الحرب الغافرية الهنائية: قرنان من الانقسام السياسي والقبلي في تاريخ عُمان
تُعد الحرب الغافرية الهنائية واحدة من أعمق التحولات الاجتماعية والسياسية في تاريخ عُمان الحديث. لم تكن هذه الحرب مجرد صراع عابر بين قبيلتين أو حلفين، بل كانت شرخاً بنيوياً أعاد تشكيل الخارطة الديموغرافية والسياسية للبلاد طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وامتدت آثارها حتى منتصف القرن العشرين.
نشأ هذا الانقسام في أواخر عهد الدولة اليعربية نتيجة أزمة الحكم والوراثة، وسرعان ما تحول من خلاف سياسي على الإمامة إلى استقطاب قبلي حاد قسّم المجتمع العُماني إلى كتلتين متناحرتين: الحلف الغافري (العدناني) والحلف الهنائي (القحطاني).
نستعرض في هذه المقالة الشاملة الجذور التاريخية لهذا الصراع، أسبابه، تطور أحداثه، والآثار العميقة التي تركها على الهوية والسياسة العُمانية.
1. الجذور التاريخية والبيئة القبلية في عُمان
لفهم أبعاد الصراع الغافري الهنائي، يجب أولاً فهم التركيبة القبلية والسياسية لعُمان قبل اندلاع الفتنة. تميزت عُمان تاريخياً بتنوعها الجغرافي بين الساحل التجاري والداخل الجبلي والزراعي، وهو ما انعكس على طبيعة التحالفات.
التعصب التقليدي بين عرب الشمال وعرب الجنوب
يرى الكثير من المؤرخين والباحثين أن هذا الانقسام الحاد لم يكن وليد لحظته، بل أحيا في جوهره صورة من صور التعصب التقليدي والتنافس التاريخي الموروث بين عرب الشمال (العدنانيين) وعرب الجنوب (القحطانيين). هذا الاستقطاب العرقي القديم وجد في أزمة الإمامة اليعربية أرضاً خصبة للظهور مجدداً وبشكل أكثر دموية وتنظيماً:
- التحزب الهناوي (القبائل القحطانية اليمنية): انصهرت في هذا الحلف القبائل ذات الأصول اليمنية الغالبة. وكان يسيطر على وجدان هذه القبائل شعور تاريخي بأحقيتها المبدئية والشرعية في السلطة وإدارة شؤون عُمان؛ ويستند هذا التصور إلى اعتبارين أساسيين: أولهما أنهم يمثلون الأغلبية الديموغرافية في البلاد، وثانيهما أنهم كانوا أول القادمين والمستوطنين في عُمان عقب انهيار سد مأرب في اليمن، مما جعلهم ينظرون إلى أنفسهم كأقدم ركائز الاستقرار في المنطقة وأولى بتقدير مكانتهم السياسية.
- التحزب الغافري (القبائل العدنانية الحجازية): ضم هذا المعسكر القبائل النزارية والشمالية التي تعود جذورها إلى الحجاز ونجد ووسط الجزيرة العربية. هؤلاء وفدوا إلى عُمان في فترات لاحقة وتمركزوا في مناطق معينة، وشكلوا كتلة متماسكة لمواجهة النفوذ القحطاني التقليدي، باحثين عن توازن سياسي وقبلي يحفظ مكانتهم وقوتهم الاقتصادية والعسكرية.
بالرغم من وجود هذا التمايز النسبي، إلا أن التعايش كان هو السائد لفترات طويلة خلال أوج قوة الدولة اليعربية، ولم يكن الانتماء العرقي وحده كافياً لإشعال الحروب، بل كانت المصالح السياسية والاقتصادية والسيطرة على الموارد هي المحرك الأساسي الذي أيقظ هذه العصبيات الكامنة.
2. الشرارة الأولى: أزمة الحكم اليعربي وانقسام عام 1718م
بلغت عُمان في عهد اليعاربة ذروة قوتها العسكرية والبحرية، حيث تم طرد البرتغاليين من عمان ومنطقة الخليج وشرق إفريقيا. ولكن، مع وفاة الإمام القوي سلطان الثاني بن سيف اليعربي في سنة 1718م، انفتحت على البلاد طاقة من الجحيم، ودخلت عُمان في نفق مظلم من الانقسامات الكبيرة التي تفرعت عنها تكتلات قبلية وحزبية واسعة النطاق أدت مباشرة إلى ميلاد “الحلف الهناوي” و”الحلف الغافري”.
معضلة الإمام الطفل والنزاع الفكري والسياسي
تمثلت بداية الخلاف الحقيقية في مسألة وريث الإمام الراحل سلطان بن سيف الثاني. فقد ترك خلفه ابناً صغيراً في العمر (لم يتجاوز العاشرة أو الثانية عشرة من عمره)، وهو سيف بن سلطان الثاني. هذا الموقف الاستثنائي خلق انقساماً جذرياً في فلسفة الحكم وإدارة الدولة بين ركيزتين من ركائز المجتمع العُماني:
- علماء الإباضية والفقهاء: وقف علماء الدين وفقهاء الإباضية بحزم ضد تولية الصبي؛ نظراً لأن شروط الإمامة في الفقه الإباضي تشترط البلوغ، والعقل، والقدرة على قيادة الجيوش وإقامة الحدود، وهي صفات لا تتوفر في طفل صغير. بناءً على ذلك، اتجهت أنظار العلماء والفقهاء نحو تأييد ومبايعة رجل قوي من أركان الدولة وهو الشيخ مهنا بن سلطان بن ماجد بن مبارك اليعربي (زوج عمة الصبي الصغير)، ليكون إماماً شرعياً يقود البلاد في تلك المرحلة الحرجة.
- الأسرة اليعربية الحاكمة: في المقابل، كانت الأسرة اليعربية قد اعتادت على مدار عقود على حصر السلطة والنفوذ والثروة في بيتها. ورأى أقطاب الأسرة في ترشيح العلماء لمهنا بن سلطان محاولة لسحب البساط من تحت أقدامهم ونقل مركز القرار السياسي الفعلي إلى سلطة علماء الدين والفقهاء بدلاً من بيت الحكم. ومن أجل إبقاء السلطة والامتيازات بأيديهم، رفضت الأسرة اليعربية إمامة مهنا بن سلطان رفضا قاطعاً، ودعت بكل قوتها إلى تنصيب الصبي الصغير سيف بن سلطان الثاني إماماً، مستغلة تعاطف قطاع واسع من الشعب والمحازبين مع طفولته وإرث والده الراحل.
التحزب وتجريد السلاح
ومع تمسك كل طرف بموقفه، اشتدت الخصومة السياسية والفقهية بشكل متسارع، وتحول النقاش في مجالس العلم وقصور الحكم إلى تحزب أعمى، حيث انحازت كل قبيلة وكل منطقة إلى جهة معينة وإلى زعيم يمثل مصالحها. ولم يطل الأمر كثيراً حتى انصرف الطرفان عن لغة الحوار إلى لغة السلاح، فأطلت الفتنة برأسها وبدأت بوادر الحرب الأهلية المدمرة تقرع طبولها في كل شبر من أرض عُمان.
3. تشكل الأحلاف: الغافرية ضد الهنائية
تحول الخلاف السياسي حول من يستحق الإمامة سريعاً إلى استقطاب قبلي شامل، حيث بحث كل طرف عن حلفاء عسكريين لتعزيز موقفه. وهنا ظهرت الزعامات القبلية التي أعطت الصراع اسمه التاريخي واستمرت معاركها الضارية لما يقارب خمسة وعشرين سنة من الاضطرابات، والثورات، والقتال المتواصل.
حلف الهنائية (الهناوية)
تزعم هذا الحلف الشيخ خلف بن مبارك الهنائي (المعروف في التاريخ العُماني بلقب “قصير”). انضمت إليه في المقام الأول القبائل القحطانية (اليمنية)، ودعم هذا الحلف في البداية شرعية الصبي سيف بن سلطان الثاني وحلفاءه ضد تحركات الخصوم. عُرف هذا التكتل بحلف الهنائية، واتخذ من الرستاق والمنطقة الداخلية عمقاً استراتيجياً له.
حلف الغافرية (الغافرية)
في المقابل، قاد الشيخ محمد بن ناصر الغافري (زعيم قبيلة بني غافر النزارية) التكتل المعارض. نجح محمد بن ناصر بحنكته وقوته في جمع القبائل العدنانية (الحجازية والنزارية) والقبائل المتضررة من نفوذ الحلف الهنائي. عُرف هذا التكتل بحلف الغافرية، وكان مركزه الظاهرة والبريمي ومناطق نفوذ القبائل الشمالية.
ملاحظة تاريخية: بالرغم من البعد العرقي (يماني/نزاري) الواضح في التحالفات، إلا أن المصالح السياسية والموقع الجغرافي والعداوات المحلية تداخلت أحياناً؛ فصادفت بعض القبائل القحطانية أن انضمت للغافرية نكاية بجيرانها، وبعض القبائل العدنانية انضمت للهنائية للسبب ذاته.
4. مجريات الحرب الأهلية والتدخل الخارجي
عاشت عُمان طوال ربع قرن حالة من الدمار الشامل والاضطراب المستمر، حيث تبادل الحليفان السيطرة على القلاع والحصون، وسالت الدماء في معظم المدن العُمانية من الجبل الأخضر والداخلية إلى الساحل والباطنة.
معركة الرستاق ومقتل القائدين
بلغ الصراع ذروته الدموية في سلسلة من المعارك الطاحنة. وفي عام 1728م، التقى الحلفان في مواجهة حاسمة قرب الرستاق. أسفرت هذه المعركة عن مفارقة تاريخية عجيبة صدمت الطرفين، حيث قُتل قائدا الحلفين في نفس المعركة: الشيخ محمد بن ناصر الغافري والشيخ خلف بن مبارك الهنائي.
بالرغم من غياب الزعيمين الكبيرين، لم تخمد نار الحرب، بل كانت الضغائن والعداوات الثأرية قد ترسخت عميقاً في وجدان القبائل، واستمرت المواجهات العسكرية تحت قيادات جديدة لا تقل تعصباً عن سابقتها.
الاستعانة بالفرس (نادر شاه)
نتيجة لضعف الإمام سيف بن سلطان الثاني وتوالي الهزائم والاضطرابات، ارتكب خطأً استراتيجياً فادحاً بالاستعانة بقوة خارجية لترجيح كفته. طلب سيف بن سلطان المساعدة العسكرية من نادر شاه ملك إيران (بلاد فارس).
استغل الفرس هذه الفرصة الذهبية المتمثلة في تمزق الجبهة الداخلية العُمانية، وأرسلوا حملات عسكرية ضخمة (بين عامي 1737 و1742م) عاثت فساداً وتدميراً في المدن، واحتلت مسقط وصحار وأجزاء واسعة من الساحل، ليتحول الصراع من حرب أهلية قبلية إلى معركة وجودية وتحرير وطني ضد المحتل الأجنبي.
5. صعود أحمد بن سعيد البوسعيدي ونهاية الدولة اليعربية
وسط الفوضى العارمة والدمار الذي خلفته الحرب الأهلية والاحتلال الفارسي، ظهرت شخصية فذة استطاعت إنقاذ البلاد وتوحيد العُمانيين تحت راية واحدة. كان ذلك الشيخ أحمد بن سعيد البوسعيدي، الذي كان يشغل منصب والي صحار من قبل اليعاربة.
طرد الفرس وتأسيس الدولة البوسعيدية
صمد أحمد بن سعيد في وجه الحصار الفارس لصحار صموداً أسطورياً، ثم تمكن بذكائه وحنكته العسكرية والسياسية من طرد الفرس نهائياً من عُمان عام 1744م. وتقديراً لجهوده وتخليصه البلاد من المحتل، ونظراً لإنهاك الأسرة اليعربية وتلاشي قوتها، بايعه العُمانيون (من غافريين وهنائيين) إماماً جامعاً على عُمان في عام 1744م، لتنتهي بذلك دولة اليعاربة رسمياً وتبدأ الدولة البوسعيدية المستمرة حتى اليوم.
6. استمرار الانقسام كبنية سياسية في العقود اللاحقة
على الرغم من أن الإمام أحمد بن سعيد وخلفاءه من السلاطين والأئمة تمكنوا من فرض الاستقرار السياسي والعسكري، إلا أن العقلية القبلية لانقسام (غافري / هنائي) ظلت حية ومتوارثة في الوجدان الشعبي والسياسي لعُمان. تحول الانقسام من حرب مسلحة مستمرة إلى توازن قوى دائم ووسيلة للاستقطاب السياسي عند كل أزمة:
جدول مقارنة بين الحلفين بعد استقرار الدولة
لتبسيط فهم هذا الانقسام الذي استمر أثره لعقود طويلة، يمكن تلخيص الخصائص العامة للحلفين في الجدول التالي:
| وجه المقارنة | الحلف الغافري | الحلف الهنائي |
| الأصل العرقي الغالب | عدناني (نزاري حجازي) | قحطاني (يمني جنوبي) |
| أبرز القبائل | بني غافر، الدروع، الجنيبة، بني بوعلي، النعيم | الهناييد، العوامر، الحوارنة، آل وهيبة، بني ريام |
| المراكز الجغرافية التقليدية | الظاهرة، البريمي، جعلان، أجزاء من الشرقية | الداخلية (نزوى، بهلا)، الرستاق، الجبل الأخضر |
| الموقف السياسي الشائع لاحقاً | يميل أحياناً للتحالف مع قوى الداخل أو التمرد | كان يميل غالباً لدعم حكومة الساحل (مسقط) أو العكس حسب المصلحة |
دور الانقسام في الأزمات اللاحقة
كلما واجهت عُمان أزمة سياسية أو صراعاً على السلطة في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كان الانقسام الغافري الهنائي يطفو على السطح تلقائياً:
- ثورات الداخل ضد سلاطين مسقط: عندما كان ينشأ خلاف بين إمامة الداخل في نزوى وسلطنة الساحل في مسقط، كانت القبائل تصطف فوراً بناءً على خلفيتها الغافرية أو الهنائية لتصفية حسابات قديمة.
- حرب الجبل الأخضر (1954-1959م): حتى في هذه الحرب الحديثة نسبياً، لعبت العصبيات القبلية الموروثة دوراً غير مباشر في تحديد الولاءات والاصطفافات بين إمامة الداخل بقيادة الإمام غالب بن علي الهنائي وحكومة مسقط بقيادة السلطان سعيد بن تيمور.
7. الخاتمة ونهاية العصبية القبلية في العصر الحديث
لم ينتهِ هذا الانقسام التاريخي المرير الذي أرهق عُمان وجزّأ مجتمعها لقرنين من الزمان إلا مع فجر نهضة عُمان الحديثة عام 1970م بقيادة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه-.
تبنت الدولة الحديثة مفهوم المواطنة الحقيقية وسيادة القانون، وتجاوزت تماماً الولاءات القبلية الضيقة. أُذيبت الفوارق والنعرات بين الغافري والهنائي تحت مظلة الهوية العُمانية الجامعة، وتحولت هذه المصطلحات من أدوات للحرب والتخندق السياسي إلى مجرد صفحات وتفاصيل تاريخية تُدرس في الكتب لاستخلاص العبر والدروس.
الخلاصة: تُثبت تجربة الحرب الغافرية الهنائية أن غياب السلطة المركزية القوية القائمة على العدالة والمؤسسات، وتفضيل المصالح الضيقة على حساب الصالح العام، يؤدي حتماً إلى تفتت المجتمع وصعود العصبيات الجاهلية. ويمثل تجاوز العُمانيين لهذا الانقسام نموذجاً متميزاً في بناء الدولة الوطنية الحديثة واستقرارها الملهم.