نظام الضمان الاجتماعي الجديد في سلطنة عُمان:تفاصيل منافع الطفولة وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة
مقدمة: نقلة نوعية في منظومة الحماية الاجتماعية
شهدت سلطنة عُمان في السنوات الأخيرة تحولاً جوهرياً وعميقاً في فلسفة الحماية الاجتماعية، إذ انتقلت من نموذج الدعم المشروط المبني على قياس القدرات المالية للمستفيد إلى نموذج أكثر شمولاً وعدالةً يكفل الحماية لجميع المواطنين بصرف النظر عن مستوى دخلهم أو ثروتهم. هذا التحول لم يكن وليد صدفة أو ردّ فعل آني، بل جاء ثمرةً لرؤية وطنية استراتيجية متكاملة تستهدف بناء مجتمع عُماني متماسك ومستدام، يلتزم بمبدأ أن الحماية الاجتماعية حقٌّ أصيل لكل مواطن وليست منحةً يُقدّر أهلها بحسب الحاجة والعوز.
جاء قانون الحماية الاجتماعية الجديد ليُعيد رسم خريطة الدعم الاجتماعي في السلطنة من أساسها، مُدمجاً أحد عشر نظاماً تقاعدياً متفرقاً تحت مظلة وطنية موحدة تديرها مؤسسة واحدة هي صندوق الحماية الاجتماعية. وقد أفرز هذا القانون ثلاثة محاور منفعية رئيسية تُمثّل ركائز المنظومة الجديدة وعمودها الفقري: منفعة الطفولة، ومنفعة كبار السن، ومنفعة الأشخاص ذوي الإعاقة. وفي هذا المقال تفصيل وافٍ لكل محور من هذه المحاور، مع استعراض للأرقام والإحصاءات التي ترسم صورة واضحة عن حجم هذه المنظومة وأثرها الفعلي على المجتمع العُماني.
أولاً: السياق التاريخي والدوافع الإصلاحية
لفهم أهمية نظام الضمان الاجتماعي الجديد، لا بدّ من استيعاب السياق الذي نشأ فيه. كان النظام القديم يعتمد اعتماداً رئيسياً على آلية قياس القدرات المالية للأسرة، أي أن المنفعة كانت مشروطة بأن يكون دخل الأسرة دون عتبة معينة، مما أفرز ثغرات واسعة في التغطية وأخرج شرائح مجتمعية كاملة من دائرة الحماية دون مسوّغ حقيقي. فضلاً عن ذلك، كانت البيروقراطية والإجراءات المعقدة تحول دون وصول الدعم إلى مستحقيه في الوقت المناسب وبالأثر المطلوب.
بدلاً من منفعة قائمة على قياس القدرات المالية، يتضمن النظام الجديد منفعةً شهريةً شاملةً لكل طفل في الأسرة، ومنفعةً للأشخاص في سن الستين فما فوق، ومنفعةً للإعاقة لدعم دخل الأسرة، ودعماً للأرامل والأيتام. وبرامج الضمان الاجتماعي الشامل لا تحدّ الأهلية بناءً على دخل الناس أو ثروتهم.
هذا التحول الفلسفي يعني عملياً أن الدولة تتخلى عن دور “المانح المقيّد” وتنتقل إلى دور “الضامن الشامل”، وهو نقلة نوعية تنسجم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان ومع ما أرسته منظمة العمل الدولية من مبادئ راسخة في مجال الضمان الاجتماعي.
زادت عُمان مخصصات الضمان الاجتماعي في الميزانية العامة من 384 مليون ريال عُماني في 2023 إلى 650 مليون ريال في 2024، بزيادة تقارب 45%. هذا الإنفاق الضخم يُجسّد جدية الدولة في تنفيذ منظومتها الاجتماعية الجديدة ويُرسّخ دورها محورياً في صون كرامة المواطن وتحقيق التماسك المجتمعي.
ويُعدّ نظام الحماية الاجتماعية في السلطنة حالةً فريدةً بالمنطقة العربية، إذ يتولى صندوق الحماية الاجتماعية إدارة منافع الحماية الاجتماعية التي تموّلها الحكومة وتلك التي يموّلها التأمين الاجتماعي معاً، مما يضع على عاتق مجلس إدارة الصندوق مسؤوليةً أعظم تتمثل في مراقبة تطوير النظام الكامل للحماية الاجتماعية في سلطنة عُمان.
ثانياً: منفعة الطفولة — الرعاية من أول يوم
المفهوم والفلسفة
تُمثّل منفعة الطفولة أحد أبرز وجوه الإصلاح الاجتماعي في سلطنة عُمان، وأكثرها دلالةً على التوجه الشامل للمنظومة الجديدة. فبدلاً من ربط الدعم المقدَّم للأطفال بمستوى دخل الأسرة وإخضاعه لفحوصات مالية دقيقة قد تستبعد فئات واسعة، جاء النظام الجديد ليكرّس مبدأ أن كل طفل عُماني يستحق الدعم والرعاية بحكم انتمائه للوطن لا بحكم حاجة أسرته المالية. هذا المبدأ يُعبّر عن رؤية اجتماعية ناضجة مفادها أن الاستثمار في الطفولة هو استثمار في مستقبل الأمة بأسرها.
الأرقام والإحصاءات
تكشف الأرقام عن حجم ضخم وأثر واسع لمنفعة الطفولة في المنظومة الاجتماعية العُمانية. ارتفع عدد مستفيدي منفعة الطفولة من 1,236,501 مستفيد في عام 2024 إلى 1,251,274 مستفيداً في عام 2025 بنسبة نمو بلغت 1.2%. وهذا يعني أن ما يزيد على مليون ومربع مائة وخمسين ألف طفل يتلقون الدعم الشهري من منفعة الطفولة، وهو رقم يعكس حجم التزام الدولة تجاه النشء العُماني.
وبنهاية يناير 2026، بلغ عدد المستفيدين النشطين من منفعة الطفولة 1,251,309 مستفيدين. ويُمثّل هؤلاء الجزء الأكبر من المنتفعين بالمنظومة الاجتماعية برمّتها، مما يؤكد أن الطفولة تحتل الأولوية القصوى في سلم اهتمامات الدولة الاجتماعية.
شروط الاستحقاق
تتميز منفعة الطفولة في النظام الجديد بطابعها الشمولي الذي يتجاوز الشروط المالية التقليدية. فهي تُقدَّم لكل طفل عُماني دون اشتراط أن تكون أسرته ضمن فئات الدخل المحدود، مما يجعلها أداةً لتكريس حق الطفل لا أداةً للتعامل مع الفقر وحده. وتمتد هذه المنفعة لتشمل الأطفال في مراحل مختلفة من العمر، مع تحديد سقف عمري يمثل نهاية مرحلة الطفولة المستحقة للدعم. وتُعدّ هذه المنفعة فردية أي أنها تُحتسب لكل طفل على حدة بصرف النظر عن حجم الأسرة أو عدد أبنائها.
الأثر الاجتماعي والاقتصادي
يمتد أثر منفعة الطفولة إلى ما هو أبعد من الدعم المادي المباشر. فهي تُسهم في تمكين الأسر من الإنفاق على تعليم أبنائها وصحتهم وغذائهم دون ضغوط مالية حادة، كما أنها تُسهم في الحدّ من الفقر متعدد الأبعاد الذي يُصيب الأطفال بالدرجة الأولى. والأثر التراكمي لهذه المنفعة على مدار سنوات عديدة يُفضي إلى جيل أكثر صحةً وتعليماً وإنتاجية، مما يعود بالنفع على الاقتصاد الوطني على المدى البعيد. ويُمثّل هذا البُعد الاستثماري في الرأسمال البشري جوهر الحكمة من تبني منفعة الطفولة الشاملة.
ثالثاً: منفعة كبار السن — الوفاء بحق العطاء
مفهوم المنفعة وأهميتها
تُجسّد منفعة كبار السن وفاءً وطنياً لمن أفنوا عمرهم في خدمة الوطن وبنائه، وهي تنبع من قناعة راسخة بأن المواطن الذي بلغ الستين من عمره يستحق العيش بكرامة بعيداً عن شبح الفاقة والعوز. وتنسجم هذه المنفعة مع التوجهات الدولية التي ترى في الشيخوخة مرحلةً تستوجب حماية خاصة ودعماً مؤسسياً مستداماً، لا سيما في ظل التحولات الديموغرافية التي يشهدها العالم ومنها سلطنة عُمان بارتفاع متوسط أعمار السكان ونسبة المسنّين في المجتمع.
المقدار والشروط
تُصرف منفعة كبار السن بمقدار 115 ريالاً عُمانياً شهرياً عند بلوغ سن الستين، ولا تُصرف قبل التاريخ المحدد لسريان المنفعة. وتُعدّ منفعة كبار السن منفعةً فردية، أي أنها تستحق لكل مواطن عُماني يستوفي شرط السن والإقامة بصرف النظر عن جنسه أو علاقاته الأسرية.
هذا المبدأ الفردي للمنفعة بالغ الأهمية، إذ يكفل حصول كل مسنّ على استحقاقه المستقل دون أن يكون تابعاً لعائل أو محتاجاً لإثبات انعدام الإعالة. وقد جاء اشتراط الإقامة ليضمن أن المنفعة توجّه لمن هم فعلاً على أرض الوطن ويعيشون احتياجاته اليومية.
الأرقام والنمو
ارتفع عدد مستفيدي منفعة كبار السن من 167,687 مستفيداً في عام 2024 إلى 174,662 مستفيداً في عام 2025 بنسبة نمو بلغت 4.2%. وبنهاية يناير 2026 بلغ عدد المستفيدين النشطين من هذه المنفعة 177,051 مستفيداً.
نسبة النمو البالغة 4.2% تفوق معدلات النمو الديموغرافي الطبيعية، مما يُشير إلى توسع فعلي في رقعة التغطية ووصول المنفعة إلى مستحقين جدد لم يكونوا مشمولين في السابق. وهذا الرقم يُرسّخ التزام المنظومة بالتوسع المستمر في الشمول الاجتماعي.
الارتباط بمنظومة التقاعد
تتميز منفعة كبار السن بأنها مستقلة عن منظومة التقاعد المبنية على الاشتراكات، مما يعني أنها تُغطي من لم تتح لهم ظروفهم الانضمام لسوق العمل الرسمية أو دفع اشتراكات تقاعدية كافية. وهذا الجانب بالغ الأهمية في المجتمع العُماني حيث كان بعض المواطنين، لا سيما في المناطق الريفية والمحافظات البعيدة، يعملون في قطاعات غير رسمية لم تُدرجهم ضمن منظومة الاشتراكات التقاعدية. فمنفعة كبار السن تسدّ هذه الفجوة وتضمن أن لا مسنّ عُماني يُترك دون مظلة حماية تكفل له عيشاً كريماً.
الأبعاد النفسية والاجتماعية
لا تقتصر قيمة منفعة كبار السن على البُعد المادي وحده، بل تمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية عميقة. فالمسنّ الذي يتلقى استحقاقه الشهري بانتظام يشعر بأن الدولة ترى فيه إنساناً كريماً لا عبئاً ثقيلاً، وهذا الشعور بالاعتراف والتقدير يُسهم في تعزيز الصحة النفسية لكبار السن وإطالة أعمارهم بشكل لا تستطيع أي وصفة طبية تحقيقه. كما أن المنفعة تُخفف الضغط عن الأسر التي تُعيل كبار السن وتُمكّنها من توفير رعاية أفضل لذويها المسنّين.
رابعاً: منفعة الأشخاص ذوي الإعاقة — الشمول لا الاستثناء
الفلسفة الجامعة
تُمثّل منفعة الأشخاص ذوي الإعاقة خطوةً محوريةً نحو مجتمع شامل حقيقي يُؤمن بأن الإعاقة ليست وصمةً ولا حواجزاً تحول دون المشاركة الكاملة في الحياة. وينطلق النظام الجديد من مبدأ أن الأشخاص ذوي الإعاقة يواجهون تكاليف إضافية في حياتهم اليومية تستلزم دعماً يُعوّض هذه التكاليف ويُمكّنهم من العيش باستقلالية وكرامة. وهذا التوجه يتوافق مع اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي تُلزم الدول بالتحرك الإيجابي لكسر الحواجز التي تحول دون المشاركة الكاملة لهذه الفئة.
الأرقام والإحصاءات
بلغ عدد المستفيدين النشطين من منفعة الأشخاص ذوي الإعاقة بنهاية يناير 2026 نحو 49,906 مستفيدين. ويُمثّل هذا الرقم حجماً معتبراً من الأشخاص الذين تصل إليهم الحماية الاجتماعية في واحدة من أكثر الفئات هشاشةً واحتياجاً.
نطاق المنفعة وتصميمها
صُمّمت منفعة الأشخاص ذوي الإعاقة لتكون داعمةً لدخل الأسرة بأسرها لا للفرد وحده، وذلك إدراكاً لحقيقة أن الإعاقة تُلقي بظلالها على الأسرة بكاملها وتُعيد توزيع أدوارها وتُثقل كاهلها بأعباء إضافية. فكثيراً ما يضطر أحد أفراد الأسرة إلى التخلي عن عمله أو تقليص ساعاته لتولي رعاية ذي الإعاقة، مما يُقلّص الدخل الكلي للأسرة ويُزيد احتياجها للدعم.
وتشمل المنفعة طيفاً واسعاً من حالات الإعاقة، بما يشمل الإعاقات الجسدية والحسية والذهنية والنفسية، مع تفاوت في مستوى الدعم المقدّم بحسب درجة الإعاقة وأثرها على قدرة الشخص على ممارسة حياته اليومية. وهذا التدرج يعكس حساسيةً في التصميم تأخذ في الحسبان التباين الكبير في احتياجات هذه الفئة.
التكامل مع خدمات أخرى
لا تعمل منفعة الأشخاص ذوي الإعاقة بمعزل عن المنظومة الاجتماعية الأشمل، بل تتكامل مع حزمة من الخدمات الداعمة التي توفرها الدولة، من خدمات تأهيل وتدريب مهني إلى أجهزة مساعدة ووسائل تنقل، كل ذلك في سياق رؤية شمولية تستهدف تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة لا مجرد دعمهم مادياً. وهذا التمييز بين التمكين والدعم المجرد هو ما يميز المنظومات الاجتماعية الحديثة عن سابقاتها التقليدية.
خامساً: منافع تكميلية تُكمل الصورة
منفعة الأيتام ومنفعة الأرامل
إلى جانب المحاور الثلاثة الرئيسية، تتضمن المنظومة الجديدة منافع مكمّلة تسدّ ثغرات الهشاشة الاجتماعية في حالات فقد العائل. بلغ عدد المستفيدين من منفعة الأيتام 10,217 مستفيداً، في حين بلغ عدد المستفيدات من منفعة الأرامل 5,489 مستفيدة.
تُصمَّم هذه المنافع لأن تكون شبكة أمان فورية تلتقط الأسر التي فقدت عائلها فجأةً دون أن تمنحها الوقت الكافي لإعادة ترتيب أوضاعها المالية. وسرعة صرف هذه المنافع وسهولة استحقاقها تُشكّل فارقاً نوعياً بين الشدة والهوان.
دعم دخل الأسر وحالات استمرارية الضمان
بلغ عدد المستفيدين من دعم دخل الأسر 42,016 مستفيداً، فضلاً عن 16,761 حالة لاستمرارية صرف الضمان الاجتماعي. وهذه الأرقام تُظهر أن المنظومة تُعالج الفقر الهيكلي للأسر وليس فقط الحالات الطارئة، مما يُرسّخ طابعها الاجتماعي الشامل.
منافع التأمين الاجتماعي القائمة على الاشتراكات
يُعزز القانون المنافع الحالية ويطرح منافع جديدة قائمة على الاشتراكات وغير قائمة على الاشتراكات، مثل الإجازات المرضية وإجازة الأبوة المدفوعة، وإجازات غير مدفوعة للوالدين لرعاية الطفل الجديد بعد انتهاء إجازة الأمومة، وتأمين إصابات العمل، وتأمين البطالة، وبرنامج ادخار إلزامي للعمال غير العُمانيين.
هذا الطيف الواسع من المنافع يُدمج بين الحماية الفورية وبناء الأمن الاقتصادي على المدى البعيد، ويكشف عن رؤية شمولية لا تقتصر على سدّ الاحتياجات الآنية بل تبني قدرة المواطن على مواجهة الأزمات المستقبلية.
سادساً: البنية المؤسسية والتحول الرقمي
صندوق الحماية الاجتماعية: القلب النابض للمنظومة
يُشكّل صندوق الحماية الاجتماعية العمود الفقري التنفيذي للمنظومة الجديدة، وهو المؤسسة المنوط بها قيادة هذا التحول الاجتماعي الكبير وترجمته من نصوص قانونية إلى واقع ملموس في حياة المواطنين. وضع الصندوق جهودًا استراتيجية وفق تخطيط متكامل ورؤية مستدامة من خلال التوجه الاستراتيجي 2024–2025 بوصفه مرحلة انتقالية لتأسيس رؤية مستقبلية 2026–2030، حيث ركّز على أربعة محاور هي: الحماية الاجتماعية، والاستدامة المالية، والحوكمة والتميز المؤسسي، والتقنية والابتكار.
هذا التوجه الاستراتيجي المتكامل يُشير إلى مؤسسة تُفكّر بعقلية المدى البعيد وتُدرك أن التحول الاجتماعي الحقيقي لا يُبنى بقرارات آنية بل برؤى مدروسة وخطط متدرجة ومتماسكة.
التحول الرقمي: الجسر نحو الشمول
يُمثّل التحول الرقمي أحد أبرز إنجازات صندوق الحماية الاجتماعية في السنوات الأخيرة، إذ يُسهم في كسر الحواجز الجغرافية والبيروقراطية التي كانت تحول دون وصول المنافع إلى مستحقيها. ارتفعت نسبة التحول الرقمي من 81% في عام 2024 إلى 89% في عام 2025، فيما تجاوز عدد مستخدمي تطبيق “حماية” أكثر من 194 ألف مستخدم.
يُقدّم صندوق الحماية الاجتماعية خدماته عبر شبكة من القنوات الرقمية وغير الرقمية، تشمل 11 دائرةً للحماية الاجتماعية في مختلف المحافظات و3 منافذ خدمة نموذجية. وخلال عام 2025 بلغ عدد المتعاملين مع الصندوق عبر مختلف القنوات 333,727 متعاملاً بمعدل 1,264 معاملة يومياً.
هذه الأرقام تُجسّد تعاملاً يومياً حثيثاً بين المواطن والمنظومة، وتُشير إلى مؤسسة حيّة تعمل على مدار الساعة لخدمة شرائح واسعة من المجتمع.
وفي إطار تطوير الخدمات الرقمية، تم إنشاء مركز اتصال ذكي متكامل مع القنوات الرقمية وغير الرقمية، إضافةً إلى استكمال البنية الأساسية لتقنيات الذكاء الاصطناعي في مراكز بيانات الصندوق.
توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة منظومة الضمان الاجتماعي يُمثّل خطوةً مُستقبليةً طموحة، تفتح الباب واسعاً أمام خدمات استباقية تُحدّد المستحقين قبل أن يضطروا للطلب، وتُرصد حالات الهشاشة قبل أن تتحول إلى أزمات.
سابعاً: الإنجازات الدولية وتحقق الاعتراف العالمي
لا يُقاس نجاح منظومة الضمان الاجتماعي بحجم الإنفاق وحده، بل بأثرها الفعلي في حياة المواطنين وبمدى انسجامها مع أفضل الممارسات الدولية. وقد حقق صندوق الحماية الاجتماعية العُماني اعترافاً دولياً واسعاً في هذا الصدد.
فازت سلطنة عُمان ممثلةً بصندوق الحماية الاجتماعية بالجائزة الرئيسية للجمعية الدولية للضمان الاجتماعي لأفضل الممارسات في إقليم آسيا والمحيط الهادئ لعام 2024 عن مشروع توسيع نطاق تغطية الحماية الاجتماعية في سلطنة عُمان، وحقق الصندوق 14 إنجازاً دولياً خلال عامي 2024 و2025.
هذا الاعتراف الدولي الرفيع يُؤكد أن التجربة العُمانية في الحماية الاجتماعية لم تعد شأناً محلياً فحسب، بل باتت نموذجاً يُحتذى به على مستوى إقليم واسع يضم دولاً في مراحل مختلفة من التطور الاجتماعي. وقد أسهم هذا الاعتراف في تعزيز ثقة المواطن العُماني بمنظومة الضمان وفي إطار الصندوق بوصفه مؤسسةً على مستوى عالمي حقيقي.
قال الباحثون في هيومن رايتس ووتش: “إذا طُبِّق نظام الضمان الاجتماعي العُماني الجديد بالكامل، فمن شأنه أن يكون معياراً رائداً في المنطقة لحماية المواطنين والمقيمين من انعدام الأمن الاقتصادي. مع أن العديد من الدول تعتمد على برامج قياس القدرات المالية التي تؤدي إلى فجوات واسعة في التغطية، تُظهر عُمان أن من الممكن إنشاء أنظمة شاملة تضمن حق الجميع في الضمان الاجتماعي”.
ثامناً: المشاريع المستقبلية وآفاق التطوير
لا تكتفي منظومة الحماية الاجتماعية العُمانية بما تحقق، بل تضع أمامها أهدافاً طموحة لتوسيع التغطية وتعميق الأثر في السنوات القادمة.
يعمل الصندوق على تنفيذ عدد من المشاريع المستقبلية لتعزيز التغطية الاجتماعية، من بينها: تفعيل تأمين الإجازات المرضية وغير الاعتيادية في عام 2026 بنسبة اشتراك 1% من الراتب الإجمالي تتحملها جهة العمل، وتطبيق نظام الادخار الإلزامي للوافدين في عام 2027 بنسبة 9% من الراتب الأساسي تتحملها جهة العمل كبديل لمنحة نهاية الخدمة، وتطبيق تأمين إصابات العمل للوافدين في عام 2028 بنسبة اشتراك 1% من الراتب الإجمالي وبسقف 3000 ريال عُماني.
هذا التخطيط المتدرج يكشف عن رؤية استراتيجية تُدمج بين الطموح والواقعية، وتُقرّ بأن بناء منظومة حماية اجتماعية متكاملة عملية تدريجية تتطلب بناء القدرات المؤسسية والمالية قبل التوسع في التغطية. كما يُلفت الانتباه امتداد هذه المشاريع لتشمل العمالة الوافدة، مما يُجسّد رؤيةً إنسانية لا تُميّز في الحماية بين مواطن ووافد يعمل على أرض السلطنة ويُسهم في اقتصادها.
ويضمن الدمج الطموح لأحد عشر نظاماً تقاعدياً تحت نظام وطني موحد استدامةً مستقبليةً في ضوء التحولات السكانية العميقة التي يشهدها المجتمع العُماني، كما يعزز التكافل والعدالة بين جميع القطاعات الاقتصادية ويحمي الحقوق المكتسبة.
تاسعاً: التحديات والمسار نحو المثالية
لا تخلو أي منظومة اجتماعية ناشئة من تحديات، والمنظومة العُمانية ليست استثناءً من هذه القاعدة. وإدراك هذه التحديات بموضوعية شرط ضروري لمعالجتها والتغلب عليها.
التحدي الأول: العدالة بين الجنسين في بعض المنافع. لن يحصل الأرامل الذكور على منافع على نفس الأساس الذي تحصل عليه الأرامل الإناث. وهذا التفاوت يستدعي مراجعة تضمن المساواة في الاستحقاق بين الجنسين.
التحدي الثاني: شمول العمالة غير الرسمية. لا يزال قطاع واسع من العمالة غير الرسمية خارج المظلة الكاملة للتأمين الاشتراكي، وإن كانت المنافع غير الاشتراكية تُغطي جزءاً مهماً من هذه الفجوة. وتوسيع شمول العمالة غير الرسمية يبقى هدفاً استراتيجياً ينبغي أن يتصدر الأولويات.
التحدي الثالث: الاستدامة المالية على المدى البعيد. يستلزم توسع التغطية ورفع مستويات المنافع موارد مالية متزايدة، وهذا يستوجب توازناً دقيقاً بين طموح الشمول وواقعية الموارد، مع التفكير في مصادر تمويل متنوعة ومستدامة تجاوز الاعتماد على عائدات النفط وحدها.
خاتمة: نحو مجتمع عُماني آمن ومتماسك
تُمثّل منظومة الضمان الاجتماعي الجديدة في سلطنة عُمان إنجازاً وطنياً بامتياز، يستحق الإشادة والدراسة والبناء عليه. فمنفعة الطفولة التي تصل اليوم إلى أكثر من مليون ومائتي ألف طفل، ومنفعة كبار السن التي تصرف شهرياً لما يزيد على 177 ألف مسنّ، ومنفعة الأشخاص ذوي الإعاقة التي تُخفف الأعباء عن خمسين ألف أسرة — كل هذه المنافع مجتمعةً تُرسم صورة وطن يُقدّر أبناءه في مختلف مراحل حياتهم ويُبادلهم الانتماء بالرعاية والحماية.
غير أن المنظومة الأروع هي التي تبقى في حالة تطور مستمر، تُراجع نفسها وتُصحح مساراتها وتُوسّع نطاقها حتى لا يبقى مواطن خارج مظلة الحماية. وهذا ما تُعلنه الرؤية الاستراتيجية للصندوق حتى عام 2030 من توسع متدرج وتعمق منهجي وابتكار مستمر في أساليب الخدمة وآليات الوصول.
ختاماً، يُجسّد قانون الحماية الاجتماعية العُماني الجديد رسالةً واضحةً وصريحة: أن سلطنة عُمان تُؤمن بأن الأمن الاجتماعي ليس ترفاً بل ضرورة، وليس منّةً بل حقاً، وليس سياسةً ظرفيةً بل التزاماً وطنياً راسخاً في صميم العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. وبهذا الإيمان تنطلق عُمان نحو مستقبل أكثر عدلاً وتكافلاً وازدهاراً.
المقالة مبنية على أرقام وبيانات رسمية صادرة عن صندوق الحماية الاجتماعية العُماني حتى يناير 2026.