جغرافيا سياحة

أودية الرستاق الجبلية: وادي السحتن ووادي بني عوف كمسارات جيولوجية

أودية الرستاق الجبلية: وادي السحتن ووادي بني عوف كمسارات جيولوجية

حين تتحدث الصخور عن ستمائة مليون عام

في قلب محافظة جنوب الباطنة، حيث تنتصب سلسلة جبال الحجر الغربي شاهدة على واحدة من أعقد القصص الجيولوجية في العالم، تقع ولاية الرستاق التي اكتسبت شهرة جيولوجية عالمية لا تضاهيها فيها كثير من بقاع الأرض. فهذه الولاية تنفرد بوجود أكبر كتلة متصلة من مكاشف صخور “الأفيوليت” في العالم، وهي صخور ذات أهمية علمية بالغة لدى الجيولوجيين، واقتصادية كبرى لدى خبراء المعادن. ويرى علماء الجيولوجيا أن السير لساعات في وادي السحتن وحده يأخذ الزائر في رحلة عبر أزمنة جيولوجية متعاقبة يصل عمر أقدمها إلى نحو 600 مليون سنة من عمر القشرة الأرضية.

تمثل الرستاق الحلقة الجغرافية التي ربطت تاريخياً بين الولايات الساحلية في محافظة جنوب الباطنة، وولايات محافظتي الداخلية والظاهرة، وهي في الوقت ذاته المحور الذي انتقلت عبره صخور القشرة المحيطية، ومعها صخور ترسبت في أعماق المحيطات القديمة لتستقر فوق الرصيف القاري في شمال شرق الجزيرة العربية. ولهذا السبب بالذات تُعد الرستاق منطقة نموذجية لدراسة قطاع كامل من هذه الصخور، إذ يندر أن تجد في مكان واحد هذا التتابع الزمني والصخري الواضح والمتاح للعيان.

وتحيط بالرستاق خمسة جبال رئيسية هي جبل المارات وجبل ضوي وجبل شمس والجبل الأخضر وجبل طلع، وتتخللها خمسة أودية كبرى هي وادي بني غافر ووادي بني عوف ووادي بني هني ووادي الحيملي ووادي السحتن. ومن بين هذه الأودية الخمسة، يبرز واديا السحتن وبني عوف باعتبارهما من أهم المواقع الجيولوجية في الولاية على الإطلاق، وأكثرها جذباً لعشاق المغامرة والاستكشاف، وفي الوقت نفسه أكثرها تطلباً للحيطة والحذر. فهذان الواديان ليسا مجرد ممرين جبليين جميلين، بل هما متحفان مفتوحان يروي كل صخر فيهما حكاية من حكايات تشكل الأرض، ويفرض كل منعطف فيهما تحدياً حقيقياً على من يقرر خوض غمار السير أو القيادة بينهما.

تستعرض هذه المقالة طبيعة هذين الواديين من زاويتين متلازمتين لا تنفصلان: الزاوية الجيولوجية التي تكشف عن أهميتهما العلمية الفريدة، والزاوية المتعلقة بالمخاطر التي ينبغي أن يعيها كل من يفكر في زيارتهما، سواء كان سائحاً مغامراً أو باحثاً علمياً أو مجرد عابر سبيل يبحث عن منظر خلاب.

وادي السحتن: مندوس عمان وسجل الزمن السحيق

الموقع والتسمية

يقع وادي السحتن في ولاية الرستاق، ويتفرع من الطريق الرئيسي الرابط بين ولايتي الرستاق وعبري. يبلغ طول مجرى الوادي نحو 43 كيلومتراً، وقد عرف قديماً باسم “مندوس عمان”، وهي تسمية تعكس مكانته كخزانة من خزائن البلاد لكثرة ما يحتويه من ثروات طبيعية وزراعية ومائية. أما تسمية “السحتن” فترجع إلى رجل يُدعى الإمام حسن بن سعيد السحتني، الذي كان يتولى أمور الوادي وكان أهله يرجعون إليه لفطنته وحنكته في حل المشكلات، إضافة إلى دوره البارز في طرد الغزاة الطامعين في الوادي.

ويضم وادي السحتن أكثر من 33 قرية جبلية، تتوزع جميعها وسط واحات خضراء كثيفة من النخيل، وتتميز بتضاريسها الجبلية الوعرة وعيونها المائية المتدفقة. ومن أبرز هذه القرى وجمة، والفراعة، والهويب، والهوب، والودائم، والنيد، والغور، ولمبو، ويصب، وعمق.

الأهمية الجيولوجية: رحلة عبر 600 مليون سنة

يُعد وادي السحتن من أعمق الأودية في السلطنة، وتُعد صخوره من أقدم الصخور التي تشكلت قبل نحو 600 مليون سنة. وما يجعل هذا الوادي مختبراً جيولوجياً مفتوحاً هو التنوع الصخري الهائل الذي يمكن ملاحظته بالعين المجردة على طول المسار:

صخور الرصيص الرسوبية: يزخر وادي السحتن بهذا النوع من الصخور، حيث تشير الصخور الناعمة المتراكمة في قعر الوادي إلى تدفق مياه مستمرة وغزيرة في أزمنة جيولوجية سابقة، وهو ما يفسر شبكة الأفلاج والعيون التي ما زالت تغذي القرى حتى اليوم.

عين الخضراء: تقع في المنطقة المحيطة بقرية الخضراء على بعد بضعة كيلومترات داخل الوادي، وتشكل واحدة من أبرز العيون المائية فيه. وتشير دراسة لوزارة موارد المياه العمانية إلى أن عين الخضراء، مثلها مثل عين الكسفة الشهيرة في مركز الرستاق، تستمد مياهها من مياه الأمطار المختزنة منذ الفترات المطيرة السابقة في زمن البليستوسين، وأن عين الكسفة تغذي بدورها عين الخضراء في وادي السحتن عبر شبكة جوفية من الفوالق الصخرية.

أبجدية سحتن: من أكثر الاكتشافات إثارة في الوادي خروج ما يُعرف بـ”أبجدية سحتن” للعيان فجأة، وهي عبارة عن حروف منقوشة على صخور تقع عند مضيق مائي صغير بين الوديان. وبعد أن قام الباحث العماني حارث الخروصي بتوثيقها ونقلها، تبين أنها أبجدية متفردة عن باقي الأبجديات القديمة المعروفة في الجزيرة العربية، فأطلق عليها اسم “الأبجدية العمانية”. وقد عُثر على بعض الحروف المشابهة، وإن كانت أكثر ندرة، في وادي الخروصي ووادي بني عوف، لكن وادي السحتن ظل الموقع الأبرز لهذا النقش الصخري النادر الذي يضاف إلى قائمة الفنون الصخرية القليلة في العالم.

المخاطر الجيولوجية والطبوغرافية في وادي السحتن

رغم الجمال الأخّاذ الذي يصف به الزوار هذا الوادي، إلا أن طبيعته الجيولوجية نفسها هي مصدر التحديات التي يفرضها على من يسلكه:

التضاريس الحادة والانحدارات الشديدة: يجمع وادي السحتن بين السهل والجبل في آن واحد، فتارة يحمل الزائر إلى وادٍ واسع، وتارة إلى جبل شاهق، وأخرى يجعله مطلاً على هاوية. وتتوزع القرى، مثل قرية وجمة، على سفوح جبلية شديدة الانحدار، حيث تُبنى الأفلاج والمزارع على مدرجات زراعية فوق منحدرات حادة، بينما تظهر البيوت في الأجزاء العلوية وكأنها معلقة على الصخور تلامس القمم الجبلية المحاذية لها. هذا التفاوت الشاهق في الارتفاع يجعل أي زلة قدم أو انحراف بسيط عن المسار المرسوم أمراً بالغ الخطورة.

المسارات الترابية الوعرة المخصصة للدفع الرباعي حصراً: يبدأ الطريق المعبّد عند مدخل الوادي، لكنه سرعان ما يتحول إلى طريق ترابي صاعد يمتد لمسافة 4 كيلومترات على الأقل قبل الوصول إلى بعض القرى الجبلية العليا مثل وجمة. وتقتصر هذه المسافة من الطريق على مركبات الدفع الرباعي حصراً، ما يعني أن أي مركبة عادية تجازف بسلوك هذا الطريق قد تتعرض للتعطل أو الانزلاق أو فقدان السيطان في منطقة معزولة يصعب الوصول إليها للإنقاذ.

العزلة الجغرافية والبعد عن الخدمات: تبعد بعض قرى وادي السحتن، مثل قرية يصب، نحو 41 كيلومتراً عن مركز الولاية، ويتداخل فيها الطريق المعبد مع طرق غير معبدة طويلة. هذه المسافات الطويلة عبر تضاريس جبلية معزولة تعني أن أي طارئ صحي أو عطل ميكانيكي قد يستغرق وقتاً طويلاً قبل وصول المساعدة، وهو عامل خطورة لا يقل أهمية عن المخاطر الطبوغرافية المباشرة.

مخاطر السيول الموسمية: مثل معظم أودية جبال الحجر الغربي، يتعرض وادي السحتن لتدفقات مياه غزيرة وسريعة في مواسم الأمطار، نظراً لطبيعة الصخور الرسوبية في قاعه التي تشير إلى تاريخ طويل من التدفقات المائية القوية. وتشكل هذه السيول، التي قد تنحدر فجأة من المرتفعات المحيطة، خطراً مباشراً على المسافرين والمتنزهين الذين قد يجدون أنفسهم محاصرين في مضايق ضيقة دون سابق إنذار، خاصة أن الوادي يضم مضايق مائية صغيرة بين التكوينات الصخرية، وهي بطبيعتها نقاط اختناق خطرة وقت جريان السيول.

انجراف التربة والصخور: التكوينات الصخرية المتنوعة في الوادي، وخاصة الصخور الناعمة الرسوبية في القاع، عرضة للانجراف والتفتت، ما قد يؤدي إلى سقوط صخور أو انهيارات صغيرة على المسارات الجبلية الضيقة، لا سيما بعد هطول الأمطار مباشرة.

وادي بني عوف: ممر الفك المتصدع ومتحف الأحافير الطباشيرية

الموقع والمسار

ينحدر وادي بني عوف من قرية بلد سيت على سفوح الجبل الأخضر، ويمتد مجراه نحو 26 كيلومتراً. ويُعد هذا الوادي من أكثر المسارات الجبلية في عُمان شهرة بين هواة المغامرة بالسيارات ذات الدفع الرباعي، إذ يُعرف عالمياً بين عشاق الطرق الوعرة باسم “Snake Canyon” نظراً لتعرجاته الحادة المتلاحقة التي تشبه التواء الأفعى بين جدران الصخور الشاهقة.

ويرتبط وادي بني عوف بوادي السحتن عبر طريق آخر يسهل على السياح والزوار التنقل بينهما لزيارة القرى المنتشرة بين ربوع هذين الواديين، وهو ما يجعل المنطقة بأكملها مساراً سياحياً ومغامراتياً متكاملاً يجمع بين عدة بيئات جيولوجية متباينة في رحلة واحدة.

الأهمية الجيولوجية: من الحجر الجيري إلى أحافير العصر الطباشيري

يتميز وادي بني عوف بحجره الجيري الطاغي على تكويناته الصخرية، وهو ما يمنحه طابعاً جيولوجياً مختلفاً عن وادي السحتن المجاور:

الأحافير الطباشيرية: من أبرز ما يميز وادي بني عوف وجود أحافير ساكنة محفوظة داخل الصخور الجيرية، يعود تاريخها إلى العصر الطباشيري، وهو عصر جيولوجي يمتد من نحو 145 إلى 66 مليون سنة مضت. وتتيح هذه الأحافير للباحثين والزوار المهتمين فرصة نادرة لمشاهدة بقايا كائنات بحرية قديمة كانت تعيش في المياه التي غطت هذه المنطقة قبل أن ترتفع لتشكل الجبال الحالية، في شاهد حي على التحول الهائل الذي مرت به القشرة الأرضية في هذه البقعة من العالم.

صخور الطمي المتحولة إلى مسننات حادة: في أجزاء من الوادي، تتحول صخور الطمي إلى تكوينات مسننة حادة الأطراف تشبه أقلام الرصاص المبرية، وهي ظاهرة جيولوجية ناتجة عن عوامل التعرية والتجوية التفاضلية التي أثرت على الصخور بمعدلات متفاوتة بحسب صلابتها وتركيبها المعدني. وهذه التكوينات، على جمالها البصري، تمثل في الوقت ذاته خطراً مباشراً لمن يلامسها أو يحاول السير عليها دون حذر.

النقوش الصخرية القديمة: عُثر في وادي بني عوف، إلى جانب وادي الخروصي، على بعض الحروف القديمة النادرة التي سبقت اكتشاف “أبجدية سحتن” الكاملة، ما يضيف بعداً أثرياً وثقافياً إلى الأهمية الجيولوجية الصرفة للوادي، ويجعله موقعاً يستقطب الباحثين في مجالي الجيولوجيا والآثار على حد سواء.

عين الحويت: من أبرز العيون المائية المنتشرة في وادي بني عوف، وتعكس استمرار النشاط المائي الجوفي في تغذية هذا الوادي الجبلي الوعر، تماماً كما هو الحال في الأودية المجاورة.

المخاطر الجيولوجية والطبوغرافية في وادي بني عوف

يُجمع من خاضوا تجربة السير في وادي بني عوف على أنه من أكثر المسارات الجبلية تحدياً في عُمان، وذلك للأسباب التالية:

انتهاء الطريق المعبّد عند منتصف الوادي: عند الوصول إلى منتصف وادي بني عوف تقريباً، ينتهي الطريق المعبّد تماماً، لتبدأ بعده رحلة السير في طرق وعرة بين الأودية والجبال باتجاه القمة، وهي طرق لا يمكن اجتيازها إلا باستخدام سيارات الدفع الرباعي المجهزة جيداً. وقد استغرقت رحلة موثقة قطع مسافة لا تتجاوز 20 كيلومتراً عبر هذا الجزء من الوادي أكثر من ساعة كاملة، نظراً لوعورة المسار وضيقه الشديد صعوداً وهبوطاً بين سفوح الجبال وبطون الأودية، وهو ما يعكس بوضوح المعدل البطيء جداً الذي تفرضه طبيعة الأرض على أي مركبة مهما كانت قوتها.

التعرجات الحادة والممرات الضيقة: التسمية الشائعة لهذا الوادي بين هواة المغامرة، “ممر الأفعى”، ليست مصادفة، بل تعكس واقعاً طبوغرافياً يتمثل في انعطافات حادة متلاحقة بين جدران صخرية شديدة الانحدار، حيث تضيق الممرات أحياناً إلى الحد الذي لا يسمح بمرور سوى مركبة واحدة، ما يجعل أي تقاطع مع مركبة قادمة من الاتجاه المعاكس عملية تتطلب مهارة ودقة عاليتين، خاصة عند حافة منحدرات شديدة الانحدار تطل على أودية عميقة.

خطورة السقوط من المرتفعات: نظراً لأن الطريق يمر عبر سفوح جبلية حادة الانحدار باتجاه القمة، فإن أي خطأ في القيادة، سواء بسبب الانزلاق على الحصى السائب أو فقدان السيطرة عند منعطف حاد، قد يؤدي إلى الانزلاق أو السقوط من ارتفاعات شاهقة. ولأن المسار ضيق في كثير من نقاطه، فإن هامش الخطأ المتاح للسائق يكاد يكون معدوماً في بعض الأجزاء.

صخور حادة قاطعة: التكوينات الصخرية المسننة التي تتشكل من صخور الطمي المتحولة في الوادي تمثل خطراً مباشراً على إطارات المركبات من جهة، وعلى من يسير على قدميه أو يحاول التسلق بين الصخور من جهة أخرى، إذ يمكن أن تتسبب هذه الحواف الحادة في جروح أو في تمزق الإطارات بصورة مفاجئة في منطقة معزولة يصعب فيها الحصول على مساعدة فورية.

مخاطر السيول والمضايق المائية: مثل وادي السحتن تماماً، يتعرض وادي بني عوف لمخاطر السيول الموسمية، وتزداد هذه المخاطر خطورة في الأجزاء الضيقة من الوادي حيث تتحول الممرات الجبلية الضيقة إلى مجاري سريعة لتصريف كميات كبيرة من مياه الأمطار المنحدرة من الجبل الأخضر، وهو ما يستوجب تجنب السير في الوادي أو محاولة عبوره أثناء هطول الأمطار أو في أعقابها مباشرة.

انعدام تغطية الاتصالات في أجزاء واسعة: شأنه شأن وادي السحتن، يفتقر جزء كبير من مسار وادي بني عوف إلى تغطية شبكات الاتصال المحمول، وهو عامل يضاعف من خطورة أي حادث أو عطل ميكانيكي، إذ يصعب طلب النجدة أو تحديد الموقع بدقة لفرق الإنقاذ.

القاسم المشترك: لماذا تُصنَّف هذه المسارات بأنها “خطرة” من منظور جيولوجي

حين يصف الجيولوجيون والمختصون في السياحة هذين الواديين بأنهما “خطرين”، فإن هذا الوصف لا ينبع من رغبة في التهويل أو ثني الزوار عن الإقبال عليهما، بل هو وصف علمي دقيق ناتج عن مجموعة من العوامل الجيولوجية والطبوغرافية المتداخلة التي تستحق أن تُفهم بوضوح قبل الإقدام على زيارة أي منهما:

أولاً: حداثة التشكل الجيولوجي النسبية لبعض التكوينات. صحيح أن صخور الأفيوليت في المنطقة يصل عمرها إلى 600 مليون سنة، لكن العمليات التي شكلت الشكل الحالي لهذه الأودية، من حفر مجاري المياه وتعرية الجبال، ما تزال مستمرة حتى اليوم بفعل السيول الموسمية والتجوية، ما يعني أن الأرض في هذه المسارات ليست “مستقرة” بالمعنى الكامل للكلمة، بل في حالة تغير وتشكل بطيء ومستمر يمكن أن يتسارع فجأة في أعقاب عاصفة مطرية قوية.

ثانياً: التباين الصخري الحاد. وجود طبقات صخرية متعددة الأعمار والصلابة، من الأفيوليت القديم إلى الحجر الجيري والطباشيري الأحدث نسبياً إلى صخور الطمي سريعة التحول، يعني أن معدلات التعرية تختلف من نقطة إلى أخرى على طول المسار نفسه، فتتشكل نتوءات حادة وكسور وشقوق غير متوقعة قد تفاجئ السائر أو السائق.

ثالثاً: الانحدارات الحادة الناتجة عن النشاط التكتوني القديم. كون الرستاق محوراً تحركت عبره صخور القشرة المحيطية لتستقر فوق الرصيف القاري، فإن هذا التاريخ التكتوني العنيف ترك بصمته في شكل انحدارات شديدة ومنحدرات صخرية حادة لا تتيح هامشاً كبيراً للخطأ.

رابعاً: الطابع الموسمي المتقلب لمناخ المنطقة الجبلية. تتراوح الأودية بين الجفاف التام لمعظم أيام السنة والتدفق المفاجئ والعنيف وقت هطول الأمطار، وهذا التحول السريع من حال إلى نقيضه هو بالضبط ما يجعل التخطيط الزمني لزيارة هذه الأودية أمراً بالغ الأهمية.

إرشادات عامة للراغبين في استكشاف الواديين

من المهم التأكيد على أن وصف هذين الواديين بـ”الخطورة” لا يعني عدم إمكانية زيارتهما، فآلاف الزوار يقصدونهما سنوياً ويعودون بتجارب لا تُنسى، لكن ذلك يستلزم مراعاة جملة من الاحتياطات الأساسية:

التحقق من حالة الطقس مسبقاً: يجب تجنب الدخول إلى أي من الواديين في حال وجود توقعات بهطول أمطار، سواء في منطقة الوادي نفسها أو في المرتفعات المغذية له، نظراً لأن السيول قد تنحدر من مناطق بعيدة عن موقع الزائر.

استخدام مركبات الدفع الرباعي المجهزة جيداً: لا غنى عن مركبة دفع رباعي بحالة ميكانيكية جيدة، مع التأكد من توفر إطار احتياطي وأدوات أساسية للإصلاح، نظراً لبعد هذه المناطق عن مراكز الصيانة.

عدم السفر منفرداً: يُفضل دوماً السفر في مجموعة من مركبتين على الأقل، بحيث يمكن لإحداهما مساعدة الأخرى في حال تعطلها أو انزلاقها.

إبلاغ جهة معينة بخط السير: نظراً لضعف أو انعدام تغطية الاتصالات في أجزاء واسعة من الواديين، من الحكمة إبلاغ شخص موثوق بموعد الانطلاق والمسار المتوقع وموعد العودة التقريبي.

الالتزام بالمسارات المعروفة وعدم الاقتراب من حواف المنحدرات: تجنب الاقتراب من حواف الصخور المتآكلة أو السير على الحصى السائب قرب المنحدرات الحادة.

اصطحاب مياه وإمدادات كافية: نظراً لطول المسارات وعزلتها، ولارتفاع درجات الحرارة في معظم أوقات السنة باستثناء فصل الشتاء.

خاتمة

يمثل واديا السحتن وبني عوف نموذجاً فريداً لكيفية تعايش الجمال الطبيعي الأخّاذ مع التحدي الجيولوجي الحقيقي في آن واحد. فهذان الواديان، بما يحملانه من سجل صخري يمتد عبر مئات الملايين من السنين، ومن أحافير طباشيرية ونقوش صخرية نادرة وعيون مائية متدفقة من أعماق الجبل، يقدمان لزوارهما درساً حياً في تاريخ الأرض لا يتاح في كثير من بقاع العالم. لكن هذا الثراء الجيولوجي نفسه هو مصدر الانحدارات الحادة والممرات الضيقة والسيول المفاجئة التي تستوجب من كل زائر أن يتعامل مع هذه المسارات باحترام وحذر يليقان بعظمة ما تختزنه هذه الصخور من تاريخ. فالرستاق، بجبالها الخمسة وأوديتها الخمسة، ليست مجرد وجهة سياحية عابرة، بل هي، كما وصفها أحد الباحثين، منطقة نموذجية لدراسة قطاع كامل من تاريخ كوكب الأرض، يستحق أن يُستكشف بعين العالم وحذر المغامر معاً.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية