جمعيات

جمعيات المرأة العمانية: رصد لجهود 65 جمعية في التمكين الاقتصادي الريفي

جمعيات المرأة العمانية: رصد لجهود 65 جمعية في التمكين الاقتصادي الريفي

تشكّل الجمعيات النسائية في سلطنة عُمان أحد أهم الروافد المجتمعية التي ساهمت، على مدى العقود الأخيرة، في إحداث تحول ملموس في حياة المرأة العمانية، لا سيما في المناطق الريفية والنائية. فمنذ تأسيس أولى هذه الجمعيات في السبعينيات من القرن الماضي، تطورت هذه المؤسسات من كيانات اجتماعية بسيطة تُعنى بالشأن الأسري والثقافي، إلى مؤسسات تنموية فاعلة تمتد أنشطتها لتشمل التمكين الاقتصادي، والتدريب المهني، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وربط المرأة الريفية بفرص الإنتاج والتسويق.

ويُقدَّر عدد جمعيات المرأة العاملة في مختلف محافظات السلطنة بنحو 65 جمعية، تتوزع جغرافيًا على نحو يعكس التنوع البيئي والاجتماعي والاقتصادي لعُمان، من سهول الباطنة الزراعية إلى جبال الداخلية، ومن السواحل الجنوبية في ظفار إلى الواحات الصحراوية في الوسطى والشرقية. وتمثل هذه الجمعيات شبكة متكاملة من الجهود التطوعية والمؤسسية التي تسعى إلى تعزيز دور المرأة في الاقتصاد المحلي، وتحويل المهارات التقليدية الموروثة إلى مصادر دخل مستقرة ومستدامة.

تسعى هذه المقالة إلى رصد أبرز ملامح هذا المشهد، من خلال استعراض السياق التاريخي لتأسيس هذه الجمعيات، وأبرز مجالات عملها في التمكين الاقتصادي الريفي، والتحديات التي تواجهها، والآثار التي تركتها على المجتمعات المحلية، مع تسليط الضوء على نماذج من الأنشطة التي تعكس روح الإبداع والمثابرة لدى المرأة العمانية.

السياق التاريخي لتأسيس جمعيات المرأة في عُمان

ارتبطت نشأة جمعيات المرأة العمانية بمسار النهضة الشاملة التي شهدتها السلطنة منذ عام 1970، حيث كان التعليم والصحة والتنمية الاجتماعية من أولى الأولويات التي وضعتها الدولة لبناء مجتمع متوازن. وفي هذا السياق، برزت الحاجة إلى تنظيم العمل النسائي التطوعي في إطار مؤسسي يتيح للمرأة المساهمة في عملية التنمية، فكانت الجمعيات النسائية واحدة من أوائل صور التنظيم الاجتماعي الأهلي في السلطنة.

في البداية، ركزت هذه الجمعيات على الأنشطة التثقيفية والتدريبية البسيطة، مثل محو الأمية، وتعليم الخياطة والتطريز، وتقديم الدورات في الصحة الأسرية وتربية الأطفال. ومع مرور الوقت، وتزايد وعي المرأة العمانية بأهمية المشاركة الاقتصادية، بدأت هذه الجمعيات تتوسع في أنشطتها لتشمل برامج التمكين الاقتصادي، خاصة في المناطق الريفية التي كانت المرأة فيها تمتلك مهارات تقليدية متوارثة لكنها تفتقر إلى آليات تسويقية أو تنظيمية تحوّل هذه المهارات إلى مصدر دخل فعلي.

وقد لعبت وزارة التنمية الاجتماعية، والجهات الحكومية المعنية بالشأن النسائي، دورًا محوريًا في دعم هذه الجمعيات من خلال التراخيص، والدعم الفني، وبرامج التدريب، إلى جانب التعاون مع مؤسسات تمويلية وتنموية أخرى. كما ساهمت اللجان النسائية في الغرف التجارية والصناعية، وبرامج دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، في توسيع نطاق الدعم المقدم لهذه الجمعيات وأعضائها.

التوزيع الجغرافي وتنوع الأنشطة

يعكس انتشار جمعيات المرأة على مستوى محافظات السلطنة طبيعة التنوع البيئي والاقتصادي لعُمان، إذ تختلف طبيعة الأنشطة الاقتصادية التي تتبناها كل جمعية بحسب الموارد المحلية المتاحة في منطقتها.

محافظة الباطنة

في الباطنة، التي تُعرف بكثافتها الزراعية وتنوع محاصيلها، تتجه جمعيات المرأة إلى دعم الأنشطة المرتبطة بالصناعات الغذائية المنزلية، مثل تصنيع المخللات، وتعليب الفواكه، وإنتاج العصائر الطبيعية من محاصيل النخيل والمانجو والليمون. كما تنشط بعض الجمعيات في دعم الحرف اليدوية المرتبطة بسعف النخيل وصناعة السلال والحُصُر.

محافظة الداخلية

أما في الداخلية، فتتجه الأنشطة نحو الصناعات الحرفية التقليدية كصناعة الفخار، والنسيج، وصناعة العسل الطبيعي الذي تشتهر به هذه المنطقة الجبلية، إضافة إلى زراعة الأعشاب الطبية والعطرية واستخلاص الزيوت العطرية منها، وهي صناعة تشهد توسعًا متزايدًا بدعم من بعض الجمعيات النشطة في ولايات نزوى وبهلا والحمراء.

محافظة ظفار

في الجنوب، تتميز جمعيات المرأة في ظفار بالتركيز على الصناعات المرتبطة بزراعة الموز والنارجيل والمحاصيل الاستوائية، إلى جانب صناعة اللبان وتعزيز قيمته الاقتصادية والسياحية من خلال منتجات تراثية متجددة، مثل العطور والبخور المستخلصة منه.

المحافظات الوسطى والشرقية والصحراوية

وفي الوسطى والشرقية، حيث تنتشر البيئة الصحراوية والساحلية، تتجه الجمعيات إلى دعم الصناعات المرتبطة بالأسماك المجففة والمملحة، وصناعة الحلويات العمانية التقليدية، إضافة إلى الحرف اليدوية المرتبطة بصناعة الخوص وصيد الأسماك التقليدي.

هذا التنوع الجغرافي يعكس مرونة هذه الجمعيات في التكيّف مع البيئة المحلية، واستثمار الموارد المتاحة لخلق فرص اقتصادية حقيقية للمرأة الريفية، بدلًا من فرض نموذج اقتصادي واحد على جميع المناطق.

مجالات التمكين الاقتصادي الريفي

تتعدد المجالات التي تعمل من خلالها جمعيات المرأة العمانية على تعزيز التمكين الاقتصادي للمرأة الريفية، ويمكن تصنيفها في عدة محاور رئيسية:

1. التدريب المهني وبناء القدرات

تُعد برامج التدريب المهني من أهم الأدوات التي تعتمد عليها هذه الجمعيات لتأهيل المرأة الريفية اقتصاديًا. وتشمل هذه البرامج دورات في الخياطة والتفصيل، والتطريز العماني التقليدي، وصناعة الحلويات والمخبوزات، وتربية النحل، والزراعة المنزلية، إلى جانب دورات في المحاسبة الأساسية وإدارة المشروعات الصغيرة، مما يمنح المرأة أدوات عملية لتحويل مهاراتها إلى مشروع اقتصادي قائم بذاته.

2. دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة

تساهم العديد من الجمعيات في تقديم الدعم الفني والاستشاري للمرأة الراغبة في تأسيس مشروعها الخاص، من خلال مساعدتها في إعداد دراسات الجدوى الأولية، والتعريف بإجراءات الترخيص، والتواصل مع الجهات الداعمة للمشروعات الصغيرة مثل صندوق الرفد، وجهاز الاستثمار العماني، والبنوك التنموية. كما تُقدّم بعض الجمعيات قروضًا صغيرة أو منحًا تأسيسية بسيطة لدعم المشروعات الناشئة.

3. التسويق والمعارض المحلية

تُنظّم جمعيات المرأة بشكل دوري معارض محلية وموسمية لعرض منتجات المرأة الريفية، خاصة في المواسم الزراعية والمناسبات الوطنية والدينية. وتُعد هذه المعارض منفذًا تسويقيًا مهمًا، إذ تتيح للمرأة الريفية التواصل المباشر مع المستهلكين دون وسيط، وتحقيق هامش ربح أعلى من منتجاتها. كما ساهم التحول الرقمي في توسيع آفاق التسويق من خلال إنشاء صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي لتسويق المنتجات النسائية، وهو اتجاه تتبناه جمعيات عديدة لمواكبة التحول الرقمي في الاقتصاد العماني.

4. الزراعة المنزلية والأمن الغذائي

في ظل الاهتمام المتزايد بالأمن الغذائي على المستوى الوطني، تبنّت بعض جمعيات المرأة في المناطق الريفية برامج لتشجيع الزراعة المنزلية، من خلال توزيع البذور والمستلزمات الزراعية، وتقديم تدريبات في الزراعة المائية والعضوية، بما يخدم هدفين متلازمين: تحسين دخل الأسرة الريفية، وتعزيز الاستدامة الغذائية المحلية.

5. الصناعات الحرفية التراثية

تحظى الحرف اليدوية التراثية باهتمام خاص من جمعيات المرأة، باعتبارها رافدًا اقتصاديًا وثقافيًا في الوقت ذاته. فصناعة السدو، والتطريز العماني، وصناعة الفخار، وحياكة الخوص، تمثل مهارات متوارثة عبر الأجيال، وتسعى الجمعيات إلى الحفاظ عليها من خلال دمجها في برامج اقتصادية حديثة تربط هذه الحرف بالسياحة الثقافية والمعارض الدولية.

نماذج من الأثر التنموي

من خلال هذه الجهود المتنوعة، استطاعت العديد من النساء في المناطق الريفية تحويل مهاراتهن المنزلية إلى مصادر دخل ثابتة تساهم في دعم اقتصاد الأسرة. فبدلًا من الاعتماد الكامل على دخل رب الأسرة، أصبحت المرأة الريفية في كثير من الحالات شريكًا فاعلًا في الإنفاق الأسري، بل وفي بعض الحالات، المصدر الرئيسي للدخل، خاصة في الأسر التي تعتمد على مشروعات صغيرة مثل تصنيع الأغذية أو الحرف اليدوية.

كما ساهمت هذه الجمعيات في تعزيز الروابط الاجتماعية بين النساء في القرى والمناطق النائية، من خلال خلق مساحات للعمل الجماعي والتعاوني، الأمر الذي قلّل من العزلة الاجتماعية التي كانت تعاني منها بعض النساء في المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية. وتحوّلت بعض هذه الجمعيات إلى حاضنات اجتماعية تجمع بين البعد الاقتصادي والبعد النفسي والاجتماعي، حيث تجد المرأة فيها دعمًا معنويًا إلى جانب الدعم المادي.

التحديات التي تواجه جمعيات المرأة في عملها الريفي

على الرغم من الجهود الملموسة، تواجه جمعيات المرأة العمانية في عملها بالمناطق الريفية عددًا من التحديات الجوهرية، يمكن إيجازها فيما يلي:

التحدي التمويلي

تعتمد غالبية هذه الجمعيات على التبرعات والاشتراكات والدعم الحكومي المحدود، وهو ما يجعل استمرارية بعض البرامج التدريبية والتمويلية رهينة بتوفر الموارد المالية، خاصة في ظل تزايد الطلب على الخدمات مقابل محدودية الدعم.

ضعف البنية التسويقية في المناطق النائية

تعاني بعض المناطق الريفية من ضعف البنية التحتية اللوجستية، مثل طرق النقل وخدمات الإنترنت، وهو ما يحد من قدرة المرأة الريفية على الوصول إلى الأسواق الحضرية أو استثمار الفرص الرقمية في التسويق.

محدودية المعرفة الرقمية

في ظل التحول المتسارع نحو الاقتصاد الرقمي، تواجه شريحة من النساء في المناطق الريفية، خاصة من الفئات الأكبر سنًا، صعوبة في التكيف مع أدوات التسويق الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، مما يستدعي برامج تدريبية متخصصة لتمكينهن من هذه الأدوات.

التوازن بين الأدوار الأسرية والاقتصادية

لا تزال بعض النساء الريفيات يواجهن تحديًا في التوفيق بين أدوارهن الأسرية التقليدية وانخراطهن في الأنشطة الاقتصادية، وهو ما يستدعي من الجمعيات تصميم برامج تدريبية مرنة تتناسب مع ظروف المرأة الريفية الزمنية والاجتماعية.

الاستمرارية والتوريث المؤسسي

تعتمد بعض الجمعيات على عدد محدود من القيادات النسائية المتطوعة، مما يطرح تساؤلات حول استمراريتها على المدى البعيد في ظل غياب آليات واضحة لتوريث القيادة وبناء كوادر شابة قادرة على مواصلة هذا العمل التنموي.

دور الشراكات المؤسسية في دعم جمعيات المرأة

لم تعمل جمعيات المرأة بمفردها في تحقيق هذا الأثر التنموي، بل استفادت من شراكات متعددة مع جهات حكومية وخاصة، أبرزها:

  • وزارة التنمية الاجتماعية: التي تقدم الدعم الفني والإشرافي والترخيصي لهذه الجمعيات، وتنسق جهودها ضمن استراتيجية وطنية للعمل الأهلي.
  • صندوق الرفد العماني: الذي يدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة من خلال برامج تمويلية وتدريبية تستفيد منها كثير من سيدات الأعمال الريفيات المنتميات لهذه الجمعيات.
  • الغرفة العمانية لتجارة وصناعة (لجنة المرأة في الأعمال): التي تساهم في ربط منتجات المرأة الريفية بالأسواق المحلية والدولية من خلال المعارض والفعاليات التجارية.
  • الجامعات والمعاهد المهنية: التي تقدم برامج تدريبية متخصصة في ريادة الأعمال والمهارات الحرفية بالتعاون مع الجمعيات النسائية.
  • المؤسسات الإعلامية: التي تساهم في تسليط الضوء على منتجات المرأة الريفية، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية دعم المنتج المحلي النسائي.

رؤية مستقبلية للتمكين الاقتصادي الريفي

تشير المعطيات المتاحة إلى أن مستقبل العمل الاقتصادي لجمعيات المرأة في المناطق الريفية يتجه نحو مزيد من التكامل مع رؤية “عُمان 2040″، التي تضع التنويع الاقتصادي والتنمية المتوازنة بين المحافظات في صدارة أولوياتها. ويمكن استشراف عدد من المسارات التي قد تعزز دور هذه الجمعيات في المستقبل القريب:

أولًا، التوسع في برامج التحول الرقمي للمرأة الريفية، من خلال تدريبها على التجارة الإلكترونية ومنصات التسويق الرقمي، بما يتيح لها تجاوز قيود الموقع الجغرافي والوصول إلى أسواق أوسع.

ثانيًا، تعزيز الروابط بين الحرف التراثية والقطاع السياحي، باعتبار السياحة الريفية والتراثية أحد المسارات الواعدة للاقتصاد العماني، وهو ما يمنح منتجات المرأة الريفية قيمة مضافة وفرصًا تسويقية جديدة.

ثالثًا، تطوير منظومة تمويلية أكثر مرونة تستجيب لطبيعة المشروعات الصغيرة النسائية في الريف، من خلال قروض ميسّرة وبرامج حاضنات أعمال متخصصة.

رابعًا، الاستثمار في بناء القيادات النسائية الشابة داخل هذه الجمعيات، لضمان استمرارية العمل التنموي وتجديد الأفكار والبرامج بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة.

خامسًا، تعزيز التعاون بين الجمعيات النسائية نفسها من خلال شبكات تبادل الخبرات والمنتجات بين المحافظات المختلفة، بما يخلق سوقًا داخلية أكثر تكاملًا للمنتجات النسائية الريفية.

خاتمة

تمثل جمعيات المرأة العمانية، بتعدادها الذي يقارب 65 جمعية موزعة على محافظات السلطنة، نموذجًا حيًا على قدرة العمل المجتمعي المنظم على إحداث تحول اقتصادي حقيقي في حياة المرأة الريفية. فمن خلال برامج التدريب، ودعم المشروعات الصغيرة، والمعارض التسويقية، وصون الحرف التراثية، استطاعت هذه الجمعيات أن تحوّل مهارات المرأة الريفية الموروثة إلى مصادر دخل مستدامة، وأن تمنحها مساحة أكبر للمساهمة في اقتصاد أسرتها ومجتمعها.

وعلى الرغم من التحديات التمويلية واللوجستية والرقمية التي لا تزال قائمة، فإن المسار العام لهذه الجمعيات يتجه نحو مزيد من التطور والاحترافية، خاصة في ظل الدعم الحكومي المتزايد والانفتاح على الشراكات المؤسسية المتنوعة. ومع استمرار هذا الزخم، يُتوقع أن تواصل جمعيات المرأة العمانية لعب دورها المحوري في ترسيخ مفهوم التمكين الاقتصادي الريفي، بما يخدم أهداف التنمية المستدامة ورؤية عُمان 2040 في بناء اقتصاد متنوع ومتوازن يشارك فيه الجميع، رجالًا ونساءً، حضرًا وريفًا، على قدم المساواة.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *