الألعاب الشعبية العمانية: قوانين لعبتي الحواليس و التبة التقليديتين
مقدمة: كنوز التراث العماني غير المادي
تزخر سلطنة عُمان بإرث ثقافي واجتماعي غني، تتشابك خيوطه بين البحر والجبل والصحراء والواحة، ومن أبرز تجليات هذا الإرث الألعاب الشعبية التقليدية التي توارثتها الأجيال أبًا عن جد منذ مئات السنين. لم تكن هذه الألعاب مجرد وسيلة للتسلية وقتل أوقات الفراغ، بل كانت مدرسة حقيقية تُكسب الصغار قيم الصبر والذكاء والتعاون وروح المنافسة الشريفة، وتجمع الكبار في جلسات اجتماعية دافئة تقوّي أواصر الحي والقرية والفريج.
ونظرًا لأهمية هذا الموروث، أولت الحكومة العمانية اهتمامًا خاصًا بحفظه وتوثيقه؛ إذ شكّلت وزارة الشؤون الرياضية (الثقافة والرياضة والشباب حاليًا) فريق عمل متخصصًا قام بجولات ميدانية شاملة في مختلف محافظات السلطنة لحصر هذه الألعاب وتدوين قوانينها وضوابطها، تمهيدًا لإحيائها وتقنينها بأسلوب يسمح بممارستها على أسس موحدة في مختلف أنحاء البلاد. وقد أثمر هذا الجهد عن نتيجة عالمية مشرّفة، حيث اختيرت سلطنة عُمان رئيسة لمجموعة العمل الدولية للألعاب والرياضات التقليدية التابعة للجنة الدولية للتربية والرياضة، التابعة لمنظمة اليونسكو، وذلك في يناير 2006م بمدينة باريس، تقديرًا للمشروع المتميز الذي قدمته السلطنة في هذا المجال.
في هذه المقالة، نسلّط الضوء بشكل مفصل على لعبتين من أعرق الألعاب الشعبية العمانية وأكثرها حضورًا في الذاكرة الجماعية للعمانيين: لعبة “الحواليس”، اللعبة الساحلية الذهنية التي تعتمد على الحساب الدقيق، ولعبة “التبة” (وتُعرف أيضًا باسم “المسطاع” أو “التوفة”)، اللعبة الجماعية النشطة التي تجمع المهارة البدنية بالتكتيك الجماعي. وسنستعرض قوانين كل لعبة، وأدواتها، وطريقة لعبها، وامتدادها الجغرافي والاجتماعي في ربوع السلطنة، إضافة إلى الجهود الرسمية والشعبية المبذولة للحفاظ على هذا الموروث الثمين ونقله إلى الأجيال القادمة في زمن تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي.
وتجدر الإشارة إلى أن الألعاب الشعبية العمانية بشكل عام تنقسم إلى نوعين رئيسيين: ألعاب ذهنية تعتمد على التفكير والحساب والتخطيط، تُمارَس غالبًا بين عدد محدود من اللاعبين وبأدوات بسيطة كالحصى والرمال والقواقع، وألعاب حركية جماعية تعتمد على اللياقة البدنية والسرعة والتنسيق بين أفراد الفريق الواحد، وتُمارَس في الساحات والمساحات المفتوحة بمشاركة أعداد كبيرة من اللاعبين. واللعبتان اللتان نتناولهما في هذه المقالة تمثلان نموذجًا واضحًا لكلا النوعين، وتعكسان بذلك الثراء والتنوع الذي يميز هذا الجانب من التراث العماني غير المادي.
أولًا: لعبة “الحواليس” – ذكاء الساحل وحساب الأجداد
نبذة عن اللعبة وأصولها
تُعد لعبة الحواليس واحدة من أعرق الألعاب الشعبية التي تناقلتها الأجيال عن الأجداد في عُمان، وما زال يمارسها الكبار والشباب للتسلية والترفيه عن النفس في أوقات الفراغ حتى يومنا هذا. وتُمارس اللعبة بشكل خاص في وقت العصر على الشواطئ، في محافظات مسقط وصور والباطنة، وتُعرف بأنها لعبة من الألعاب التي “تُدمن” بسهولة، إذ تتحول مع الوقت إلى عادة يومية محببة لدى ممارسيها.
واللافت أن لعبة الحواليس ليست لعبة فريدة أو حصرية على عُمان وحدها؛ إذ يُقال إن أصولها تعود إلى شرق إفريقيا، ولعل العلاقات التجارية القديمة التي ربطت عُمان بالساحل الإفريقي عبر قرون من الإبحار والتبادل التجاري هي السبب وراء انتقال هذه اللعبة إلى السلطنة عن طريق البحارة العمانيين. وهذا ما يفسر أيضًا سبب انتشار اللعبة في المناطق الساحلية من عُمان حصرًا، إذ ارتبطت تاريخيًا بثقافة سكان السواحل وأهل البحر الذين كانوا يمضون فيها أوقاتًا طويلة بين رحلات الصيد والتجارة.
وتنتمي لعبة الحواليس إلى عائلة أوسع من ألعاب الحفر والبذور المنتشرة في مناطق واسعة من إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، والتي تُعرف في الأدبيات العالمية بألعاب “المانكالا”، وتشترك جميعها في الفكرة الأساسية القائمة على توزيع قطع صغيرة (بذور أو حصى أو أصداف) على حفر مرصوفة في صفين متقابلين، مع اختلافات طفيفة في القوانين التفصيلية من منطقة إلى أخرى. وهذا يفسر وجود تسميات متقاربة للعبة في الدول المجاورة والمناطق التي ربطتها بعُمان علاقات تجارية وثقافية تاريخية، وإن كانت كل بيئة قد أضفت على اللعبة طابعها الخاص وتفاصيلها المحلية المميزة.
تعتمد لعبة الحواليس بشكل أساسي على الذكاء والفطنة والعمليات الحسابية الدقيقة، أكثر من اعتمادها على الحظ أو المهارة البدنية، ولهذا السبب يبرز كبار السن باعتبارهم أمهر لاعبيها اليوم، فخبرتهم الطويلة وحنكتهم في حساب الخطوات تمنحهم أفضلية واضحة على اللاعبين الأصغر سنًا. ولا غرابة في أن توصف اللعبة أحيانًا بأنها أشبه بتمرين ذهني يومي، إذ تتطلب من اللاعب أن يستحضر في ذهنه صورة كاملة لتوزيع القواقع على جميع الحفر، وأن يتوقع مسبقًا أثر كل خطوة يفكر في القيام بها على مجريات اللعبة لاحقًا، تمامًا كما يفعل لاعبو الشطرنج حين يخططون لعدة نقلات مقدمًا.
أدوات اللعبة ومكان ممارستها
تتميز لعبة الحواليس ببساطة أدواتها، فهي لا تحتاج إلى أي معدات مكلفة أو مصنّعة، بل تعتمد بالكامل على ما يوفره الساحل والبيئة المحيطة، وهذا في حد ذاته أحد أسرار بقائها حية حتى اليوم رغم انتشار الألعاب الإلكترونية الحديثة:
- الرمال: تُستخدم لرسم حفر اللعبة وحفظها، وهي العنصر الأساسي الذي تُبنى عليه رقعة اللعب، إذ يكفي أن يجد اللاعبان بقعة رملية مستوية على الشاطئ ليبدآ في حفر “بيوت” اللعبة بأيديهما أو بأداة بسيطة كقطعة خشب أو عصا.
- القواقع البحرية أو الحصى: تُستخدم كقطع أو “أحجار” للعب، وتمثل رأس مال كل لاعب الذي يسعى للحفاظ عليه وزيادته على حساب خصمه. وغالبًا ما يُفضَّل اللاعبون استخدام القواقع البحرية الصغيرة المتوفرة بكثرة على الشواطئ العمانية، نظرًا لتوفرها المجاني وسهولة عدّها وتمييزها.
- الحُفر (البيوت): تُحفر في الرمل على شكل صفين متقابلين، ويمثل كل صف حفرًا مخصصة لكل لاعب، بحيث يقابل كل بيت من بيوت أحد اللاعبين بيتًا مماثلًا له من بيوت الخصم، وهذا التقابل هو ما يتيح لاحقًا عملية “الأكل” أو الاستحواذ على أصداف الخصم.
ولأن أدوات اللعبة طبيعية ومتوفرة مجانًا في البيئة الساحلية، فقد ظلت الحواليس على مدى عقود طويلة لعبة في متناول الجميع، لا تتطلب أي تكلفة مادية، وهو ما ساهم في استمرارها وانتقالها من جيل إلى جيل دون انقطاع يُذكر، رغم كل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي مرت بها السلطنة.
عدد اللاعبين
لا تحتاج اللعبة لأكثر من لاعبين اثنين فقط لممارستها بشكل أساسي، إلا أنها غالبًا ما تجذب حولها عددًا من المتفرجين الذين يحرصون على متابعة سير المباراة، الأمر الذي يضفي على اللعبة أجواءً من الحماس والتشويق ويزيد من متعتها، إذ تتحول الحفرة الرملية إلى ما يشبه حلبة تنافس صغيرة يتجمع حولها الفضوليون لمتابعة الحسابات الدقيقة ومحاولة التكهن بالخطوة القادمة لكل لاعب. وفي كثير من الأحيان، يتدخل بعض المتفرجين بالنصح أو التعليق بصوت مسموع، وإن كان العرف يقضي بعدم التدخل المباشر في قرارات اللاعبين أثناء سير المباراة، احترامًا لروح المنافسة العادلة.
طريقة اللعب وقوانينها
تقوم فكرة اللعبة على توزيع القواقع أو الحصى على الحُفر المرسومة في الرمل بطريقة منظمة، حيث يبدأ اللاعب بأخذ محتويات إحدى حفره ويوزعها واحدة تلو الأخرى على الحفر المتتالية، في حركة دائرية محسوبة تمر عبر حفر اللاعب نفسه وحفر خصمه على حد سواء.
أما حين تكون آخر قوقعة من توزيعة اللاعب قد سقطت ضمن حفرة تحتوي بالفعل على قواقع أخرى، فإن اللاعب يحمل محتويات تلك الحفرة بالكامل ويواصل توزيعها على الحفر التالية، وهكذا يستمر في الحمل والتوزيع إلى أن ينتهي إلى “بيت” أو حفرة خالية تمامًا. وهنا يكمن جوهر اللعبة الذهني، إذ يتطلب الأمر حسابات دقيقة لكل خطوة، وتقديرًا مسبقًا لمكان استقرار آخر قوقعة في كل توزيعة.
وتتحدد نتيجة كل دورة وفقًا للمكان الذي تستقر فيه القوقعة الأخيرة:
- إذا وقعت القوقعة الأخيرة في “بيت” أو حفرة خالية تمامًا من جهة اللاعب نفسه: يستولي اللاعب على جميع الأصداف أو الحصى الموجودة في الحفرة المقابلة له من جهة خصمه (الحفرة التي تقع في الصف الآخر مباشرة أمام حفرته)، فيضيفها إلى رصيده الخاص ويخرجها من اللعب.
- إذا لم تقع القوقعة الأخيرة في حفرة خالية: تستمر اللعبة وينتقل الدور إلى الخصم ليبدأ هو الآخر بتوزيع محتويات إحدى حفره بالطريقة نفسها.
وتستمر اللعبة بهذا الشكل، جولة بعد جولة، يحسب فيها كل لاعب خطواته بدقة محاولًا توقع تحركات خصمه ومنعه من “الأكل” (الاستحواذ على القواقع)، بينما يسعى في الوقت نفسه لخلق الفرص المناسبة للاستيلاء على أكبر قدر ممكن من أصداف الخصم.
وتكمن المهارة الحقيقية في اللعبة في قدرة اللاعب على “قراءة” رقعة اللعب بأكملها قبل تحريك أي حفرة، فلا يكفي أن يحسب اللاعب أين ستستقر آخر قوقعة في توزيعته الحالية فحسب، بل عليه أيضًا أن يفكر في الاحتمالات التي ستتاح لخصمه بعد ذلك، وما إذا كانت خطوته الحالية ستفتح له بابًا لاحقًا للاستحواذ على حفرة محملة بعدد كبير من القواقع. ولهذا السبب بالذات، تُعد الحواليس لعبة تراكمية الخبرة بامتياز؛ فكلما مارسها اللاعب أكثر، ازدادت قدرته على استشراف مسار اللعبة وتفادي الأخطاء التي قد تمنح خصمه فرصة سهلة للاستحواذ على رصيده.
ومن الجدير ذكره أن بعض اللاعبين المخضرمين يطورون مع الوقت أساليب وتكتيكات خاصة بهم، كأن يحرص اللاعب على ترك إحدى حفره فارغة عمدًا في وقت مبكر من اللعبة، تمهيدًا لاستخدامها لاحقًا كـ”فخ” يستدرج به القوقعة الأخيرة من توزيعة قادمة، وهي حيلة تتطلب حسابًا دقيقًا للمسافات وعدد القواقع المتوقع توزيعها في الجولات اللاحقة.
كيفية انتهاء اللعبة وتحديد الفائز
تنتهي اللعبة حين يخسر أحد اللاعبين جميع أصدافه أو حصاه، إذ يصبح عاجزًا عن متابعة اللعب بعد أن تفرغ حفره بالكامل، فيُعلن الطرف الآخر فائزًا بالمباراة. وكلما طالت اللعبة، ازداد التشويق والحسابات الذهنية المعقدة التي يجريها كل لاعب محاولًا قراءة نوايا خصمه قبل أن يحرك قطعه.
المكانة الاجتماعية للعبة
لا تقتصر أهمية الحواليس على كونها مجرد تسلية، بل تُعد جزءًا أصيلًا من التراث الثقافي والاجتماعي الذي تعتز به سلطنة عُمان وتسعى جاهدة للحفاظ عليه. فاللعبة تجمع أبناء الحي الواحد في جلسات عصرية ممتدة على الشاطئ، ويتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد جيلًا بعد جيل، حتى أصبحت في كثير من الأحيان عادة يومية لا يستغني عنها ممارسوها. ولا تزال بعض المناطق الساحلية كصور ومسقط والباطنة تحافظ على هذا التقليد الجميل حتى يومنا هذا، حيث يجتمع كبار السن خصوصًا في أوقات العصر لإحياء هذا الموروث الجميل ونقله للأجيال الجديدة.
وتشكل جلسة الحواليس اليومية في كثير من القرى الساحلية مناسبة اجتماعية متكررة، يجتمع فيها الجيران وأبناء الفريج الواحد بعد صلاة العصر، فتتحول الجلسة من مجرد مباراة بين لاعبين اثنين إلى ملتقى يومي يتبادل فيه الحضور أطراف الحديث عن شؤون الحياة اليومية وأخبار البحر والصيد، بينما تستمر المباراة في الخلفية كمحور يجمع الجميع. وهذا الجانب الاجتماعي هو ما يفسر إلى حد كبير قدرة اللعبة على الصمود أمام موجات التغيير المتلاحقة، فهي لا تقدم فقط متعة ذهنية، بل توفر أيضًا فضاءً اجتماعيًا حيًا يصعب أن تعوضه شاشة هاتف ذكي أو جهاز إلكتروني.
كما أن هناك جهودًا محلية متجددة لإحياء اللعبة عبر تنظيم مسابقات ودورات في بعض الولايات، يحرص خلالها المنظمون على إشراك الناشئة لتعليمهم أصول اللعبة وقوانينها، حرصًا على ألا تندثر هذه الذاكرة الجماعية مع تقدم العمر بأبرز ممارسيها من كبار السن.
ثانيًا: لعبة “التبة” (المسطاع) – التكتيك الجماعي والمهارة البدنية
نبذة عن اللعبة
في مقابل الطابع الذهني الهادئ للحواليس، تأتي لعبة “التبة” المعروفة أيضًا باسم “المسطاع” أو “التوفة” أو “المكراخ” لتمثل نموذجًا مختلفًا تمامًا من الألعاب الشعبية العمانية، فهي لعبة جماعية نشطة تعتمد على المهارة البدنية والتعاون الجماعي والتكتيك المدروس بين أفراد الفريق الواحد. وتنتمي هذه اللعبة إلى مجموعة الرياضات التقليدية السبع التي قامت وزارة الشؤون الرياضية بتقنينها رسميًا ووضع لوائح وقوانين موحدة لممارستها في مختلف ربوع السلطنة، ضمن مشروعها الطموح لإحياء وتوثيق هذا الموروث الرياضي الأصيل.
وتحمل اللعبة في بعض المناطق العمانية تسميات متعددة تبعًا للهجة المحلية وعادات كل منطقة، فبينما تُعرف باسم “التبة” نسبة إلى الكرة الصغيرة المستخدمة فيها، يُطلق عليها سكان مناطق أخرى اسم “المسطاع” نسبة إلى المضرب الخشبي، أو اسم “التوفة”، أو اسم “المكراخ”، وهي تسميات مختلفة لذات اللعبة الأصيلة التي تجمع في جوهرها بين الجري والضرب والمطاردة الجماعية، وتحمل في طياتها شبهًا تكتيكيًا بألعاب الكرة والمضرب المعروفة عالميًا، وإن احتفظت بطابعها المحلي الخالص في الأدوات والقوانين وطريقة الأداء.
مكان اللعب
تُمارَس لعبة التبة في أي مكان مفتوح وفسيح يتسع لحركة عدد كبير من اللاعبين، ويُحدَّد ملعبها برسم دائرتين، يبلغ قطر كل واحدة منهما نحو ستة أمتار، وتفصل بين الدائرتين مسافة تتراوح بين 25 و40 مترًا. وتُعرف إحدى الدائرتين باسم “دائرة المرمى”، وهي النقطة التي ينطلق منها الفريق المهاجم في بداية كل جولة. وقد اختير هذا النوع من الملاعب المفتوحة لتناسبه مع طبيعة الأرض العمانية الواسعة، سواء في الساحات الترابية المجاورة للقرى أو في الفضاءات الرملية المفتوحة قرب السواحل والوديان، بما لا يتطلب أي تجهيزات أو منشآت خاصة.
عدد اللاعبين والمدة الزمنية
تُلعب التبة بين فريقين، يتكوّن كل فريق منهما من نحو عشرة إلى خمسة عشر لاعبًا، وهو ما يجعلها من الألعاب التي تستوعب عددًا كبيرًا من المشاركين في آنٍ واحد، الأمر الذي يضفي عليها طابعًا جماهيريًا واسعًا ويجعلها مناسبة للمناسبات والتجمعات الشعبية الكبيرة. أما زمن اللعبة فيتراوح عادة بين عشر إلى خمس عشرة دقيقة للشوط الواحد، وقد تُلعب عدة أشواط متتالية بحسب اتفاق الفريقين والوقت المتاح.
أدوات اللعبة
تتكوّن أدوات لعبة التبة من عنصرين أساسيين:
- كرة صغيرة: كانت تُصنع قديمًا من ليف أشجار النخيل، تماشيًا مع البيئة العمانية التقليدية التي اعتمد سكانها على النخلة في تلبية الكثير من احتياجاتهم اليومية، وتُعرف هذه الكرة المصنوعة يدويًا باسم “التُّبة”. أما اليوم فتُصنع الكرة عادة من الإسفنج لضمان السلامة أثناء اللعب، خصوصًا مع مشاركة أعداد كبيرة من اللاعبين في مساحة مفتوحة.
- مضرب من الخشب: يبلغ طوله نحو ستين سنتيمترًا، ويُستخدم لضرب الكرة وتوجيهها أثناء سير اللعب، ويصنعه اللاعبون غالبًا بأنفسهم من أخشاب الأشجار المحلية المتوفرة في بيئتهم.
طريقة اللعب وقوانينها
تبدأ اللعبة بإجراء قرعة بين الفريقين المتنافسين لتحديد الفريق الذي سيبدأ اللعب أولًا، حيث يقف الفريق الفائز بالقرعة داخل “دائرة المرمى” ليتولى دور الفريق المهاجم، بينما ينتشر الفريق الآخر في الملعب المفتوح بين الدائرتين متخذًا موقع الدفاع.
ويقوم اللاعب المهاجم بضرب الكرة بالمضرب الخشبي في محاولة لإرسالها لأبعد مسافة ممكنة باتجاه الدائرة الثانية، بينما يسعى لاعبو الفريق المدافع إلى اعتراض الكرة أو منعها من الوصول، ومحاولة الإمساك بها قبل سقوطها على الأرض أو بعد ارتدادها مباشرة، في مزيج من السرعة والتنسيق الجماعي. وبعد ضرب الكرة، يحاول اللاعب المهاجم (ومن خلفه بقية لاعبي فريقه الذين ينطلقون تباعًا) الركض بين الدائرتين ذهابًا وإيابًا لتسجيل أكبر عدد ممكن من الجولات أو “الأشواط” قبل أن يتمكن الفريق المدافع من إعادة الكرة إلى دائرة المرمى أو إصابة أحد اللاعبين المهاجمين بها.
وتقوم فلسفة اللعبة على التبادل بين الهجوم والدفاع، فإذا نجح الفريق المدافع في اعتراض الكرة أو في “إخراج” أحد لاعبي الفريق المهاجم بإصابته بالكرة أو الإمساك بها قبل ارتدادها، تنقلب الأدوار ويصبح هو الفريق المهاجم في الجولة التالية، بينما يتحول الفريق الآخر إلى موقع الدفاع. وتستمر اللعبة على هذا النحو من التبادل المستمر بين الهجوم والدفاع طوال الوقت المحدد للشوط.
وتتطلب اللعبة من الفريق المدافع تنسيقًا دقيقًا في توزيع لاعبيه على مساحة الملعب الواسعة، بحيث يغطي كل لاعب جزءًا من الأرض دون أن يترك ثغرات يمكن للكرة المضروبة أن تنفذ منها، بينما يحتاج الفريق المهاجم بدوره إلى قراءة مواقع الفريق المدافع بسرعة لاختيار أفضل زاوية واتجاه لضرب الكرة، وهو ما يمنح اللعبة بُعدًا تكتيكيًا إضافيًا يتجاوز مجرد القوة البدنية إلى الذكاء في قراءة الملعب واستثمار نقاط ضعف الخصم.
تحديد الفائز
يُحسب للفريق المهاجم عدد الأشواط أو المسافات التي ينجح في قطعها بين الدائرتين خلال الوقت المتاح له قبل أن تنتقل الكرة إلى الفريق الآخر، ويتم تجميع هذه النقاط على مدار الأشواط المتعددة للعبة. وفي نهاية الوقت المحدد للمباراة، يُعلن فوز الفريق الذي يكون قد جمع أكبر عدد من النقاط أو الأشواط المكتملة.
الأهمية الاجتماعية والتربوية للعبة
تمتاز لعبة التبة بطابعها الجماعي الذي يُكسب اللاعبين قيمًا تربوية مهمة كروح الفريق والتعاون والانضباط، فضلًا عن كونها نشاطًا بدنيًا مفيدًا يُنمي اللياقة والسرعة وخفة الحركة. ولأنها تستوعب أعدادًا كبيرة من المشاركين، فقد كانت ولا تزال من الألعاب المحببة في المناسبات الاجتماعية والتجمعات القروية، حيث يجتمع شباب الحارة أو القرية الواحدة لتشكيل فريقين متنافسين في أجواء مفعمة بالحماس والتشجيع من المتفرجين.
لمحة إضافية: لعبة “علوا ياك” – المطاردة والمدى
إلى جانب الحواليس والتبة، تزخر القائمة العمانية للألعاب الشعبية الموثقة رسميًا بألعاب أخرى مكملة تستحق الإشارة إليها لفهم السياق الأوسع لهذا الموروث، ومن أبرزها لعبة “علوا ياك”، المعروفة أيضًا باسم “المدى”، وهي لعبة جماعية تجمع بين المطاردة والاختباء والتنبيه الصوتي.
تُمارَس هذه اللعبة في مكان مفتوح، حيث تُرسم دائرة يبلغ قطرها نحو ثلاثة أمتار تُسمى “المدى”، ويتنافس فيها فريقان يتكون كل منهما من سبعة لاعبين تقريبًا، دون الحاجة لأي أدوات خاصة. وتبدأ اللعبة عندما يهرب أفراد الفريق الأول إلى أماكن بعيدة عن “المدى” للاختباء، بينما يبقى أحد أفراد هذا الفريق واقفًا في موقع مكشوف ليتولى مهمة التنبيه. أما الفريق الثاني فيجلس داخل الدائرة باستثناء أحد لاعبيه، الذي تكون مهمته البحث عن أفراد الفريق الهارب المختبئين في مختلف الأماكن المحيطة.
واللافت في هذه اللعبة هو الدور الذي يؤديه اللاعب الواقف من الفريق الهارب؛ إذ يتعقب حركة الباحث، وكلما اقترب الأخير من أحد أماكن الاختباء، ينادي اللاعب الواقف بعبارات متعارف عليها بين اللاعبين مثل “علوا ياك من شمال” أو “علوا ياك من جنوب” أو “علوا ياك قرب بيت فلان”، في إشارة تحذيرية لرفاقه المختبئين تساعدهم على تغيير مكانهم أو التحسب لاقتراب الباحث منهم. وهذا النداء الجماعي هو ما يمنح اللعبة اسمها، ويضفي عليها طابعًا تفاعليًا مميزًا قائمًا على التعاون غير المباشر بين اللاعب الواقف وزملائه المختبئين.
وتكشف هذه اللعبة، إلى جانب الحواليس والتبة، عن مدى التنوع في أنماط الألعاب الشعبية العمانية، التي تتراوح بين الذهنية الهادئة والحركية النشطة وألعاب الاختباء والمطاردة الجماعية، بما يعكس غنى الخيال الشعبي العماني في ابتكار أشكال متعددة من الترفيه الجماعي بأدوات بسيطة لا تتجاوز في الغالب رمال الأرض وأصوات اللاعبين أنفسهم.
مقارنة بين اللعبتين: تنوع الموروث العماني
يكشف استعراض اللعبتين عن التنوع الثري الذي يميز الألعاب الشعبية العمانية، فبينما تمثل الحواليس نموذجًا للألعاب الذهنية الهادئة التي تعتمد على لاعبين اثنين وحسابات دقيقة وصبر طويل، تمثل التبة نموذجًا مغايرًا تمامًا للألعاب الجماعية النشطة التي تستوعب عشرات المشاركين وتعتمد على السرعة والتنسيق والقوة البدنية.
ويعكس هذا التباين أيضًا تنوع البيئة العمانية نفسها؛ فالحواليس لعبة ساحلية بامتياز، ارتبطت بثقافة أهل البحر وأوقات فراغهم على الشواطئ، بينما تُمارَس التبة في الساحات والمساحات المفتوحة على اختلاف مواقعها الجغرافية، سواء في المدن الساحلية أو المناطق الداخلية والجبلية. وهذا التنوع الجغرافي والوظيفي للألعاب الشعبية يعكس بدوره ثراء التضاريس العمانية وتنوع أنماط الحياة فيها، من السهول الساحلية إلى الجبال والوديان والصحاري.
ويمكن إجمال أبرز الفروقات بين اللعبتين على النحو التالي:
| وجه المقارنة | الحواليس | التبة (المسطاع) |
|---|---|---|
| طبيعة اللعبة | ذهنية حسابية | جماعية حركية |
| عدد اللاعبين | لاعبان اثنان (مع متفرجين) | فريقان، 10-15 لاعبًا لكل منهما |
| مكان اللعب | الشواطئ الرملية | ساحات مفتوحة واسعة |
| الأدوات | حُفر رملية وقواقع أو حصى | كرة (تُبة) ومضرب خشبي |
| المهارة الأساسية | الحساب والتخطيط الذهني | السرعة واللياقة والتنسيق |
| الفئة الأبرز في ممارستها | كبار السن خصوصًا | الشباب والفتيان |
| الانتشار الجغرافي | المناطق الساحلية حصرًا | مختلف مناطق السلطنة |
وعلى الرغم من هذا الاختلاف الجوهري في طبيعة كل لعبة، تشترك الحواليس والتبة في جوهر واحد يجمع كل الألعاب الشعبية العمانية تقريبًا: البساطة في الأدوات، والاعتماد على ما توفره البيئة المحلية، والقدرة على الجمع بين أفراد المجتمع في نشاط مشترك يقوّي الروابط الاجتماعية ويُكسب اللاعبين قيمًا تربوية متجذرة، سواء كانت تلك القيم متعلقة بالصبر والتفكير المنطقي كما في الحواليس، أو بروح الفريق والانضباط الجماعي كما في التبة.
جهود الحفاظ على الألعاب الشعبية العمانية
لم تترك السلطنة هذا الموروث الثمين عرضة للاندثار أمام زحف الألعاب الإلكترونية الحديثة ووسائل الترفيه الرقمي، بل بذلت جهودًا مؤسسية منظمة لحفظه وتوثيقه وإحيائه. فقد أصدرت وزارة الثقافة والرياضة والشباب كتابًا متخصصًا يحتوي على شرح فني مفصل لكيفية أداء وممارسة أربع وعشرين لعبة تقليدية عمانية، يشمل قوانين كل لعبة وعدد لاعبيها وزمن أشواطها ومقاييس ملعبها وطريقة التحكيم فيها، في خطوة تهدف إلى توحيد طريقة ممارسة هذه الألعاب في مختلف محافظات السلطنة.
ولم يقتصر هذا الجهد على التوثيق النظري فحسب، بل امتد ليشمل تنظيم ورش عمل ميدانية تُعنى بالجانب العملي من تعلم هذه الألعاب، حيث يُوزَّع المشاركون فيها على مجموعات صغيرة لتطبيق كل لعبة بعد التعرف على متطلباتها وقوانين ممارستها، بدءًا من عدد اللاعبين وزمن الأشواط، وصولًا إلى مقاييس الملعب وأسلوب التحكيم المعتمد لكل لعبة. وتهدف هذه الورش إلى ترسيخ مفهوم الألعاب الشعبية التقليدية لدى فئة الشباب والطلبة تحديدًا، باعتبارهم حلقة الوصل الأهم بين هذا الموروث وأجيال المستقبل.
كما تنظم الأندية والمؤسسات الشبابية في مختلف الولايات بطولات ومسابقات دورية لهذه الألعاب التراثية، خاصة في المناسبات الوطنية والأعياد والإجازات الصيفية، بهدف تعريف الناشئة بأهمية هذا الموروث وتعليمهم طريقة ممارسته الصحيحة. ومن الأمثلة على ذلك ما تشهده بعض المناطق كولاية بهلاء، حيث يحرص فريق “الجزيرة” التابع لقسم النشاط الاجتماعي على تنظيم مسابقات منتظمة للحواليس، يحضرها كبار السن والشباب على حد سواء، في أجواء من التنافس القوي والفطنة، ويجتمعون لهذا الغرض في موقع محدد يُعرف محليًا بمسمى مكاني خاص يتوارثه الأهالي.
وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن بعض المبادرات الشبابية الحديثة سعت إلى الجمع بين الأصالة والتقنية الحديثة، عبر التفكير في تحويل بعض الألعاب الشعبية العمانية إلى ألعاب إلكترونية رقمية تفاعلية، في محاولة لجعل هذا التراث أكثر جذبًا للأطفال والشباب في عصر التكنولوجيا، دون أن يفقد هويته الأصيلة أو قيمته الثقافية. ومن أبرز هذه المساعي مشروع أطلقه مركز ثقافة الطفل التابع لوزارة الثقافة والرياضة والشباب، يهدف إلى دمج التطور الرقمي بالاهتمام بالتراث الشعبي، وذلك بالتفكير في تحويل عدد من الألعاب الشعبية العمانية إلى نسخ رقمية تفاعلية تحافظ على هويتها الأصلية، وتمنحها في الوقت نفسه أسلوبًا عصريًا أكثر جذبًا لجيل اليوم. ويرى القائمون على هذا المشروع أنه يحمل رسالة عميقة تتعلق بالحفاظ على الهوية العمانية وإحيائها في عالم سريع التغيير، تنتشر فيه الألعاب الرقمية العالمية التي تشكل وعي الجيل الجديد، الأمر الذي يجعل من الضروري الحفاظ على الألعاب الشعبية التي كانت يومًا جزءًا أساسيًا من الطفولة العمانية والذاكرة المجتمعية.
ولا يقتصر التوثيق على المستوى الرسمي فحسب، بل يساهم فيه أيضًا الباحثون والمهتمون بالتراث الشعبي عبر إصدار مؤلفات متخصصة، إذ صدرت على سبيل المثال دراسات ومؤلفات تناولت لعبة الحواليس تحديدًا بوصفها نموذجًا للألعاب الشعبية العمانية، في إطار سلسلة أوسع من الإصدارات المعنية بتوثيق الفنون والألعاب الشعبية في السلطنة، وهو ما يعكس اهتمامًا أكاديميًا وبحثيًا متزايدًا بهذا الجانب من التراث غير المادي.