كهوف هضبة طاقة: النظام الهيدرولوجي لكهف “طيق” وحفرة إذابة طوي أعتير
مدخل إلى عالم الكارست العماني
تختزن جبال ظفار في أحشائها واحدة من أكثر الظواهر الجيولوجية إثارة في شبه الجزيرة العربية، وهي الكهوف والحفر الكارستية المتكونة عبر ملايين السنين في صخور الحجر الجيري. وعلى رأس هذه الظواهر تأتي منظومة كهف “طيق” وحفرة “طوي أعتير” في هضبة طاقة بمحافظة ظفار جنوب سلطنة عمان، وهي منظومة لا تقتصر أهميتها على ضخامة أبعادها الفيزيائية، بل تمتد إلى ما هو أعمق من ذلك: شبكة هيدرولوجية جوفية معقدة تربط بين الجبل وسطحه ووديانه وعيونه، في قصة طبيعية متكاملة كتبتها المياه على مدى أزمنة جيولوجية سحيقة.
تقع هذه المنظومة في نطاق هضبة جبل سمحان، أحد الأجزاء الثلاثة الرئيسية المكوّنة لسلسلة جبال ظفار إلى جانب جبل القرى وجبل القمر. ويتميز جبل سمحان بكونه نموذجاً كلاسيكياً للهضبة الكارستية، فهو يتكون بالكامل تقريباً من صخور الحجر الجيري التي يعود تكوينها إلى العصر الأيوسيني، وهو عصر جيولوجي ضمن الحقب الثالث يمتد من نحو 56 إلى 34 مليون سنة مضت. وهذا التكوين الصخري القابل للذوبان هو السبب الجذري في كل ما نراه اليوم من حفر وكهوف ودهاليز وينابيع تنتشر في هذه الهضبة.
الموقع الجغرافي والوصول إلى الموقع
تقع حفرة إذابة طيق وكهفها في الجزء الشمالي من نيابة طوي أعتير التابعة لولاية مرباط بمحافظة ظفار، وتبتعد عن مركز النيابة بمسافة تقارب 9 كيلومترات نحو الشمال. أما المسافة بين الموقع ودوار المعمورة في مدينة صلالة فتبلغ نحو 56 كيلومتراً. ويتم الوصول إلى الموقع عبر الطريق الرئيسي المتجه نحو ولاية طاقة، ثم الانحراف شمالاً في الطريق المؤدي إلى طوي أعتير، مروراً بوادي دربات الشهير بمناظره الطبيعية وشلالاته الموسمية وبحيراته العذبة.
وتتقاطع عند موقع حفرة طيق شبكتان واديتان رئيسيتان: الأولى تمتد من الشمال إلى الجنوب، والثانية من الشرق إلى الغرب، وتشكل نقطة تقاطعهما الموقع الذي تكونت فيه الحفرة الضخمة عبر آلاف السنين من النشاط المائي المستمر. وهذا التقاطع المائي ليس تفصيلاً عابراً، بل هو في صميم فهم الآلية الهيدرولوجية التي شكّلت هذا المعلم الفريد، إذ إن تركز تدفقات مائية من اتجاهين مختلفين في نقطة واحدة يضاعف من قوة وفعالية عمليات الإذابة الكيميائية للصخور الجيرية على مدى الزمن الجيولوجي.
حفرة طوي أعتير: عملاق الإذابة الكارستية
تُعرف حفرة طيق، التي تحمل أيضاً اسم حفرة طوي أعتير نسبة إلى النيابة القريبة منها، بكونها واحدة من أضخم حفر الإذابة المعروفة في العالم. اكتشف هذه الحفرة بشكلها العلمي المدروس فريق من المغامرين السلوفينيين بالتعاون مع جامعة السلطان قابوس، في عملية مسح ميداني سلطت الضوء على هذا المعلم الجيولوجي النادر وأدرجته على خريطة الاهتمام العلمي العالمي بظواهر الكارست.
تبلغ سعة حفرة طيق نحو 975 ألف متر مكعب، ويتراوح قطرها بين 130 و150 متراً، في حين يصل عمقها إلى 211 متراً، وهو عمق هائل يجعلها من أعمق الحفر الكارستية المعروفة على مستوى العالم. وتشكلت هذه الحفرة الضخمة نتيجة جريان المحلول المائي على طول الأودية التي تصب فيها، حيث عملت المياه المتسربة عبر الزمن على إذابة الصخور الجيرية تدريجياً، الأمر الذي أدى في النهاية إلى انهيار السقف الصخري وتكوّن هذه الحفرة المفتوحة على شكل بالوعة عملاقة (Doline أو Sinkhole بالمصطلح الجيولوجي).
ومن أبرز ما يميز موقع الحفرة وجود شلالات رائعة تتساقط على طول خط التقاطع بين الأودية وحافة الحفرة، وهي شلالات موسمية ترتبط ارتباطاً مباشراً بموسم الخريف وما يحمله من أمطار رعدية وموسمية تتغذى منها شبكة الأودية المحيطة بهضبة جبل سمحان. وتمنح هذه الشلالات الموقع طابعاً بصرياً ساحراً يجمع بين هول الهاوية الصخرية وجمال انسكاب المياه في أعماقها، في مشهد طبيعي نادراً ما يتكرر في البيئات الكارستية الجافة بشكل عام.
ويُذكر أن بعض المصادر العلمية والتقارير المتخصصة في علم الكهوف تشير إلى وجود نظام أوسع يُعرف بحفرة إذابة طيق، تتجاوز أبعادها بكثير الأرقام السابقة، حيث تقدّر بعض الدراسات حجمها بنحو 300 مليون متر مكعب، بأبعاد تقارب 1.25 كيلومتر طولاً وكيلومتراً عرضاً وعمقاً يصل إلى 250 متراً تقريباً. وإن صحّت هذه التقديرات، فإن ذلك يجعل من حفرة طيق واحدة من أكبر حفر الإذابة على وجه الأرض، تتجاوز في حجمها أكبر حجرة كهفية مفردة معروفة في العالم والتي تقدّر سعتها بنحو 200 مليون متر مكعب، أي أن حفرة طيق تكون أكبر بمقدار مرة ونصف تقريباً من أوسع حجرة كهفية مكتشفة على كوكب الأرض، وأكبر بنحو 75 مرة من حجم كهف “مجلس الجن” الشهير في هضبة سلمى بشمال السلطنة، الذي يُعد بدوره من أضخم الحجرات الكهفية المفردة عالمياً.
هذا التفاوت بين التقديرات المختلفة لحجم حفرة طيق يعكس طبيعة الدراسات الجيومورفولوجية لهذه المنطقة، التي لا تزال – حتى اليوم – غير مكتملة بالكامل، فالامتداد الجوفي الحقيقي لهذه المنظومة الكهفية لم يُحدد بدقة تامة، وهو ما يجعلها موضوعاً علمياً مفتوحاً يستحق مزيداً من الأبحاث الميدانية والمسوحات الجيوفيزيائية.
كهف طيق: شاهد متحجر على ماضي مائي
في الجانب الجنوبي من حفرة طيق، وقرب أعلى حافتها، وأعلى الجزء النشط من الحفرة تقريباً، يقع كهف طيق، وهو كهف غير نشط مائياً في الوقت الحالي، أي أنه لم يعد مساراً فعّالاً لجريان المياه كما كان عليه الحال في الماضي، بل تحوّل إلى أثر متحجر يشهد على تاريخ مائي قديم نُقش في جوف الصخر.
يبلغ حجم هذا الكهف نحو 170 ألف متر مكعب، بأبعاد تقديرية تصل إلى 95 متراً طولاً و60 متراً عرضاً و30 متراً ارتفاعاً، وهي أبعاد ضخمة تجعله أحد أكبر الكهوف المفردة في سلطنة عمان وفي المنطقة العربية بشكل عام. ويحتوي الكهف على ما لا يقل عن ستة مداخل، أكبرها يقع عند المدخل الرئيسي والجدار الغربي للكهف.
ويمكن للزائر الوصول إلى كهف طيق عبر مسالك صغيرة وممرات ضيقة يمكن رؤيتها بوضوح من المسار الرئيسي المحيط بالحفرة، وتمنح هذه المسالك – بالإضافة إلى كونها طرقاً للوصول – فرصة استثنائية للإطلالة على مشاهد بانورامية بديعة لحفرة طيق ولشلالاتها الموسمية المتدفقة في أعماقها. وتُعد هذه الإطلالة من أكثر التجارب البصرية التي تستحق الزيارة في محافظة ظفار، إذ تجمع بين هول الحفرة الكارستية العميقة وجمال المياه المنسكبة على جدرانها الصخرية.
ومن الناحية الجيومورفولوجية، يمثل كهف طيق نموذجاً واضحاً لما يُعرف في علم الكارست بـ”الكهف المتحجر” أو الكهف القديم المتروك (Relict Cave)، وهو كهف تكوّن في مرحلة سابقة من تاريخ الهضبة عندما كان مستوى المياه الجوفية أعلى من مستواه الحالي، أو عندما كانت مسارات التصريف المائي مختلفة عن مسارات اليوم. ومع تغيّر المناخ وانخفاض مستوى المياه الجوفية أو تحوّل مسارات الجريان بفعل عوامل تكتونية أو تعرية مستمرة، توقف الكهف عن أداء وظيفته كقناة لجريان المياه، وتحوّل إلى تركيب صخري جاف نسبياً، يحتفظ بشكله ولكنه لم يعد جزءاً نشطاً من شبكة التصريف الحالية.
الوضع الهيدروجيولوجي: العلاقة بين طيق وهضبة سمحان وعين قشروب
لعل الجانب الأكثر أهمية وتعقيداً في منظومة طيق هو وضعها الهيدروجيولوجي، أي العلاقة التي تربط بين ما يحدث على سطح هضبة جبل سمحان وما يجري في باطنها من حركة مياه جوفية، وما ينتج عن ذلك من ظواهر سطحية بعيدة عن موقع الحفرة نفسها.
فجبل سمحان، بحكم تكوينه الصخري الجيري الكامل تقريباً، يتميز بكثرة حفر الإذابة وحفر المياه والبحيرات الموسمية والكهوف المنتشرة في تضاريسه. وخلال الفترات الموسمية المطيرة، وعلى وجه الخصوص في فصل الخريف العماني الذي يشتهر بهطول الأمطار الموسمية المنتظمة على جبال ظفار بين شهري يونيو وسبتمبر من كل عام، تنساب مياه الأمطار المتجمعة من الأودية المحيطة إلى داخل حفرة إذابة طيق.
ولا تتوقف رحلة هذه المياه عند سطح الحفرة، بل تتسرب عبر الشقوق والفجوات والدهاليز الجوفية المتشكلة داخل الصخر الجيري، في شبكة من القنوات الباطنية غير المرئية للعين المجردة، إلى أن تصل في نهاية المطاف إلى منطقة طوي أعتير. ومن هناك، تخرج هذه المياه مرة أخرى إلى السطح في صورة ينابيع طبيعية تتفجر في منطقة قشروب، وأبرزها ما يُعرف محلياً بعين قشروب.
وهذه السلسلة الهيدرولوجية المتكاملة – من سقوط الأمطار في الأعالي، إلى تجمعها في الأودية، إلى انسيابها داخل حفرة طيق، إلى تسربها عبر الدهاليز الجوفية، إلى خروجها مجدداً كينابيع في قشروب – تمثل نموذجاً متكاملاً لما يُعرف في علم الهيدروجيولوجيا الكارستية بـ”نظام التصريف الكارستي الجوفي” (Karst Drainage System)، وهو نظام يختلف جذرياً عن أنظمة المياه الجوفية في الصخور غير القابلة للذوبان، حيث تتحرك المياه عادة بشكل بطيء ومنتشر عبر مسافات شعرية دقيقة بين حبيبات الصخر. أما في البيئة الكارستية، فإن المياه تتحرك عبر قنوات وكهوف ودهاليز فعلية، وقد تكون سرعة جريانها أقرب إلى سرعة جريان الأنهار السطحية منها إلى الحركة البطيئة التقليدية للمياه الجوفية.
وتكتسب هذه العلاقة بين طيق وقشروب أهمية علمية وعملية بالغة، فهي تفسر كيف يمكن لمياه الأمطار الساقطة على ارتفاعات شاهقة في هضبة جبل سمحان أن “تختفي” فجأة من السطح عند بلوغها حفرة طيق، لتظهر مرة أخرى على مسافة كيلومترات عدة في موقع آخر تماماً، وهو سلوك مميز للأنظمة المائية الكارستية يُعرف علمياً بـ”الفقدان النهري” أو اختفاء الجريان السطحي (Stream Sinking)، حيث يتحول الجريان السطحي بشكل كامل أو جزئي إلى جريان تحت سطحي عند نقطة معينة من مساره.
الآلية الجيولوجية لتشكل الحفر والكهوف في المنطقة
لفهم النظام الهيدرولوجي لكهف طيق وحفرة طوي أعتير بشكل أعمق، لا بد من الرجوع إلى الآلية الجيوكيميائية الأساسية التي تحكم تشكّل جميع الظواهر الكارستية في صخور الحجر الجيري، وهي عملية الإذابة الكيميائية (Dissolution).
يتكون الحجر الجيري بشكل أساسي من كربونات الكالسيوم، وهي مادة قابلة للذوبان نسبياً في المياه التي تحتوي على نسب من ثاني أكسيد الكربون المذاب فيها، والذي يتحول داخل الماء إلى حمض الكربونيك الضعيف. وعندما تتسرب مياه الأمطار عبر التربة والنباتات المحيطة، فإنها تلتقط كميات إضافية من ثاني أكسيد الكربون من التربة والمواد العضوية المتحللة، فتزداد حموضتها قليلاً، وتصبح أكثر فاعلية في إذابة الصخر الجيري الذي تمر من خلاله أو عبر شقوقه وفجواته.
وعلى مدى آلاف بل ملايين السنين، تعمل هذه العملية الكيميائية البطيئة والمستمرة على توسيع الشقوق الصخرية الدقيقة تدريجياً، حتى تتحول إلى قنوات أكبر، ثم إلى دهاليز، ثم إلى كهوف وحجرات ضخمة كما هو الحال في كهف طيق وكهف مجلس الجن وغيرهما من الكهوف العمانية الكبرى. وعندما يصبح السقف الصخري لهذه التجاويف الجوفية رقيقاً جداً بفعل الإذابة المستمرة من الأسفل والتعرية من الأعلى، فإنه ينهار في نهاية المطاف، مكوّناً ما يُعرف بحفرة الإذابة أو البالوعة الكارستية (Sinkhole/Doline)، وهو ما حدث بالضبط في موقع حفرة طوي أعتير.
وتشير بعض الدراسات الجيولوجية المتخصصة في الكهوف العمانية إلى أن جريان المحلول المائي على طول الأودية التي تصب في منطقة التقاطع المائي عند طيق هو السبب المباشر في إذابة الصخور وتكوين هذه الحفرة الضخمة والشلالات المصاحبة لها على طول خط التقاطع بين الأودية وحافة الحفرة. وهذا يعني أن العملية لم تكن نتاج مصدر مائي واحد، بل نتاج تضافر تدفقات متعددة من اتجاهات مختلفة، الأمر الذي يفسر الحجم الاستثنائي للحفرة مقارنة بحفر إذابة أخرى أصغر في المنطقة.
كهوف أخرى في محيط هضبة طاقة وجبل سمحان
تتميز محافظة ظفار بشكل عام، وهضبة طاقة وجبل سمحان بشكل خاص، بانتشار شبكة واسعة من الكهوف والمعالم الكارستية، وهو ما يجعل من دراسة كهف طيق جزءاً من سياق أوسع لفهم البيئة الجيولوجية في المنطقة بأكملها.
فمن بين هذه الكهوف، يبرز “كهف زع” الواقع في نيابة مدينة الحق بولاية طاقة، والذي كان يُستخدم تاريخياً كأحد أهم مراكز الاستيطان لسكان منطقة جبل طاقة وجبل صلالة، نظراً لوجود عين ماء غزيرة تتدفق فيه على مدار العام، توفر مصدراً دائماً للمياه لسكانه وحيواناتهم. وقد لعبت هذه العين دوراً حيوياً في فترات الأزمات، كما حدث خلال إعصار “ميكونو” الذي ضرب محافظة ظفار في عام 2018، حيث انقطعت الكهرباء عن المنطقة وتوقفت الآبار الارتوازية عن ضخ المياه لمدة أسبوعين تقريباً، فأصبحت عين كهف زع المورد البديل الوحيد للحيوانات في تلك الفترة، إلى جانب بعض العيون المائية الأخرى في منطقة خبرارت مثل عين “آناخر” وعين “شنز”.
ومن الكهوف الأخرى المهمة في المنطقة، كهوف وادي دربات الستة، وجميعها تقع على صخور جيرية في الجانب السفلي من الوادي، وتتميز بوجود هوابط كثيرة معلقة في أسقفها، يصل طول بعضها إلى مترين، وتُصنف هذه الكهوف ضمن كهوف الإذابة الكارستية المتكونة بمساعدة مياه الشلالات الساقطة من أعلاها، إذ تذيب المياه الحجر الجيري بشكل مباشر عبر تساقطها على الجوانب الخارجية للصخر، أو بشكل غير مباشر عبر تسربها داخل الشقوق وإذابتها للحجر الجيري تحت السطح.
كما توجد في محافظة ظفار كهوف أخرى مثل كهف “أتين” القريب من عين جرزيز، والذي ينقسم داخلياً إلى كهفين، الكهف الرئيسي بمساحة تقارب 602 متراً مربعاً، والكهف الصغير بمساحة نحو 189 متراً مربعاً، وكهف “المرنيف” في منطقة شاطئ المغسيل المطل على البحر، وكهف عين حمران المعروف محلياً بـ”كهف الخفافيش” نظراً لكثرة أعداد الخفافيش التي تسكنه.
وتمثل هذه الشبكة الكثيفة من الكهوف، التي تنتشر على امتداد سلسلة جبال ظفار، تراثاً طبيعياً وبيئياً وسياحياً متكاملاً، وكانت في الماضي تُستخدم كمساكن ومأوى للماشية وللاحتماء من الأمطار والرياح والعواصف الموسمية، قبل أن يتحول كثير من سكان هذه الكهوف إلى الاستقرار في القرى والمستوطنات الحديثة المجاورة منذ ما يزيد عن أربعين عاماً، مع توفر الخدمات الحكومية كالمدارس والمساجد والكهرباء والمياه والطرق المعبدة.
الأهمية البيئية والتنوع الحيوي
لا تنحصر قيمة منظومة كهوف طاقة في بعدها الجيولوجي فقط، بل تمتد إلى الجانب البيئي والحيوي، فجبل سمحان، الذي يحتضن هذه المنظومة الكارستية، يُعد محمية طبيعية مهمة تضم العديد من الحيوانات النادرة، وعلى رأسها النمر العربي المهدد بالانقراض، والذي يجد في الوديان العميقة والممرات الجبلية الضيقة المنتشرة في الهضبة بيئة مناسبة للعيش والتكاثر بعيداً عن النشاط البشري المكثف.
وتمتد محمية جبل سمحان الطبيعية على مساحة شاسعة تقارب 4500 كيلومتر مربع، ولا يوجد فيها سكان دائمون، ما يجعلها بيئة محافظة نسبياً على توازنها الطبيعي. وتتكون طوبوغرافية المنطقة من سلسلة من القمم الجبلية تتخللها أودية عميقة وضيقة وبرك مياه موسمية، وتصل بعض هذه الممرات إلى عمق يقارب ألف متر، وهي بيئة قاسية نسبياً من حيث توفر المياه السطحية، لكنها تعتمد بشكل كبير على مجاري السيول الموسمية والعيون الناتجة عن النظام الهيدرولوجي الكارستي كمصدر أساسي للمياه لمعظم الحيوانات البرية المتواجدة فيها.
كما ترتبط هذه المنطقة الكارستية ارتباطاً وثيقاً بمحمية خور روري، التي تُعد إحدى أهم محميات الأخوار في محافظة ظفار، وتضم ميناء خور روري التاريخي المعروف باسم “سمهرم”، والمرتبط تاريخياً بتصدير اللبان العماني عبر العصور القديمة. ويتصل هذا الخور بوادي دربات، الذي يستقبل بدوره مياهه من الأنظمة الكارستية في أعالي الجبال، ما يجعل سلسلة طيق-قشروب-دربات-خور روري شبكة هيدرولوجية متكاملة تمتد من قمم الجبال إلى ساحل بحر العرب.
الأهمية العلمية والسياحية
تحظى منظومة كهف طيق وحفرة طوي أعتير بأهمية علمية بالغة، فهي توفر مادة دراسية غنية لعلماء الجيومورفولوجيا والهيدروجيولوجيا الكارستية المهتمين بفهم آليات تشكل الحفر العملاقة والكهوف الضخمة في البيئات الجيرية شبه الجافة، وهي بيئة مختلفة نسبياً عن البيئات الكارستية المعتادة في المناطق الرطبة من العالم.
كما أن الامتداد الجوفي الكامل لمنظومة طيق لا يزال غير معروف بدقة تامة حتى اليوم، رغم الدراسات والمسوحات التي أجريت عليه، وهو ما يجعله موضوعاً مفتوحاً لمزيد من البحث العلمي المستقبلي، خاصة في ظل التطور المستمر لتقنيات المسح الجيوفيزيائي ورسم خرائط الكهوف ثلاثية الأبعاد، التي قد تكشف يوماً ما عن تفاصيل أدق لشبكة الدهاليز الجوفية الرابطة بين طيق وقشروب وما بينهما من تكوينات لم تُستكشف بعد.
ومن الناحية السياحية، يُعد كهف طيق وحفرته من أهم المعالم الجاذبة لهواة المغامرة والطبيعة في محافظة ظفار، إلى جانب وادي دربات وعين دربات الشهيرة، وغالباً ما يُدرَج ضمن برامج الزيارات السياحية للمنطقة، لا سيما خلال موسم الخريف حين تكون الأودية والمراعي في أوج جمالها، وتكون احتمالية مشاهدة الشلالات المتدفقة في أعماق الحفرة في أعلى مستوياتها. ومع ذلك، يُنصح الزوار دوماً بالحذر الشديد عند الاقتراب من حواف الحفرة العميقة، والالتزام بالمسالك المخصصة للزيارة، نظراً لخطورة الانحدارات الصخرية الحادة وعمق الهاوية الذي يتجاوز 200 متر في بعض الأجزاء.
التحديات وسبل الحفاظ على المنظومة
على الرغم من القيمة الجيولوجية والبيئية والسياحية الكبيرة التي تتمتع بها منظومة كهف طيق وحفرة طوي أعتير، فإنها كغيرها من المعالم الكارستية الحساسة تواجه عدداً من التحديات التي تستدعي اهتماماً متواصلاً من الجهات المختصة بحماية الموارد البيئية للكهوف. فالأنظمة الكارستية، بطبيعتها، تُعد من أكثر البيئات الجيولوجية حساسية للتغيرات البشرية والمناخية، نظراً للعلاقة المباشرة والسريعة بين ما يحدث على السطح وما ينعكس داخل الشبكة الجوفية للمياه.
فأي تلوث يطرأ على مياه الأودية المتجهة إلى حفرة طيق، سواء كان ناتجاً عن نفايات أو ملوثات كيميائية أو نشاط رعوي مكثف، قد ينتقل بسرعة نسبية عبر الدهاليز الجوفية إلى ينابيع قشروب، خلافاً لما يحدث في الأنظمة المائية الجوفية التقليدية التي تعمل فيها طبقات الصخر كمرشحات طبيعية بطيئة تنقّي المياه تدريجياً. وهذا ما يجعل حماية مسارات التغذية المائية لحفرة طيق – أي الأودية والمراعي المحيطة بها في أعالي هضبة جبل سمحان – أمراً لا يقل أهمية عن حماية الحفرة والكهف نفسيهما.
كما تواجه الكهوف المتحجرة كالكهف الواقع في أعلى حفرة طيق تحديات أخرى مرتبطة بالزيارات السياحية غير المنظمة، فالتكوينات الصخرية الكلسية الدقيقة، مثل الهوابط والصواعد التي تتشكل على مدى آلاف السنين بفعل تساقط قطرات المياه المحملة بالكالسيوم، تُعد من أكثر عناصر الكهوف هشاشة وعرضة للتلف بفعل اللمس المباشر أو التخريب أو حتى التغير الطفيف في درجة الحرارة والرطوبة الناتج عن الزيارات المكثفة وغير المنظمة. ولذلك فإن وضع مسارات واضحة ومحددة للزيارة، كما هو معمول به حالياً عبر المسالك الصغيرة المؤدية إلى كهف طيق من المسار الرئيسي، يمثل خطوة أساسية في تقليل الأثر البشري على هذه التكوينات الحساسة.
ومن زاوية أخرى، فإن دراسة الأنظمة الهيدرولوجية الكارستية مثل منظومة طيق-قشروب لا تخدم فقط الأغراض العلمية البحثية، بل تحمل أيضاً قيمة عملية مباشرة فيما يتعلق بإدارة الموارد المائية في محافظة ظفار. فمعرفة المسارات الدقيقة التي تتبعها المياه من سطح هضبة جبل سمحان وحتى ظهورها في الينابيع السطحية تساعد الجهات المختصة في التخطيط لاستغلال هذه الموارد المائية بشكل مستدام، وفي حماية مصادرها من أي تلوث محتمل، خاصة أن هذه الينابيع، كما تبين من تجربة إعصار “ميكونو” في عام 2018، تشكل شبكة أمان حيوية لسكان المناطق الجبلية وقت الأزمات وانقطاع مصادر المياه الأخرى.
الكهوف الكارستية في عمان: سياق علمي أوسع
تجدر الإشارة إلى أن منظومة طيق ليست استثناءً منعزلاً في الجغرافيا العمانية، بل هي جزء من نسيج جيولوجي أوسع يضم عدداً من أبرز الظواهر الكهفية في العالم. فإلى جانب هضبة جبل سمحان في الجنوب، تحتضن هضبة سلمى الكارستية في شمال السلطنة، وتحديداً في جبل بني جابر، كهف “مجلس الجن” المعروف أيضاً باسم “خشلة مقندلي”، الذي يضم أكبر حجرة كهفية مفردة في العالم، تتجاوز سعتها 4 ملايين متر مكعب، وهي حجرة تتفوق في حجمها على أكبر أهرامات الجيزة، وتستطيع استيعاب ما يزيد على خمس مبانٍ بحجم فندق “البستان” الشهير في مسقط.
وهذا التزامن بين وجود ظاهرتين كارستيتين عملاقتين في عمان – مجلس الجن في الشمال وطيق في الجنوب – يعكس الطبيعة الجيولوجية الفريدة لشبه الجزيرة العربية بشكل عام، التي تضم مساحات شاسعة من السهول والهضاب الجيرية المتكونة في عصور جيولوجية مختلفة، والتي تعرضت جميعها لعمليات إذابة كارستية مكثفة بفعل المياه السطحية والجوفية على مدى أزمنة طويلة. ويمنح هذا التنوع الجيولوجي سلطنة عمان مكانة متميزة على خريطة الدراسات الكارستية العالمية، ويجعل من كهوفها وحفرها الكبرى، بما فيها طيق ومجلس الجن، مواقع ذات أولوية بحثية لعلماء الجيولوجيا والهيدرولوجيا المهتمين بفهم آليات تشكل أكبر الظواهر الكارستية على مستوى العالم.
خاتمة: حوار أبدي بين الماء والصخر
تمثل منظومة كهف طيق وحفرة طوي أعتير في هضبة طاقة سجلاً جيولوجياً حياً لقصة تفاعل استمرت لملايين السنين بين الماء والصخر الجيري في جبال ظفار. فمنذ أن كانت هذه الصخور قاعاً لبحر قديم، تحمل في طبقاتها أحافير بحرية متنوعة لا تزال قابلة للملاحظة في المقاطع الصخرية المكشوفة حتى اليوم، إلى أن ارتفعت اليابسة وتعرضت لعوامل التجوية والتعرية، ظلت المياه – أمطار الخريف الموسمية المتكررة عاماً بعد عام – هي اليد الخفية التي نقشت في هذا الحجر الجيري القابل للذوبان شبكة كاملة من الحفر والكهوف والدهاليز والينابيع.
ولا تزال هذه اليد الخفية تعمل حتى اليوم، فمياه الأمطار التي تسقط على هضبة جبل سمحان كل خريف تستمر في رحلتها السنوية نفسها: تتجمع في الأودية، تنساب إلى حفرة طيق، تتسرب في دهاليزها الجوفية، وتخرج مجدداً في ينابيع قشروب، في دورة هيدرولوجية متكررة تُذكّرنا بأن هذا المعلم الطبيعي ليس أثراً جامداً من الماضي وحده، بل نظام حيّ ومتجدد، تستمر فيه الطبيعة في كتابة فصول جديدة من قصتها الجيولوجية الطويلة، وتمنح في الوقت نفسه سلطنة عمان واحداً من أعظم كنوزها الطبيعية وأكثرها استحقاقاً للدراسة والحفاظ عليه للأجيال القادمة.