تاريخ

اتفاقيات الحدود التاريخية لسلطنة عُمان: توثيق معاهدات رسم الحدود البرية والبحرية

اتفاقيات الحدود التاريخية لسلطنة عُمان: توثيق معاهدات رسم الحدود البرية والبحرية

تحتل قضية الحدود في تاريخ الدول مكانة بالغة الحساسية، فهي ليست مجرد خطوط جغرافية تفصل بين الأقاليم، بل تمثل تجسيداً للسيادة الوطنية وإطاراً قانونياً ينظم العلاقات بين الدول المتجاورة. وتُعد التجربة العُمانية في هذا المجال واحدة من أكثر التجارب نجاحاً في المنطقة العربية، إذ تمكنت سلطنة عُمان خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين ومطلع الألفية الثالثة من إنهاء جميع ملفاتها الحدودية، البرية منها والبحرية، مع كل الدول المجاورة لها، عبر التفاوض السلمي والاتفاقيات الثنائية الموثقة، دون أن تلجأ إلى التحكيم الدولي أو إلى أي شكل من أشكال المواجهة.

تشترك عُمان في حدود برية مع ثلاث دول هي المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والجمهورية اليمنية، كما تطل سواحلها الممتدة لمسافات طويلة على بحر العرب وخليج عُمان والخليج العربي ومضيق هرمز، مما استدعى ترسيم حدودها البحرية مع كل من إيران وباكستان واليمن. وتأتي أهمية توثيق هذه الاتفاقيات من كونها تمثل سجلاً تاريخياً وقانونياً لمسار طويل من المفاوضات الدبلوماسية، ومرجعاً مهماً لفهم كيفية إدارة عُمان لملفاتها السيادية في منطقة شديدة الحساسية الجيوسياسية، خاصة مع وقوع جزء من أراضيها وسواحلها على أحد أهم الممرات المائية في العالم، وهو مضيق هرمز.

تستعرض هذه المقالة بشكل تفصيلي أبرز معاهدات واتفاقيات ترسيم الحدود البرية والبحرية التي وقّعتها سلطنة عُمان مع جيرانها، مع تتبع السياق التاريخي الذي سبق هذه الاتفاقيات، والآليات القانونية التي اعتُمدت في صياغتها، وأبرز محطاتها الزمنية.

أولاً: السياق التاريخي لحدود عُمان قبل عصر الترسيم الحديث

قبل سبعينيات القرن الماضي، لم تكن لسلطنة عُمان حدود واضحة المعالم بالمعنى القانوني الحديث مع معظم جيرانها، فقد كانت أجزاء واسعة من الجزيرة العربية، وخصوصاً المناطق الصحراوية الداخلية كصحراء الربع الخالي، تخضع لترتيبات قبلية وولاءات متغيرة أكثر منها لحدود سياسية مرسومة بدقة. وقد لعبت بريطانيا، بحكم نفوذها التاريخي على الساحل العُماني والإمارات المتصالحة، دوراً مهماً في محاولة وضع تصورات أولية لهذه الحدود.

ومن أبرز هذه المحاولات المبكرة ما عُرف بـ”الخط الأزرق” و”الخط البنفسجي”، وهما خطان وردا في اتفاقيتين بين الحكومتين البريطانية والعثمانية في عامي 1912 و1913، استُخدما لاحقاً كمرجعية أولية لمحاولات تخطيط الحدود بين المملكة العربية السعودية من جهة، وسلطنة عُمان ومشيخة أبوظبي من جهة أخرى. وقد رفضت الحكومة السعودية الاعتراف بشرعية هاتين الاتفاقيتين، مما أدى إلى توقف المباحثات طوال فترة الحرب العالمية الثانية، قبل أن تُستأنف لاحقاً في أواخر الأربعينيات.

وفي عام 1935، التقى مسؤولون بريطانيون بالملك عبد العزيز آل سعود في محاولة لوضع تصور نهائي للحدود بين المملكة الناشئة والمحميات البريطانية الساحلية، ومن بينها عُمان، إلا أن هذه الجهود لم تُفضِ إلى اتفاق نهائي. ثم برز ما عُرف بـ”خط الرياض” لعام 1935، والذي أعلنت بريطانيا في عام 1955 أنها ستعتمد نسخة معدلة منه من جانب واحد، إثر محاولة سعودية لبسط السيطرة على واحة البريمي الواقعة على الحدود بين عُمان والإمارات.

ولم تتبلور الحدود العُمانية بشكلها الحالي الواضح والمعترف به دولياً إلا بعد بداية عصر النهضة في عُمان عام 1970، حين تبنّت الدولة سياسة خارجية فعالة قائمة على تسوية جميع الملفات الحدودية العالقة عبر المفاوضات الثنائية المباشرة، بدلاً من تركها معلّقة أو عرضة للنزاع المسلح، وهو نهج أثمر، على مدى نحو ثلاثة عقود، عن إنجاز اتفاقيات حدودية شاملة مع كل دولة من الدول المجاورة براً وبحراً.

ثانياً: الفلسفة العُمانية في تسوية قضايا الحدود

اتسم النهج العُماني في معالجة ملفات الحدود بعدد من السمات الثابتة التي ميّزته عن تجارب إقليمية أخرى شهدت نزاعات حدودية طويلة الأمد:

الخيار التفاوضي حصراً: تبنّت عُمان مبدأ تسوية جميع القضايا الحدودية عبر المفاوضات الثنائية المباشرة التي تقود في النهاية إلى إبرام اتفاقيات لترسيم الحدود المشتركة، متجنبة بذلك اللجوء إلى التحكيم الدولي أو القضاء الدولي في أغلب ملفاتها.

الشمولية: لم تكتفِ السلطنة بمعالجة بعض الملفات الحدودية دون غيرها، بل توصلت إلى اتفاقيات نهائية مع جميع الدول التي تشاركها الجوار الجغرافي البري والبحري، وهو ما يُعد إنجازاً نادراً في المنطقة.

الانطلاق من علاقات حسن الجوار: حرصت الدبلوماسية العُمانية على ألا تتحول ملفات الحدود إلى مصدر توتر، بل على العكس، جرى التعامل معها كفرصة لتعميق العلاقات الأخوية وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والأمني بين عُمان وجيرانها.

التوثيق الفني الدقيق: لم تقتصر الاتفاقيات على التوقيع السياسي، بل تبعتها في كل الحالات مراحل فنية مطولة شملت المسوحات الجوية والأرضية، ونصب العلامات الحدودية الخرسانية، وإصدار الخرائط التفصيلية المعتمدة من الطرفين، وهي خطوات استغرقت أحياناً سنوات بعد التوقيع السياسي الأولي.

ثالثاً: اتفاقيات الحدود البرية

1. الحدود العُمانية – السعودية

تمتد الحدود البرية بين سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية لمسافة تقارب 658 كيلومتراً، من النقطة الثلاثية مع الإمارات في الشمال إلى النقطة الثلاثية مع اليمن في الجنوب الغربي، وتقع بكاملها داخل صحراء الربع الخالي، وهي منطقة لم تشهد تاريخياً وجود حدود واضحة المعالم.

بعد محادثات استمرت لفترة طويلة، خصوصاً في أعقاب قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981 الذي مهّد لمناخ سياسي أكثر ملاءمة لحل الملفات العالقة بين دوله، تم التوقيع على المعاهدة الحدودية بين الجانبين في مدينة حفر الباطن في 21 مارس 1990، من قِبل الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود والسلطان قابوس بن سعيد. ونصت المعاهدة على رسم خط حدودي مشترك يتفق بصورة عامة مع خط الرياض المعدل.

تم تبادل وثائق التصديق على الاتفاقية بين الجانبين في مايو 1991، لتدخل المعاهدة حيز التنفيذ رسمياً. غير أن العمل الفني على الأرض استمر لسنوات إضافية، إذ تولّت شركة ألمانية متخصصة إنجاز جميع أعمال المسح والتخطيط الميداني للحدود، التي يزيد طولها على 650 ميلاً، إلى أن اكتمل وضع العلامات الحدودية بأحدث الوسائل الفنية المتاحة آنذاك بحلول مارس 1995. وفي العام نفسه، جرى التوقيع النهائي على الخرائط الحدودية المعتمدة بين البلدين في مدينة الرياض.

وقد ظل الحدود العُمانية السعودية لعقود طويلة بلا أي منفذ بري رسمي يربط بين البلدين، إلى أن افتُتح أول معبر حدودي بينهما عام 2006، ويُعرف من الجانب السعودي بمنفذ الربع الخالي ومن الجانب العُماني بمنفذ رملة خيلة، ليصبح المنفذ البري الوحيد الذي يربط مباشرة بين محافظة الأحساء في المنطقة الشرقية السعودية ومحافظة الظاهرة العُمانية.

2. الحدود العُمانية – الإماراتية

تُعد الحدود بين سلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة من أكثر الحدود تعقيداً جغرافياً في المنطقة، إذ تمتد لنحو 410 كيلومترات بين بحر العرب غرباً والخليج العربي شرقاً، وتشمل مزيجاً من المناطق الجبلية في شبه جزيرة مسندم والمناطق الصحراوية في الداخل، فضلاً عن وجود عدد من الجيوب الإقليمية المتداخلة، أبرزها ولاية مدحاء العُمانية التي تقع بكاملها داخل أراضي إمارة الشارقة، ومنطقة النحوة التابعة للشارقة والتي تقع بدورها بالكامل داخل ولاية مدحاء العُمانية، فيما تتبع محافظة مسندم الساحلية الواقعة شمال الإمارات إدارياً لسلطنة عُمان.

بدأت الخطوة الجوهرية الأولى نحو حسم هذا الملف في الأول من مايو 1999، حين وقّع السلطان قابوس بن سعيد والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في مسقط اتفاقية لتحديد وترسيم الحدود في القطاع الحدودي المشترك بين سلطنة عُمان ودولة الإمارات والمملكة العربية السعودية، يمتد من نقطة أم الزمول إلى شرقي العقيدات في المنطقة المشتركة مع السعودية. وفي اليوم التالي مباشرة، تم في ولاية صحار توقيع الملاحق التنفيذية لهذه الاتفاقية التي نظّمت الإجراءات والصلاحيات المخولة لكل طرف على امتداد القطاع الحدودي.

أعقب ذلك توقيع اتفاقية حدودية ثانية بين سلطنة عُمان والإمارات في مدينة أبوظبي بتاريخ 22 يونيو 2002، خاصة بالقطاعات الحدودية الممتدة من شرقي العقيدات إلى الدارة، وقد صدر المرسوم السلطاني العُماني رقم 10/2003 بتاريخ 27 يناير 2003 بالتصديق على هذه الاتفاقية. وفي 24 مايو 2005، وقّع الجانبان في مسقط على الخرائط التفصيلية لهذه الاتفاقية. ولم يكتمل الملف بشكل تام إلا في عام 2008، حين تم التوقيع على قوائم الإحداثيات النهائية والخرائط التفصيلية الخاصة باتفاقية عام 2003، في خطوة وُصفت بأنها استكمال نهائي لمسار بدأ منذ توقيع اتفاقية 1999.

ومن الجوانب اللافتة في هذه التجربة الحدودية أن البلدين كانا أول دولتين خليجيتين تعتمدان البطاقة الشخصية بديلاً عن جواز السفر للتنقل بين أراضيهما منذ عام 1993، وهو ما عكس طبيعة العلاقة الخاصة التي حكمت ملف الحدود بين البلدين حتى قبل استكماله رسمياً.

3. الحدود العُمانية – اليمنية

تمتد الحدود البرية بين سلطنة عُمان والجمهورية اليمنية لمسافة 294 كيلومتراً، من النقطة الثلاثية مع المملكة العربية السعودية شمالاً وحتى ساحل بحر العرب عند رأس ضربة علي جنوباً، وتتشكل بشكل أساسي من خط مستقيم واحد بامتداد شمالي غربي – جنوبي شرقي، مع استثناء وحيد يتمثل في مثلث صغير يمتد فيه الحدود إلى داخل الأراضي اليمنية ليشمل بلدة حبروت العمانية.

شهد هذا الملف تعقيدات تاريخية مرتبطة بانقسام اليمن قبل الوحدة، إذ ظلت حدود جنوب اليمن مع عُمان غير محددة لفترة طويلة، وتفاقمت التوترات بين الجانبين خلال فترة ثورة ظفار، حين سمحت سلطات جنوب اليمن آنذاك لمتمردي ظفار بالتمركز على أراضيها، مما أدى إلى مناوشات متكررة عبر الحدود. وقد شهدت العلاقات تحسناً تدريجياً في الثمانينيات، تُوّج بإعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1983.

بعد قيام الوحدة اليمنية في مايو 1990 وانهيار الحكم الشيوعي في جنوب اليمن، دخلت المفاوضات الحدودية مرحلة أكثر جدية، استندت في جزء منها إلى مساعٍ سابقة بذلتها دول مجلس التعاون الخليجي لإنهاء الخلافات القائمة، وأفضت إلى توقيع اتفاق مبادئ سبق اتفاقية الترسيم النهائية. وبتاريخ الأول من أكتوبر 1992، تم التوقيع على اتفاقية صنعاء للحدود بين سلطنة عُمان والجمهورية اليمنية، التي رسمت خط الحدود البرية في موقعه الحالي وأنهت بشكل نهائي هذا الملف الذي امتد لعقود.

رابعاً: اتفاقيات الحدود البحرية

نظراً لاتساع السواحل العُمانية وامتدادها على ثلاثة مسطحات مائية رئيسية هي بحر العرب وخليج عُمان والخليج العربي، فضلاً عن إشرافها على الساحل الجنوبي لمضيق هرمز عبر شبه جزيرة مسندم، كان لزاماً على سلطنة عُمان أن تستكمل ترسيم حدودها البحرية مع الدول المقابلة لسواحلها، وهو ما تحقق عبر سلسلة من الاتفاقيات الموقعة بين عامي 1974 و2015.

1. الحدود البحرية مع إيران

تُعد الاتفاقية الموقعة مع إيران أول اتفاقية حدودية بحرية تبرمها سلطنة عُمان مع أي من جيرانها، وتحمل أهمية استراتيجية خاصة كونها تتعلق بترسيم الحدود في منطقة مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم. تم التوقيع على “الاتفاقية الخاصة بتعيين حدود الجرف القاري بين إيران وعُمان” في طهران بتاريخ 25 يوليو 1974، وصادقت عليها إيران في مارس 1975، قبل أن تدخل حيز التنفيذ رسمياً بتبادل وثائق التصديق في 28 مايو 1975.

حددت هذه الاتفاقية خط حدود الجرف القاري بين البلدين في منطقة مضيق هرمز عبر سلسلة من النقاط الجغرافية المتصلة بخطوط مستقيمة (جيوديسية)، اعتماداً على خريطة بحرية بريطانية معتمدة من الطرفين. ومن النتائج المهمة لهذه الاتفاقية أن ممرات الملاحة الدولية في أضيق نقاط مضيق هرمز، والمعروفة بنظام فصل حركة السفن، تقع بصورة شبه كاملة ضمن المياه الإقليمية العُمانية، الأمر الذي يمنح سلطنة عُمان دوراً مركزياً في إدارة الملاحة عبر هذا الممر الحيوي.

غير أن اتفاقية 1974 لم تشمل كامل الحدود البحرية بين البلدين، إذ تُرك جزء من الحدود في منطقة خليج عُمان دون تعيين نهائي. وقد استكمل الجانبان هذا الملف بعد أربعة عقود تقريباً، حين وقّعا في مسقط بتاريخ 26 مايو 2015 اتفاقية جديدة لترسيم خط الحدود البحرية الفاصل بينهما في منطقة بحر عُمان، والتي يبلغ طولها نحو 450 كيلومتراً، لتكتمل بذلك تسوية كامل الحدود البحرية المشتركة بين السلطنة وإيران.

2. الحدود البحرية مع باكستان

بحكم الجوار البحري بين سلطنة عُمان وجمهورية باكستان الإسلامية عبر بحر العرب، وكونهما الدولة الوحيدة التي تتداخل مناطقها الاقتصادية الخالصة مع عُمان من جهة باكستان، استمرت المفاوضات بين الجانبين بشأن ترسيم الحدود البحرية منذ عام 1995 وحتى عام 1998 دون أن تواجه عقبات تُذكر، إذ اعتمد الطرفان مبدأ خط الوسط في تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة بين الجانبين استناداً إلى أحكام القانون الدولي للبحار.

وفي 12 يونيو 2000، وقّع وزير الشؤون الخارجية العُماني يوسف بن علوي ونظيره الباكستاني عبد الستار اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين في مسقط، بمناسبة زيارة الرئيس الباكستاني آنذاك برويز مشرف للسلطنة. ويبلغ طول خط الحدود البحرية الفاصل بين البلدين في بحر عُمان نحو 270 كيلومتراً (ما يقارب 146 ميلاً بحرياً)، ويتضمن تسع نقاط لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بين الجانبين، علماً أن أقرب نقطة بين خطوط الأساس للدولتين تبعد نحو 105 أميال بحرية.

وتكمن الأهمية الخاصة لهذه الاتفاقية في كونها أول اتفاقية ترسيم حدود بحرية توقعها عُمان في أعالي البحار مع دولة لا تتصل بها حدود برية، إضافة إلى إسهامها في تنظيم استغلال الثروة السمكية والموارد البحرية المشتركة بين الجانبين، وهي قضية كانت مصدراً لخلافات سابقة بين صيادي البلدين.

3. الحدود البحرية مع اليمن

استكمالاً للترسيم البري الذي تم عام 1992، توصل الجانبان العُماني واليمني إلى اتفاق بشأن الحدود البحرية الفاصلة بينهما في بحر العرب، وتم التوقيع على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين سلطنة عُمان والجمهورية اليمنية بتاريخ 14 ديسمبر 2003، في إطار اجتماع للجنة السياسية المشتركة بين البلدين، لتُغلق بذلك آخر ملفات الحدود العالقة بين الجانبين، براً وبحراً.

4. ملاحظات حول الحدود البحرية مع الإمارات ومضيق هرمز

نظراً للتداخل الجغرافي الكبير بين عُمان والإمارات في منطقة شبه جزيرة مسندم ومدخل الخليج العربي، فقد جرى التعامل مع جوانب من الحدود البحرية بينهما ضمن الاتفاقيات البرية الموقعة عامي 1999 و2003 والملاحق التنفيذية الخاصة بها، نظراً لتشابك الحدود البرية والبحرية في تلك المنطقة الجبلية الضيقة المطلة مباشرة على مضيق هرمز.

ولا تزال منطقة مضيق هرمز، بما تمثله من أهمية استراتيجية قصوى لحركة الملاحة الدولية والتجارة العالمية في النفط والغاز، محوراً لمتابعة دائمة من جانب سلطنة عُمان لضمان سريان مبادئ القانون الدولي للبحار، وتحديداً اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 التي صادقت عليها عُمان، فيما يخص حقوق المرور العابر والسيادة على المياه الإقليمية في هذا الممر الحيوي الذي يربط الخليج العربي ببحر عُمان والمحيط الهندي.

خامساً: الإطار القانوني الدولي الحاكم لترسيم الحدود

لم تُبرم اتفاقيات الحدود العُمانية في فراغ قانوني، بل استندت في صياغتها إلى مجموعة من المرجعيات القانونية الدولية المعمول بها في مجال تعيين الحدود البرية والبحرية بين الدول. ففيما يخص الحدود البرية، اعتمدت عُمان ونظيراتها من الدول المتفاوضة على أساليب المسح الجيوديسي الحديث ونظم تحديد المواقع، إلى جانب الرجوع إلى الخرائط التاريخية الموروثة من حقبة الانتداب والحماية البريطانية، كخط الرياض وخطوط 1912-1913، بوصفها مرجعية أولية يُعاد ضبطها لاحقاً بالتراضي بين الأطراف المعنية بما يتناسب مع الواقع الجغرافي والسكاني.

أما على صعيد الحدود البحرية، فقد شكّلت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 الإطار القانوني الدولي الأبرز الذي استرشدت به عُمان في مفاوضاتها مع كل من إيران وباكستان واليمن، خصوصاً فيما يتعلق بمبدأ خط الوسط أو خط التساوي في البعد كأساس لتعيين حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتلاصقة. وقد صادقت سلطنة عُمان على هذه الاتفاقية، وأصبحت أحكامها جزءاً من المرجعية القانونية التي تستند إليها السلطنة في تعاملها مع كافة قضايا حدودها البحرية، بما في ذلك ما يتصل بحقوق المرور العابر في المضائق الدولية كمضيق هرمز.

ومن الجوانب الفنية الجديرة بالذكر أن جميع الاتفاقيات الحدودية العُمانية تقريباً تضمنت آلية مزدوجة من المراحل: مرحلة سياسية أولى يتم خلالها التوقيع على اتفاق إطاري أو مبدئي يحدد المسار العام للحدود، تليها مرحلة فنية تفصيلية تشمل المسح الميداني والجوي ونصب العلامات الحدودية وإصدار الخرائط النهائية المعتمدة من الطرفين، وهي المرحلة التي كانت تستغرق أحياناً سنوات عديدة بعد التوقيع السياسي الأول، كما هو واضح في حالتي الحدود مع السعودية (حيث استغرق العمل الفني نحو خمس سنوات) والإمارات (حيث استغرق استكمال الخرائط والإحداثيات النهائية نحو تسع سنوات من التوقيع الأول).

سادساً: الأبعاد الاستراتيجية والقانونية لمنظومة الحدود العُمانية

تكتسب منظومة الاتفاقيات الحدودية التي أبرمتها سلطنة عُمان أهمية تتجاوز البعد الفني المحض لتعيين خطوط الحدود، إذ تعكس عدة أبعاد استراتيجية وقانونية متشابكة:

البعد السيادي: من خلال إتمام ترسيم حدودها مع جميع دول الجوار، حصلت عُمان على اعتراف دولي وإقليمي واضح بحدودها، وهو ما عزز مكانتها القانونية في المحافل الدولية، وأزال أي غموض كان من الممكن أن يُستغل مستقبلاً في نزاعات إقليمية.

البعد الأمني: ساهم استكمال ملفات الحدود في تحييد أحد أبرز مصادر التوتر المحتملة في منطقة شديدة الحساسية الجيوسياسية، خصوصاً مع وجود مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط والغاز العالمية، والمنطقة الحدودية الصحراوية الممتدة بين عُمان والسعودية واليمن التي شهدت تاريخياً نشاطاً قبلياً وأمنياً متغيراً.

البعد الاقتصادي: فتحت الاتفاقيات الحدودية، خصوصاً البحرية منها، الباب أمام تنظيم استغلال الموارد الطبيعية المشتركة كالثروة السمكية وحقول النفط والغاز المحتملة الواقعة على جانبي خطوط الحدود، عبر آليات تعاون فني ثنائي نصت عليها بعض هذه الاتفاقيات.

البعد النموذجي الإقليمي: تُستشهد التجربة العُمانية في أدبيات العلاقات الدولية والدراسات الإقليمية كنموذج ناجح لتسوية النزاعات الحدودية بالطرق السلمية والدبلوماسية البحتة، في مقابل تجارب إقليمية أخرى استغرقت عقوداً أطول أو شهدت توترات عسكرية متكررة قبل التوصل إلى تسويات نهائية، كما هو الحال في بعض ملفات الحدود بين دول الجوار الأخرى.

سابعاً: جدول مرجعي تلخيصي لأبرز اتفاقيات الحدود العُمانية

يقدم الجدول التالي خلاصة زمنية لأبرز محطات ترسيم الحدود البرية والبحرية لسلطنة عُمان مع جيرانها، بوصفه مرجعاً سريعاً للقارئ والباحث:

الدولة المجاورةنوع الحدودتاريخ التوقيع الأساسيملاحظات رئيسية
إيرانبحرية (جرف قاري)25 يوليو 1974دخلت حيز التنفيذ في مايو 1975؛ تتعلق بمنطقة مضيق هرمز
المملكة العربية السعوديةبرية21 مارس 1990 (حفر الباطن)التصديق مايو 1991؛ اكتمال الترسيم الميداني 1995
الجمهورية اليمنيةبرية1 أكتوبر 1992 (صنعاء)أنهت خلافاً حدودياً ممتداً منذ ما قبل الوحدة اليمنية
دولة الإمارات العربية المتحدةبرية1 مايو 1999 (مسقط)تبعتها اتفاقية 2002/2003 واستكمال الخرائط 2008
جمهورية باكستان الإسلاميةبحرية12 يونيو 2000 (مسقط)أول اتفاقية عُمانية لترسيم حدود في أعالي البحار
الجمهورية اليمنيةبحرية14 ديسمبر 2003استكمال للترسيم البري لعام 1992
دولة الإمارات العربية المتحدةبرية (تكميلية)22 يونيو 2002 (أبوظبي)التصديق العُماني بالمرسوم السلطاني رقم 10/2003
الجمهورية الإسلامية الإيرانيةبحرية (تكميلية)26 مايو 2015 (مسقط)استكملت الترسيم البحري في منطقة بحر عُمان

يُلاحظ من هذا الجدول أن المسار الزمني لترسيم الحدود العُمانية امتد على نحو أربعة عقود متصلة، بدءاً من سبعينيات القرن الماضي مع إيران، ووصولاً إلى استكمال الملف الإيراني نفسه عام 2015، في دلالة واضحة على طبيعة العملية التراكمية والصبورة التي اتسمت بها الدبلوماسية العُمانية في هذا الملف.

ثامناً: خاتمة

تمثل منظومة الاتفاقيات الحدودية العُمانية، البرية والبحرية، إنجازاً دبلوماسياً وقانونياً متكاملاً امتد على مدى أكثر من ربع قرن، بدءاً من اتفاقية الجرف القاري مع إيران عام 1974، مروراً باتفاقية حفر الباطن مع السعودية عام 1990، واتفاقية صنعاء مع اليمن عام 1992، واتفاقيات الترسيم مع الإمارات بين عامي 1999 و2008، ووصولاً إلى اتفاقية الحدود البحرية مع باكستان عام 2000 ومع اليمن بحرياً عام 2003، قبل أن يُستكمل الملف الإيراني بحرياً بشكل نهائي عام 2015.

وقد أثبتت هذه التجربة أن الخيار التفاوضي، حين يُدار بصبر واستمرارية وحسن نية متبادل، قادر على حل أعقد الملفات السيادية دون الحاجة إلى اللجوء للنزاع أو التحكيم الدولي القسري. ويبقى توثيق هذه الاتفاقيات مرجعاً أساسياً لكل باحث في الشأن الحدودي والجغرافيا السياسية لمنطقة الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية، وشاهداً على دور الدبلوماسية العُمانية في ترسيخ الاستقرار الإقليمي عبر إغلاق كافة الملفات الحدودية العالقة مع جميع دول الجوار، براً وبحراً، بصورة نهائية وموثقة قانونياً.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية