اسباب تسمية قرى ومناطق ولاية بهلا بهذه الاسماء
دلالات الأسماء في طيات التضاريس والتاريخ: قراءة أنثروبولوجية في قرى ومناطق ولاية بهلا
تعد ولاية بهلا العمانية واحدة من الحواضر التاريخية الضاربة في القدم، حيث لا يقتصر ثراؤها على قلاعها الشامخة وحاراتها الأثرية فحسب، بل يمتد ليشمل أسماء قراها ومناطقها التي تشكل إرثاً لغوياً وبيئياً يروي قصص الاستيطان البشري، والتفاعل مع الطبيعة، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية عبر العصور. إن سبر أغوار هذه التسميات يكشف عن تداخل وثيق بين المعاجم اللغوية العربية القديمة وبين السمات الجغرافية، والمناخية، والحيوانية، والنباتية التي تميزت بها كل بقعة.
تنقسم مسببات التسمية في قرى بهلا إلى حقول دلالية واضحة؛ فمنها ما يرتبط بالخصائص الطبوغرافية وشكل الأرض، ومنها ما يرجع لوفرة المياه أو شحها، ومنها ما يستند إلى البُعد التاريخي أو الاجتماعي والحيوي للمنطقة. تحلل هذه المقالة الموسعة الجذور الاشتقاقية والخلفيات الواقعية التي أنتجت هذه المسميات الفريدة.
الأصل التاريخي واللغوي لاسم “بهلا”
قبل الولوج في تفاصيل القرى، لا بد من تفكيك المسمى الأم للولاية. يحمل اسم بُهْلا في جذوره اللغوية العربية أبعاداً متعددة تجمع بين الجمال والرفعة والدعاء؛ إذ يُرجع علماء اللغة الاسم إلى كلمة “بُهلول”، وهي صفة تُطلق على الرجل الضاحك والجميل، والجامع لكل صفات الخير والمروءة. كما يشير الجذر في معاجم أخرى إلى “البهاء والجمال” الذي يطغى على المكان.
ومن زاوية أخرى، يرتبط الاسم بالناقة التي تُترك دون صرار ليرضعها ولدها، وهي دلالة رمزية على العطاء والوفرة. وفي البُعد الديني والروحي، يتصل الاسم بـ”الابتهال” وهو التضرع والاجتهاد في الدعاء، مستنداً إلى الاستخدام القرآني في آيات المباهلة، ولعل هذا يعكس ارتباط المنطقة قديماً بطلب البركة والخيرات الوفيرة التي اشتهرت بها واحاتها.
القرى المرتبطة بالسمات الجغرافية وتشكيل الأرض
لعبت الطبوغرافية الجبلية والسهلية لولاية بهلا دوراً حاسماً في إطلاق الأسماء على المستوطنات البشرية، حيث كان يكتفي الأهالي بوصف الطبيعة المحيطة لتتحول مع الوقت إلى عَلَم للمنطقة.
الأسماء المشتقة من بطون الأودية والارتفاعات والانخفاضات
- البطونية وبست: يشير اسم البطونية لغوياً إلى النسبة لـ”البطن”، وهو اصطلاح محلي يُطلق على مسايل المياه والغلاظ، أو جوف الأرض المنخفض مقارنة بغيره. وفي سياق مشابه، تأتي منطقة بست لتشير إلى Mوضع المستخرج أو المحفور، حيث دأب الأهالي على حفر الآبار وتعميق المجاري لتجميع مياه الأمطار الشحيحة، مما جعل المنطقة ترتبط وظيفياً وجغرافياً بالاستخراج.
- وادي الأعلى ووادي السافل: يفسر اسم وادي الأعلى نفسه جغرافياً؛ فالوادي هو كل منفرج بين جبال أو تلال، وجاء وصف الأعلى كناية عن ارتفاع هذا الموقع الطبوغرافي ونقاط انحداره مقارنة بالمناطق المجاورة. وفي المقابل التام، يظهر اسم وادي السافل ليدل على المنفرج الواقع بين الجبال والآكام والتلال، حيث إن “السفال” بالفتح هو نقيض العلو ونقيض الأعلى، وقد سُميت المنطقة بذلك نظراً لانخفاض مجرى مياهها وانخفاض البلدة بصفة عامة.
- الرحبة والخوير: تعني الرحبة في لغة العرب المكان الواسع والمنبسط من الأرض، ومن هنا سميت القرية لرحابة ساحتها واتساع رقعتها الجغرافية المتاحة للاستقرار. أما الخوير، فهو تصغير لـ”الخور”، والخور جغرافياً يطلق على مصب المياه أو المنخفض المطمئن من الأرض الواقع بين مرتفعين، أو الخليج الذي يدخل في الأرض من البحر، وجاءت تسمية الخوير هنا من منطلق أنه وادٍ مطمئن بين مرتفعين يجتمع فيه الماء كأنه الخور.
- العريجة: مشتقة من الفعل “عرج” بمعنى صعد وارتفع، وسميت القرية بذلك لوقوعها تحت جبل أو مرتفع طبيعي يتطلب الصعود والتعريج للوصول إليه.
- وادي قريّات: الوادي في أصله هو كل منفرج بين الجبال والآكام، بينما تُعرف القرية بأنها كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قراراً، ويُصغّر هذا اللفظ على “قريّة” ويُجمع على “قريّات”، ومن هنا سُمي هذا الوادي بهذا الاسم نسبة إلى كثرة قراه الصغيرة المنتشرة في أرجائه.
التكوينات الصخرية والتربة
- البطحاء والحافر: تُطلق البطحاء على مسيل الوادي الذي يكثر فيه الحصى الدقيق والتراب اللين المنجرف بفعل السيول، وهو وصف دقيق للتربة السطحية لتلك المنطقة. أما قرية الحافر، فترتبط في أصلها اللغوي بأثر حوافر الدواب، وكان يُطلق الاسم على المواقع التي تشهد حركة قوافل مكثفة تترك آثارها واضحة في التربة، أو بمعنى مصب المياه الجارية التي تحفر مجراها بنفسها.
- القلع وعويفية: يرتبط اسم القلع بالصخرة العظيمة التي تُقتلع من الجبل بصعوبة، وسميت القرية بذلك نظراً لوجود صخور ضخمة وجبال ذات قلاع واضحة في محيطها. وفي المقابل، تأتي عويفية مشتقة من “العفاء” وهو التراب أو الأرض الصافية التي لا ملك لأحد فيها، وربما جاءت صيغة التصغير والجمع لقرابتها من جبال تحتوي على كهوف طبيعية.
- الخيلان والصفيحة: قد يعود اسم الخيلان إلى جمع “الخال” وهو الجبل الضخم الكبيـر، مما يربطها بالكتل الجبلية المحيطة بها. بينما تشير الصفيحة إلى الأرض الحجرية المنبسطة أو الألواح العريضة من الحجارة، حيث جاءت التسمية لوصف اتساع وانبساط الأرض الواقعة بين قريتين كبيرتين.
- فل ومايص: تعبر قرية فل عن الأرض الجدبة التي قل ماؤها أو ندر مطرها. وبجوارها تقع مايص المشتقة من بصيص الماء ورشحه القليل، ووقوعها في منخفض بين الجبال جعل ماءها يظهر على شكل رشح خفيف يصعب رؤيته للعيان.
القرى المرتبطة بالموارد المائية والفلاحة
شكلت المياه عصب الحياة في بهلا، وكان لطبيعة تدفق المياه أو عذوبتها أو ندرتها تأثير مباشر على تسمية الحارات والقرى.
عذوبة التدفق وحركة المياه
- السَّمْن والسويح: على عكس ما يتبادر للذهن، فإن اسم قرية السَّمْن هو كناية لغوية بيئية عن عذوبة مياه فلجها وصفائه، حيث يُشبه الماء في صبابه وجودته بالشيء الخالص، رغم قلة تدفقه. أما السويح، فهو تصغير “السيح”، وهو الماء الجاري الظاهر على وجه الأرض دون الحاجة لرفعه، وجاء التصغير للدلالة على صغر مجرى الفلج أو العين مقارنة بالأودية الكبرى.
- الخرور والدنانة: يرتبط اسم الخرور بالصوت الشديد المتدفق للمياه أو الرياح (الخرير)، وسمي الموقع بذلك صياغةً للمبالغة في وصف اندفاع السيول من علو إلى سفل في المنخفضات. وتشاركها في هذه الخاصية الصوتية قرية الدنانة، التي قد تشتق من الدنين وهو الصوت المستمر، أو قد ترتبط تاريخياً بصناعة “الدنان” (الأوعية الضخمة)، حيث اشتهر المكان بوفرة الطين وصناعة الفخار.
- الشرع ومويهي المُر: تعني كلمة الشرع مورد الماء الذي يُستقى منه بلا رشاء أو عناء، وسميت القرية بذلك لأنها كانت نقطة تجمع مياه يقصدها أهل البادية لسقيا حيواناتهم. في حين تُسمى مويهي المُر بتصغير المياه (مويه) المضافة إلى المرارة، نظراً لوجود نبع ماء صغير غير عذب المذاق.
- الجيْلَة وأبو طُحال: تعتمد قرية الجيْلَة على حركة الدوران والتحول في المكان، وهو وصف يرتبط بحركة المياه أو حصونها التاريخية. أما أبو طُحال، فسميت بناءً على ظاهرة طبيعية فريدة، وهي وجود نبع ماء ساخن جداً كان الأهالي يقصدونه قديماً لطبخ أطحلة الذبائح بداخل مياهه الحارة لتنضج سريعاً.
ظواهر الرطوبة والندى
- نادان ومصيبيخ: تقع قرية نادان في سلسلة جبال الكور، واشتق اسمها من “الندى” وابتلال الأرض، حيث تتكاثف فيها أبخرة الماء في الأجواء الباردة ليلاً لتغطي المرتفعات برطوبة دائمـة تناسب بعض أنواع الزراعات الموسميـة. أما مصيبيخ، فهو تصغير “السبخة”، وهي الأرض ذات الملوحة والنز، ورغم أن أرضها جبلية مرتفعة لا تصلح للزراعة التقليدية، إلا أن التسمية جاءت لوصف طبيعة التربة في بعض أجزائها.
- غُمُر: اشتُق اسم قرية غُمُر من غمر الماء للمكان؛ إذ تميزت تاريخياً بنزول الأودية التي تغمر أراضيها الفلاحية بالكامل، ورغم قلة مياه أفلاجها في بعض المحال، إلا أن السيول الموسمية كانت تغمرها كلياً.
القرى المستندة إلى الغطاء النباتي والحياة الفطرية
تعد الحياة الفطرية من نبات وحيوان مرآة عاكسة لطبيعة القرى، وقد استلهم السكان أسماء قراهم من العناصر الطبيعية الأكثر انتشاراً في محيطهم.
الغطاء النباتي والأشجار
- الغافات والحيِّي: لعل قرية الغافات من أشهر قرى بهلا، وسميت بهذا الاسم صراحةً لكثرة أشجار الغاف الوارفة وخصوبة تربتها المروية بالأفلاج. أما قرية الحيِّي، فترتبط بجذر “حب الزرع”؛ حيث اشتهرت هذه المنطقة منذ القدم بكثافة زراعة الحنطة (القمح) وتوفر مياهها العذبة، مما جعلها محببة للنفوس.
- الخميلة والغشيبة: تعني الخميلة في القاموس اللغوي الأرض المنخفضة التي تكثر فيها الأشجار الملتفة والغابات الكثيفة، وهو وصف للواحة الخضراء التي تميزت بها. وبالمثل، تأتي الغشيبة كصيغة تصغير لـ”الغشبة”، وهي الأشجار ذات الشوك المتشابكة الأغصان التي كانت تنمو بكثرة في تلك البقعة قبل استصلاحها.
- لميس ومريخ ووادي مريخ: تُنسب قرية لميس إلى نوع من الأشجار البرية التي تنبت في الجبال الصلبة المحيطة بها. أما مريخ، فهو تصغير “المرخ”، وهو شجر من العضاة ليس له ورق ولا شوك، ويتميز بأنه سريع الاشتعال، وقد استخدم الأهالي تسميته لتميز موضع القرية بوجود هذه الشجيرات. ويمتد هذا المسمى العضوي ليتصل بـ وادي مريخ، وهو المنفرج الجغرافي الواقع بين الجبال والآكام والتلال الذي سُمي بوادي المرخ صراحةً نظراً للكثافة البالغة لأشجار المرخ في بطنه ومسيله.
الفونا والحياة الحيوانية
- الظَّبْي: سميت هذه القرية باسم هذا الحيوان العربي الأصيل نظراً لكونها كانت موطناً طبيعياً ترتع فيه الغزلان والظباء قديماً بسبب هدوء المنطقة وتوفر غطائها الرعوي.
- الشبكة: ترتبط قرية الشبكة بحركة الصيد؛ حيث كانت مكاناً تكثر فيه الطيور البرية مثل القطا، فكان الصيادون ينصبون شباكهم بكثافة في هذه المساحة المفتوحة لاصطيادها.
- المعيلف: يعود أصل الاسم إلى “العَلَف” وإطعام الدواب، وحصلت القرية على اسمها نتيجة لخصوبة أرضها ووفرة محاصيل القمح والأعلاف الخضراء التي كانت تُنتج وتُجمع فيها لتغذية الماشية.
البُعد البشري، التاريخي، والاجتماعي في التسميات
تعكس بعض الأسماء الأنشطة البشرية، الصناعات التقليدية، الأحداث التاريخية، أو الأنماط السكنية التي مرت بها الولاية.
الصناعات والحرف والحياة اليومية والخفاء
- المَدْري والقابضية: يُشتق اسم المَدْري من “المدر” وهو الطين اللزج المتماسك المستخدم في البناء وصناعة الفخار، وجاءت التسمية لتميز القرية بجودة تربتها الطينية وصلاحيتها لصناعة الأواني الفخارية العمانية التقليدية. أما القابضية، فترتبط في لغتها بالقبض والجمع، وربما تشير إلى موقعها الجغرافي الذي تحيط به الجبال كأصابع الكف المقبوضة.
- معْوَل وسيح المعاشي: ترتبط قرية معْوَل بآلة الحراثة (المحراث)، وجاء الاسم كناية عن مهارة أهل القرية في حرث الأرض واستخراج المياه واستصلاح الحقول الجبلية. أما سيح المعاشي، فالسيح هو الماء الجاري، و”المعاشي” مشتقة من العيش والمعيشة وتوفر سبل الرزق والزراعة التي أمنّت حياة مستقرة لساكنيها.
- جبرين: تُعد قرية جبرين (أو يبرين) من أهم الحواضر التاريخية، ويحمل اسمها دلالة على الإصلاح والقوة (من جبر الأمر وجبر العظم). ويُقال إن الاسم جاء تيمناً بـ”السعد والسرور”، وكان يُطلق على المنطقة قديماً اسم “سيح القاع” قبل أن تتحول إلى مركز علمي وسياسي واجتماعي يربط بين نزوى وبهلا.
- مُغْيَوَة: تشتق لغوياً من الغواية أو الإمعان في الضلال، ولكن في السياق المحلي للقرية، جاء الاسم تعبيراً عن صعوبة مسالكها وكثرة منعرجاتها بين الأودية والمزارع، مما يجعل الزائر يضل طريقه بسهولة.
- وَذْحَة (المُخْتَبِية): يحمل اسم وذحة بعداً لغوياً قديماً مستعاناً فيه بلسان العرب؛ إذ إن “الوَذَح” هو ما يتعلق بأصواف الغنم وآلية الكبش من البقايا، ومفرده وذحة. وقد سُميت هذه القرية بهذا الاسم كنايةً وضبطاً لصغر حجمها الشديد وخفائها الجغرافي بين التضاريس، ويؤكد الموروث المحلي هذا المعنى التشبيهي حيث كانت المنطقة تُعرف قديماً باسم “المختبية” لتواريها التام عن الأنظار.
المعارك والوقائع والأحداث
- سَلْوت: ترتبط هذه المنطقة بمعركة تاريخية شهيرة وقعت بين الأزد والفرس، حيث هُزم فيها الفرس؛ وجاء اسمها من “سلت الشيء” أي قطعه أو نزعه، في إشارة إلى حسم المعركة.
- شاغي القتلى: “الشاغي” في اللغة المحلية المحكية يعبر عن مسيل المياه المنحدر والمتعرج بين الجبال. وأُضيفت كلمة “القتلى” إلى هذا مسيل المائي نتيجة لوقوع معركة قديمة في ذلك الموضع المتعرج أسفرت عن سقوط قتلى، فخلد التاريخ الحادثة في اسم المكان.
- الهيشة: تعني الهيشة لغوياً الجماعة أو الاختلاط والقتال، وسميت القرية بذلك إشارة إلى وقوع مناوشات أو عراك قديم في ذلك الموضع تسبب في اضطراب واختلاط الأمور.
القرى ذات الدلالات الوصفية والتشبيهية
استخدم سكان بهلا التشبيه المجازي لربط بعض القرى بأدوات يومية أو صفات شكلية واضحة.
أدوات العيش والترحال
- المحفّة والفَتْح: المحفّة هي الهودج أو الرحل الذي يركب فيه النساء على الدواب، وسميت القرية بذلك لأن تضاريسها الدائرية أو الجبال المحيطة بها تحفها من جميع الجوانب بشكل يشبه الهودج المغطى. أما الفَتْح, فتعني الباب الواسع والمنفتح، وأُطلق الاسم على المنطقة لكونها أرضاً واسعة مكشوفة غير مغلقة بالتضاريس الوعرة.
- سُنت وسَوْسَة: تقع قرية سُنت على قمة جبلية مرتفعة تحيط بها الأودية، واشتق اسمها من الجدب أو احتباس المطر (السنة الشهباء)، لندرة وصول المياه السطحية إليها. أما سَوْسَة، فقد ترتبط بسياسة الناس وقيادتهم، أو بنبات السوس العشبي الطبي الطبيعي.
الألوان والصفات المطلقة
- البويضاء وسيح الأبيض: سُميت قرية البويضاء (وهي تصغير البيضاء) بهذا الاسم نظراً لطبيعة تضاريسها وصخورها الجبلية التي يطغى عليها اللون الأبيض الفاتح. والوصف عينه ينطبق على سيح الأبيض المنسوب إلى وادٍ يتميز بنقاء حصاه وتربته البيضاء الكلسية.
- المعمور والمعمورة: يحمل الاسمان دلالة الحياة والنشاط البشري والزراعي؛ فـالمعمور هو المنزل المكتظ بالناس والماء والكلأ. وتأتي المعمورة لتصف تحول المنطقة من أرض كانت تُعرف قديماً باسم غير مستحب (“المسخوطة”) إلى واحة عامرة بالزراعة والتطور العمراني المستمر.
- أم فطرة: يرتبط الاسم لغوياً بالفَطْر (الشَّق) أو الحلب، وربما يعبر عن طبيعة انفصال التضاريس أو الابتداع في البناء السكني في تلك الحقبة الزمنية.
مسميات ترتبط بالأبعاد النفسية والاعتقادية
توجد فئة من القرى أُطلقت عليها أسماء تعكس الحالة النفسية للمستوطنين الأوائل أو ارتباطهم بالعبادات.
التفاؤل والعبادة
- المُسْتَغْفِر: يشتق الاسم من الاستغفار وطلب المغفرة من الله عز وجل، وسميت القرية بهذا الاسم الديني المبارك لأن موضعها كان يُتخذ مصلى للعيدين، حيث يجتمع فيه الأهالي للصلاة، والذكر، والدعاء، والاستغفار الجماعي.
- حي السعد وطوي جوار: جاء اسم حي السعد تيمناً بالبركة واليُمن، ورغبة من الأهالي في جلب التفاؤل لحياتهم اليومية. وفي سياق متصل، تعني طوي جوار البئر المجاورة للسكن، وسميت كذلك لتوافد الناس وتجاورهم حول هذا المورد المائي الحيوي استئناساً بالاستقرار المشترك.
الهيبة والغموض
- جُمَاح ودَنْ: ترتبط قرية جُمَاح في أصلها اللغوي بالخيل الجمُوح التي تعتز بنفسها وتصعب قيادتها، ولعل التسمية أُخذت من فرس شهيرة أو صفة اتصف بها أهل القرية من القوة والأنفة. أما قرية دَنْ، فترتبط بالوعاء الضخم أو بالدنين وصوت الرعد الذي يحدث له صدى قوي يتردد بين جبال الكور المطلة عليها، مما يضفي مهابة طبيعية على المكان.
- كَهَاف وكيد: تشير كَهَاف إلى كثرة الكهوف والمغارات الجبلية الأوسع من الغار التي يحتمي بها الناس. في حين تشير قرية كيد إلى المكر والحيلة في الحرب، وربما أطلقت التسمية من قِبل المزارعين قديماً كناية عن التحايل على شح المياه وتدبير الأفلاج.
استنتاجات جغرافية وتاريخية
إن هذا المسح الدلالي الشامل لأسماء قرى ولاية بهلا يبرهن على أن التسميات لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة معايشة حقيقية وتأثر عميق بالبيئة المحيطة. تبرز جغرافيا بهلا بوضوح في الأسماء من خلال:
- الارتباط بالماء والوديان: (سيح، خوير، بطحاء، شرع، مويهي، وادي الأعلى، وادي السافل، وادي قريّات) مما يثبت أن الواحات العمانية قامت أساساً على تدبير الموارد المائية وحرمة الأودية.
- التأثير التضاريسي والخفاء: (العريجة، القلع، البطونية، وذحة) مما يظهر وعي السكان بوعورة المكان، ارتفاعاته، وانخفاضاته المستترة.
- البعد الاقتصادي والزراعي والبيئي: (المعيلف، الحيِّي، الغافات، وادي مريخ، المدري) وهي شواهد على أن الولاية كانت وما زالت مركزاً زراعياً وصناعياً ونباتياً غنياً يعتمد على عناصر الطبيعة الحية.
إن الحفاظ على هذه المسميات وتوثيق جذورها اللغوية يعد جزءاً لا يتجزأ من حماية الهوية الثقافية والتاريخية لسلطنة عمان، وقراءة متأنية في كتاب الطبيعة الذي خطّه الأجداد على أرض بهلا الطيبة.