المباني

الهندسة المعمارية الحديثة: دمج الهوية الإسلامية العمانية في مباني الوزارات بمسقط

الهندسة المعمارية الحديثة: دمج الهوية الإسلامية العمانية في مباني الوزارات بمسقط

حين تتكلم الأحجار بلسان الهوية

في قلب مسقط، حيث تلتقي رياح بحر عُمان بأنفاس الجبال الشامخة، تقف مبانٍ حكومية شامخة تحكي قصة شعب ضارب في عمق الحضارة، شعب آثر أن يحمل تاريخه في أعمدته وقبابه وزخارفه، حتى وهو يمشي بخطى واثقة نحو المستقبل. إن الهندسة المعمارية ليست مجرد فن البناء وتشييد الجدران، بل هي لغة صامتة تعبّر عن هوية الأمم وقيمها وطموحاتها. ولعل مسقط، العاصمة العُمانية العريقة، من أكثر المدن العربية التي نجحت في صياغة هذه اللغة بأسلوب معاصر يحترم الموروث ويستلهم الأصالة دون أن يقع في فخ الجمود أو يُسقط نفسه في هوّة التقليد الأعمى للنماذج الغربية.

تُمثّل مباني الوزارات في مسقط نموذجاً فريداً لما يمكن أن تكونه العمارة الرسمية حين تلتزم بمرجعية حضارية واضحة. فمن وزارة الخارجية إلى وزارة التراث والسياحة، ومن ديوان البلاط السلطاني إلى مجلس الدولة والشورى، تتجلى ملامح الهوية الإسلامية العُمانية في كل تفصيلة معمارية، في كل قوس وكل نافذة وكل واجهة حجرية. هذه المقالة تسعى إلى استجلاء فلسفة هذا التوجه المعماري، وتحليل عناصره وأبعاده، والوقوف على التحديات التي يواجهها في زمن العولمة المتسارعة.

الفصل الأول: جذور الهوية المعمارية العُمانية

العمارة العُمانية التقليدية: إرث راسخ

لفهم ما تفعله مسقط اليوم في مبانيها الحكومية، لا بد من استيعاب ما كانت عليه العمارة العُمانية في جوهرها التاريخي. لم تكن العمارة التقليدية في عُمان مجرد استجابة لمتطلبات السكن والحماية، بل كانت في جوهرها انعكاساً عميقاً للعقيدة الإسلامية والقيم الاجتماعية والبيئة المحلية في آنٍ واحد.

تميّزت المدن التاريخية العُمانية كنزوى وصور والرستاق ومطرح بعمارة متكاملة تعتمد على مبدأ الانسجام مع البيئة. فالبيوت العُمانية القديمة كانت تُبنى بالحجر الجيري المحلي أو الطين المضغوط، وتتميز بجدران سميكة تعمل عازلاً حرارياً طبيعياً في مواجهة حرارة الصيف الخليجي الشديدة. كما اتسمت بالأفنية الداخلية “الحوش” التي تُهيئ مناخاً داخلياً لطيفاً، وبالمشربيات الخشبية المنحوتة التي تسمح بتدفق الهواء مع الحفاظ على الخصوصية.

وقد أضافت العقيدة الإسلامية بُعداً روحياً راسخاً إلى هذه العمارة. فالمسجد كان دائماً قلب التجمع العمراني، وكانت القبة والمئذنة العنصرين الأكثر حضوراً في كل مدينة وقرية. أما الزخارف الهندسية والخطوط الكوفية المنقوشة على الجدران والأبواب والمداخل، فقد شكّلت لغة بصرية إسلامية متجذّرة، تعبّر عن تعظيم الكلمة الإلهية والتأمل في تجليات النظام الكوني.

المراسيم السلطانية والتوجه نحو العمارة الوطنية

مع انطلاق مسيرة النهضة العُمانية في عام 1970 على يد المغفور له السلطان قابوس بن سعيد، أصدرت الحكومة العُمانية توجيهات واضحة تقضي بأن تعكس جميع المباني الحكومية الطابع الإسلامي العُماني في تصميمها. لم يكن هذا القرار مجرد خيار جمالي، بل كان موقفاً حضارياً راسخاً يرى في الهوية المعمارية مكوّناً أساسياً من مكوّنات السيادة الثقافية والوطنية.

وقد أسهم هذا التوجه في إيجاد مدرسة معمارية عُمانية حديثة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتُجسّد قيم الإسلام وجماليات الموروث العُماني في قالب وظيفي عصري. وكان من أبرز مظاهر هذا الالتزام اشتراط استخدام الحجر الجيري المحلي ذي اللون البيج والكريمي في واجهات المباني الحكومية، واعتماد عناصر القباب والأقواس والمشربيات والأبراج في تصاميم هذه المباني، حتى باتت مسقط تتميز بوجه معماري موحّد يُعرَّف به في كل أنحاء العالم.

الفصل الثاني: العناصر المعمارية الإسلامية في مباني الوزارات

القبة: رمز الكمال والسمو

لعل القبة هي أبرز العناصر المعمارية الإسلامية التي تتصدّر واجهات مباني الوزارات في مسقط. وهي في جوهرها ليست مجرد عنصر زخرفي، بل تنطوي على دلالات رمزية عميقة في الفكر الإسلامي: فشكلها نصف الكروي يُجسّد قبة السماء ومفهوم الكمال الإلهي، كما يُعبّر عن اتساع الأفق الروحي للإنسان المسلم في سموّه نحو المطلق.

في مباني الوزارات العُمانية، تتنوع القباب في أحجامها وأساليبها؛ فهي تارة تعلو المدخل الرئيسي لتضفي على البناء هيبةً ورسمية، وتارة تتوزع على أجنحة المبنى لتكسر رتابة السطح المستوي وتُضفي عليه حيوية بصرية. ومن أجمل الأمثلة على ذلك قبب مبنى وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، التي تستحضر بأناقتها طرازَ المساجد العُمانية الكلاسيكية، وقباب الديوان السلطاني الكبرى التي تُشكّل واحدة من أيقونات العمارة الحكومية في مسقط.

القوس: جماليات الهندسة الإسلامية

يحتل القوس مكانة محورية في الحضارة المعمارية الإسلامية، وقد تجلّت براعة المهندسين العرب والمسلمين في ابتكار أنواع متعددة منه: القوس المدبّب، والقوس الحدوي، والقوس المفصّص، والقوس المتشابك. وفي مباني الوزارات العُمانية، يُستخدم القوس بشكل واسع في الممرات والرواق والمداخل والنوافذ، مانحاً المباني هويةً بصرية إسلامية راسخة ومتميزة عن نماذج العمارة الحديثة الغربية ذات الخطوط الهندسية المستقيمة الصارمة.

والقوس في العمارة العُمانية ليس تزيينياً فحسب، بل هو وظيفي أيضاً؛ إذ يُحسّن توزيع الأحمال الإنشائية، ويُوفّر مناطق ظلّ ومنافذ تهوية في ظروف المناخ الحار. هذا الجمع بين الوظيفة والجماليات هو ما يميز العمارة الإسلامية في أساسها عن كثير من التجارب الأخرى التي تفصل بين الشكل والمضمون.

المشربية والنافذة المزخرفة: الخصوصية والضوء

تمثّل المشربية إحدى أجمل الإبداعات المعمارية الإسلامية، وهي شبكة خشبية أو حجرية أو معدنية مُنقوشة تُغطّي فتحات النوافذ. وقد جمعت بين وظائف متعددة: صون الخصوصية، وتلطيف أشعة الشمس، وتعزيز دوران الهواء، وإضافة عنصر جمالي بديع يتجلى فيه تكسير الضوء إلى أنماط هندسية ساحرة.

في مباني الوزارات العُمانية الحديثة، أُعيد توظيف المشربية بأسلوب معاصر يستعمل مواد حديثة كالألومنيوم والفولاذ المقاوم للصدأ، بينما يُحافظ على النمط الهندسي الإسلامي الأصيل. وهكذا تصبح المشربية المعاصرة أداةً معمارية مزدوجة الدور: وسيلة لتحقيق الكفاءة الحرارية في إطار بناء صديق للبيئة، ورمز ثقافي يُعلن انتماءه الحضاري بصرياً للزوار والمارّة.

الحجر الجيري العُماني: الهوية في المادة ذاتها

من أكثر القرارات المعمارية حكمةً في سياق البناء الحكومي العُماني اشتراط استخدام الحجر الجيري المحلي في كسوة الواجهات الخارجية. ذلك أن المادة البنائية ليست محايدة، فهي في حد ذاتها تحمل هويةً جغرافية وحضارية. فلون الحجر الجيري العُماني الدافئ، الذي يتراوح بين الأبيض المكلّس والبيج الذهبي والكريمي الناعم، يُشكّل لوحة لونية موحّدة تعكس لون صحراء عُمان وجبالها وشواطئها، ويمنح المباني الحكومية طابعاً أرضياً متجذّراً في التراب العُماني.

فضلاً عن ذلك، فإن لهذه الحجارة تاريخاً عمرانياً يمتد لآلاف السنين في منطقة عُمان، إذ استُخدمت في بناء القلاع والحصون والمساجد والبيوت التقليدية منذ أقدم العصور. وحين يرى المواطن العُماني واجهات الوزارات مكسوّة بهذا الحجر الأصيل، يشعر بامتداد حضاري حقيقي يربطه بأجداده وبأرضه، لا بتجربة مستوردة من سياق ثقافي مغاير.

البرج والمئذنة: الشموخ والانتماء

يحضر الشكل الشبيه بالمئذنة في كثير من مباني الوزارات والمجمعات الحكومية العُمانية، وإن كان يؤدي وظائف مختلفة كبرج المراقبة أو المدخل الرمزي أو الفراغ التقني. وهذا الاستحضار الشكلي للمئذنة في سياق غير ديني يُعبّر عن رغبة واعية في ترسيخ الشعور الديني والروحي في المبنى الحكومي، من باب أن المسؤول العُماني مؤتمن على شعبه ومُلزَم بقيم إسلامية في أدائه الوظيفي.

الفصل الثالث: نماذج بارزة من واقع مسقط

ديوان البلاط السلطاني: التاج المعماري لمسقط

يمثّل ديوان البلاط السلطاني في منطقة العذيبة شاهداً استثنائياً على قدرة العمارة الإسلامية العُمانية في الجمع بين الهيبة الرسمية والأناقة الجمالية. فالمبنى الضخم يمتد على مساحة شاسعة ويتصدّره مدخل رئيسي يعلوه قوس عملاق تزيّنه نقوش هندسية إسلامية دقيقة، وتعلوه قبة بيضاء مهيبة ترمز إلى الشرعية والسلطة. وتتناسق واجهاته الحجرية البيضاء مع محيطها من حدائق النخيل ومسطحات المياه، في مشهد يستحضر فردوسية الجنة الإسلامية كما وصفها القرآن الكريم بالأنهار والظلال والخضرة.

مجلس الدولة والشورى: العمارة في خدمة الديمقراطية الإسلامية

يُشكّل مبنى مجلس الدولة والشورى في مسقط واحدة من أجمل الأمثلة على توظيف الزخارف الإسلامية في المباني التشريعية. فالمبنى يعتمد الحجر الجيري العُماني في واجهاته، ويتصدّره صفٌّ من الأقواس المدبّبة المستلهمة من طرز العمارة الإسلامية الكلاسيكية في مسجد السلطان قابوس الكبير. وتعكس هذه الاختيارات المعمارية رسالة فلسفية عميقة مفادها أن مبدأ الشورى في الإسلام هو السابق التاريخي والمرجع الحضاري لمفهوم التشاور والتمثيل الشعبي.

وزارة الخارجية: دبلوماسية الشكل

لا يخلو مبنى وزارة الخارجية العُمانية من رسائل معمارية مدروسة. فهو يستقبل الضيوف والدبلوماسيين الأجانب بواجهة ذات طابع إسلامي عُماني واضح، تقول لزوارها قبل أي كلمة: نحن هنا في مكاننا الأصيل، نتحدث من موضع الهوية الراسخة، لا من موضع التبعية أو الاستيراد الثقافي. وقد جاء تصميمه منسجماً مع توجهات السياسة الخارجية العُمانية المتوازنة والمستقلة، التي تحافظ على شخصيتها الوطنية في تعاملها مع جميع الأطراف الدولية.

وزارة التراث والسياحة: المتحف المعيش

ربما تكون وزارة التراث والسياحة الأكثر انسجاماً مع مرجعيتها المعمارية بين كل وزارات مسقط، إذ يعكس مبناها شكلاً معمارياً قريباً من نموذج الحصون والقلاع العُمانية التقليدية التي تُشرف على صونها وتوثيقها. فتصميمه يستحضر أسلوب البناء الدفاعي في الأبراج الزاوية والأسوار السميكة، مضفياً عليه معالجات حديثة تجعله صالحاً للاستخدام الإداري المعاصر. وكأن المبنى في حد ذاته رسالة مؤسسية تقول: لسنا نحافظ على التراث من خارجه، بل نسكنه ونمارسه كل يوم.

الفصل الرابع: التوترات الإبداعية وتحديات التوازن

الوظيفة مقابل الجمال: ثنائية أبدية

يواجه المصمم المعماري في سياق المباني الحكومية العُمانية تحدياً منهجياً دائماً: كيف يُحقق متطلبات الكفاءة الوظيفية والتكنولوجية الحديثة دون أن يُخلّ بالتوازن البصري والجمالي الذي تفرضه الهوية الإسلامية؟ فالمباني الحكومية الحديثة تحتاج إلى أنظمة معلوماتية ومداخل واسعة وقاعات مؤتمرات ومساحات مكاتب مفتوحة، وهي كلها متطلبات وظيفية قد تتعارض مع المبادئ التقليدية للعمارة الإسلامية القائمة على الأفنية الداخلية والفراغات المتعددة والتسلسل الهرمي للفضاءات.

وقد تعامل المهندسون العُمانيون والمكاتب المعمارية العاملة في مسقط مع هذه الثنائية بأساليب مختلفة. بعضهم آثر الطغيان الوظيفي، فجاءت مبانيه حديثة في جوهرها وإسلامية في قشرتها الخارجية فقط، وهو ما يُعدّ تجميلاً سطحياً لا تكاملاً حقيقياً. وبعضهم الآخر نجح في الدمج العضوي، حيث تنبثق الصياغة المعمارية الإسلامية من المنطق الداخلي للمبنى لا من لزوم التشبيه الخارجي.

العولمة والنمط المعماري الدولي

تضغط العولمة المعمارية بقوة على المدن العربية، وهي ضغط يتجلى في هيمنة نماذج العمارة الدولية الزجاجية والفولاذية كمعيار للحداثة والتطور. ولعل مسقط، بالمقارنة مع دبي وأبوظبي والدوحة، قد اختارت مساراً مختلفاً بوعي: الاعتدال في تبني النمط الزجاجي الدولي، والحفاظ على الطابع الحجري الدافئ كهوية مائزة للعاصمة. وهذا الخيار، رغم ما ينطوي عليه من تحديات تسويقية ودعوات متكررة للتحديث الكامل، يمنح مسقط شخصية بصرية لا تُضاهى وتمايزاً عمرانياً نادراً في منطقة الخليج العربي.

الأصالة والتقليد: متى يصبح الاستلهام تقليداً؟

ثمة سؤال فلسفي حقيقي يطرحه بعض المعماريين العُمانيين وغيرهم: هل الاستمرار في استخدام عناصر معمارية تقليدية هو تعبير حيّ عن الهوية، أم هو استنساخ جامد لأشكال تاريخية قد تفقد دلالتها حين تنفصل عن سياقها التقني والاجتماعي الأصلي؟ وبعبارة أخرى: هل قبة اليوم مصنوعة من الخرسانة المسلحة والكسوة الحجرية لها نفس المعنى الروحي لقبة مسجد أُشيدت قبل ألف عام؟

الإجابة الصادقة أن هذه التوترات إبداعية مُثمرة لا أزمات معيقة. فكل لحظة تاريخية تُعيد صياغة تراثها بأدواتها المتاحة، والمهم هو صدق الانتماء وعمق الفهم لروح الموروث لا لحرفيته الشكلية. والعمارة العُمانية الحديثة في مسقط، في أفضل تجلياتها، تُثبت أن هذه الإعادة الصياغة ممكنة وجميلة.

الفصل الخامس: المبادئ التصميمية الحديثة وانسجامها مع الهوية الإسلامية

الاستدامة البيئية: العمارة الإسلامية سابقة

من المفارقات الجميلة أن كثيراً من المبادئ التي يُروّج لها اليوم تحت مسمى الاستدامة البيئية والعمارة الخضراء كانت أصيلة في العمارة الإسلامية العُمانية التقليدية منذ قرون. فالجدران السميكة العازلة للحرارة، وأبراج الرياح والتهوية الطبيعية، والأفنية الداخلية التي تُولّد تيارات هوائية لطيفة، والمشربيات التي تُلطّف أشعة الشمس الحارقة، كلها حلول بيئية متكاملة سبقت الثورة الصناعية وما أفرزته من تقنيات تبريد ومكيّفات مكلفة للطاقة.

اليوم، تسعى بعض المكاتب المعمارية العاملة في مسقط إلى دمج هذه الحكمة التقليدية في تصميم المباني الحكومية الحديثة. فتُصمَّم الواجهات بمعالجات تظليلية مستلهمة من المشربية، ويُستخدم الحجر المحلي لكتلته الحرارية العالية، وتُدرج الأفنية الداخلية بوصفها مساحات ترفيهية وبيئية في آنٍ معاً. وهكذا يصبح الالتزام بالهوية الإسلامية العُمانية خياراً بيئياً عاقلاً، لا مجرد ترف جمالي.

النسب والتناسق: رياضيات الجمال الإسلامي

تقوم العمارة الإسلامية على مبادئ رياضية دقيقة تتعلق بالنسب والتناسق والتكرار والتناظر. ولا يمكن تفسير الجمال الذي يُشعره الزائر حين يقف أمام إيوان عظيم أو يمشي تحت قبة مُزيّنة بالمقرنصات، إلا بفهم البُعد الرياضي للعمارة الإسلامية وتوظيفها لنسب الذهب والأشكال الهندسية المتداخلة.

وتسعى أجود التصاميم المعمارية للمباني الحكومية في مسقط إلى استيعاب هذه المبادئ، فلا تكتفي بنسخ العناصر التزيينية بل تحاكي منطق النسب ذاته الذي يجعل العمارة الإسلامية مُريحة للعين وموحية بالاتساع حتى في الحيز الضيق.

الفضاء والحركة: البُعد الاجتماعي

اهتمت العمارة الإسلامية اهتماماً بالغاً بتنظيم الفضاء وتسلسله من العام إلى الخاص، ومن المقدّس إلى المدنّس بالمعنى الوظيفي لا الديني. ففي المسجد، تتدرج الفضاءات من الشارع إلى الصحن إلى الرواق إلى قاعة الصلاة في تسلسل محسوب يُعدّ الزائر روحياً ومعرفياً لكل مرحلة من مراحل التجربة المكانية.

وقد استلهمت بعض مباني الوزارات الحكومية في مسقط هذا المبدأ في تنظيم الحركة الداخلية، فتُقدّم للزائر تجربة مكانية متصاعدة تبدأ من البهو الكبير وتنتهي بمكاتب المسؤولين، عبر ممرات وأفنية وردهات ترقى بتجربته الحسية وتمنحه شعوراً بأنه في بيئة مُصمَّمة لخدمته وتوقيره لا لإخضاعه البيروقراطي.

الفصل السادس: الدور الاجتماعي والثقافي للعمارة الحكومية

المبنى الحكومي رسالة وطنية

حين يقف المواطن العُماني أمام مبنى حكومي يحمل طابعاً إسلامياً عُمانياً واضحاً، يتلقى رسالة ضمنية عميقة تقول: هذا المكان لك، هذا ليس شيئاً مستورداً أو مفروضاً من الخارج، بل هو امتداد لتاريخك وقيمك وبيئتك. وهذا الشعور بالانتماء والمَلكية الرمزية له أثر نفسي واجتماعي بالغ الأهمية في تعزيز الهوية الوطنية والانتماء الحضاري.

وفي السياق العُماني تحديداً، كانت هذه الرسالة المعمارية ضرورة مضاعفة في مرحلة ما بعد 1970، حيث كانت الدولة العُمانية الحديثة في طور التأسيس وكانت الهوية الوطنية في مرحلة تشكّل واعٍ. فكانت المباني الحكومية المُهندسة بروح إسلامية عُمانية أداةً فاعلة في بناء الوعي الجمعي بالانتماء والتمايز.

التعليم البصري والوعي بالتراث

تُؤدي المباني الحكومية الجميلة ذات الطابع التراثي وظيفة تعليمية لا تُستهان بها في المجتمع. فحين يُرافق الأطفال ذويهم إلى الوزارات والدوائر الحكومية، يتعرضون بشكل طبيعي لأنماط الزخارف الإسلامية وأشكال القباب والأقواس، مما يُرسّخ في مخيلتهم المرجعية البصرية للهوية المعمارية الإسلامية. وهكذا تغدو المباني مدارس بصرية مفتوحة تُعلّم دون أن تخطب.

الفصل السابع: مستقبل العمارة الإسلامية العُمانية

جيل المعماريين العُمانيين الشباب

تشهد ساحة العمارة في عُمان اليوم نقاشاً خلاقاً بين المعماريين العُمانيين الشباب الذين يبحثون عن صيغة جديدة تتجاوز الاستنساخ الحرفي للعناصر التقليدية نحو تفسير معاصر أصيل للروح الإسلامية العُمانية في الفضاء المبني. وقد تخرّج كثير منهم من جامعات غربية ودرسوا نظريات العمارة الحديثة وما بعد الحديثة، غير أنهم يحملون في الوقت ذاته وعياً عميقاً بموروثهم المحلي وإحساساً بمسؤوليتهم الحضارية.

وتبدو من أبرز التوجهات الناشئة الاهتمام بالطابع التجريدي: استلهام جوهر الأشكال الإسلامية دون محاكاتها حرفياً، واستخدام التكنولوجيا الرقمية في توليد أنماط هندسية إسلامية معقدة بدقة غير مسبوقة، والتركيز على الانسجام مع البيئة الطبيعية العُمانية كمبدأ استدامة متوافق مع القيم الإسلامية.

التكامل مع التصميم الحضري الشامل

لا يمكن النظر إلى مباني الوزارات الحكومية بمعزل عن السياق الحضري الذي تنتمي إليه. فمسقط كمدينة تواجه تحديات التوسع العمراني السريع وضغوط النمو السكاني والتطور الاقتصادي، وكلها عوامل قد تُفضي إلى تشتيت الهوية البصرية وفوضى النسيج العمراني إذا لم تُعالَج بسياسات تخطيطية واضحة وملتزمة.

وقد كانت مسقط حكيمة نسبياً في فرض اشتراطات تصميمية تضمن التوافق البصري بين المباني الحكومية ومحيطها العمراني، من خلال تحديد أحجام المباني وأنماط الواجهات والتراجعات ومعالجات التشجير. وهذا ما منحها طابعاً بصرياً أكثر انسجاماً مقارنة ببعض المدن الخليجية التي تحوّل نسيجها العمراني إلى تجميع عشوائي من النماذج المتنافرة.

خاتمة: عمارة تؤمن بما تبني

يبقى السؤال العميق حاضراً: هل نجحت مباني الوزارات في مسقط في دمج الهوية الإسلامية العُمانية دمجاً حقيقياً، أم أنها اكتفت بطلائها الخارجي؟ والإجابة الصادقة أن المشهد متفاوت: ثمة تجارب بديعة تُجسّد الانسجام الكامل بين الروح والشكل والوظيفة، وثمة أمثلة أخرى يبدو فيها الطابع الإسلامي التزاماً رسمياً أكثر منه قناعة إبداعية.

غير أن ما يميز التجربة العُمانية في مجملها هو صدق التوجه ووضوح الالتزام بمرجعية هوياتية محددة في عالم تتآكل فيه الهويات المعمارية بفعل العولمة وهيمنة النماذج الدولية الواحدة. إن عُمان حين تبني وزاراتها بالحجر الجيري المحلي وتُعلّيها بالقباب وتُزيّنها بالأقواس وتُدرج المشربيات في نوافذها، فإنها تُصدر بياناً حضارياً واضحاً: الهوية ليست عبئاً من الماضي، بل هي ثروة تُبنى عليها المستقبلات.

وفي نهاية المطاف، فإن العمارة الصادقة هي التي تؤمن بما تبني. وحين تؤمن مسقط بقيمها الإسلامية العُمانية إيماناً يتجسد في كل قوس وكل حجرة وكل نافذة مُزخرفة، تتحول مبانيها الحكومية من مجرد هياكل وظيفية إلى شهادات حضارية صامدة تقول للأجيال القادمة: هنا كان شعب يعرف من أين جاء، ولذلك عرف إلى أين يمضي.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية