر لتهبط في وهدة أو منخفض من الأرض، كما تحمل دلالة الانشقاق. أُطلق هذا الاسم على المنطقة تعبيراً عن طبيعتها التضاريسية المتمثلة في التلال المرتفعة التي تجاورها فجوات منخفضة، وهو مسمى عريق ورد ذكره حتى في عيون الشعر العربي القديم ليدل على مواضع جغرافية مشابهة.

الظاهر

من التضاريس المرتفعة نصل إلى قرية الظاهر، والاسم مشتق من البروز والظهور بعد الخفاء. تُطلق “ظاهرة الجبل” على أعاليه وأجزائه البارزة المشرفة على ما حولها. وبما أن هذه المنطقة تقع في مكان مرتفع ومشرِف على أعالي الأودية، فقد جاءت تسميتها بالظاهر لتعبّر عن هذا العلو والوضوح الجغرافي.

الطَّوْق

تتخذ قرية الطوق اسماً هندسياً طبيعياً؛ فالطوق هو كل ما استدار وأحاط بشيء كالعقد في العنق. وسُميت المنطقة بذلك لأن التشكيلات الجبلية المحيطة بها تحصرها من مختلف الجهات، فتبدو البيوت والمزارع وكأنها مطوقة بسوار طبيعي من الجبال المنيعة.

الدُّوح

كلمة الدوح تعني الشجرة العظيمة المتسعة ذات الفروع الممتدة، وتُطلق كذلك على المنطقة الواسعة والمنبسطة. ومن هنا اكتسبت منطقة الدوح اسمها، فهي أرض ممتدة، منبسطة، وواسعة، تمنح الناظر إليها شعوراً بالانفتاح والفسحة الجغرافية.

طَوي العَقَبَة

يتألف اسم طوي العقبة من جزأين؛ “الطوي” وهو البئر المطوية المبنية بانتظام، و”العقبة” وهي المرقى الصعب أو الطريق المرتفع في الجبل. يعود المسمى إلى وجود بئر ماء تقع عند أسفل أو أعلى مسلك جبلي مرتفع، مما جعل الجغرافيا الوعرة مقترنة بوجود شريان الحياة المتمثل في البئر.

عذوبة المياه وسحر السيول

الماء هو سر الاستقرار البشري في عمان، وقرى إزكي ارتبطت بالماء عذوبة وجرياناً وحفراً:

الحُلَيْو

تحمل قرية الحُلَيو اسماً لطيفاً هو تصغير لكلمة “الحلو”. وجاءت هذه التسمية العذبة مباشرة من جودة ومذاق مياه أفلاجها وآبارها. ففي بيئة صحراوية أو شبه جافة، يمثل العثور على ماء عذب سائغ للشراب حدثاً يستحق التخليد، فصارت القرية تُعرف بعذوبة مياهها التي تشبه الماء الحلو المطاب.

السَّيَّاحي

تأتي تسمية السيّاحي من “السيح”، وهو الماء الجاري الظاهر على وجه الأرض، كما تشير إلى الساحات الواسعة والفضاءات المنبسطة التي لا بناء فيها. سُميت المنطقة بذلك نظراً لتدفق السيول والمياه الجارية عبر ساحاتها الفسيحة بكثرة، مما جعل مرأى الماء السائح سمة ملازمة للمكان.

الرَّسَيْس

قرية الرسيس هي تصغير لكلمة “الرس”، والرس في لغة العرب هو البئر القديمة، أو بداية حفر البئر واستخراج مائه السطحي. تشير التسمية إلى آبار المياه السطحية القديمة التي كانت تروي المنطقة قديماً، فجاء اسم المصغر ليضفي مسحة من القرب والارتباط بهذه الموارد المائية الحيوية.

العُوَيْنَة

على غرار الرسيس، فإن العوينة هي تصغير لكلمة “العين”، والمقصود بها هنا عين الماء السائرة أو ينبوع الماء الذي ينبثق من باطن الأرض. وسُمي الموضع عوينة دلالة على تدفق عيون الماء وانبجاسها بشكل مستمر مما يروي عطش الأرض والساكنين.

الغَلِيل

ترتبط قرية الغليل بجريان المياه اللطيفة؛ فالغليل والغلال هو الماء الذي يجري ويتسلل برفق بين جذوع الأشجار وكثبان الرمال، أو هو عرق الشجر الممتد في رطوبة الأرض. نظراً لكثافة البساتين وتغلغل قنوات المياه والأفلاج بين أشجارها، أُطلق عليها هذا الاسم العاكس لجمال الطبيعة المائية والشجرية.

الملامح البشرية، السير، والتاريخ

لم تغب السيرة الإنسانية والقبائلية والوقائع التاريخية عن قاموس أسماء قرى ولاية إزكي، بل كانت حاضرة بقوة لتسجيل تاريخ الاستقرار:

السُّلَيْمي

تُنسب قرية السليمي تاريخياً وبحسب العرف السائد إلى أوائل من استوطنوا المكان وأسسوا بنيانه، وهي نسبة إلى اسم عَلَم مشتق من السلامة والتصالح (سُليم أو السليمي). وهو اسم يحمل دلالات التوافق والرضا التي ميزت ساكنيها منذ القِدم.

النِّزَار

تعود تسمية النزار إلى جذور عدنانية عريقة، حيث يُشير اللفظ لغوياً إلى الشيء القليل النادر، ولكنه في سياق المكان يرتبط بالجد الأعلى لبعض القبائل الشمالية في الجزيرة العربية (نزار بن معد بن عدنان). سُميت المنطقة بهذا الاسم نظراً لنزول واستقرار القبائل التي تنتمي إلى هذا الفرع العشائري فيها، فغدا الاسم علماً على الموضع.

اليَمَن

في مقابل النزار، نجد قرية اليمن، والاسم مستمد مباشرة من جغرافيا جنوب الجزيرة العربية وحواضرها العريقة. وسُميت القرية بهذا الاسم نظراً لاستقرار القبائل اليمانية (القحطانية) فيها منذ عصور الهجرات العربية القديمة، وينطقها الأهالي محلياً بأسلوبهم الخاص بإهمال الألف لخفتها، لتظل القرية شاهداً على التنوع القبلي والتاريخي.

قَرْن قِطَار وقَلْعَة العَوَامِر

تجمع تسمية قرن قطار بين الطبيعة والتاريخ؛ فالقرن هو الأكمة أو التلة الصغيرة، والقطار يشير إلى تتابع الشيء كقطار الإبل أو قطرات المطر المتتابعة. والقرية تُمثل مركزاً تاريخياً لتجمع قبيلة العوامر، وتظهر في وسطها تلك التلة المرتفعة التي تلوح للناظر وكأنها حصن طبيعي. وفي السياق ذاته، تأتي قلعة العوامر لتؤكد هذا الوجود العشائري المنيع، حيث تعود التسمية إلى الحصن أو القلعة المقتطعة والمبنية في ذلك الموضع لحماية الديار وتأمينها.

القيم الاجتماعية والأخلاقية

امتازت بعض التسميات بكونها تعبيراً عن حالة معنوية، أو صفة أخلاقية، أو دعاء بالبركة والخير يتقرب به الناس إلى الله:

الطَّيِّبِي

تحمل قرية الطيّبي معنى الطيبة والبركة؛ فالطيب هو نقيض الخبيث، ويُقال أرض طيبة أي آمنة، كثيرة الخير، وصالحة للنماء. التسمية تجسد دعاءً مستمراً وثقة بخصوبة الأرض وبركة العيش فيها، وتوافقاً مع الوصف القرآني للبلدة الطيبة المعطاء.

المُؤْنِسِي

تأتي قرية المؤنسي من الأنس والألفة والسكينة، وهو الموضع الذي تذهب فيه الوحشة ويطمئن فيه الخاطر. سُميت المنطقة بذلك لتوافر أسباب الراحة والاستقرار النفسي فيها، فكانت مقصداً يأنس به المسافر والمقيم، وتغشاها روح الطمأنينة المجتمعية.

المُصَفِّيا

يُشتق اسم المصفّيا من الصفاء والنقاء؛ وصفت الأجواء إذا خلت من الغيم والكدر، وتصافى القوم إذا أخلصوا الود لبعضهم بعضاً. تعود تسمية هذه القرية إلى نقاء هوائها وصفائه، وإلى العلاقات الإنسانية الراقية القائمة على المودة والصفاء بين أهلها وجيرانهم.

المُغِيث والمَعْرِفَة

يرتبط اسم المغيث بالإغاثة والنجدة ونزول الغيث المبارك الذي ينقذ الأرض من المحل ويغيث الملهوف في الشدائد. أما المعرفة، فتشير إلى الاهتداء والعلم، ولعل الموضع كان علامة بارزة يهتدي بها السائرون في طرقات الجبال والأودية الوعرة، فصار رمزاً للمعرف والاهتداء.

الأنشطة الاقتصادية والحياة اليومية

لم تكن التجارة والحرف اليومية بعيدة عن صياغة الأسماء؛ فالأسواق وحركة البيع والشراء تركت بصماتها على الخارطة:

السُّوق القَدِيم

يُعد السوق القديم تسمية جغرافية وتاريخية مباشرة تعبر عن وظيفة المكان الاقتصادي؛ فالسوق هو موضع جلب البضائع والأمتعة وتداول المبيعات. وبسبب قِدم هذه المنطقة واحتضانها لواحد من أقدم المراكز التجارية في الولاية منذ أزمان بعيدة، ظلت محتفظة بهذا الاسم الدال على عراقتها التجارية وحركتها الاقتصادية النشطة.

حَارَة رَحَى

تُشير تسمية حارة رحى إلى حارة متضامة البيوت، وارتباطها بلفظ “الرحى” يعود تاريخياً إلى وجود الطاحونة أو الأداة التي تُطحن بها الحبوب. وثمة تفسير محلي يشير إلى أن التسمية مشتقة من اسم الفلج الذي يسقي المنطقة (ساعد الرحى)، ومن ثم عُمم الاسم ليشمل الحارة بأكملها تعبيراً عن الدوران المستمر والإنتاج الوفير.

القرى ذات الدلالات المزدوجة والغامضة

تحتوي ولاية إزكي على قرى تحمل أسماءً تفتح آفاقاً متعددة للتأويل اللغوي، وتجمع بين أكثر من دلالة تزيدها سحراً وغموضاً:

العَاقِل

كلمة العاقل تحمل وجوهاً عدة؛ ففي لسان العرب، العاقل هو الجبل نفسه المتحصن المنيع الذي يمنع بحصانته، وتُطلق كذلك على الأودية الملتوية التي تعقل الماء أو تحبسه. ونظراً لأن المنطقة تجاور وادياً رئيسياً وتحيط بها تضاريس وعرة صعبة الاختراق، فقد نالت هذا الاسم الذي يجمع بين صفة المنعة الجبلية والقدرة على الاحتفاظ بالماء.

العَلَم والعَلِيم

تتعدد دلالات اسم العلم؛ فهو الراية، وهو العلامة المرتفعة البارزة التي تُنصب في الفلوات لتهدي الضالين. وسُميت القرية بذلك لارتفاعها وبروزها البصري الواضح. أما العليم، فهو اسم جليل من أسماء الله الحسنى، ويأتي في التسمية المحلية تعظيماً وبحثاً عن البركة، أو إشارة إلى معالم واضحة مميزة عُلمت وعُرِفت بدقة.

القَرْيَتَيْن

تأتي تسمية الريتين (أو القريتين) من التثنية المباشرة للقرية، والقرية هي المصر الجامع والضيعة المأهولة بالسكان. يعود السبب المباشر للتسمية إلى طبيعة المنطقة الجغرافية والسكانية التي تتألف من تجمعين سكنيين متجاورين أو قريتين متقاربتين اندمجتا في سياق مكاني واحد فغلب عليهما لفظ التثنية.

الدُّخَّة

تُعد تسمية الدخة من الأسماء الملفتة؛ والدخ في اللغة يرتبط بالدخان المتصاعد. وهناك بعد لغوي آخر يشير إلى صفة السرعة والتقارب في الخطو (دخدخ الرجل إذا أسرع). ولعل طبيعة أرض القرية السهلة اللينة ذات الرمال كانت تتيح للمارين قطعها بسرعة وخفة، أو ربما ارتبطت بوقائع تاريخية صعد فيها الدخان كعلامة، مما جعل الاسم راسخاً.

أسماء الحواضر التوأم والجهات

استخدم أهالي إزكي التوجيهات الجغرافية والصفات المتقابلة لتمييز المناطق المتجاورة التي تشترك في الاسم الأصلي:

سِيمَا (الشمالية والجنوبية)

تحمل منطقة سيما اسماً ضارباً في العراقة؛ فالسيما أو السيماء تعني العلامة، الميزة، أو أثر الطمأنينة والأمن. وهي مفردة ذات ظلال قرآنية لافتة. قُسمت المنطقة بحسب الجهات الجغرافية إلى سيما الشمالية وسيما الجنوبية لتسهيل التمييز بين الشطرين اللذين يشتركان في ذات التاريخ العريق والطبيعة الهادئة المطمئنة.

قَارُوت (الشمالية والجنوبية)

على غرار سيما، نجد منطقة قاروت المقسمة إلى شطرين شمالي وجنوبي بناءً على موقعها التضاريسي داخل الولاية. يحمل لفظ قاروت تفاسير لغوية تدور حول الجفاف أو التجمع والتماسك (كما يقال قَرَأ الدم إذا تجمع ويبس). وجاء التقسيم الجهوي ليمنح دقة مكانية لكل جزء من أجزاء هذه المنطقة التاريخية.

التسميات الدالة على الصلابة والمنعة

تضم إزكي مواقع سُميت بأسماء تدل على شدة البأس، وصلابة التكوين الصخري، والمقاومة:

حَبْل الحَدِيد

اسم حبل الحديد يحمل تعبيراً مجازياً غاية في القوة؛ فالطبيعة الصخرية القاسية والصلبة للمنطقة، وإحاطة مجاري السيول والأودية بها من كل جانب كالسوار المحكم، جعلت الأقدمين يصفونها وكأنها مطوقة برباط وثيق وشديد من الحديد، دلالة على المنعة الاستراتيجية وصعوبة اختراقها.

وادي الصَمّ

يتضح المعنى اللغوي لقرية وادي الصم من الصمم والصلابة؛ فالصم والصلب من الحجارة هو الشديد القاسي. سُمي الوادي والمنطقة المحيطة به بذلك نظراً لصلابة صخوره الجبلية، وشدة الحصى المتواجد في مجراه، مما يعكس طبيعة البيئة الجبلية القاسية التي صهرت وعورة المكان.

وادي الحَجَر

لا يبتعد وادي الحجر عن سابقه في الوصف؛ فالمنطقة منفرج جبلي يمثل منفذاً طبيعياً للسيول، وتكثر في جنباته ومجراه الحجارة والصخور الصلبة. عُرف الموضع بكثافة حجارته فصار الاسم التضاريسي المباشر هو المعرف له بين البوادي والحواضر.

دلالات الحركة، الخفة، والتداخل

تتعدد الأوصاف اللغوية التي أفرزتها التجربة المعيشية لتشمل طريقة التنقل أو الهيئة العامة للموقع:

قَفِيصَة

تُشتق تسمية قفيصة من القفز والخفة والنشاط. وفي بعض لغات العرب تشير إلى الوثب السريع. لعل طبيعة الموضع أو المسالك الجبلية المؤدية إليه كانت تتطلب خفة في الحركة ووثباً بين الصخور، أو ربما كانت المنطقة مألفاً لحيوانات برية سريعة الوثب كالوعول، فصارت صفة الخفة والقفز ملازمة للمكان.

وادي شَبَاك

تأتي تسمية وادي شباك من الشبك والتداخل؛ والشيء المشتبك هو المختلط بعضه في بعض. ويُطلق كذلك على الآبار المتقاربة التي تتداخل مياهها وتتشابك عروقها في باطن الأرض. نظراً لتداخل الطرق الجبلية في هذا الوادي أو تقارب آبار مياهه وأفلاجه، وُصِف بالشباك تعبيراً عن هذا التداخل والترابط.

وادي الوُدَيِّ

اسم وادي الودّي (بتحريك الدال وتخفيفها أو سكونها) يحمل دلالات الأودية الكثيرة المتفرعة. فالوادي هو المنفرج بين الجبال الذي يسيل فيه الماء. وجاء الاسم بلفظ يجمع بين الوصف العام للمكان وبين كونه بقعة خصبة صالحة للاستقرار وليست أرضاً سبخة ميتة، مما يجعله مكاناً ملائماً لتدفق الحياة.

السِّمَات والحيوانات والرموز القديمة

تختتم حكايات الأسماء في إزكي ببعض الألفاظ التي تحمل دلالات ترتبط بحيوانات البيئة أو سمات شكلية نادرة:

إمْطِي

تُعد قرية إمطي من الحواضر البارزة في إزكي، واسمها مشتق من “المطي” وهو مد الشيء وتطويله، ويُطلق في لغة العرب على المطايا من الإبل والركاب. ترتبط التسمية تاريخياً بكون المنطقة بقعة مرتفعة ومشرفة تتمدد عليها البيوت والمزارع، أو لكونها محطة رئيسية لاستراحة وقوافل المطايا والإبل التي كانت تقطع الفيافي العمانية، فغدت مطايا المسافرين علامة فارقة للمكان.

النَّبَاغ

يأتي اسم النباغ من الفعل “نبغ”، ونبغ الشيء إذا خرج وظهر علناً. ويُقال نبغ الماء إذا نبع وفاض من مجراه. كما تحمل الكلمة دلالة النبوغ والظهور للأشخاص المتميزين. سُميت المنطقة بذلك إما لظهور عيون المياه ونبوغها فجأة من بين الصخور، أو لكونها موضعاً متميزاً برز فيه خيار القوم وأهل الفضل.

شَافِع وعوِيسَان

تحمل منطقة شافع اسماً يدل على الشفاعة أو الزوج من العدد (عكس الوتر). وقد يشير إلى الوفرة والنماء والزيادة التي تلحق بالشيء. أما عويسان، فهو تصغير لكلمة “العيس”، والعيس هي الإبل البيض الكرام التي تضرب إلى شيء من الصفرة. تشير التسمية إلى ارتباط المنطقة التاريخي بتربية هذا النوع الأصيل من الإبل، أو شهرتها قديماً بمرور هذه المطايا الفارهة عبر مسالكها.

خاتمة: أصالة المبتدأ وعراقة الخبر

إن التجوال بين أسماء قرى ومناطق ولاية إزكي يشبه قراءة كتاب تاريخ مفتوح، خطت الطبيعة تضاريسه، وسكب الإنسان العماني فيه عرق جبينه وفصاحة لسانه. لم تكن هذه الأسماء يوماً مجرد ألفاظ عشوائية، بل كانت صياغة واعية تعكس جودة الأرض ونماءها كاسم إزكي، أو عذوبة مياهها كـ الحليو، أو منعتها وعنفوانها كـ حبل الحديد والطوق.

تثبت هذه التسميات أن الإنسان في إزكي عاش في تناغم تام مع بيئته؛ فإذا جادت الأرض بنبات سمى به، وإذا تدفق فيها فلج نسب المكان إليه، وإذا حلت بها القبائل خلد ذكرها. يبقى هذا الميراث اللغوي والجغرافي شاهداً على هوية عمانية أصيلة، تتوارثها الأجيال لتظل حكايات الأرض حية نابضة، تروي للوعي الحاضر أمجاد الماضي السحيق.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية