عام

الأسطول التجاري الصوري: تاريخ صناعة السفن “الغنجة” و”البغلة” في صور بسلطنة عمان

الأسطول التجاري الصوري: تاريخ صناعة السفن “الغنجة” و”البغلة” في صور بسلطنة عمان

على الطرف الشرقي الأقصى من سلطنة عُمان، حيث يلتقي البر بالبحر العربي في مشهد يتكرر منذ آلاف السنين، تقف مدينة صور شاهدة على واحدة من أعرق الحضارات البحرية في تاريخ المنطقة. لم تكن صور مجرد مدينة ساحلية كغيرها من المدن العُمانية، بل كانت عاصمة غير معلنة لصناعة السفن الشراعية الكبرى، ومنطلقًا لأساطيل تجارية حملت اسم عُمان إلى موانئ المحيط الهندي، من سواحل شرق إفريقيا وزنجبار جنوبًا، إلى موانئ الهند والصين شرقًا. وفي قلب هذا الإرث البحري، تبرز سفينتان تجسدان قمة ما وصلت إليه براعة النجار العُماني: “الغنجة” بضخامتها وزخارفها الفريدة، و”البغلة” بفخامتها وهيمنتها التجارية. هاتان السفينتان لم تكونا مجرد وسيلتي نقل، بل كانتا رمزًا لحقبة ذهبية حوّلت صور إلى مركز إشعاع تجاري وملاحي يُضاهي أعظم الموانئ في الجزيرة العربية.

تتناول هذه المقالة قصة هذا الأسطول التجاري الصوري، بدءًا من الجذور التاريخية لصناعة السفن في عُمان، مرورًا بخصائص سفينتي الغنجة والبغلة وتفرّد كل منهما، ووصولًا إلى دور خور البطح كحوض رئيسي لبناء السفن، وعلاقة هذه الصناعة بازدهار التجارة العُمانية مع زنجبار وشرق إفريقيا، ثم واقع هذه الصناعة اليوم في ظل التحديات المعاصرة.

الجذور التاريخية لصناعة السفن في عُمان

يمتد التاريخ البحري لسلطنة عُمان إلى أعماق سحيقة من الزمن، إذ تشير الدراسات إلى أن جذور هذه الصناعة تعود إلى الألف الخامسة قبل الميلاد، حيث عرف العُمانيون عبر تاريخهم الممتد ما يصل إلى 41 نوعًا من أنواع السفن والقوارب. هذا التنوع الهائل في أنواع السفن لم يكن من قبيل الصدفة، بل نتج عن تفاعل عميق ومستمر بين الإنسان العُماني والبحر الذي يحيط بأرضه من جهات متعددة.

فموقع سلطنة عُمان الجغرافي الفريد، حيث تطل على بحر عُمان من الشمال وبحر العرب من الجنوب، وتمتلك أطول السواحل البحرية في المنطقة بطول يمتد إلى أكثر من 3000 كيلومتر، جعل من البحر شريان حياة لا غنى عنه، ومن صناعة السفن حرفة أساسية ارتبطت بمعاش السكان وتجارتهم وتواصلهم مع العالم. ولم يكن العُمانيون مجرد بحارة محليين يجوبون السواحل القريبة، بل امتدت رحلاتهم إلى آفاق بعيدة، إذ وصلوا إلى جنوب القارة الإفريقية، وإلى شمال شرق آسيا في الهند والصين.

ومع توالي العصور، تنوعت موانئ بناء السفن في عُمان، فكانت موانئ صور ومطرح ومسقط وشناص من أهم أحواض بناء السفن في السلطنة. وقد تميزت السفن العُمانية الصنع بصفة عامة بالمتانة والقوة، حتى إن بعضها استمر بالخدمة لفترات تتراوح بين 60 و100 سنة، وهو ما يعكس مهارة النجارين العُمانيين ودقتهم في اختيار المواد وتنفيذ التصاميم.

ولم تكن هذه السفن نوعًا واحدًا، بل تعددت أشكالها وأحجامها واستخداماتها بشكل لافت، فمن أشهر السفن العُمانية: البغلة، الغنجة، البوم، السنبوق، الجلبوت، أبو بوز، البتيل، الهوري، البدن، الشاشة، والماشوة. وقد كان لكل نوع من هذه السفن وظيفته الخاصة، فمنها ما خُصص للأسفار البعيدة والتجارة الدولية، ومنها ما استُخدم في الصيد القريب من الشاطئ، ومنها ما وُجّه لنقل البضائع داخل المياه الإقليمية.

ومن بين هذا التنوع الواسع، برزت أنواع أخرى ذات استخدامات وأحجام مختلفة، منها سفينة “ترانكي” الصغيرة التي يبلغ طولها نحو 12 مترًا وأقصى اتساع لها 3.60 متر، وسفينة “القطمران” التي تُعد من أقدم أنواع السفن التي صنعها العُمانيون، إضافة إلى سفن أخرى مثل الغراب والشذاة والبركة والبرشة، وكل منها يحمل قصة وتقنية بناء تعكس تراكم الخبرة البحرية العُمانية عبر القرون.

تأثير الوجود البرتغالي وتطور تصميم السفن

شهدت صناعة السفن العُمانية محطة تحول مهمة مع نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر الميلادي، حين دخل البرتغاليون إلى المنطقة وسيطروا على عدد من السواحل والموانئ العُمانية لفترة من الزمن. ورغم أن هذا الوجود كان استعماريًا بطبيعته، إلا أنه ترك بصمة فنية وتقنية واضحة على تطور صناعة السفن المحلية.

فقد لاحظ النجارون العُمانيون تصاميم السفن البرتغالية، واستفادوا من بعض ملامحها التقنية، حيث استوحى الصانع العُماني من ملامح السفينتين البرتغاليتين “نوا” و”كارفيلا” في صناعة سفينة “الغنجة”، التي أصبحت لاحقًا واحدة من أعظم إنجازات النجارة البحرية العُمانية. وقد تفنن في صناعة هذه السفينة أهل مدينة صور تحديدًا، واستُخدمت للملاحة البعيدة حتى وصلت إلى حدود جنوب إفريقيا غربًا والهند والصين شرقًا.

وهذا التفاعل بين التقنيات المحلية والمؤثرات الخارجية لم يكن استنساخًا، بل توظيفًا ذكيًا أضاف إلى الموروث العُماني الأصيل في بناء السفن، محافظًا في الوقت ذاته على الهوية الفنية والجمالية الخاصة بالنجارة العُمانية، التي ظهرت جليًّا في الزخارف والنقوش التي ميزت سفن مثل الغنجة عن نظيراتها في المنطقة.

سفينة “الغنجة”: ملكة السفن التجارية العُمانية

التعريف والخصائص العامة

تُعد سفينة الغنجة من أبرز وأهم السفن التي ارتبط اسمها بمدينة صور على وجه الخصوص. فهي، بحسب التعريف المتداول، سفينة داو خشبية كبيرة تُستخدم للتجارة، وهي سفينة شراعية عربية تقليدية، تُعرف أيضًا باسم “كوتية” في الهند. وتُعتبر الغنجة من أكبر السفن التقليدية حجمًا بين جميع أنواع السفن العُمانية، حيث تتصدر قائمة السفن من حيث الحجم، بينما تُعد سفينة “البدن” الصغيرة من أصغرها.

ولم تكن الغنجة سفينة عابرة في تاريخ الملاحة العُمانية، بل كان لها دور فعّال في النشاط الملاحي بين عُمان واليمن من جهة، وسواحل شرق إفريقيا والهند والصين من جهة أخرى. وقد أتاح حجمها الكبير وقدرتها على حمل كميات ضخمة من البضائع أن تكون العمود الفقري للتجارة البحرية العُمانية بعيدة المدى لقرون طويلة.

الزخارف والتفاصيل الفنية

ما يميز سفينة الغنجة عن سواها من السفن ليس فقط حجمها وقدرتها على الإبحار لمسافات طويلة، بل أيضًا ثراؤها الفني والجمالي. فقد تميزت هذه السفينة بمجموعة من الزخارف النباتية والهندسية الدقيقة الصنع، حتى أصبحت هذه الزخارف موضوعًا للدراسة الأكاديمية بوصفها مصدرًا تعليميًا ثريًا لدارسي الفنون التشكيلية والزخرفية. وتعكس هذه الزخارف مستوى عاليًا من الدقة والإبداع لدى النجار العُماني، الذي لم يكن يكتفي ببناء هيكل متين قادر على مواجهة أهوال البحار، بل كان يطعّم عمله بلمسات جمالية تحوّل السفينة إلى عمل فني متكامل.

مكان الصناعة: خور البطح

ارتبط اسم الغنجة ارتباطًا وثيقًا بمدينة صور، وتحديدًا بمنطقة خور البطح التي شكّلت الشريان الرئيسي لهذه الصناعة. فقد صُنع كثير من سفن الغنجة في خور البطح، الذي يُعد الشريان الرئيسي للولاية وأحد أهم موانئ الجزيرة العربية. وكان هذا الخور بمثابة المرسى الطبيعي والورشة المفتوحة التي شهدت ميلاد المئات من السفن على مرّ القرون، حيث كانت أصوات المطارق والمناشير تتعالى من ضفافه في مشهد يومي متكرر يجسد نبض الحياة البحرية في صور.

ويذكر النوخذا خميس بن راشد بن ناجم المخيني أن مدينة صور انفردت بصناعة مراكب الشحن التي تُستخدم للإبحار لمسافات طويلة، مثل الغنجة والسنبوق، بينما كانت أنواع أخرى من المراكب تُصنع في مدن عُمانية أخرى. وهذا التفرد يعكس المكانة الخاصة التي احتلتها صور بوصفها مركزًا متخصصًا في بناء السفن الكبيرة المعدّة للأسفار البحرية الطويلة، وليس مجرد ميناء صيد محلي.

الوضع الراهن لصناعة الغنجة

رغم المكانة التاريخية الكبيرة لسفينة الغنجة، فإن صناعتها على النطاق الواسع قد توقفت في العصر الحديث، إذ توقفت صناعة سفن الغنجة في صور بشكل شبه كامل، وانحسرت الصناعة الحالية على مركب السنبوق الذي يُستخدم في الصيد. غير أن هذا لا يعني اندثار المهارة كليًا، فما زالت هناك محاولات فردية ومؤسسية لإحياء هذا التراث، حيث أشار أحد القائمين على مصنع السفن التقليدية في صور إلى أن المصنع كان يعمل على بناء سفينة غنجة ضخمة لصالح شركة خاصة عُمانية، استغرق العمل عليها أكثر من عام ولم يكتمل بعد، وتحتاج إلى عام إضافي تقريبًا، باعتبارها أكبر سفينة خشبية تقليدية صُنعت في السلطنة. وهذا المشروع وحده يكشف عن مدى التعقيد والوقت الطويل الذي تتطلبه صناعة سفينة بحجم الغنجة، مقارنة بالسفن الأصغر التي قد تستغرق بضعة أشهر فقط.

سفينة “البغلة”: عظمة الزخرفة وفخامة الأسطول

نشأتها وخصائصها

إذا كانت الغنجة تمثل قمة الحجم والقدرة على حمل البضائع، فإن سفينة البغلة تمثل قمة الفخامة والزخرفة في عالم السفن الشراعية العربية. وتُجمع المصادر التاريخية على أن البغلة كانت نتاج تطور مشترك في منطقة الخليج العربي، إذ يُعتقد أن أول من بنى البغلة في الخليج هم صناع السفن في الموانئ العُمانية أو ميناء لنجة الفارسي، بعد أن استلهموا التصميم من السفن الهندية. ثم انتقلت هذه التقنية لاحقًا إلى موانئ أخرى في الخليج عبر تنقل صناع السفن وتبادل الخبرات فيما بينهم.

وتشترك البغلة في كثير من ملامحها مع سفينة الغنجة وسفينة الكوتية الهندية، إذ تتشابه البغلة في شكلها وخصائصها مع الكوتية الهندية والغنجة العُمانية، وتتراوح حمولتها بين 120 طنًا و400 طن. وهذا التشابه ليس مستغربًا، نظرًا للتبادل التقني المستمر بين موانئ المحيط الهندي والخليج العربي عبر قرون من التواصل التجاري والملاحي.

الحجم والحمولة: البغلة الصورية

تحديدًا في صور، بلغت سفينة البغلة أبعادًا مهيبة جعلتها واحدة من أعظم منجزات صناعة السفن المحلية. فقد بلغ طول سفينة البغلة المصنوعة في صور 135 مترًا، وكانت مصممة لخوض غمار البحار، حيث وصلت حمولتها إلى 500 طن. هذه الأرقام، إذا قورنت بمعايير صناعة السفن الخشبية التقليدية، تكشف عن مدى الطموح والجرأة الهندسية التي تحلى بها بنّاؤو السفن في صور، الذين تمكنوا من إنتاج هياكل خشبية ضخمة قادرة على تحمل أهوال المحيط الهندي المفتوح.

ويصف باحثون آخرون البغلة بأنها أكبر سفينة بحرية تجارية وناقلة في الخليج العربي، وأكثر السفن العربية زخرفة، وهو وصف يتفق مع ما تذكره المصادر الصورية عن مكانة هذه السفينة في تاريخ المدينة البحري.

العمارة والزخرفة الفريدة

تميزت سفينة البغلة بتفاصيل معمارية وزخرفية فريدة جعلتها تبرز بوضوح بين السفن العربية الأخرى. فقد تميزت بارتفاع مؤخرتها، ووجود خمس نوافذ فيها، إضافة إلى نقوش وزخارف بديعة. وتشرح مصادر أخرى هذا التصميم المعماري بمزيد من التفصيل، إذ تميزت مؤخرة البغلة بتصميم معماري يشابه الشرفات الخارجية في السفن الحربية الأوروبية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، بينما يرتفع الجزء الخلفي من المقدمة بلطف حتى الجزء الأمامي المُزين بتصميم يشابه عمود ربط الحبال، وهو جزء آخر تنفرد به البغلة. كما كانت السفينة تحمل صاريتين أو ثلاثة صوار، تتيح لها الاستفادة القصوى من قوة الرياح في رحلاتها الطويلة عبر المحيط الهندي.

استخدامها التجاري والعسكري

كانت البغلة في الأساس سفينة تجارية مخصصة لنقل البضائع، إلا أن طبيعتها الضخمة وقدرتها على التسليح جعلتها مناسبة أيضًا للاستخدامات العسكرية عند الحاجة. فقد كانت سفينة تجارية في الأساس، إلا أنه كان يمكن تسليحها واستخدامها في الحروب. ومن الأمثلة التاريخية المعروفة على ذلك، البغلة المسلحة التي تنتمي إلى عهد أسطول السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي، سلطان عُمان وزنجبار، والتي بلغ طولها الأصلي نحو 40 مترًا وارتفاعها 45 مترًا، وزُوّدت بمدافع ذات ماسورة تزن 12 رطلًا من نوع “بلومفيلد”، وهو نوع كان يُعد في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي من أكثر الأسلحة فاعلية واختراقًا. وهذا يكشف عن الازدواجية الوظيفية التي تمتعت بها هذه السفن الكبرى، إذ كانت قادرة على التحول من سفينة تجارة سلمية إلى وحدة بحرية مسلحة بحسب الظروف والحاجة.

ووصلت البغلة إلى أوج مجدها خلال فترة محددة من التاريخ العُماني، إذ بلغت سفن البغلة أوج عزها ومجدها خلال القرن التاسع عشر، عندما هيمنت سلطنة عُمان على التجارة البحرية بين زنجبار وأفريقيا والهند والخليج وآسيا. هذه الحقبة الذهبية لم تكن مجرد فترة ازدهار اقتصادي، بل كانت تتويجًا لقرون من تراكم الخبرة البحرية والتقنية في بناء السفن، التي أتاحت لعُمان أن تبسط نفوذها التجاري على مساحة شاسعة من المحيط الهندي.

خور البطح: مهد الأساطيل الصورية

لا يمكن الحديث عن صناعة السفن في صور دون التوقف عند خور البطح، الذي يُعتبر بحق القلب النابض لهذه الصناعة عبر التاريخ. فهذا الخور لم يكن مجرد مرسى للسفن، بل كان ورشة عمل طبيعية متكاملة شهدت ميلاد أنواع متعددة من السفن، الكبيرة منها والصغيرة. وتشير المصادر إلى أن خور البطح يشهد على عراقة وأصالة دور الصوريين في بناء وتشييد السفن الكبيرة والصغيرة، حيث صُنعت فيه أنواع متعددة منها الخشبة، والجلبوت الذي يبلغ طوله 50 قدمًا وتتراوح حمولته بين 40 و70 طنًا، والسمبوق وهو قارب الغوص الذي يُستخدم حاليًا لنقل البضائع والركاب ويمكن تمييز نوعه الصوري بمؤخرته المطلية باللونين الأبيض والأزرق، إضافة إلى البدن والشوعي والهوري والشاحوف والغنجة والبوم والنبوة والبغلة والجالبوت والماشوة.

وقد امتدت فترة الازدهار الحقيقي لهذه الصناعة في صور لتشمل قرنين كاملين من الزمن، إذ ازدهرت صناعة السفن في صور بشكل ملحوظ خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، لتصبح من أهم مراكز هذه الصناعة في الجزيرة العربية. ولم يقتصر دور صور على بناء السفن فحسب، بل تجاوز ذلك إلى أن تصبح مركزًا تجاريًا بحريًا بالغ الأهمية، حيث ازدادت شهرة صور كمركز تجاري بحري مهم، إذ كانت سفنها تُبحر إلى أنحاء العالم حاملة معها بضائع عُمان من تمور ولبان وعطور وغيرها.

وفي وصف تفصيلي لمعالم سفينة الغنجة كما صُنعت في صور، توضح إحدى المصادر أن مقدمة الغنجة تكون مائلة يعلوها رأس بشكل قرص دائري مع حلقات متساوية المركز، ثم تاج في أعلى المقدمة، أما مؤخرتها فتتجلى فيها إبداعات النجار العُماني من خلال النقش على الخشب، كما يظهر في القوس النصف دائري المسمى “الشانده”، وكذلك النوافذ الخمس المقصورة الدبوسة، فيما يُثبّت ذراع الدفة من الأسفل. هذا الوصف الدقيق يكشف عن مستوى التخصص العالي الذي وصل إليه النجارون الصوريون في تفاصيل بناء السفن، حيث كان لكل جزء من السفينة اسمه الخاص ووظيفته المحددة ضمن منظومة فنية وهندسية متكاملة.

مواد البناء وتقنيات الصناعة

اعتمد صناع السفن في عُمان على مزيج من الأخشاب المحلية والمستوردة في بناء سفنهم، بما يتناسب مع طبيعة كل جزء من أجزاء السفينة ومتطلباته من القوة والمرونة. فقد اعتمدت هذه الصناعة على الأخشاب المحلية كالسدر والقرط، خصوصًا في صناعة أجزاء “الشلمان” في السفينة، إضافة إلى الأخشاب المستوردة كالساج والميط والكرنج، التي كانت تُجلب من كاليكوت بالهند ومن شرق إفريقيا. وهذا التنوع في مصادر الخشب يعكس شبكة تجارية واسعة كانت تغذي صناعة السفن العُمانية بالمواد الخام اللازمة، بل ويكشف أيضًا عن مدى ارتباط هذه الصناعة بالتجارة البحرية الدولية التي كانت عُمان طرفًا فاعلًا فيها.

أما على صعيد التقنيات الملاحية، فقد طوّر البحارة العُمانيون منظومة معرفية متكاملة لتوجيه سفنهم عبر المحيطات المفتوحة، إذ اعتمد البحارة العُمانيون في تسيير سفنهم على مجموعة من الإشارات الملاحية المعروفة بـ”المجاري”، والتي تشمل معلومات عن النجوم وجداول فلكية وخطوط عرض متعلقة بالموانئ التي ترسو فيها السفن، إضافة إلى معلومات عن الرياح واتجاهاتها ومواسمها وطبيعة السواحل وتعرجاتها. ولم يكتفِ النواخذة (قادة السفن) بهذه المعرفة التقليدية المتوارثة، بل استعانوا أيضًا بأدوات ملاحية متخصصة، حيث استخدم النواخذة والملاحون عددًا من الأدوات التي أعانتهم على تحديد مواقعهم في عرض البحر والتعرف على أحوال الطقس، مثل الإسطرلاب، والكمال، والديرة (الإبرة المغناطيسية أو البوصلة البحرية)، والباطلي.

وفي ما يخص طاقم العمل على متن هذه السفن، تشير الروايات إلى أن السفن التي كانت تُبحر تجاريًا، مثل البدن والجالبوت والسنبوق والبوم، كانت كل واحدة منها تحمل ما بين 30 و35 بحارًا، وهو عدد يعكس حجم العمالة الكبير الذي كانت تتطلبه هذه الرحلات التجارية الطويلة والمحفوفة بالمخاطر.

صور وزنجبار: محور التجارة البحرية العُمانية

لا يكتمل الحديث عن الأسطول التجاري الصوري دون التطرق إلى العلاقة الفريدة التي ربطت صور بزنجبار وشرق إفريقيا، والتي شكّلت العمود الفقري للنشاط التجاري البحري العُماني لقرون طويلة. فقد عُرفت ولاية صور بشهرة كبيرة لملاحيها ونواخذتها، الذين أبحروا بسفنهم إلى إفريقيا، وتحديدًا إلى زنجبار وكينيا وجزر القمر وموزمبيق حتى جنوب إفريقيا، وإلى الهند وبورما وسيام وباكستان وإيران والعراق ودول الخليج العربي كافة، بل امتدت رحلاتهم أيضًا عبر باب المندب إلى خليج العقبة وبورسودان ومصوع وجيزان والحديدة. هذا الاتساع الجغرافي الهائل لرحلات السفن الصورية يكشف عن مدى الجرأة الملاحية والمعرفة البحرية التي تمتع بها أبناء صور.

وقد شهدت العلاقة بين عُمان وزنجبار ذروتها في عهد السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي، الذي اتخذ من زنجبار عاصمة ثانية لحكمه. فقد امتلك هذا السلطان أسطولًا بحريًا كبيرًا يُعد ثاني أضخم أسطول في المحيط الهندي، وكان يستخدمه في التجارة لا في الحرب، حتى اشتهر عنه قوله “إنني تاجر قبل أن أكون سلطانًا”. وكانت سفن هذا الأسطول الضخم، ومن بينها سفن البغلة والغنجة التي صنعها الصوريون، تصل في رحلاتها إلى موانئ فرنسا وبريطانيا وغيرها للتبادل التجاري.

وقد امتدت سيطرة العُمانيين على زنجبار لفترة طويلة نسبيًا، إذ استمر حكم العُمانيين لزنجبار أكثر من 190 سنة، بعد أن طردوا البرتغاليين منها، وجعل السلطان سعيد بن سلطان من زنجبار عاصمة له في عام 1832م، فأصبحت آنذاك مركزًا لتجارة التوابل والعبيد في المحيط الهندي. وقد ترك هذا الوجود العُماني الطويل إرثًا واضحًا وتأثيرًا جميلًا في زنجبار، ما زال يظهر بوضوح حتى يومنا هذا.

ومن المفارقات اللافتة في هذا السياق التاريخي، أن أحد أبناء صور بلغ مكانة استثنائية في إفريقيا، إذ يُذكر أن عبيد الله بن سالم الصوري الخضوري تُوّج ملكًا على الكونغو لمدة ستة عشر عامًا، وهي حادثة نادرة تكشف عن عمق التواصل والاندماج بين الصوريين ومجتمعات شرق ووسط إفريقيا التي وصلتها سفنهم.

ولم تكن التجارة بين صور وزنجبار طريقًا واحدًا، بل كانت عملية تبادل متكاملة شملت سلعًا متنوعة في الاتجاهين، حيث كانت سفن مثل البدن والجالبوت والسنبوق والبوم تحمل البضائع العُمانية ذهابًا، وتعود محملة بمنتجات إفريقية، في منظومة تجارية معقدة ربطت اقتصاد عُمان باقتصادات سواحل المحيط الهندي الشرقية على مدى قرون طويلة.

مصنع السفن التقليدية في صور: من الماضي إلى الحاضر

رغم التحديات الكبيرة التي تواجهها صناعة السفن التقليدية في العصر الحديث، لا تزال صور تحافظ على جذوة هذه الحرفة العريقة من خلال مصانع متخصصة ما زالت تمارس هذا الفن بأدوات تجمع بين التقليدي والحديث. ويصف أحد الزوار تجربته في أحد هذه المصانع قائلًا إنه شهد أصوات النجارة بأدوات تقليدية ترافقها أصوات المكائن الحديثة، ممزوجة بأصوات المطارق وهي تدق المسامير لتثبيت الألواح الخشبية على هيكل خشبي، فتتشكل ملامح سفينة تقليدية ضخمة، هي سفينة “الغنجة” قيد الإنشاء، الملفتة للنظر بضخامتها، وروائح الخشب تنبعث من المكان نتيجة احتكاك المناشير بالخشب. وقد وصف هذا المشهد بأنه أعاده إلى زمن الماضي الجميل، وكأنه أمام فيلم وثائقي تاريخي يروي حكاية الآباء والأجداد وحرفتهم وصناعاتهم، رغم أن ما عايشه لم يكن سوى واقع حقيقي يتجسد أمام عينيه في مصنع لا يزال يعمل حتى اليوم.

ولم يقتصر هذا المصنع على بناء السفن الضخمة فحسب، بل حافظ أيضًا على الصناعة التقليدية لمختلف المنتجات الخشبية الأخرى، من أبواب ونوافذ وكراسي وغيرها، مستخدمًا في ذلك مزيجًا من الخشب المستورد والمحلي على حد سواء، في استمرارية واضحة لتقاليد عريقة في التعامل مع هذه المادة الخام الأساسية.

التطور التقني وتحديات العصر الحديث

شهدت صناعة السفن في عُمان، ومنها صور، تحولات تقنية تدريجية واكبت متطلبات العصر دون أن تفقد جوهرها التقليدي. فقد أوضح أحد العاملين في هذه الصناعة أن السفن كانت في الماضي سفنًا شراعية تعتمد بالأساس على الشراع، لكن مع العصر الحديث طُوّرت وأُضيفت لها محركات، وهو تطور جوهري غيّر من طبيعة هذه السفن دون أن يلغي تمامًا التصميم الهيكلي والشكل التقليدي الذي توارثته الأجيال.

كذلك دخلت بعض الأدوات الحديثة إلى ورش بناء السفن لتسريع عمليات الإنتاج، إذ تم استخدام بعض الأدوات الحديثة في هذه الصناعة، مثل المنشار الكهربائي وآلة إحداث الثقوب التي توضع بها المسامير، وهو ما سهّل وسرّع عملية الإنتاج كثيرًا. ويُضرب لذلك مثال دال، فبينما كان قطع قطعة واحدة من الأخشاب يستغرق أسبوعًا كاملًا في الماضي، أصبح الأمر يستغرق حاليًا دقائق أو بحد أقصى ساعة واحدة. ومع ذلك، ظلت بقية معظم أجزاء الصناعة تحافظ على الطابع اليدوي التقليدي، مما حافظ على رونقها وتفردها وخصوصيتها، وهو ما يجعل صناعة سفينة واحدة متوسطة الحجم تستغرق اليوم ما بين عام إلى عام ونصف تقريبًا، أما السفن الكبرى كالغنجة فقد تستغرق ضعف هذه المدة أو أكثر.

غير أن هذه الصناعة العريقة لا تخلو من تحديات حقيقية تهدد استمراريتها في العصر الحالي، أبرزها زحف القوارب الحديثة المعروفة بقوارب الفايبر، التي تنافس السفن الخشبية التقليدية وتدفعها تدريجيًا نحو التراجع. فقوارب الفايبر، بخفة وزنها وسهولة صيانتها وتكلفتها الأقل نسبيًا مقارنة بالسفن الخشبية المعقدة، أصبحت خيارًا عمليًا للكثير من الصيادين والعاملين في النقل البحري المحلي، وهو ما أدى إلى انحسار تدريجي في الطلب على السفن الخشبية التقليدية، باستثناء الطلبات الخاصة الموجهة للأغراض التراثية أو السياحية أو الرمزية.

الإرث الثقافي والفني لسفن صور

تتجاوز أهمية سفينتي الغنجة والبغلة كونهما مجرد وسيلتي نقل بحري، لتصلا إلى مرتبة الرموز الثقافية التي تختزل تاريخًا طويلًا من التفاعل الإنساني مع البحر. فالزخارف الدقيقة التي تزين هذه السفن، والتفاصيل المعمارية الفريدة في مؤخرتها ومقدمتها، تجعل منها قطعًا فنية متكاملة تستحق الدراسة الأكاديمية والحفظ المتحفي على حد سواء، كما يتضح من اهتمام الباحثين بتحليل زخارف سفينة الغنجة باعتبارها مصدرًا تعليميًا لدارسي الفنون التشكيلية والزخرفية.

ولعل من أبرز مظاهر هذا الإرث الثقافي، حرص المؤسسات الثقافية والمتاحف العُمانية على توثيق وعرض نماذج لهذه السفن للأجيال الحالية والقادمة، إذ يحرص المتحف الوطني وغيره من المؤسسات على عرض مجسمات دقيقة لسفن مثل البغلة، تحمل في تفاصيلها الزخرفية والمعمارية شهادة حية على براعة الأجداد وإبداعهم. كما تُقام في صور فعاليات ومهرجانات تستذكر هذا التاريخ البحري العريق، وتُعرّف الأجيال الجديدة بدور أجدادهم في بناء وتشييد هذه السفن الضخمة، وبالأمجاد التجارية والملاحية التي حققوها عبر القرون.

خاتمة

تظل قصة الأسطول التجاري الصوري، بسفنه الشهيرة الغنجة والبغلة، واحدة من أبرز فصول التاريخ البحري العُماني، بل والعربي بشكل عام. فمن خور البطح المتواضع في ظاهره، انطلقت سفن ضخمة حملت اسم عُمان إلى أبعد نقاط المحيط الهندي، رابطة بين موانئ الجزيرة العربية وسواحل شرق إفريقيا وموانئ الهند والصين، في منظومة تجارية وملاحية متكاملة استمرت لقرون طويلة.

لقد جسدت سفينة الغنجة بضخامتها وزخارفها قمة الإبداع الهندسي والفني لدى النجار الصوري، بينما مثّلت البغلة بفخامة تصميمها وقدرتها التجارية والعسكرية على حد سواء، ذروة ما وصلت إليه صناعة السفن العربية التقليدية. وقد ارتبطت هاتان السفينتان، إلى جانب أنواع أخرى من المراكب الصورية، بحقبة ذهبية من التاريخ العُماني، تجلت بوضوح في العلاقة الفريدة التي ربطت صور بزنجبار، وبلغت أوجها في عهد السلطان سعيد بن سلطان، حين أصبحت عُمان قوة بحرية وتجارية مهيمنة على مساحات شاسعة من المحيط الهندي.

ورغم أن التحديات المعاصرة، وعلى رأسها انتشار قوارب الفايبر الحديثة، قد أدت إلى تراجع ملحوظ في صناعة السفن الخشبية التقليدية، فإن جذوة هذه الحرفة لم تنطفئ تمامًا. فلا تزال صور تحتضن مصانع ونجارين يحملون هذا الإرث على عاتقهم، حريصين على نقله للأجيال القادمة، سواء من خلال بناء سفن جديدة بالطرق التقليدية، أو من خلال توثيق هذا التراث في المتاحف والدراسات الأكاديمية والفعاليات الثقافية. وهكذا، تبقى صور، بأساطيلها التاريخية وحرفييها المهرة، عنوانًا خالدًا لعلاقة العُماني الأزلية بالبحر، وشاهدًا حيًّا على عظمة ماضٍ بحري لا يزال صداه يتردد في كل زاوية من زوايا هذه المدينة الساحلية العريقة.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية