محميات

محمية الحجر الغربي لأضواء النجوم: حيث تلتقي الحياة البرية بنطاق السماء المحمية

محمية الحجر الغربي لأضواء النجوم: حيث تلتقي الحياة البرية بنطاق السماء المحمية

رؤية استثنائية من قلب الجبال

في زاوية نائية من شبه الجزيرة العربية، حيث تتشابك تلال الصخر وتتعانق قمم الجبال مع أفق السماء، تقبع محمية الحجر الغربي لأضواء النجوم كأيقونةٍ بيئية فريدة في تاريخ الحفاظ على الطبيعة في العالم العربي. فهي ليست محمية طبيعية بالمفهوم التقليدي الذي ينصبّ اهتمامه على الغطاء النباتي والحياة الفطرية وحسب، بل هي رؤية شاملة تدمج بين صون البيئة الأرضية وحماية البيئة السماوية معاً، في تجربة إنسانية وعلمية غير مسبوقة في منطقة الخليج العربي.

تُعتبر محمية الحجر الغربي لأضواء النجوم الأولى من نوعها في الجزيرة العربية، وهذا الوصف وحده يُعلن عن طبيعتها الاستثنائية. فمنذ إعلانها رسمياً بموجب المرسوم السلطاني رقم 40/2019، باتت هذه المحمية تمثل نموذجاً يحتذى به في الحفاظ على الظلام الليلي باعتباره إرثاً طبيعياً لا يقل قيمة عن التنوع البيولوجي أو التشكيلات الجيولوجية.

تقع المحمية في موقع جغرافي بالغ الأهمية؛ في جبال الحجر الغربي بين محافظات الداخلية والظاهرة وجنوب الباطنة، في السلسلة الأعلى لجبال الحجر على ارتفاع يتراوح بين 1300 و3000 متر فوق مستوى سطح البحر، مما يجعلها أعلى محمية طبيعية في شرق شبه الجزيرة العربية، وتبلغ مساحتها 386 كيلومتراً مربعاً، وتوجد معظم أجزائها على ارتفاع أكثر من 2000 متر فوق مستوى سطح البحر.

هذا الارتفاع الشاهق لا يمنح المحمية مناخاً بارداً نادراً في قلب شبه الجزيرة العربية الحارة فحسب، بل يجعل منها مختبراً طبيعياً نادراً حيث تتلاقى النظم البيئية المتنوعة، وتجد الحياة البرية النادرة ملجأها الآمن، فيما تمتد النجوم في السماء دون أن تحجبها أضواء المدينة.

الإطار التشريعي والمفهوم المبتكر: حماية السماء والأرض معاً

لفهم عظمة هذه المحمية، لا بد من استيعاب فكرتها المركزية التي تتجاوز حدود الفهم التقليدي للمحميات الطبيعية. فعلى مدى عقود، دأبت دول العالم على تخصيص مناطق محمية لصون النباتات والحيوانات والتشكيلات الجيولوجية. أما محمية الحجر الغربي فقد أضافت بُعداً جديداً لم يسبق أن طُرح بهذا الوضوح في منطقتنا العربية: حماية الظلام الليلي وأضواء النجوم من التلوث الضوئي.

تهدف المحمية التي تُصنف على أنها الأولى من نوعها في الجزيرة العربية إلى حماية أضواء النجوم والسماء من آثار التلوث الضوئي الناتج عن الاستخدام المتزايد للأضواء الخارجية.

تُعدّ هذه المنطقة عالية الارتفاع، وتوجد بها أعلى قمة جبلية في شرق العالم العربي، ويبلغ الارتفاع أكثر من 2500 متر فوق مستوى سطح البحر، وهو ملائم جداً لغرض الرصد الفلكي. وهي منطقة مثالية لممارسة علم الفلك للهواة وإقامة المراصد للمحترفين، حيث توجد قرى قليلة جداً في المنطقة التي تُعتبر منطقة مظلمة والتلوث الضوئي بها ضئيل، ومن السهل الوصول إليها من مدينة مسقط.

تعتمد إدارة المحمية تقسيماً مناطقياً دقيقاً يعكس عمق التفكير البيئي والتخطيطي. هناك المنطقة الواقية التي توجد بها تجمعات سكانية أكبر ونسبة تلوث ضوئي ملحوظ، وتحيط بالمنطقة العازلة التي بدورها تحمي من تعدي الإضاءة والسطوع، وتقع هذه المنطقة طوبوغرافياً خارج نطاق سلسلة الجبل الأخضر وجبل شمس بل تحيط بها، وتختلف فيها التضاريس، كما تشمل المدن الرئيسية المحيطة بسلسلة الجبل الأخضر وجبل شمس مثل ولاية الرستاق ونزوى والحمراء وبهلا وعبري ووادي المعاول والعوابي ونخل.

الجغرافيا والتضاريس: مسرح الحياة الجبلية

تمتد جبال الحجر الغربي كعمود فقري صخري يشق شمال سلطنة عُمان بشموخ وجلال، وتُشكّل بيئات بيئية متعددة تتباين في خصائصها كلما ارتفعنا عن مستوى سطح البحر. فمن السهول الصخرية القاحلة في الأسفل، إلى الأودية العميقة التي تختزن الرطوبة، وصولاً إلى القمم المرتفعة حيث تعانق الصخور السحاب.

تتميز المحمية بتضاريس استثنائية من كهوف ومغارات وجروف شاهقة وأودية متعمقة، كوادي بني خروص ووادي مستل، وهذه التضاريس المعقدة ليست مجرد مشاهد بصرية خلابة، بل هي موائل حيوية لعشرات الأنواع البرية التي تجد في تشعبات الصخر وكهوف الجبل ملجأً ومنتجعاً.

تسهم جبال الحجر الغربي في توفير المياه للأودية والزراعة، وتُعدّ من أهم مصادر المياه الجوفية في محافظات شمال الباطنة والبريمي والظاهرة، وكوّنت حاجزاً طبيعياً ذا أثر بيئي كبير يحافظ على نمط الحياة الرعوية وتوفير مواطن للحياة البرية المحلية.

وهذا البعد المائي هو أحد مفاتيح فهم لماذا تحتضن هذه الجبال كل هذا التنوع الحيوي: فالماء هو شريان الحياة في شبه جزيرة تكتوي بحرارة الصحراء في معظم أرجائها.

الغطاء النباتي: 485 نوعاً في مملكة الصخر

يأتي المفاجأة الكبرى عندما تعرف أن هذه الجبال الصخرية الجرداء في مظهرها العام، تحتضن في الحقيقة تنوعاً نباتياً هائلاً يذهل الباحثين والزوار على حد سواء.

سجّلت هيئة البيئة 485 نوعاً من النباتات في جبال الحجر الغربي، حيث تنتشر بين غطاء النباتات الطبيعية والغابات المفتوحة والأراضي الشجرية وشبه دائمة الخضرة وبعض المساحات الرعوية.

حوالي 33 بالمائة من الأنواع النباتية المسجلة بسلطنة عُمان توجد في جبال الحجر الغربي على ارتفاع أكثر من 1500 متر فوق مستوى سطح البحر، منها 14 نوعاً مستوطناً لا يوجد في أي مكان آخر في العالم، وهذه الأنواع من النباتات تلعب دوراً مهماً في توفير الموائل للحياة البرية، وتسهم في خدمات النظم الإيكولوجية كتنظيم جريان المياه السطحية والمحافظة على ثبات التربة، كما تُستخدم كمواد أولية في مجال الطب الشعبي منها أشجار العلعلان.

هذا الرقم لافت للنظر: 14 نوعاً نباتياً مستوطناً لا يوجد في أي بقعة أخرى على وجه الأرض! وهذا وحده يجعل من هذه المحمية كنزاً علمياً لا يُقدّر بثمن.

ويتوزع الغطاء النباتي في المحمية وفق نمط رأسي مرتبط بالارتفاع:

في المناطق المنخفضة، عند ارتفاعات بين 400 و1000 متر، تسود أشجار السدر والسمر واللثب والضجع والشوع. وكلما ارتفعنا، تبدأ أشجار النمت والبوت والطلح بالظهور، حتى نصل إلى الارتفاعات التي تتجاوز 2100 متراً، حيث تنبثق غابات الزيتون البري المعروف بـ”العتم” وغابات أشجار العلعلان المميزة.

يتميز الجبل الأخضر بالأشجار البرية المعمرة دائمة الخضرة طوال السنة، أشهرها أشجار العلعلان والعتم والبوت والطلح، فمن خلال مشروع ترقيم الأشجار البرية المعمّرة والزيارات الميدانية التي يقوم بها المختصون بهيئة البيئة تم حصر وتوثيق عدد من الأشجار المعمّرة.

ثمار بعض الأشجار مثل البوت تُعدّ أحد الموارد الاقتصادية لسكان الجبل الأخضر وجبل شمس، ويرتبط بعضها بالموروث الحضاري والثقافي للمجتمع المحلي، إذ تُعدّ العصا التي يتم استخراجها من أشجار العتم من الزي التقليدي المرتبط بشخصية المواطن العُماني.

ما يكشف عنه هذا الارتباط بين النبات والإنسان هو أن المحمية ليست مجرد منطقة مغلقة بعيدة عن الحياة الإنسانية، بل هي فضاء حيّ تتشابك فيه علاقات الإنسان بأرضه وثقافته وذاكرته الجماعية عبر الأجيال.

الحياة الفطرية: ملف من الحيوانات النادرة والمهددة

تُمثّل الحياة الفطرية في محمية الحجر الغربي حلقة لا تنفصل عن النطاق النباتي الثري. وتبرز من بين ساكني هذه الجبال أنواع بالغة الأهمية من الناحيتين البيئية والعلمية.

الوعل العربي: ملك القمم

يأتي الوعل العربي على رأس قائمة الأنواع الحيوانية التي تمنح محمية الحجر الغربي وسائر محميات جبال الحجر أهمية استثنائية. تُعتبر المحمية موئلاً مهماً للوعل العربي النادر والمهدد بالانقراض. هذا الحيوان الجبلي الرشيق، المعروف أيضاً بـ”الطهر”، يرمز إلى القدرة على التكيف مع أقسى الظروف البيئية. يتسلق الجروف الشاهقة بخفة مذهلة ويتغذى على النباتات الجبلية الشحيحة، ويجد في تضاريس الحجر الغربي بيئة نموذجية لبقائه.

الغزال العربي: الرقيق الجميل

تضم المحميات الجبلية في هذا النطاق أنواعاً حيوانية على رأسها الوعل العربي والغزال العربي. يُعتبر الغزال العربي من الثدييات الجميلة التي تسكن هضاب جبال الحجر والسهول المحيطة بها، وكان في طريقه إلى الانقراض قبل أن تتوسع شبكة المحميات الطبيعية في عُمان لتوفر له ملاجئ آمنة من الصيد الجائر والتوسع العمراني.

مجموعة الثدييات الصغيرة والجبلية

لا تقتصر ثروة المحمية من الثدييات على هذين النوعين الشهيرين. تضم المحمية أنواعاً مختلفة من الثدييات البرية كالوشق والثعلب الجبلي والثعلب الأحمر وغيرها.

من الثدييات يوجد الوعل العربي والذئب العربي والثعلب الجبلي، كذلك انتشار للثدييات الصغيرة كالقوارض، يوجد منها 10 أنواع من أصل 20 نوع في جبال الحجر الغربي تُعتبر مستوطنة.

هذه النسبة من القوارض المستوطنة دليل إضافي على العزلة الجغرافية التي أتاحت لهذه الجبال أن تُبدع أنواعاً لا تُشاركها في وجودها بيئات أخرى.

الزواحف والبرمائيات

تُوجد في المحمية سبعة أنواع من الزواحف منها الوزغيات ونوعان من السحالي ونوع من الأفاعي. وهذا التنوع الزاحفي في بيئة جبلية مرتفعة يعكس طيف واسعاً من التخصصات البيئية، إذ تستغل كل أنواع الزواحف هذه البيئة الصخرية المشمسة والمظللة على حد سواء.

الطيور: رقعة متطايرة من الألوان

تتميز جبال الحجر الغربي بثراء استثنائي في الطيور، تتوزع بين مقيمة ومهاجرة ونادرة.

تم تسجيل أكثر من 71 نوعاً من الطيور المستوطنة بها مثل الحجل العربي والبلبل والحمام الجبلي وحمام الخشب والنسر المصري والعقاب الذهبي.

النسر المصري والعقاب الذهبي يكتسبان أهمية رمزية ودراسية بالغة؛ إذ يحتاجان إلى مساحات شاسعة غير مضطربة للصيد والتعشيش، ووجودهما يدل على أن البيئة لا تزال في حالة صحية جيدة. أما الحجل العربي، فهو طائر جبلي بامتياز يُعدّ من الأنواع المميزة التي تُعرّف بهوية جبال الحجر وتُشكّل جزءاً من موروثها الثقافي.

تضم المحميات الجبلية تنوعاً كبيراً في الطيور البرية، وتضمن الحماية المقدمة لها استمرارية هذه الأنواع وحمايتها من الانقراض.

محمية النجوم: حين يصبح الظلام كنزاً

الخاصية التي تميز محمية الحجر الغربي عن غيرها من محميات العالم هي كونها تحمي شيئاً لا يُرى بالعين المجردة في عصر الحداثة: ظلام الليل النقي.

في القرن الحادي والعشرين، أصبح التلوث الضوئي أحد أخطر التهديدات التي تواجه علم الفلك وعلم الأحياء الليلي معاً. فالأضواء الاصطناعية المنبثقة من المدن تُشكّل حُجباً ضوئية تحجب النجوم عن الأنظار، وتُربك الحيوانات الليلية والطيور المهاجرة والحشرات في دوراتها الحيوية.

يتضمن المشروع استضافة مراصد فلكية متقدمة ومحطات أرضية مخصصة للاتصالات الفضائية وتتبع الأقمار الصناعية، مستفيداً من صفاء السماء وانخفاض التلوث الضوئي في المحمية، ما يوفر بيئة ملائمة للرصد الفلكي والأبحاث العلمية والتجارب التقنية المرتبطة بعلوم الفضاء.

ومن المشاهد العلمية اللافتة التي أُنجزت في رحاب هذه المحمية، توثيق أول ظهور للشفق القطبي في سماء سلطنة عُمان ليلة 12 مايو 2024 خلال عاصفة شمسية قوية، بعد أن تمكن فريق التصوير الفلكي من رصده في جبل السراة بمحمية الحجر الغربي لأضواء النجوم، وقد أُكّد هذا الإنجاز من قبل مختصين في مركز جودارد الفضائي ومبادرة “أوروراصورس”.

وبعيداً عن الشفق القطبي، تمكّن المصور الفلكي علي بن ربيعة الكندي من توثيق مذنب ليمون (C/2025 A6) من سماء سلطنة عُمان من محمية الحجر الغربي لأضواء النجوم، وهو مذنب يزور النظام الشمسي الداخلي مرة كل أكثر من ألف عام، مما يمثل فرصة فلكية نادرة للجيل الحالي.

هذه الاكتشافات تؤكد أن الظلام الليلي في المحمية ليس مجرد غياب للضوء، بل هو نافذة مفتوحة نحو الكون بكل أسراره وعجائبه.

السياحة الفلكية والبيئية: أفق واعد للمستقبل

أدركت سلطنة عُمان مبكراً أن محمية الحجر الغربي تحمل إمكانات سياحية هائلة لا يُشبهها شيء في المنطقة. السياحة الفلكية، أو “سياحة التنجيم”، صناعة صاعدة عالمياً يبحث فيها المسافرون عن مواقع سماؤها صافية ليلاً ليتأملوا مجرة درب التبانة ويرصدوا الكواكب والنجوم.

اختيار جبل شمس لإقامة المخيم الفلكي يعود إلى أجوائه الباردة نسبياً في فصل الصيف مقارنة ببقية مناطق عُمان، بالإضافة إلى كونه يقع ضمن محمية الحجر الغربي لأضواء النجوم، والتي تُعرف بصفاء سمائها وانخفاض التلوث الضوئي فيها، مما يجعلها مثالية للرصد الفلكي.

شمل المخيم برنامجاً ثرياً ومتنوعاً من الفعاليات والأنشطة العلمية والترفيهية الموجهة للكبار والصغار، منها رصد الأجرام السماوية باستخدام مناظير فلكية متطورة، ومسابقة التصوير الفلكي وتصوير غروب الشمس، وفعالية صاروخ الماء التي قدّمت تجربة حية لفهم مبادئ الدفع الصاروخي.

تدعم المحميات الاقتصاد الوطني للسياحة البيئية وهي غنية بالمعالم الطبيعية والجيولوجية التي تجذب الزوار، كما تُعزز الاقتصاد المحلي وتوفر فرص عمل في المناطق المحيطة.

الجهود العلمية والبحثية: عُمان تطرق أبواب الفضاء

لم يقف دور محمية الحجر الغربي عند حد التأمل والسياحة البيئية، بل تحولت إلى منصة علمية حقيقية تستقطب الباحثين والمختصين.

أسهم التعاون مع وكالة الفضاء الأمريكية ناسا في تعزيز الحضور العُماني عالمياً في مجال الرصد الفلكي والبحث العلمي، ومن أهم الإنجازات التي تحققت رصد كويكبين جديدين ضمن المبادرة الدولية للبحث عن الكويكبات، وقد شارك في هذا الاكتشاف عضوان من الجمعية العُمانية للفلك والفضاء بالتعاون مع فريق دولي، ونالوا شهادات تقدير رسمية من وكالة ناسا.

وقّعت وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات وهيئة البيئة برنامج تعاون لتنفيذ مشروع المراصد الفلكية في محمية الحجر الغربي لأضواء النجوم، والمحمية بيئة ملائمة للرصد الفلكي والأبحاث العلمية وتجارب علوم الفضاء.

هذه الشراكات الدولية والوطنية تؤكد أن المحمية ليست مجرد نزهة طبيعية، بل هي موقع استراتيجي في خريطة البحث العلمي.

التحديات والتهديدات: حراسة مستدامة أمام ضغوط متصاعدة

لا تخلو أي محمية طبيعية من تحديات تُعرّض بقاءها للخطر، ومحمية الحجر الغربي ليست استثناءً. ثمة جملة من التهديدات التي تستوجب اليقظة الدائمة:

التلوث الضوئي الزاحف: مع تمدد المدن وتوسع البنية التحتية، تتسع دائرة الأضواء الاصطناعية تدريجياً نحو أطراف المحمية. إن لم تُحكم إدارة المحمية قواعد صارمة تحدّ من هذا الزحف، فإن الثروة الأساسية للمحمية — سماؤها المظلمة — ستتآكل في غضون عقود.

الرعي الجائر وضغط الاستخدام البشري: تخضع الأنشطة البشرية مثل الزراعة والرعي لقيود بيئية صارمة داخل المحميات لضمان عدم إضرارها بالتنوع الأحيائي والموارد الطبيعية. غير أن تطبيق هذه القيود في جبال تسكنها مجتمعات بشرية ذات تقاليد رعوية عريقة يمثّل تحدياً اجتماعياً وإدارياً متجدداً.

التغيرات المناخية: ترتفع درجات الحرارة عالمياً بوتيرة متسارعة، وجبال الحجر الغربي ليست بمعزل عن هذا التغيير. قد تُشكّل التحولات في أنماط الهطل المطري وارتفاع درجات الحرارة خطراً على الأنواع النباتية والحيوانية المستوطنة التي تكيّفت مع ظروف بيئية محددة على مدى آلاف السنين.

الصيد الجائر: على الرغم من التشريعات الصارمة، يبقى الصيد غير المشروع تهديداً حقيقياً لأنواع مثل الوعل العربي والغزال، خاصة في المناطق الطرفية التي يصعب مراقبتها.

الإطار التشريعي والمؤسسي: عُمان تسن قوانين حماية النجوم

أسست سلطنة عُمان منظومة تشريعية متكاملة لحماية بيئتها الطبيعية، وكان إعلان محمية الحجر الغربي خطوة في مسار متواصل من الجهود.

اتخذت هيئة البيئة العديد من الإجراءات والمبادرات لضمان حماية هذه الأشجار المهددة، منها إصدار العديد من التشريعات والقوانين كقانون المحميات الطبيعية وحماية الحياة الفطرية، وقانون حماية البيئة ومكافحة التلوث، بالإضافة إلى العديد من القرارات الوزارية الخاصة بحماية الأشجار البرية المعمرة والمهددة بالانقراض.

بلغت عدد المحميات الطبيعية في سلطنة عُمان 30 محمية طبيعية بمساحة تقارب 15 ألف كيلومتر مربع حيث تُمثّل مساحة المحميات البرية 17 بالمائة والمحميات البحرية 10 بالمائة.

وفي سياق المحميات الجبلية تحديداً، شهدت مساحة المحميات البرية في سلطنة عُمان ارتفاعاً وصل إلى 4.8 بالمائة بعد أن كانت 3.7 بالمائة.

هذا التوسع التدريجي في شبكة المحميات يعكس التزاماً مؤسسياً راسخاً بحماية الإرث الطبيعي وليس مجرد استجابة لضغوط آنية.

العلاقة بين الحياة البرية وأضواء النجوم: تكامل غير منظور

الرابط الأعمق بين الحياة البرية وأضواء النجوم ليس مجرد تجاور مكاني، بل هو تكامل وظيفي خفي يستوجب تأملاً.

كثير من الأنواع البرية في المحمية تعتمد الليل في نشاطها: فالثعلب الجبلي يصطاد في الظلام، وكثير من الحشرات تنشط بعد الغروب، والطيور المهاجرة تستهدي بالنجوم في رحلاتها البعيدة. التلوث الضوئي إذن لا يضر بعلم الفلك وحده، بل يُربك التوقيت الحيوي لهذه المخلوقات ويُهدد دورات حياتها الطبيعية.

وحين تحمي المحمية الظلام الليلي، فهي في الوقت ذاته تحمي حياة هذه الكائنات التي نشأت عبر ملايين السنين في ظروف من الليل الحالك والسماء المرصّعة بالنجوم. فكل ما يُصان في هذا النطاق المظلم من الجبال يصبّ في نهاية المطاف في خدمة التنوع البيولوجي المدهش الذي تحتضنه.

دور المجتمع المحلي: الشريك الذي لا يُستغنى عنه

لا تُدار المحميات الناجحة من برج عاجي، بل تنجح حين يتحول سكانها المحليون من خصوم محتملين إلى حماة حقيقيين. وهذا هو ما تسعى إليه استراتيجية إدارة محمية الحجر الغربي.

تنتشر في المحمية مجموعة من القرى كقرية السوجرة الواقعة في القطاع الأعلى من وادي بني خروص وكذلك قرية وكان في الجهة الشرقية من المحمية وقرية الروس في الجهة الغربية، وترتبط هذه القرى بعلاقات اجتماعية مع قرى أخرى خارج حدود المحمية، وتنتشر فيها الزراعة كنشاط أساسي.

إن إدماج هؤلاء السكان في منظومة إدارة المحمية، وتحقيق التوازن بين متطلبات عيشهم وأهداف الحماية، هو المعادلة الأصعب التي تواجهها كل محمية طبيعية في العالم. والحلول تبدأ من برامج التوعية البيئية، وتمتد نحو توفير فرص العمل البديلة والمستدامة ضمن أنشطة السياحة البيئية والفلكية.

المستقبل: نحو مرصد عُمان الفلكي على السحاب

تشمل المرحلة القادمة مشاريع نوعية من أبرزها تطوير مرصد جبل شمس ليكون منصة تعليمية وبحثية متقدمة، إلى جانب العمل على تعزيز محمية الحجر الغربي لأضواء النجوم لحماية السماء من التلوث الضوئي وتشجيع السياحة الفلكية.

إن تحقق هذا الهدف، فإن جبل شمس سيتحول إلى أحد أبرز المراصد الفلكية في المنطقة العربية، في موقع يجمع بين الارتفاع الشاهق وصفاء الهواء وانخفاض التلوث الضوئي وسهولة الوصول النسبية. وسيكون ذلك امتداداً طبيعياً لرسالة المحمية التي تدمج بين علم الأرض وعلم السماء.

خاتمة: حين تمتد الحماية من الجذور إلى النجوم

تُقدّم محمية الحجر الغربي لأضواء النجوم نموذجاً إلهامياً يتجاوز الحدود التقليدية للفكر البيئي. فبدلاً من النظر إلى البيئة كما في كتب المدرسة — عناصر مُفصولة من هواء وماء وتربة وكائنات — تُقدّم هذه المحمية رؤية كليّة تشمل الأرض بما فيها، والسماء بما تحتويه من أجرام ونجوم ومجرات، كلها منظومة واحدة لا تقبل التجزئة.

حين تسير بين صخور الجبل وتسمع صوت وعل عربي يتسلق الجرف البعيد، ثم ترفع رأسك لتجد درب التبانة يمتد فوقك كقوس من الضوء الخافت لا تراه عادةً في ضجيج المدن، تدرك أنك في مكان يصعب وصفه بكلمة واحدة. هو محمية طبيعية بلا شك، ولكنه أيضاً مرصد فلكي مفتوح، ومختبر أحياء، وموقع أنثروبولوجي حي، ومنتزه ثقافي يجمع الإنسان العُماني بأرضه وسمائه.

في عالم يتسارع فيه الضوء الاصطناعي نحو إخفاء النجوم، ويتسارع فيه التوسع البشري نحو استيعاب ما تبقى من مساحات الطبيعة البكر، تأتي محمية الحجر الغربي لتقول بصوت عالٍ: ثمة ما يستحق الحماية فوق الأرض وتحت السماء في آنٍ واحد. وهذه الرسالة، في بساطتها وعمقها معاً، هي ما يجعل هذه المحمية درةً في تاج العمل البيئي العُماني، ونموذجاً يستحق أن يُدرّس ويُحتذى به في كل بقاع العالم.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية