مدن وبلدات

المدن الذكية المستدامة: مدينة السلطان هيثم بمسقط نموذجًا للمخطط الهيكلي العُماني

المدن الذكية المستدامة: مدينة السلطان هيثم بمسقط نموذجًا للمخطط الهيكلي العُماني

في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة التحضّر العالمي، وتتزايد فيه الضغوط على الموارد الطبيعية والبنى التحتية، لم يعد بناء المدن مجرد عملية هندسية لتوزيع الكتل العمرانية وشبكات الطرق، بل تحوّل إلى علمٍ متكامل يوازن بين النمو السكاني والاقتصادي من جهة، واستدامة البيئة وجودة الحياة من جهة أخرى. من هذا المنطلق، برزت سلطنة عُمان بمشروعٍ يُعدّ الأول من نوعه في تاريخها العمراني الحديث: مدينة السلطان هيثم في ولاية السيب بمحافظة مسقط، وهي أول مدينة ذكية متكاملة في البلاد، وأحد أبرز مخرجات المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى الذي يندرج ضمن الاستراتيجية العمرانية الوطنية المنبثقة عن رؤية “عُمان 2040”.

تمثّل مدينة السلطان هيثم محطة فارقة في مسيرة التخطيط العمراني العُماني، إذ لم تُصمَّم بوصفها امتدادًا عشوائيًا لمدينة مسقط، بل بوصفها نموذجًا متكاملًا يُعاد من خلاله تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان والبيئة والتقنية. وقد حظي هذا المشروع، إلى جانب المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى الذي يحتضنه، باعتراف دولي لافت، إذ حصد المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى جائزة المدن الذكية ضمن جوائز “WAFX Awards” المصاحبة لمهرجان العمارة العالمي لعام 2025، في إنجاز يعكس التقدير العالمي للرؤية العُمانية في صياغة مستقبل العاصمة كمدينة ذكية ومستدامة قادرة على مواجهة تحديات النمو الحضري واحتضان اقتصاد المعرفة.

تستعرض هذه المقالة بالتفصيل مفهوم المدن الذكية المستدامة، وموقع مدينة السلطان هيثم ضمن هذا المفهوم، وأبعاد مخططها الهيكلي، وركائزها البيئية والاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى دورها في إطار المخطط الهيكلي الأوسع لمسقط الكبرى ورؤية عُمان 2040.

أولًا: مفهوم المدن الذكية المستدامة

1. ما المقصود بالمدينة الذكية المستدامة؟

المدينة الذكية المستدامة هي منظومة حضرية متكاملة تُوظِّف التقنيات الرقمية والحلول المبتكرة لإدارة الموارد والخدمات بكفاءة عالية، مع الحرص في الوقت ذاته على تقليل الأثر البيئي وضمان استمرارية الموارد للأجيال القادمة. ولا يقتصر هذا المفهوم على إدخال التقنية في الخدمات البلدية كإنارة الشوارع أو إدارة المرور، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة التفكير الجذري في طريقة تخطيط الأحياء، وتوزيع الكثافة السكانية، وتصميم البنية التحتية بحيث تتكيف مع المتغيرات المناخية والنمو السكاني المستقبلي.

ترتكز المدينة الذكية المستدامة عادة على أربعة أبعاد رئيسة:

  • البُعد البيئي: عبر اعتماد مصادر الطاقة المتجددة، وترشيد استهلاك المياه، وإعادة تدوير النفايات، وتصميم مساحات خضراء تخفف من أثر الجزر الحرارية الحضرية.
  • البُعد الاجتماعي: من خلال تصميم أحياء متكاملة تضمن سهولة الوصول إلى الخدمات التعليمية والصحية والترفيهية، وتعزز الترابط المجتمعي والانتماء.
  • البُعد الاقتصادي: عبر خلق بيئة جاذبة للاستثمار، وتنويع مصادر الدخل، ودعم اقتصاد المعرفة والابتكار.
  • البُعد التقني: من خلال دمج أنظمة إدارة ذكية للبنية الأساسية، كالأعمدة الذكية ومراكز التحكم اللحظي بالبيانات، بما يرفع كفاءة التشغيل ويعزز الأمان.

2. لماذا تتجه الدول نحو هذا النموذج؟

تتجه دول العالم، ومنها دول الخليج العربي، نحو تبنّي نموذج المدن الذكية المستدامة لعدة أسباب جوهرية، أبرزها تزايد معدلات التحضر وما يرافقها من ضغط على الموارد، والحاجة الملحّة إلى خفض الانبعاثات الكربونية تماشيًا مع الالتزامات المناخية الدولية، إضافة إلى الرغبة في تنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد الكلي على الموارد الناضبة. وفي هذا السياق، لا تُعدّ مدينة السلطان هيثم تجربة معزولة، بل جزءًا من توجه إقليمي أوسع تسير فيه مشاريع مماثلة في دول الجوار، إلا أنها تمتاز بخصوصية محلية تراعي الهوية الثقافية والبيئية العُمانية.

ثانيًا: مدينة السلطان هيثم.. الهوية والرسالة

1. هدية مستدامة للأجيال القادمة

دُشِّن مشروع مدينة السلطان هيثم برعاية سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- في حفلٍ أُقيم بقصر البركة العامر في مسقط يوم الأربعاء الموافق 31 مايو 2023، حيث اطّلع جلالته خلال الحفل على هوية المدينة ورسالتها التي حملت شعار “إرث المستقبل”، في إشارة رمزية إلى أن هذا المشروع ليس مجرد تجمّع سكني جديد، بل أمانة تنموية تُسلَّم للأجيال القادمة. وقد استُلهمت ألوان الشعار البصري للهوية من الطبيعة العُمانية، مع لمسات ذهبية ترمز إلى الفخامة والقوة.

تحمل مدينة السلطان هيثم وصفًا رسميًا بأنها “أيقونة عمرانية وإرث للمستقبل وهدية مستدامة” من جلالة السلطان للأجيال القادمة ولجميع شرائح المجتمع العُماني، وهي بذلك تمثّل اللبنة الأولى لنموذج جديد من المدن المستدامة التي تحاكي تطلعات الشباب العُماني وأنماط الحياة العصرية، دون أن تتخلى عن الموروث الثقافي والهوية المعمارية الأصيلة لسلطنة عُمان.

2. الموقع الاستراتيجي والمساحة

تقع مدينة السلطان هيثم في ولاية السيب بمحافظة مسقط، على مساحة إجمالية تُقدَّر بنحو 14.8 مليون متر مربع وفق بعض المصادر الرسمية، فيما تشير تحديثات أحدث إلى أن المشروع يمتد على نحو 15 مليون متر مربع. ويتميز موقع المدينة بكونه استراتيجيًا، إذ يربطها بالطرق السريعة الرئيسية والمناطق الاقتصادية المهمة في العاصمة، وهو ما يجعلها وجهة حيوية للسكان وقطاع الأعمال والزوار على حدٍّ سواء، ومركزًا مستقبليًا للتنمية الحضرية في سلطنة عُمان.

تنفَّذ المدينة على مراحل متعددة، بدأت أولى هذه المراحل قبل نحو عامين من حينه، وغطّت أكثر من نصف المساحة الإجمالية للمشروع، حيث ركّزت هذه المرحلة التأسيسية على تطوير البنية التحتية والخدمات الرئيسية، شاملةً المناطق السكنية والتعليمية والمرافق العامة، وسط تقدّم واضح في نسب الإنجاز وفق بيانات وزارة الإسكان والتخطيط العمراني. وقد احتفلت الوزارة بمرور عام كامل على تدشين المشروع تحت شعار “عزم التنفيذ”، إيذانًا بإتمام المرحلة الأولى من المشروع الممتدة زمنيًا بين عامي 2024 و2030.

3. الطاقة الاستيعابية للمدينة

صُمِّمت مدينة السلطان هيثم لتستوعب نحو 100 ألف نسمة، عبر توفير حوالي 20 ألف وحدة سكنية متنوعة بين الفلل المنفصلة وشبه المتصلة والتاون هاوس والشقق، بما يلبّي احتياجات مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية والدخلية. وتتوزع هذه الوحدات السكنية على 19 حيًّا متكاملًا، تضم مختلف المرافق والخدمات الضرورية لحياة السكان اليومية، بما في ذلك 23 مسجدًا وجامعًا كبيرًا يلبّي الاحتياجات الدينية والروحية للمجتمع.

ثالثًا: المخطط الهيكلي لمدينة السلطان هيثم.. الفلسفة التصميمية

1. العناصر الخمسة المكوّنة للمدينة

وفق ما أوضحه مختصون في التخطيط الحضري، استند تصميم مدينة السلطان هيثم إلى خمسة عناصر تخطيطية رئيسة شكّلت في مجموعها عناصر جذب اقتصادي ومكاني للمدينة، وهي:

  1. المسارات (Paths): وتشمل الشوارع والممرات وخطوط العبور والقنوات والجسور، وأبرزها البوليفارد الذي يمتد بطول ثلاثة كيلومترات ويُشكّل العمود الفقري الحركي للمدينة.
  2. الحواف (City Edges): وهي الحدود الفاصلة بين قسمين أو أكثر من أقسام المدينة، ويأتي الوادي الطبيعي الذي يقسم المدينة إلى شطرين كأبرز هذه الحواف وأكثرها ظهورًا، نظرًا لكونه عنصرًا بيئيًا مميزًا تتفرد به طبيعة مسقط وجغرافيتها، وقد صُمِّمت على جانبيه حديقة واسعة تستثمر هذا العنصر الطبيعي.
  3. الحارات أو المناطق (Districts): وهي من العناصر المهيمنة في التصميم، إذ شكّلت الكتلة المعمارية للمدينة وحدّدت طابعها العمراني العام.
  4. المفاصل (Nodes): وهي نقاط التقاء المواقع الاستراتيجية في المدينة، أو البؤر المكثفة التي يتجمع فيها الناس بكثافة، وتمثّل لحظات التحوّل من كتلة معمارية حضرية إلى أخرى.
  5. المعالم (Landmarks): وهي نقاط الاستدلال المرجعية التي تُشاهَد من زوايا متعددة، مثل الجامع الكبير والجامعة والحديقة المركزية والبوليفارد، وهي عناصر ستتميز بها مدينة السلطان هيثم باحترافية واضحة في التصميم.

2. الجهة المصمِّمة للمخطط

أسندت الجهات المعنية في سلطنة عُمان مهمة وضع المخطط الرئيسي لمدينة السلطان هيثم إلى شركة الهندسة المعمارية الأمريكية العالمية “سكيدمور أوينجز وميريل” (SOM)، وهي إحدى الشركات المرموقة عالميًا في مجال التخطيط العمراني والتصميم المعماري، والمعروفة بمشاريعها الكبرى حول العالم. وقد تضمنت خطة الشركة دمج المدينة ضمن الحملة العُمانية الأوسع للانتقال نحو الطاقة المتجددة، بما ينسجم مع الالتزامات البيئية الوطنية. كما أسهمت شركة تركية متخصصة في أعمال التخطيط والتصميم الحضري للمدينة، في إطار مشاركة دولية محدودة لكنها نوعية في هذا المشروع الوطني الكبير.

3. مبادئ التصميم العمراني

اعتمد المخطط الهيكلي لمدينة السلطان هيثم على مجموعة من المبادئ التصميمية المتقدمة التي تهدف إلى رفع جودة الحياة وضمان مرونة المدينة في مواجهة التحديات المستقبلية، ومن أبرز هذه المبادئ:

  • تصاميم ذكية ومتكاملة توفر مستويات غير مسبوقة من الخصوصية في الوحدات السكنية، إلى جانب توزيع متوازن للمساحات والمسطحات الخضراء، عبر الاستفادة القصوى من مساحة الأرض للربط بين الكتل العمرانية والمرافق الواسعة.
  • تنوّع الخيارات السكنية بين الكثافة العالية والمنخفضة، بما يتيح فرص التملك والسكن لمختلف مستويات الدخل، ويحقق مبدأ الشمولية الاجتماعية الذي يُعدّ من ركائز التخطيط الحضري المستدام.
  • المرونة الهندسية في البنية الأساسية، إذ صُمِّمت شبكات البنية التحتية بحيث تتجاوب مع المتغيرات المناخية، وتنسجم مع التطورات المستقبلية المحتملة، وتراعي في الوقت ذاته احتياجات النمو السكاني المرتقب وتكلفة الصيانة طويلة الأمد.
  • التوظيف الأمثل لمساحات الأراضي، عبر اتباع أساليب بناء عصرية تتماشى مع كافة مستويات الدخل، وتضمن استدامة اقتصادية للمشروع على المدى البعيد.
  • مراعاة الاحتياجات الخاصة، إذ روعي في التخطيط توفير خدمات شاملة لذوي الاحتياجات الخاصة عبر مركز مخصص ضمن البنية الحضرية للمدينة، تأكيدًا على مبدأ المدينة الشاملة للجميع.

4. تصميم الأماكن العامة

حرص المخطط على تصميم الأماكن العامة بطريقة تُمكّن جميع السكان من الاستخدام الآمن للمرافق، بما يراعي المعايير والعادات الاجتماعية والثقافية لكافة فئات المجتمع العُماني. كما يحاكي تخطيط المدينة طبيعة موقعها الجغرافي، ويوظّف الحلول والابتكارات التكنولوجية الفعّالة في تصميم وتشغيل البنية الأساسية والمباني، بما يلبّي الاحتياجات الحالية والمستقبلية لسكانها.

رابعًا: الاستدامة البيئية في مدينة السلطان هيثم

1. الطاقة المتجددة كركيزة أساسية

تُعدّ الاستدامة البيئية أحد أبرز المحاور التي قام عليها تصميم مدينة السلطان هيثم، إذ تعتمد المدينة على استخدام الطاقة الشمسية باعتبارها مصدرًا رئيسيًا ومستدامًا للطاقة، في خطوة تنسجم مع توجه سلطنة عُمان الأوسع لمضاعفة التزامها بالطاقة المتجددة وخفض الانبعاثات الكربونية. ولا يقتصر استثمار الموارد الطبيعية على الطاقة الشمسية فحسب، بل امتد إلى الاستفادة من التضاريس الطبيعية للموقع، حيث طُوِّر الوادي الذي يقسم المدينة ليُستخدم كمصدر للطاقة المتجددة ومساحة ترفيهية مستدامة في آنٍ واحد، في مثال بارز على التكامل بين العنصر البيئي والوظيفي في التخطيط الحضري.

2. إدارة النفايات والمياه

تضمّن المخطط الهيكلي للمدينة إدراج أنظمة متقدمة لإنتاج الطاقة من النفايات، إلى جانب معالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها كمياه رمادية في ري المساحات الخضراء وأغراض أخرى غير الشرب. كما طُبِّق نظام استدامة شامل يهدف إلى حماية الموارد الطبيعية، والتقليل من كميات النفايات المتولدة، وتعزيز ثقافة إعادة الاستخدام والتدوير وتوظيف المواد بكفاءة أكبر، وهو ما ينسجم مع أفضل الممارسات العالمية في إدارة الموارد بالمدن الذكية.

3. المساحات الخضراء والحديقة المركزية

تُعدّ المساحات الخضراء من أبرز ملامح التصميم في مدينة السلطان هيثم، إذ خُصِّص ما يقارب 2.6 إلى 2.9 مليون متر مربع من إجمالي مساحة المدينة للأراضي المزروعة والمسطحات الخضراء، إلى جانب حديقة مركزية تبلغ مساحتها نحو 1.6 مليون متر مربع، تُشكّل “قلبًا نابضًا” يربط بين الأحياء السكنية المختلفة عبر ممرات خضراء متصلة. ويُراعى في تصميم المناطق الخارجية للمدينة الاستفادة من ظل الأشجار الطبيعي خلال أوقات النهار، بالانسجام مع الطابع المعماري للمدينة، من خلال تحديد اتجاهات الأبنية، وتوفير الأماكن الطبيعية في الهواء الطلق، وتوزيع كثافة الأبنية وارتفاعاتها، وتصميم الشوارع بما يحقق أقصى استفادة من الظروف المناخية المحلية.

4. التنقل المستدام

روعي في تخطيط المدينة فصل مسارات المشاة والدراجات عن حركة المركبات، تشجيعًا لأساليب التنقل الصحي والمستدام، إلى جانب توفير نظام نقل ذكي ومستدام يُسهم في تقليل الاعتماد على المركبات الخاصة. وتُعدّ هذه الفلسفة التخطيطية امتدادًا لرؤية عالمية أوسع تتبناها المدن الذكية، تقوم على إعادة تصميم المدينة حول الإنسان لا حول السيارة، بما يخفف الازدحام المروري ويقلل الانبعاثات الناتجة عن وسائل النقل التقليدية.

خامسًا: البُعد التقني.. نحو مدينة ذكية بكل المقاييس

1. العمود الذكي.. بنية أساسية متعددة الوظائف

في خطوة نوعية نحو ترسيخ مفهوم المدينة العصرية، كشفت مدينة السلطان هيثم عن مشروع “العمود الذكي”، الذي يُشكّل بنية أساسية متعددة الوظائف تدمج بين أحدث تقنيات الأمن والاتصال والاستدامة في منظومة واحدة. وأكد مسؤولون في المكتب التنفيذي لمشاريع المدن المستقبلية بوزارة الإسكان والتخطيط العمراني أن الوزارة بدأت بالفعل بتطبيق مشروع الأعمدة الذكية في المرحلة الأولى من المدينة، حيث ستُربط هذه الأعمدة مباشرة بمركز العمليات والتحكم لمتابعة البيانات والخدمات بشكل لحظي، بما يعزز مستوى الأمان ويضمن التشغيل بكفاءة عالية.

2. التصاميم الذكية والمتكاملة

لا يقتصر الطابع الذكي للمدينة على البنية التحتية الرقمية فحسب، بل يمتد ليشمل فلسفة التصميم المعماري ذاتها، حيث اعتمدت المدينة تصاميم ذكية ومتكاملة توفر مستويات عالية من الخصوصية والراحة للسكان، مع تحقيق التوازن بين الكثافة السكانية واستدامة الموارد. كما يراعي التصميم العام للمدينة المتغيرات المناخية المستقبلية، وينسجم مع التطورات التقنية المتسارعة، بحيث تظل المدينة قادرة على استيعاب الابتكارات الجديدة دون الحاجة إلى إعادة هيكلة جذرية لبنيتها الأساسية.

سادسًا: الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للمشروع

1. مجتمع متكامل ومتنوع

صُمِّمت مدينة السلطان هيثم بفلسفة تخطيطية ترتكز على بناء مجتمع يعزز مفهوم الانتماء لدى سكانه، من خلال تخطيط عمراني يوفر خيارات سكنية متنوعة وخدمات تُعزز التواصل الاجتماعي والأنشطة المجتمعية. وتضم المدينة أحياءً سكنية وتجارية وثقافية متكاملة، من أبرزها على سبيل المثال حي “النُّهى” الذي يمتد على مساحة 58 ألف متر مربع ويضم 113 وحدة سكنية متنوعة إلى جانب 35 معرضًا تجاريًا، إضافة إلى حي “الوفاء” الذي يمتد على مليون متر مربع ويضم نحو 1800 وحدة سكنية متنوعة مع مرافق متكاملة تشمل مسجدًا ومنطقة تجارية ومجمع مدارس.

كذلك تتضمن المدينة مشاريع سكنية فاخرة وحديثة، مثل مجمع سكني يمتد على 56 ألف متر مربع ويضم 723 وحدة سكنية موزعة على ستة أبراج، يجمع بين التصميم العصري والطابع العُماني الأصيل. هذا التنوع في النماذج السكنية يعكس حرص المخطط الهيكلي على تلبية احتياجات شرائح مجتمعية متعددة، بدءًا من الأسر الكبيرة وصولًا إلى الأفراد والشباب الباحثين عن أنماط سكن عصرية.

2. منطقة “داون تاون”.. القلب الحضري النابض

خصصت إدارة المشروع منطقة تُعرف بـ”داون تاون” لبناء أبراج مرتفعة تُشكّل قلبًا حضريًا نابضًا بالأنشطة التجارية والثقافية، في نموذج مألوف بالمدن الذكية العالمية التي تجمع بين الكثافة الرأسية في المناطق التجارية المركزية والكثافة الأفقية المنخفضة في الأحياء السكنية المحيطة، بما يحقق توازنًا بين الحيوية الاقتصادية والهدوء السكني.

3. المرافق والخدمات الأساسية

يحرص المخطط الهيكلي على تخصيص أراضٍ لمجموعة واسعة من الخدمات الأساسية التي يحتاجها المجتمع، ومن أبرز الأمثلة على ذلك تخصيص أرض لإنشاء مدرسة خاصة بمساحة تتجاوز 33 ألف متر مربع، وتصميم وإنشاء مركز لشرطة عُمان السلطانية بمساحة تتجاوز 10 آلاف متر مربع، إلى جانب مقر للهيئة العامة للدفاع المدني والإسعاف بمساحة تقارب 8.7 آلاف متر مربع. كما يتضمن المخطط تخصيص أرض لإنشاء مركز وطني للصناعات الحرفية والإبداعية بمساحة 10 آلاف متر مربع، إضافة إلى مركز للتأهيل بمساحة تتجاوز 10.3 آلاف متر مربع، وهو ما يعكس شمولية التخطيط لمختلف الاحتياجات الاجتماعية والأمنية والصحية والثقافية لسكان المدينة.

4. الجاذبية الاستثمارية

تحظى مدينة السلطان هيثم بمكانة خاصة كوجهة استثمارية جاذبة، نظرًا لموقعها الجغرافي والاستراتيجي في سلطنة عُمان، وتوجهاتها العصرية والمستدامة في التخطيط والتصميم والبناء. وقد أكد المتحدث الرسمي لوزارة الإسكان والتخطيط العمراني أن المدينة تشهد إقبالًا كبيرًا على التملك، إلى جانب عمل تكاملي استثنائي وسرعة في التنفيذ والإنجاز منذ انطلاقة المشروع. كما تُمثّل المدينة نقطة وصل بين مختلف الشركاء من القطاعات العقارية والتجارية والصناعية والعمرانية والمجتمعية والإسكانية والريادية والاستثمارية، وتعمل كحلقة وصل متينة مع الشركاء المحليين والإقليميين والعالميين، مرحّبة بمشاركة كافة الجنسيات، وإن كانت المشاركة الأجنبية في المشروع لا تزال محدودة حتى الآن.

سابعًا: مدينة السلطان هيثم ضمن المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى

1. ما المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى؟

لا يمكن فهم مدينة السلطان هيثم بمعزل عن السياق الأوسع الذي وُلدت ضمنه، وهو المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى، الذي يُعدّ المخطط الاستراتيجي الذي يدرس ويوجّه التنمية المكانية والاستثمارية التي تتحقق من خلالها استدامة المدن، ويتميز بمواءمته وتكامله الوثيق مع الاستراتيجيات الوطنية للقطاعات الحيوية الأربعة: التنقل، والبنية الأساسية، والبيئة، والسياحة. وقد دُشِّن هذا المخطط رسميًا بتكليف سامٍ من حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- خلال اجتماع لمجلس الوزراء، حيث رعى صاحب السمو السيد بلعرب بن هيثم آل سعيد، وزير الدولة محافظ مسقط، حفل التدشين يوم الخميس الموافق 7 مايو 2026، إلى جانب تدشين مركز المبيعات والتجربة في مدينة السلطان هيثم، ليدخل المخطط بذلك مرحلة التنفيذ والتطوير الممتدة حتى عام 2040.

2. أسباب تطوير مسقط الكبرى

أوضحت وزارة الإسكان والتخطيط العمراني أن تطوير مسقط الكبرى يستند إلى ثلاثة أسباب رئيسة:

  • الكثافة السكانية المتنامية: إذ تمثّل محافظة مسقط حاليًا نحو 29% من إجمالي تعداد السكان في سلطنة عُمان لعام 2020، ويُتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى نحو 36% بحلول عام 2040.
  • المساهمة الاقتصادية المتصاعدة: حيث تساهم محافظة مسقط حاليًا بنحو 31% من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات بارتفاع هذه النسبة إلى نحو 49% بحلول عام 2040.
  • تمركز القوى العاملة: إذ تستحوذ مسقط حاليًا على نحو 39% من القوى العاملة في السلطنة، مع توقع زيادة هذه النسبة بنحو 13 نقطة مئوية إضافية بحلول عام 2040.

هذه المعطيات الديموغرافية والاقتصادية تفرض على المخططين ضرورة إعادة التفكير في البنية الحضرية لمسقط الكبرى، بحيث تستوعب هذا النمو المتسارع دون أن يكون ذلك على حساب جودة الحياة أو استدامة الموارد.

3. المخطط الهيكلي كأداة لتحقيق رؤية عُمان 2040

يأتي المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى كأحد مخرجات الاستراتيجية العمرانية الوطنية، التي تُعدّ أداةً لتوجيه النمو العمراني في سبيل تحقيق تنمية عمرانية مستدامة لمجتمعات مزدهرة في سلطنة عُمان، بما يحقق التنمية الاقتصادية والاجتماعية مع الحفاظ على الموروث البيئي والثقافي. وتمثّل هذه الاستراتيجية الخريطة والممكّن المكاني لرؤية “عُمان 2040″، إذ ترتبط بأولويات الرؤية عبر أربع ركائز أساسية، هي: مجتمع إنسانه مبدع، وبيئة عناصرها مستدامة، ودولة أجهزتها مسؤولة، واقتصاد بنيته تنافسية.

وقد انطلق مشروع المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى بوصفه أحد مشاريع المخططات الهيكلية التي تستوعب المدن المستقبلية متعددة الاستخدام، مشكّلًا بذلك خطة تنموية أكثر تركيزًا لمسقط الكبرى، تستفيد من إمكاناتها وموقعها الجغرافي، وتحقق نموًا عمرانيًا مستدامًا وشاملًا. واستند المشروع إلى أهداف استراتيجية متعددة تشمل الاستدامة، والتخطيط العمراني المتكامل، والتراث الطبيعي والثقافي، والتنقل الفعّال، والبنية الأساسية المرنة، والسياحة، والحوكمة، والاقتصاد الحضري، وتشجيع الاستثمار المباشر، ليُصبح بذلك معيارًا تُقاس عليه الخطط الهيكلية المستقبلية في مختلف أنحاء سلطنة عُمان.

4. التقدير الدولي

شكّل حصول المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى على جائزة المدن الذكية ضمن جوائز “WAFX Awards” المصاحبة لمهرجان العمارة العالمي 2025 محطة مهمة في مسيرة هذا المشروع، إذ يعكس هذا التكريم التقدير الدولي للرؤية المتقدمة التي يقدمها المخطط في صياغة مستقبل مسقط كمدينة ذكية ومستدامة، قادرة على الاستجابة لتحديات النمو الحضري، واحتضان اقتصاد المعرفة، وتطوير أنظمة تنقل متقدمة ومتكاملة.

ثامنًا: مدينة السلطان هيثم كنموذج إقليمي للمدن المستدامة

1. مقارنة مع تجارب إقليمية مشابهة

تأتي مدينة السلطان هيثم ضمن سياق إقليمي أوسع تشهده دول الخليج العربي في مجال بناء المدن الذكية والمستدامة، إذ حظيت دولة الإمارات العربية المتحدة بإشادات واسعة لجهودها في تحويل أبوظبي ودبي إلى مدينتين ذكيتين، عبر مشاريع رائدة من أبرزها مدينة “مصدر” التي تُعدّ من أوائل المدن في العالم التي تعتمد بشكل كامل على الطاقة النظيفة والمتجددة. وفي السياق ذاته، تبرز مشاريع طموحة أخرى في المنطقة كمشروع “نيوم” في المملكة العربية السعودية. غير أن مدينة السلطان هيثم تمتاز بخصوصيتها كأول تجربة عُمانية متكاملة من نوعها، تجمع بين الطموح التقني والحفاظ على الهوية العُمانية الأصيلة في آن واحد.

2. عوامل النجاح المستقبلية

يرى مراقبون ومختصون في التخطيط العمراني أن نجاح تجربة مدينة السلطان هيثم لن يُقاس فقط بمدى الالتزام بالجداول الزمنية للتنفيذ، بل بقدرة المدينة على تحقيق التوازن الفعلي بين الأبعاد الأربعة للاستدامة الحضرية: البيئية والاجتماعية والاقتصادية والتقنية، على أرض الواقع بعد اكتمال جميع مراحل المشروع وانتقال السكان إليها فعليًا. كما تبرز أهمية استمرارية الصيانة والتشغيل الذكي للبنية التحتية على المدى الطويل، باعتبارها العامل الحاسم في تحويل المدينة من مشروع تخطيطي طموح إلى نموذج حضري ناجح ومستدام فعليًا.

تاسعًا: خلاصة وآفاق مستقبلية

تمثّل مدينة السلطان هيثم بمسقط نقلة نوعية في مسار التخطيط العمراني بسلطنة عُمان، إذ تجمع بين الرؤية الاستراتيجية الوطنية الممثلة في “عُمان 2040″، والتطبيق العملي المتجسد في مخطط هيكلي متكامل يراعي الاستدامة البيئية والاجتماعية والاقتصادية والتقنية معًا. ومن خلال عناصرها التخطيطية الخمسة، ومحاورها البيئية القائمة على الطاقة المتجددة وإدارة المياه والنفايات، وبنيتها التقنية الذكية الممثلة في مشاريع كالعمود الذكي، تسعى المدينة إلى أن تكون نموذجًا يُحتذى به في بناء المدن المستدامة، ليس فقط داخل سلطنة عُمان، بل على المستوى الإقليمي والدولي أيضًا، كما يعكس ذلك التكريم الدولي الذي حصده المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى ضمن جوائز “WAFX Awards” لعام 2025.

ومع دخول المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى مرحلة التنفيذ والتطوير الممتدة حتى عام 2040، ومواصلة تنفيذ مراحل مدينة السلطان هيثم وصولًا إلى اكتمال استيعابها المخطط له بنحو 100 ألف نسمة، تبقى التجربة العُمانية محط أنظار المهتمين بالتخطيط الحضري، باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على تحويل رؤى التنمية المستدامة من أوراق استراتيجية إلى مدن حية ينبض فيها العمران بالحياة، وتتجسد فيها معادلة التوازن الدقيقة بين النمو والاستدامة، وبين الحداثة والهوية، وبين حاضر يُبنى اليوم ومستقبل يُورَّث للأجيال القادمة.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية