تاريخ سياسة

العلاقات العمانية الصينية من اقدم العلاقات بين شعوب العالم والتي لا تزال قائمة لليوم

العلاقات العمانية الصينية من اقدم العلاقات بين شعوب العالم والتي لا تزال قائمة لليوم

تعد العلاقات العمانية الصينية واحدة من أقدم وأعمق العلاقات الثنائية في التاريخ البشري، وهي تجسيد حي لكيفية تواصل الحضارات عبر البحار والمحيطات دون الاعتماد على التوسع العسكري أو الهيمنة السياسية. فمنذ فجر التاريخ، مثّلت سلطنة عمان—بموقعها الجغرافي الاستراتيجي المتميز في قلب خطوط الملاحة العالمية، وإطلالتها على بحر عمان وبحر العرب والمحيط الهندي—بوابة رئيسية لربط الشرق الأقصى بالشرق الأوسط وشرق إفريقيا وأوروبا. وفي المقابل، كانت الصين، بإرثها الحضاري العريق وإنتاجها الضخم من الحرير والخزف والشاي، تمثل الوجهة الأسمى والشريك التجاري الأكبر للحضارات البحرية.

إن هذه العلاقة لم تكن وليدة المصادفة أو المصالح الآنية، بل هي نتاج تراكم تاريخي يمتد لأكثر من ألفي عام، تشابكت فيه دروب “طريق الحرير البحري” لتصنع قصة فريدة من التبادل الثقافي، والتجاري، والدبلوماسي. هذا البحث الموسع يستعرض تاريخ العلاقات العمانية الصينية عبر أربعة محاور رئيسية: الجذور التاريخية القديمة، العصر الذهبي للملاحة والتجارة في العصر الإسلامي، العلاقات في العصر الحديث، وصولاً إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة في القرن الحادي والعشرين.

1. الجذور التاريخية القديمة: البدايات الأولى وطريق الحرير البحري

التواصل عبر المحيط الهندي

بدأت الملامح الأولى للتواصل بين عمان والصين في العصور القديمة، وتحديداً مع نشوء شبكات التجارة البحرية في المحيط الهندي. تشير اللقى الأثرية والنصوص التاريخية إلى أن العمانيين القدامى، الذين عُرفوا بمهارتهم الفائقة في ركوب البحر وصناعة السفن منذ حضارة “مجان” (الاسم القديم لعمان والذي اشتهر بتصدير النحاس واللبان)، كانوا يتنقلون عبر الموانئ الآسيوية وصولاً إلى السواحل الصينية.

كان اللبان العماني، المستخرج من أشجار ظفار في جنوب عمان، هو السلعة السحرية التي فتحت أبواب البلاط الإمبراطوري الصيني. في الصين القديمة، كان اللبان يُستخدم في الطقوس الدينية، والطب التقليدي، والتحنيط، وصناعة العطور الفاخرة لطبقة النبلاء. وبالمقابل، كان العمانيون يعودون من الصين محملين بالحرير الصيني الناعم، والخزف (البروسلين) الذي زين بيوت وقصور الحكام العمانيين.

التوثيق الصيني القديم لعمان

لم تكن عمان غائبة عن سجلات المؤرخين والجغرافيين الصينيين في عهود الأسر الحاكمة القديمة مثل أسرة “هان” (Han Dynasty) وأسرة “تtang” (Tang Dynasty). فقد وردت إشارات واضحة إلى موانئ عمانية شهيرة مثل مرباط وظفار وصحار.

في الوثائق الصينية القديمة، أُطلق على منطقة ظفار أسماء تقريبية بالنطق الصيني مثل “Wuba” أو “Dafar”. ووصف المؤرخون الصينيون هذه المناطق بأنها بلاد تنتج صمغاً عطرياً مقدساً (اللبان) وأن أهلها يمتازون بالأمانة والمهارة في التجارة البحرية. هذا التواصل المبكر وضع الحجر الأساس لثقة متبادلة استمرت لقرون طويلة.

2. العصر الإسلامي الذهبي: رحلة “أبو عبيدة” وأسطول “تشينغ خه”

صحار: “بوابة الصين” في العصر الإسلامي

مع ظهور الإسلام وتأسيس الدولة الإسلامية، شهدت التجارة البحرية العمانية قفزة نوعية. تحولت مدينة صحار العمانية إلى واحدة من أهم الموانئ العالمية، حتى وصفتها المصادر التاريخية بأنها “دهليز الصين” و”قصبة عمان”. ومن هذا الميناء، انطلقت السفن العمانية التقليدية المصنوعة من خشب الساج والمربوطة بالحبال (دون مسامير) لتعبر المحيط الهندي، وبحر الصين الجنوبي، وصولاً إلى ميناء خانفو (كوانغتشو الحالية).

حدث تاريخي فارق: في عام 133 هـ (الموافق 750 ميلادي)، قاد البحار والملاح العماني الشهير أبو عبيدة عبد الله بن القاسم رحلة بحرية تاريخية من عمان إلى كوانغتشو. وتعتبر المصادر التاريخية هذه الرحلة أول اختراق بحري عربي موثق للوصول المباشر إلى الصين. استُقبل أبو عبيدة في البلاط الإمبراطوري لأسرة تانغ بحفاوة بالغة، ومنحه الإمبراطور لقباً شرفياً تقديراً لجرأته ومهارته، وفتحت هذه الرحلة الباب لهجرة تجار عمانيين وعرب واستقرارهم في الموانئ الصينية، حيث أسسوا مجتمعات تجارية مزدهرة وأسهموا في نشر الإسلام هناك.

البعثات الدبلوماسية لأسرة سونغ ومينغ

استمرت العلاقات في التطور خلال عهد أسرة “سونغ” (Song Dynasty)، حيث تذكر السجلات الصينية الرسمية وصول العديد من البعثات الدبلوماسية من عمان (التي أشير إليها باسم “Wuman”) حاملة هدايا للإمبراطور تتمثل في الخيول العربية الأصيلة، واللبان، واللؤلؤ.

وفي القرن الخامس عشر، خلال عهد أسرة “مينغ” (Ming Dynasty)، قاد الأدميرال الصيني المسلم الشهير تشينغ خه (Zheng He) أسطولاً بحرياً ضخماً قام بسبع رحلات بحرية كبرى جابت المحيط الهندي. زار الأسطول الصيني الشواطئ العمانية، وتحديداً ظفار ومسقط وقلهات، في عدة مناسبات بين عامي 1413 و1433 ميلادي.

كانت هذه الزيارات تهدف إلى توطيد العلاقات الدبلوماسية والتجارية. ووصف رفقاء تشينغ خه في مذكراتهم (مثل الرحالة “ما هوان”) عمان بأنها بلاد آمنة ذات أسواق مزدهرة، وأشادوا بحسن ضيافة حكامها وشعبها. وتخليداً لهذه الحقبة، عثر علماء الآثار في عمان على كميات هائلة من كسرات الخزف الأزرق والأبيض التي تعود لعهد أسرة مينغ في مختلف المواقع الأثرية العمانية.

3. العصر الحديث: إعادة التأسيس والاعتراف الدبلوماسي

مرحلة التحول في القرن العشرين

بعد قرون من التغيرات السياسية والتحولات الجيوسياسية في المنطقة، ودخول القوى الاستعمارية الغربية إلى المحيط الهندي، تراجعت الاتصالات المباشرة بين عمان والصين نسبياً. ومع ذلك، بقيت الذاكرة التاريخية المشتركة حية.

في منتصف القرن العشرين، ومع تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، وتبني عمان لنهضة حديثة بقيادة السلطان قابوس بن سعيد —طيب الله ثراه— في عام 1970، بدأت صفحة جديدة وصياغة عصرية للعلاقات الثنائية تقوم على مبادئ الاحترام المتبادل، والسيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

إقامة العلاقات الدبلوماسية (1978)

في 25 مايو 1978، أعلنت سلطنة عمان وجمهورية الصين الشعبية رسمياً إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما على مستوى السفراء. كانت سلطنة عمان من أوائل الدول العربية في منطقة الخليج التي اتخذت هذه الخطوة الاستراتيجية.

تميزت السياسة الخارجية العمانية بالواقعية والاتزان، حيث التزمت السلطنة بـ “مبدأ الصين الواحدة”، وهو الموقف الذي قدرته بكين عالياً وثمنته على مدى العقود الماضية. وفي المقابل، نظرت الصين إلى عمان كعنصر استقرار أساسي في منطقة الشرق الأوسط وصوت عاقل للحوار والسلام.

السفينة “صحار”: إحياء طريق الحرير البحري

في خطوة رمزية بالغة الأهمية تعكس عمق الروابط التاريخية، أبحرت السفينة العمانية التقليدية “صحار” (وهي إعادة بناء لسفينة خشبية تقليدية بدون مسامير) من مسقط في نوفمبر 1980، متتبعة خطى البحارة العمانيين القدامى مثل أبي عبيدة.

وصلت السفينة إلى ميناء كوانغتشو الصيني في يوليو 1981 بعد رحلة شاقة استمرت نحو ثمانية أشهر قطعت خلالها آلاف الأميال البحرية. حظيت السفينة باستقبال رسمي وشعبي هائل في الصين، وأصبحت رمزاً حياً لإعادة إحياء “طريق الحرير البحري” في العصر الحديث، وقامت الحكومة الصينية لاحقاً بإنشاء نصب تذكاري للسفينة في مدينة كوانغتشو تعبيراً عن الصداقة الدائمة بين البلدين.

4. الشراكة الاستراتيجية الشاملة في القرن الحادي والعشرين

الاقتصاد والطاقة: عصب التعاون الحديث

في القرن الحادي والعشرين، انتقلت العلاقات العمانية الصينية من مرحلة الصداقة التقليدية إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية الشاملة، والتي أُعلن عنها رسمياً خلال زيارة الوفد العماني رفيع المستوى لبكين في عام 2018 بالتزامن مع الذكرى الأربعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية.

تعد الصين اليوم الشريك التجاري الأكبر لسلطنة عمان؛ فهي المستورد الرئيسي للنفط الخام العماني، حيث تشتري الصين سنوياً ما يصل إلى 80% إلى 90% من إجمالي الصادرات النفطية العمانية. هذا الاعتماد المتبادل في مجال الطاقة وفر أرضية مالية واقتصادية صلبة لتعزيز الاستثمارات في قطاعات أخرى غير نفطية.

مبادرة الحزام والطريق ورؤية “عمان 2040”

تتلاقى الاستراتيجية الصينية الطموحة المتمثلة في “مبادرة الحزام والطريق” (Belt and Road Initiative) بشكل مثالي مع “رؤية عمان 2040” الهادفة إلى تنويع مصادر الدخل وتحويل السلطنة إلى مركز لوجستي عالمي.

تعتبر المنطقة الاقتصادية الخاصة بـ الدقم النموذج الأبرز لهذا التلاقي الاستراتيجي. حيث تأسست “المدينة الصناعية الصينية-العمانية بالدقم” باستثمارات صينية بمليارات الدولارات، وتضم مشاريع عملاقة في مجالات البتروكيماويات، وتصنيع المعدات، والطاقة الشمسية، والموانئ. تتيح الدقم للصين موقعاً استراتيجياً مطلاً على المحيط الهندي وخارج مضيق هرمز، مما يقلل من المخاطر الجيوسياسية لسلاسل الإمداد الصينية.

التعاون الثقافي والأكاديمي والسياسي

لا تقتصر العلاقات على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً متعددة:

  • التعليم والثقافة: تم افتتاح “معهد كونفوشيوس” في جامعة السلطان قابوس لتعليم اللغة الصينية، وتزايدت البعثات الدراسية المتبادلة بين البلدين.
  • التعاون العسكري والبحري: تقوم السفن الحربية التابعة للقوات البحرية الصينية (المشاركة في عمليات مكافحة القرصنة في خليج عدن) بزيارات منتظمة لموانئ مسقط وصلالة للتزود بالوقود والاستراحة، مما يعكس الثقة الأمنية المتبادلة.
  • التنسيق السياسي: يتطابق موقف البلدين في العديد من المحافل الدولية، حيث يدعم كلاهما الحلول السياسية السلمية للأزمات الدولية، ويرفضان التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ويدعوان إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب.

خاتمة: آفاق مستقبلية واعدة

إن تاريخ العلاقات العمانية الصينية هو قصة ممتدة من الاحترام والمنفعة المتبادلة التي صمدت أمام اختبار الزمن وتغير موازين القوى الدولية. من رحلات اللبان والحرير القديمة على متن السفن الخشبية، إلى استثمارات التكنولوجيا الفائقة ومشاريع الطاقة المتجددة في الدقم، أثبت البلدان قدرتهما على تجديد شبكة مصالحهما المشتركة باستمرار.

مع تحرك العالم نحو مرحلة جديدة من التحول الطاقي واللوجستي، تقف سلطنة عمان وجمهورية الصين الشعبية على أرضية صلبة من الإرث التاريخي والثقة السياسية، مما يضمن أن يظل هذا المحور البحري والتجاري نابضاً بالحياة، ومساهماً في استقرار وازدهار منطقة المحيط الهندي والعالم أجمع.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *