علماء الفلك العمانيون: المخطوطات الفلكية المنسية للبحارة والفقهاء القدامى
تحتل سلطنة عُمان موقعاً جغرافياً فريداً جعلها على مر العصور همزة وصل بين الشرق والغرب، وبوابة بحرية مفتوحة على المحيط الهندي والخليج العربي وبحر العرب. هذا الموقع الاستراتيجي لم يكن مجرد ميزة تجارية فحسب، بل كان أيضاً حافزاً علمياً دفع العمانيين منذ قرون بعيدة إلى تطوير معارف فلكية وملاحية متقدمة، ساعدتهم على قطع آلاف الأميال البحرية عبر المحيطات المفتوحة دون أن يضلوا طريقهم. لقد نشأ علم الفلك العماني من رحم الحاجة العملية: فالبحار العماني الذي كان يبحر من صحار أو مسقط أو صور نحو سواحل الهند وشرق إفريقيا والصين، لم يكن أمامه من وسيلة لمعرفة اتجاهه واتجاه موسم الرياح ومكانه في عرض البحر سوى مراقبة النجوم والشمس والقمر، وحساب منازلهما بدقة متناهية.
ومع ذلك، فإن هذا الإرث العلمي الثري، الذي خلّف وراءه مئات المخطوطات الفلكية والملاحية المحفوظة في خزائن المساجد والمكتبات الخاصة وبيوت العلماء، لا يزال إلى حد كبير في طي النسيان، لم يُدرس بالقدر الذي يستحقه، ولم يُترجم أو يُحقق إلا جزء يسير منه. هذا المقال يسعى إلى إلقاء الضوء على هذا التراث الفلكي العماني، وعلى أبرز الشخصيات التي أسهمت في صياغته، وعلى طبيعة المخطوطات التي خلّفوها، وعلى الأسباب التي أدت إلى تراجع الاهتمام بها، وأخيراً على الجهود المعاصرة المبذولة لإحيائها وحفظها للأجيال القادمة.
الجذور التاريخية لعلم الفلك في عُمان
لم يكن اهتمام العمانيين بالفلك وليد الصدفة، بل كان امتداداً طبيعياً لحضارة بحرية ضاربة في القدم. فالعمانيون عُرفوا منذ آلاف السنين بأنهم بحارة مهرة، ويُرجَّح أن سفنهم كانت تجوب طرق التجارة البحرية القديمة الرابطة بين بلاد الرافدين ووادي السند وشرق إفريقيا منذ عصور ما قبل الإسلام. ومع دخول الإسلام إلى عُمان، ومع ازدهار الحركة العلمية في العالم الإسلامي خلال العصور الوسطى، اندمج علم الفلك العماني التقليدي القائم على الخبرة والملاحظة المتوارثة مع المعارف الفلكية النظرية المستمدة من علماء الفلك المسلمين الكبار، وكذلك من تراثهم اليوناني والهندي والفارسي الذي استوعبوه وطوّروه.
وقد تأثر علم الفلك في عُمان بشكل خاص بحاجتين أساسيتين متلازمتين: الحاجة الملاحية البحتة لتحديد الاتجاهات في عرض البحر، والحاجة الدينية لتحديد مواقيت الصلاة واتجاه القبلة وبداية الأشهر الهجرية، خصوصاً شهر رمضان وموسم الحج. هاتان الحاجتان دفعتا فئتين رئيسيتين من المجتمع العماني إلى التعمق في علم الفلك: البحارة من جهة، والفقهاء وعلماء الدين من جهة أخرى. وكثيراً ما كانت الفئتان تتداخلان، إذ نجد فقهاء برعوا في الفلك الملاحي، وربابنة سفن امتلكوا فهماً عميقاً للفقه والشريعة.
المدارس العلمية والمراكز الفلكية
ازدهرت في عُمان عبر التاريخ عدة مراكز علمية ساهمت في تطوير ونقل المعرفة الفلكية. فمدينة نزوى، التي كانت عاصمة علمية ودينية لقرون طويلة، احتضنت حلقات علمية تدرّس الفلك إلى جانب الفقه والحديث واللغة. كذلك كانت الرستاق وإزكي وبهلا ومنح من المراكز التي عُرفت بعلمائها ومخطوطاتها. أما على الساحل، فقد كانت صحار وصور ومسقط مراكز ملاحية بامتياز، حيث كان النواخذة (ربابنة السفن) يتوارثون معرفة فلكية عملية دقيقة جيلاً بعد جيل، غالباً بشكل شفهي مدعوم بمخطوطات مختصرة وأدوات يدوية الصنع.
ولعل من أبرز ما يميز هذه المنظومة العلمية أنها لم تكن حكراً على نخبة ضيقة، بل كانت جزءاً من الثقافة العامة في المجتمعات الساحلية والداخلية على حد سواء. فالطفل العماني في قرية ساحلية كان يتعلم أسماء النجوم والمنازل القمرية كجزء من تنشئته الطبيعية، تماماً كما يتعلم الزراعة أو صيد الأسماك.
علم الفلك الملاحي: علم النوخذة
يُعد علم الفلك الملاحي، أو ما يُعرف محلياً بـ”علم النوخذة” أو “علم الراصد”، أحد أهم تجليات العلم الفلكي العماني التطبيقي. فالنواخذة، وهم قادة السفن الشراعية الكبيرة (البوم، السنبوك، الغنجة)، كانوا يعتمدون على منظومة معقدة من المعارف الفلكية لتحديد مسار سفنهم عبر المحيط الهندي.
نظام المنازل القمرية والأنواء
اعتمد البحارة العمانيون بشكل أساسي على نظام المنازل القمرية الثمانية والعشرين، وهو نظام فلكي قديم يقسم مسار القمر الظاهري عبر السماء إلى ثمانية وعشرين منزلاً، يقطع القمر كل منزل منها في ليلة تقريباً. وقد ارتبط كل منزل من هذه المنازل بفترة زمنية من السنة وبأنماط مناخية معينة (الأنواء)، مما جعل هذا النظام أداة تنبؤية مهمة لمعرفة مواسم الرياح الموسمية (الرياح الموسمية الجنوبية الغربية والشمالية الشرقية) التي كانت تحكم توقيت الرحلات البحرية بين عُمان والهند وشرق إفريقيا.
قياس ارتفاع النجوم: الكمال والإبرة
من أبرز الأدوات الفلكية التي طورها أو تبناها البحارة العمانيون أداة تُعرف بـ”الكمال” (وتُعرف أيضاً في مصادر أخرى باسم قريب من “الخشبات” أو “الكمل”)، وهي أداة بسيطة الصنع لكنها دقيقة الاستخدام، تتكون من لوح خشبي صغير مثقوب في وسطه يمر به خيط معقود بعقد متعددة على مسافات محسوبة. كان الملاح يمسك بطرف الخيط بفمه ويمد اللوح أمامه حتى تتراصف حافته السفلى مع الأفق وحافته العلوية مع نجم معين (غالباً نجم الجدي أو نجوم الدب الأصغر في النصف الشمالي)، فيستدل من طول الخيط المستخدم (أي من العقدة التي وصل إليها) على خط العرض الذي تقع فيه السفينة تقريباً.
هذه الطريقة، البسيطة في تكوينها المادي لكنها معقدة في فلسفتها العلمية، تكشف عن فهم متقدم لمفهوم الارتفاع الزاوي للأجرام السماية وعلاقته بخط العرض الجغرافي، وهو مبدأ أساسي في علم الملاحة الفلكية حتى يومنا هذا قبل اختراع أنظمة الملاحة الحديثة.
تحديد الاتجاهات بالنجوم
إلى جانب تحديد خط العرض، طوّر البحارة العمانيون نظاماً دقيقاً لتحديد الاتجاهات الأساسية والفرعية اعتماداً على شروق وغروب نجوم معينة في نقاط شبه ثابتة على الأفق. وقد ارتبطت هذه النجوم بأسماء محلية خاصة تختلف أحياناً عن الأسماء الفلكية الكلاسيكية، مما يعكس تراثاً شفهياً ثرياً امتزج بالمعرفة الفلكية المدوّنة. وكانت بعض المخطوطات الملاحية تتضمن “بوصلات نجمية” مرسومة توضح موقع كل نجم بالنسبة للاتجاهات الجغرافية على مدار الليل والموسم.
الفلك الشرعي: علم الفقهاء والمواقيت
بالتوازي مع الفلك الملاحي، ازدهر في عُمان فرع آخر من علم الفلك ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالفقه الإسلامي، وهو ما يمكن تسميته بـ”الفلك الشرعي” أو “علم المواقيت”. وقد اهتم به الفقهاء والعلماء الشرعيون لحاجتهم إلى:
تحديد مواقيت الصلوات الخمس بدقة، وهو ما تطلّب معرفة بحركة الشمس الظاهرية وحساب الظل وزوايا الارتفاع الشمسي عبر فصول السنة المختلفة.
تحديد اتجاه القبلة نحو الكعبة المشرفة من أي بقعة في عُمان، وهي مسألة فلكية رياضية تتطلب معرفة بعلم المثلثات الكروية وحساب الإحداثيات الجغرافية.
إثبات بداية الشهور الهجرية، وعلى رأسها شهر رمضان المبارك وشهرا ذي القعدة وذي الحجة، عن طريق رصد هلال بداية الشهر، وهو ما استلزم معرفة دقيقة بحساب اقتران الشمس والقمر وإمكانية رؤية الهلال (ما يُعرف اليوم بعلم “الرؤية الهلالية”).
وضع التقاويم الزراعية، حيث ارتبطت معرفة منازل القمر ومواسم النجوم بدورات الزراعة وتوزيع مياه الأفلاج، النظام الفريد لتوزيع المياه الذي اشتهرت به عُمان، والذي اعتمد في كثير من الأحيان على تحديد أوقات النهار والليل بواسطة الظل أو بمراقبة مواقع النجوم، تماماً كما اعتمد على القياسات الزمنية الفلكية الدقيقة.
أبرز ملامح المخطوطات الفلكية العمانية
تتميز المخطوطات الفلكية العمانية، التي خلّفها هؤلاء العلماء والفقهاء والنواخذة عبر القرون، بعدة خصائص تجعلها مادة بحثية غنية ومتفردة:
تنوع المضامين
تتراوح هذه المخطوطات بين رسائل فلكية نظرية معمقة تناقش حركة الأفلاك وفق المنظومة البطلمية أو ما طورها عليها علماء الفلك المسلمون، وبين كراسات عملية مختصرة كانت بمثابة “أدلة استخدام” للنواخذة، تتضمن جداول لمنازل القمر، وأسماء النجوم المحلية، وتعليمات لاستخدام أدوات القياس، وملاحظات عن طرق بحرية معينة ومواسمها المناسبة.
كما تضم المكتبة الفلكية العمانية شروحاً وحواشي على أمهات الكتب الفلكية في التراث الإسلامي، وهو ما يدل على أن العلماء العمانيين لم يكونوا منعزلين عن الحركة العلمية الإسلامية الأوسع، بل كانوا جزءاً فاعلاً فيها، يستوعبون إنتاجها ويضيفون إليه من واقع خبرتهم المحلية.
اللغة والأسلوب
كُتبت غالبية هذه المخطوطات باللغة العربية الفصحى، لكنها كثيراً ما تضمنت مصطلحات ومفردات محلية، خصوصاً في النصوص الملاحية، تعكس اللهجة العمانية وأسماء النجوم والرياح والاتجاهات كما كان يتداولها البحارة في حياتهم اليومية. هذا المزيج بين الفصحى العلمية واللهجة المحلية يجعل من هذه المخطوطات مصدراً لغوياً مهماً أيضاً، وليس فقط علمياً.
الأشكال والرسوم التوضيحية
تحتوي العديد من هذه المخطوطات على رسوم تخطيطية بسيطة توضح مواقع النجوم، أو أشكالاً هندسية لحساب الظل واتجاه القبلة، أو جداول رقمية منظمة لمنازل القمر ومواقيت الصلاة عبر أشهر السنة. هذه الرسوم، رغم بساطتها الظاهرية مقارنة بالمعايير العلمية الحديثة، تعكس فهماً بصرياً متقدماً للظواهر الفلكية المعقدة.
أسباب نسيان هذا التراث
رغم الثراء الواضح لهذا الإرث العلمي، فإنه ظل لعقود طويلة بعيداً عن الاهتمام الأكاديمي والشعبي الواسع. ويمكن إرجاع ذلك إلى عدة عوامل متشابكة:
أولاً، الطبيعة الشفهية لجزء كبير من المعرفة: كثير من المعرفة الفلكية الملاحية لم تُدوَّن أصلاً، بل انتقلت عبر التلقين الشفهي من النوخذة إلى تلامذته على ظهر السفينة، مما جعلها عرضة للضياع التام مع غياب الجيل الأخير من النواخذة التقليديين الذين عاصروا عصر الشراع قبل دخول الملاحة الآلية الحديثة.
ثانياً، تدهور حفظ المخطوطات: كثير من المخطوطات الفلكية العمانية كانت محفوظة في مكتبات خاصة أو منزلية، تعرضت بمرور الزمن لعوامل التلف الطبيعي كالرطوبة والحرارة والآفات، إضافة إلى التشتت بين الورثة أو الضياع نتيجة الإهمال أو عدم إدراك قيمتها العلمية والتاريخية.
ثالثاً، التحول التقني السريع: مع دخول أدوات الملاحة الحديثة كالبوصلة المغناطيسية المتطورة، ثم أجهزة الرادار ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، تراجعت الحاجة العملية لمعرفة الفلك الملاحي التقليدي بشكل حاد وسريع، مما أدى إلى انقطاع سلسلة النقل المعرفي بين الأجيال.
رابعاً، محدودية الجهود البحثية والتوثيقية: لم تحظَ هذه المخطوطات حتى وقت قريب نسبياً بمشاريع تحقيق وترجمة ودراسة أكاديمية واسعة مقارنة بمخطوطات فلكية أخرى من حضارات إسلامية أخرى كبغداد ودمشق والأندلس، رغم أن قيمتها العلمية والتاريخية لا تقل أهمية، خصوصاً فيما يتعلق بتطبيقاتها الملاحية الفريدة.
خامساً، اللغة والمصطلحات المتخصصة: تتطلب قراءة وفهم هذه المخطوطات معرفة متخصصة بمصطلحات فلكية كلاسيكية، وأيضاً بمفردات محلية ولهجية اندثر استخدامها، مما يجعل عملية التحقيق والترجمة مهمة تتطلب خبرة مزدوجة في الفلك التاريخي واللهجات المحلية القديمة.
الجهود المعاصرة لإحياء التراث الفلكي العماني
في العقود الأخيرة، بدأت تظهر بوادر اهتمام متجدد بهذا التراث العلمي، سواء من خلال المؤسسات الرسمية أو من خلال جهود باحثين أفراد. فقد أولت وزارة التراث والثقافة العمانية (والمؤسسات التي تلتها أو اندمجت معها) اهتماماً بجمع وفهرسة المخطوطات العمانية بشكل عام، بما فيها المخطوطات الفلكية، ضمن مشاريع توثيق التراث الوطني.
كما أن بعض الجامعات ومراكز البحث في عُمان والخليج بدأت تنظر إلى علم الفلك التقليدي العماني كموضوع بحثي جدير بالدراسة، خصوصاً من زاوية تاريخ العلوم عند العرب والمسلمين، وكذلك من زاوية الأنثروبولوجيا الثقافية التي تدرس المعارف التقليدية كجزء من الهوية الثقافية للمجتمعات الساحلية.
ومن الجدير بالذكر أن متاحف عمانية، مثل متحف بيت الزبير ومتحف عُمان عبر الزمان، قد خصصت أركاناً لعرض أدوات الملاحة الفلكية التقليدية، مما يساهم في تعريف الأجيال الجديدة والزوار بهذا الجانب من التراث العماني.
خاتمة
يمثل التراث الفلكي العماني، بشقّيه الملاحي والشرعي، نموذجاً فريداً على كيفية تطوّر المعرفة العلمية استجابة لحاجات عملية ملحّة، وعلى قدرة المجتمعات التقليدية على دمج المعرفة النظرية المستوردة مع الخبرة المحلية المتراكمة لتكوين منظومة معرفية متكاملة وفعّالة. فالبحار العماني الذي كان يعبر المحيط الهندي معتمداً على معرفته بمواقع النجوم ومنازل القمر، والفقيه الذي كان يحسب مواقيت الصلاة واتجاه القبلة بدقة هندسية، كلاهما كانا يمثلان وجهين لعملة علمية واحدة، صاغها العمانيون عبر قرون من الملاحظة والتجربة والتدوين.
إن المخطوطات الفلكية العمانية المنسية، المتناثرة في خزائن المساجد والمكتبات الخاصة وبيوت الأسر العريقة، تشكل كنزاً علمياً وتاريخياً لا يزال بانتظار من يستخرجه ويدرسه ويعيد له الاعتبار. فهذا التراث لا يحدثنا فقط عن تاريخ العلوم في عُمان، بل يحدثنا أيضاً عن هوية شعب ارتبط وجوده بالبحر والسماء معاً، واستطاع أن يقرأ في النجوم خارطة طريقه عبر المحيطات، وأن يقرأ في حركة الشمس والقمر مواقيت عبادته وحياته اليومية. إن إحياء هذا الإرث، من خلال جمع المخطوطات وتحقيقها وترجمتها ودراستها بمنهجية علمية رصينة، ليس مجرد واجب أكاديمي، بل هو أيضاً مسؤولية ثقافية تجاه أجيال قادمة تستحق أن تعرف عمق وغنى تراثها العلمي، وأن تفخر بإسهامات أجدادها في مسيرة العلم الإنساني الطويلة.