تاريخ قبائل

دولة المزاريع في مومباسا وقلاعهم التاريخية: ملحمة النفوذ العُماني وحراسة الساحل الإفريقي

دولة المزاريع في مومباسا وقلاعهم التاريخية: ملحمة النفوذ العُماني وحراسة الساحل الإفريقي

تمثل الهجرة العُمانية إلى شرق إفريقيا واحدة من أزهى صفحات التاريخ العربي والإسلامي في المحيط الهندي. ولم يكن هذا الوجود مجرد عبور تجاري مؤقت، بل تحول في كثير من محطاته إلى استيطان سياسي وحضاري وعسكري شكّل خارطة المنطقة لقرون. وفي قلب هذا المشهد الإمبراطوري المتداخل، تبرز دولة المزاريع في مومباسا (على ساحل كينيا الحالي) كنموذج فريد لولاية قبيلة عُمانية استطاعت أن تحكم إقليماً حيوياً، وأن تؤسس كياناً سياسياً شبه مستقل صمد لعقود طويلة أمام أعتى القوى الإقليمية والدولية، معتمدة على قوتها العسكرية، وبأس رجالها، وتحالفاتها الذكية مع القبائل الإفريقية المحلية، وفي مقدمتها قبائل “النياندا” (الميجيكيندا).

ارتبط اسم المزاريع بمدينة مومباسا الإستراتيجية وبحصنها العظيم “قلعة يسوع” (Fort Jesus)، حيث سطروا ملحمة عسكرية طويلة دافعوا فيها عن عروبة وإسلام الساحل الإفريقي ضد المحاولات البرتغالية المتكررة لاستعادة نفوذها المفقود، قبل أن يدخلوا في صراع سياسي وعسكري مرير مع دولة البوسعيد في مسقط وزنجبار حول أحقية حكم الساحل. يستعرض هذا البحث الشامل والعميق الجذور التاريخية لقبيلة المزاريع، وصعودهم السياسي في شرق إفريقيا، ونظام حكمهم وإدارتهم لمومباسا، وقلاعهم التاريخية، وصولاً إلى أفول نجمهم والأثر الثقافي والعلمي المستدام الذي تركوه في القارة السمراء.

أولاً: الجذور التاريخية لقبيلة المزاريع العُمانية ومسارات الهجرة

تنتمي قبيلة المزاريع (ومفردها المزروعي) إلى قبائل سلطنة عُمان العريقة، وهي قبيلة عدنانية يرجع نسبها إلى طيء. استوطنت القبيلة تاريخياً في أجزاء مختلفة من عُمان، لا سيما في ولاية وادي بني خالد بمحافظة شمال الشرقية، وبعض مناطق محافظة شمال الباطنة والظاهرة. واشتهر أبناؤها بالبأس في القتال، والاشتغال بالتجارة البحرية وركوب البحر، والاهتمام بالعلوم الفقهية والقضائية.

1. بداية التوجه نحو شرق إفريقيا

بدأ النزوح الفعلي لرجالات المزاريع نحو شرق إفريقيا مع بزوغ فجر الدولة اليعربية في عُمان (1624–1741م). عندما تولى الإمام سلطان بن سيف اليعربي الأول الحكم، ووضع نصب عينيه تطهير المحيط الهندي وسواحل الخليج وشرق إفريقيا من الوجود البرتغالي الذي عاث فساداً واحتكر التجارة البحرية بقوة السلاح لأكثر من قرن ونصف.

استجاب المزاريع لنداء الجهاد البحري الذي أطلقه الأئمة اليعاربة، وانخرطوا كقادة عسكريين وملاحين في الأسطول العُماني الناشئ الذي بدأ بشن غارات بحرية ناجحة على القواعد البرتغالية في ديو (الهند)، ومومباسا، ولامو، وزنجبار. ومع حصار مومباسا الشهير في نهاية القرن السابع عشر، كان للمزاريع حضور عسكري بارز على الأرض.

2. معركة تحرير مومباسا التاريخية (1696–1698م)

تُعد معركة تحرير مومباسا من أطول الحصارات البحرية في التاريخ الإسلامي. حاصر الأسطول العُماني “قلعة يسوع” البرتغالية في مومباسا لمدة تقارب الثلاث سنوات (33 شهراً). عانى الطرفان خلالها من تفشي الأوبئة والجوع، وصمد البرتغاليون داخل الحصن الحصين بانتظار الإمدادات من غوا (الهند).

في ديسمبر 1698م، تمكنت القوات العُمانية -وكان من بين قادتها أفراد من المزاريع- من اقتحام القلعة والقضاء على آخر جندي برتغالي فيها، واضعين بذلك حداً للسيطرة البرتغالية على شمال خط الاستواء في شرق إفريقيا. بعد هذا النصر المؤزر، عيّن الإمام اليعربي ولاة عُمانيين لإدارة الموانئ المحررة، وكان هذا التعيين هو الحجر الأساس الذي بنى عليه المزاريع مجدهم الإقليمي.

ثانياً: الصعود السياسي وتأسيس دولة المزاريع في مومباسا

بعد تحرير الساحل، واجهت الدولة اليعربية في عُمان اضطرابات داخلية وحروباً أهلية أضعفت السلطة المركزية في مسقط. هذا الضعف في العاصمة أتاح لولاة الأقاليم البعيدة، وتحديداً في شرق إفريقيا، هامشاً كبيراً من الحرية والاستقلال الإداري.

1. تعيين ناصر بن عبد الله المزروعي وراثياً

في عام 1727م، عُيّن الشيخ ناصر بن عبد الله المزروعي والياً على مومباسا من قبل الإمام اليعربي. تميز الشيخ ناصر بالحكمة والقدرة على كسب ود السكان المحليين من الشيرازيين والقبائل الإفريقية. ومع سقوط الدولة اليعربية في عُمان عام 1741م وصعود الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي (مؤسس الدولة البوسعيدية) وتوليه الحكم في مسقط، رفض والي مومباسا آنذاك، الشيخ محمد بن عثمان المزروعي، الاعتراف بالسلطة الجديدة في مسقط.

أعلن الشيخ محمد بن عثمان المزروعي استقلال مومباسا والساحل الإفريقي الممتد من “لامو” شمالاً حتى “بنجاني” جنوباً عن الحكم البوسعيدي في مسقط، مطلقاً العنان لـ دولة المزاريع التي استمرت ككيان سياسي مستقل وحاكم للساحل لمدة تقارب القرون التسعة (من 1741م حتى سقوطها النهائي عام 1837م).

2. قائمة حكام (ولاة) دولة المزاريع في مومباسا

تداول على حكم مومباسا والساحل خلال هذه الفترة قادة أذكياء من بيت المزاريع، تناوبوا على السلطة وفق نظام شورى قبلي داخلي، وجعلوا من منصب الوالي منصباً وراثياً في عائلتهم:

  1. الشيخ ناصر بن عبد الله المزروعي (المؤسس الإداري في العهد اليعربي).
  2. الشيخ محمد بن عثمان المزروعي (مؤسس الاستقلال السياسي، اغتيل بمؤامرة أرسلها والي مسقط).
  3. الشيخ علي بن عثمان المزروعي (ثأر لأخيه، واقتحم قلعة يسوع، ورسخ أركان الدولة).
  4. الشيخ مسعود بن ناصر المزروعي (شهدت فترة حكمه استقراراً اقتصادياً وازدهاراً تجارياً كبيراً).
  5. الشيخ عبد الله بن أحمد المزروعي (الوالي القوي الذي واجه بدايات الضغط العسكري المباشر من السيد سعيد بن سلطان).
  6. الشيخ سليمان بن علي المزروعي (حاول الاستعانة بالحماية البريطانية المؤقتة لصد الهجوم العُماني).
  7. الشيخ سالم بن أحمد المزروعي (آخر الحكام الأقوياء للدولة قبل سقوطها).

ثالثاً: الإستراتيجية العسكرية وقلاع المزاريع التاريخية

لم يكن لدولة المزاريع أن تصمد أمام الأساطيل العُمانية البوسعيدية المتطورة، أو الأطماع الأوروبية، لولا امتلاكها لمنظومة دفاعية عسكرية متقدمة ارتكزت على قلاع وحصون تاريخية، وعلى رأسها قلعة يسوع.

1. قلعة يسوع (Fort Jesus) في مومباسا: معقل الحكم والتحصين

تُعد قلعة يسوع واحدة من أهم المعالم الأثرية والعسكرية في شرق إفريقيا، ومدرجة اليوم على قائمة التراث العالمي لليونسكو.

أ. التأسيس والتصميم المعماري

بنى البرتغاليون القلعة عام 1593م بأمر من الملك فيليب الأول (ملك البرتغال وإسبانيا آنذاك) لحماية ميناء مومباسا وتأمين خطوط ملاحتهم نحو الهند. صمم القلعة المهندس الإيطالي الشهير جوفاني باتيستا كيراتو على شكل جسم إنسان مستلقٍ على ظهره (تمثيلاً لجسد يسوع وفق المعتقد المسيحي الغربي). بُنيت القلعة من الحجر المرجاني الصلب المستخرج من سواحل مومباسا، وتميزت بجدرانها السميكة للغاية التي ترتفع لأكثر من 15 متراً، وخندقها العميق المحفور في الصخر المحيط بها.

ب. التعديلات والإضافات العُمانية والمزروعية

عندما استقر المزاريع في القلعة واتخذوها مقراً لحكمهم وسكناً لعائلاتهم وجنودهم، أجروا تعديلات معمارية جذرية غيرت من هويتها العسكرية لتتلاءم مع العمارة الإسلامية والعُمانية:

  • رفع الجدران والأبراج: قام المزاريع بتعلية أبراج القلعة الأربعة لزيادة مدى المراقبة وإطلاق المدافع.
  • تأسيس المسجد الحصني: بنوا مسجداً صغيراً داخل الفناء الداخلي للقلعة لإقامة الصلوات، ولا تزال آثار محرابه ونقوشه واضحة حتى اليوم.
  • المجلس (السبلة): استحدثوا مجلساً عربياً واسعاً عند مدخل القلعة لاستقبال شيوخ القبائل الإفريقية والتباحث في شؤون الحكم والتجارة.
  • النقوش والأبواب المقطعة: استبدلوا الأبواب البرتغالية بأبواب خشبية عُمانية ضخمة مصنوعة من خشب الساج والمزينة بالمسامير النحاسية الواقية من الاقتحام، ونقشوا على الجدران أدعية وآيات قرآنية بالخط العربي القديم.

2. حصن غازي (Chale Fort / Gazi)

إلى الجنوب من مومباسا، وتحديداً في منطقة “غازي”، أسس المزاريع حصناً إقليمياً فرعياً أداروا من خلاله مزارعهم الشاسعة وشبكات تجارة العاج مع الداخل الإفريقي. كان هذا الحصن بمثابة خط دفاعي ثانٍ ونقطة تجمع لقواتهم الاحتياطية في حال تعرضت جزيرة مومباسا لحصار بحري.

3. حصن تاكاungu (Takaungu Fort)

يقع شمال مومباسا، وأسسه فرع من العائلة المزروعية لإدارة شؤون الزراعة والتجارة في تلك المناطق ولتأمين الطريق البري الواصل بين مومباسا وولاية “ماليندي”. لعب هذا الحصن دوراً بارزاً كملجأ أخير لرجالات المزاريع بعد سقوط مومباسا بيد السيد سعيد بن سلطان.

رابعاً: نظام الحكم والتحالفات الإفريقية (سر الاستمرارية)

من أهم العوامل التي ميزت دولة المزاريع وجعلتها تختلف عن أي إدارة خارجية أخرى في إفريقيا، هو نجاحها المبهر في الاندماج الاجتماعي والسياسي الكامل مع السكان الأصليين. لم يعش المزاريع في أبراج عاجية، بل صاهروا وتخالطوا مع المجتمع الإفريقي.

1. التحالف الإستراتيجي مع قبائل “النياندا” (الميجيكيندا)

يتكون سكان النطاق البري المحيط بمومباسا من حلف قبلي إفريقي شهير يُعرف بـ الميجيكيندا (أو النياندا وتضم 9 قبائل رئيسية). أدرك حكام المزاريع أن بقاءهم واستقلالهم مستحيل دون غطاء بري يحميهم من الهجمات الخلفية ويزودهم بالمقاتلين.

  • نظام “المجالس المشتركة”: أسس المزاريع نظاماً تشاركياً؛ حيث كان لكل قبيلة من قبائل الميجيكيندا ممثل أو “سفير” يقيم في مومباسا وله مخصصات مالية من الوالي المزروعي.
  • الدفاع المشترك: في المقابل، تعهدت هذه القبائل بتقديم آلاف المقاتلين الأشداء لإنقاذ مومباسا والدفاع عن قلعة يسوع كلما اقتربت الأساطيل البوسعيدية من البحر. وعندما كان يسقط الحصن بحراً، كان المزاريع ينسحبون إلى الغابات والقرى الإفريقية حيث يجدون الحماية والأمان المطلق لدى حلفائهم الأفارقة.

2. المصاهرة والذوبان في النسيج السواحيلي

تزوج حكام وأفراد قبيلة المزاريع من بنات الشيوخ والوجهاء من الشيرازيين والأفارقة المسلمين في الساحل. هذا التمازج أنتج جيلاً من القادة المزاريع الذين يحملون دماءً عربية وإفريقية مشتركة، يتحدثون السواحيلية كأهلها، ويفهمون سيكولوجية المجتمع الإفريقي، مما جعل الشعب السواحيلي يرى في المزاريع حكاماً محليين وطنيين وليسوا غزاة أو مستعمرين قادمين من وراء البحار.

خامساً: الصراع العُماني العُماني (المزاريع ضد البوسعيد)

شهد الربع الأول من القرن التاسع عشر تصاعداً دراماتيكياً في حدة الصراع بين مسقط ومومباسا. مع تولي السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي مقاليد الحكم في عُمان (1804–1856م)، وضع أمامه هدفاً إستراتيجياً لا حياد عنه: توحيد الإمبراطورية العُمانية تحت راية واحدة وإخضاع كافة الخوارج والولاة المستقلين في شرق إفريقيا لسلطته المركزية.

1. معركة “شيزامبو” ومحاولات الإخضاع الأولى

بدأ السيد سعيد بن سلطان بإرسال حملات بحرية متوالية لتقليص نفوذ المزاريع في الجزر المجاورة مثل “باتا” و”بمبا” و”لامو”. نجحت القوات البوسعيدية في طرد المزاريع من جزيرة بمبا (التي كانت تمثل سلة الغذاء ومصدر أموال القرنفل لمومباسا)، مما شكل ضربة اقتصادية قاسية لدولة المزاريع.

2. الحماية البريطانية المؤقتة (معاهدة أوين 1824م)

شعوراً منهم بالخطر الداهم جراء اقتراب أسطول السيد سعيد بن سلطان الضخم، اتخذ والي مومباسا الشيخ سليمان بن علي المزروعي خطوة إستراتيجية يائسة؛ حيث استغل وصول السفينة الحربية البريطانية بقيادة الكابتن أوين (Owen) إلى مياه مومباسا، وعرض عليه وضع مومباسا تحت الحماية البريطانية ورفع العلم البريطاني فوق قلعة يسوع مقابل الدفاع عن المدينة ضد الهجوم البوسعيدي.

وافق الكابتن أوين بصفة مؤقتة ودون الرجوع لحكومته في لندن، وتأسست “محمية أوين” القصيرة. لكن السيد سعيد بن سلطان، بذكائه الدبلوماسي الحاد، احتج بشدة لدى الحكومة البريطانية في لندن وشركة الهند الشرقية، مذكراً إياهم بمعاهدات الصداقة والتحالف الإستراتيجي بين بريطانيا ومسقط. وتحت الضغط الدبلوماسي، ألغت الحكومة البريطانية تصرف الكابتن أوين، وأمرت بسحب الحماية وإنزال العلم البريطاني من القلعة عام 1826م، تاركة المزاريع وجهاً لوجه أمام الأسطول العُماني.

3. سقوط مومباسا والخدعة الإستراتيجية (1837م)

قاد السيد سعيد بن سلطان بنفسه عدة حملات عسكرية لحصار مومباسا واقتحام قلعة يسوع، ورغم النجاحات المؤقتة والاتفاقيات الهشة التي كانت تُعقد وتُنقض، إلا أن المزاريع كانوا يعودون للتمرد في كل مرة تغادر فيها سفن السيد سعيد نحو مسقط.

أدرك السيد سعيد بن سلطان أن كسر شوكة المزاريع عسكرياً يتطلب كلفة بشرية ومالية باهظة نظراً لتحصينات قلعة يسوع وولاء القبائل الإفريقية لهم. فقرر اللجوء إلى السياسة والخدعة الإستراتيجية:

  • في عام 1837م، عيّن السيد سعيد بن سلطان الوالي خالد بن سعيد (ابنه) مشرفاً على المنطقة، وتظاهر بالصلح الكامل مع المزاريع وتأكيد مكانتهم.
  • استدعى والي مسقط زعماء المزاريع الكبار (وعلى رأسهم الشيخ سالم بن أحمد المزروعي ونحو 25 من كبار رجال وأمراء العائلة) لحضور مأدبة صلح وتكريم وتوزيع هدايا داخل قلعة يسوع.
  • بمجرد دخول القادة المزروعيين إلى القاعة الداخلية، أُغلقت الأبواب وحاصرتهم القوات البوسعيدية وتم اعتقالهم جميعاً دون إراقة دماء وسط المدينة.
  • نُقل الزعماء المعتقلون على متن سفينة حربية عُمانية فوراً ونُفوا إلى بندر عباس (على الساحل الفارسي الذي كان يتبع لملك عُمان آنذاك) وسُجنوا في قلعتها حتى وافتهم المنية.

باعتقال ونفي الصف الأول من قياداتها، تهاوت دولة المزاريع في مومباسا ودخلت المدينة رسمياً وضمنياً تحت الحكم البوسعيدي المباشر، وقام السيد سعيد بن سلطان بنقل عاصمة إمبراطوريته كاملة من مسقط إلى زنجبار عام 1840م ليحكم الساحل الإفريقي بأكمله بقبضة حديدية مستقرة.

سادساً: الإرث الثقافي والعلمي المستدام للمزاريع في شرق إفريقيا

رغم زوال سلطتهم السياسية والعسكرية في مومباسا، إلا أن تاريخ المزاريع لم ينتهِ بسقوط قلعتهم. تحول المزاريع من السيف إلى القلم، وتفرعت منهم أسر علمية وقضائية رفيعة قادت الحركة الفكرية والإسلامية في شرق إفريقيا لقرن آخر من الزمان.

1. ريادة القضاء الإسلامي في كينيا وشرق إفريقيا

برزت من صلب العائلة المزروعية شخصيات فقهية عملاقة تولت منصب “قاضي قضاة كينيا” وساهمت في نشر التعليم الإسلامي ومحاربة التنصير الاستعماري الأوروبي:

  • الشيخ الأمين بن علي المزروعي (1891–1947م): يُعد أحد أعظم مصلحي وعلماء شرق إفريقيا في العصر الحديث. تولى منصب قاضي قضاة كينيا، وكان فقيهاً، ومجدداً، ومؤلفاً كتب العديد من المصنفات باللغتين العربية والسواحيلية. أسس الصحف والمجلات (مثل مجلة “الإصلاح”) لمحاربة الخرافات والجهل ونشر الإسلام المعتدل، وتخرج على يديه مئات العلماء الأفارقة.
  • الشيخ محمد قاسم المزروعي: اقتفى أثر والده وأجداده في العلم والقضاء، وأسهم في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة السواحيلية، وله إسهامات مشهودة في تنظيم المحاكم الشرعية في كينيا.

2. البروفيسور علي الأمين المزروعي (1933–2014م): المفكر العالمي

امتدت العبقرية المزروعية لتصل إلى الساحة الأكاديمية الدولية من خلال حفيد القضاة والولاة، البروفيسور علي الأمين المزروعي.

  • يُعتبر البروفيسور علي المزروعي واحداً من أكبر مئة مفكر عالمي في القرن العشرين.
  • شغل مناصب أكاديمية رفيعة في جامعات أمريكية وبريطانية وإفريقية (مثل جامعة بينغهامتون في نيويورك، وجامعة ماكيريري في أوغندا).
  • اشتهر بسلسلته الوثائقية الشهيرة التي بثتها هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) بعنوان “الأفارقة: إرث ثلاثي”، والتي شرح فيها تداخل الهويات الإفريقية (الإسلام، والمسيحية، والإرث الإفريقي الأصيل). ظل البروفيسور فخوراً بجذوره العُمانية وبإرث أجداده المزاريع في مومباسا حتى وفاته.

سابعاً: جدول ملخص للمحطات التاريخية لدولة المزاريع في مومباسا

التاريخالحدث الإستراتيجيالأهمية والنتائج
1698متحرير مومباسا وقلعة يسوع من البرتغالييندخول عُمان كقوة عظمى في شرق إفريقيا وتعيين ولاة محليين.
1727متعيين ناصر بن عبد الله المزروعي والياًبداية الاستقرار الإداري الفعلي لقبيلة المزاريع في مومباسا.
1741مإعلان الاستقلال عن مسقط (تأسيس الدولة)رفض الشيخ محمد بن عثمان التبعية للبوسعيديين وتأسيس حكم وراثي مستقل.
1824مإعلان الحماية البريطانية المؤقتة (معاهدة أوين)محاولة مزروعية فاشلة للاستعانة ببريطانيا لصد هجمات السيد سعيد بن سلطان.
1837مسقوط مومباسا بيد السيد سعيد بن سلطاناعتقال ونفي قادة المزاريع إلى بندر عباس ونهاية حكمهم السياسي لمومباسا.
القرن 20التحول نحو النهضة العلمية والفكريةبروز علماء ومفكرين مزاريع قادوا القضاء والفكر العالمي (الأمين وعلي المزروعي).

ثامناً: الخاتمة والتطلعات

إن دراسة تاريخ دولة المزاريع في مومباسا وتأمل جدران قلعة يسوع الشامخة على سواحل المحيط الهندي يثبتان أن الوجود العُماني في شرق إفريقيا لم يكن عابراً، بل كان تفاعلاً حضارياً عميقاً امتزجت فيه الدماء، واللغات، والثقافات. نجح المزاريع كحكام لأنهم تمكنوا من صياغة معادلة ذكية جمعت بين الحفاظ على هويتهم القبلية العُمانية الأصيلة، وبين الذوبان والاندماج الصادق في المجتمع السواحيلي الإفريقي الذي أحبهم وحماهم وجعل منهم جزءاً من تاريخه الوطني.

اليوم، تقف قلاع وحصون المزاريع في مومباسا وغازي كشواهد حية على حقبة إمبراطورية فريدة، وتلهم الباحثين والمؤرخين لإعادة قراءة كتاب العلاقات العُمانية الإفريقية، ليس من منظور الصراعات السياسية الفوقية فحسب، بل من منظور التبادل الفكري والإنساني المستدام الذي لا تزال آثاره تنبض في لغة أهل الساحل، وعمارتهم، وأسمائهم، وثقافتهم اليومية.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *