الامام جابر بن زيد
مقدمة: منارة التابعين ومؤسس المذهب
يعد الإمام جابر بن زيد الأزدي (أبو الشعثاء) واحدًا من أبرز القامات العلمية والفقهية في عهد التابعين، وشخصية محورية شكلت مسار الفكر الإسلامي عامة، والمذهب الإباضي خاصة؛ إذ يُعتبر المؤسس الحقيقي والمنظر الأول لهذا المذهب الذي اعتمد على منهجية تجمع بين التمسك بالنصوص الشرعية وتحكيم العقل والابتعاد عن الغلو والتطرف. عُرف الإمام بعلمه الغزير، وزهده الورع، ومواقفه الصلبة أمام الولاة والحكام، حريصًا طوال حياته على وحدة الأمة وصلاح مجتمعها.
المبحث الأول: النبذة التاريخية والنشأة العلمية
1. المولد والنسب
تحدد المصادر التاريخية مولد الإمام جابر بن زيد بين سنتي (18 – 22 هـ) في أواخر خلافة عمر بن الخطاب أو بداية خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنهما. ولد في بلدة فَرَق من أعمال ولاية نزوى بسلطنة عُمان، وينتمي إلى قبيلة اليحمد، وهي إحدى قبائل الأزد العُمانية الشهيرة التي كان لها دور بارز في الفتوحات الإسلامية وحفظ الهوية العربية والشرعية. ويذكر الحافظ أبو بكر الجصاص في كتابه “أحكام القرآن” رواية تدل على أن والد جابر بن زيد كان صحابيًا، حيث ساق حديثًا من رواية جابر عن أبيه عن رسول الله ﷺ.
2. الرحلة في طلب العلم واللقاء بالصحابة
لم تنحصر نشأة الإمام جابر في موطنه الأصلي عُمان؛ فرغم غياب تاريخ دقيق لخروجه وقدمه إلى البصرة أو المدينة المنورة، إلا أن الراجح أن وفادته الأولى إلى البصرة كانت في عهد معاوية بن سفيان. ومن البصرة انطلق الإمام إلى الحجاز (المدينة المنورة ومكة المكرمة) بغية الأخذ عن كبار الصحابة الأجلاء ومجالستهم.
أدرك الإمام جابر عددًا غفيرًا من الرعيل الأول الذين انتصرت على أيديهم راية الإسلام، فتنفس بوجودهم الصعداء، وانتقل معهم الفكر الإسلامي من مرحلة الكتمان إلى الظهور، ومن الضعف إلى القوة. ومن أبرز من التقى بهم وتتلمذ على أيديهم:
- أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها
- أبو هريرة
- عبد الله بن عمر
- أبو سعيد الخدري
- أنس بن مالك
- عبد الله بن عباس (حبر الأمة)
وقد عبّر الإمام عن عظم هذه اللقاءات والفوائد العلمية بقوله المشهور:
“أدركتُ سبعين بدريًا فحويتُ ما عندهم إلا البحر” (ويقصد بالبحر عبد الله بن عباس).
وهذا القول، وإن كان يحمل استثناءً منقطعًا لكون ابن عباس لم يشهد بدرًا، إلا أنه يعكس المنزلة الرفيعة التي حظي بها أهل بدر في وجدان الإمام وتكوينه العلمي والروحي.
3. العلاقة التاريخية مع ابن عباس
كانت علاقة جابر بن زيد بابن عباس علاقة مميزة وفريدة؛ فقد نزل جابر منزلة الابن البار والتلميذ النابغة لدى “بحر العلم وترجمان القرآن”. وظلت هذه العلاقة وثيقة ومستمرة، لدرجة أنه كان يقال عنه إنه “أشهر من صحب ابن عباس وقرأ عنه”.
وقد انعكست آراء ابن عباس الفقهية والتفسيرية بشكل مباشر على المذهب الإباضي لاحقًا عبر بوابة تلميذه جابر. ومما يروى في هذا الصدد أن أبا فقاس الأسود بن قيس (وهو من أصحاب جابر ورفقائه) كان يحج مع الإمام جابر، فلقيا عبد الله بن عباس رضي الله عنه، ولم يكن أبو فقاس مع جابر في تلك اللحظة. فسأل ابن عباس جابرًا: “أين صاحبك؟” قال: أخذه ابن زياد (والي البصرة). فقال ابن عباس وأنه لمتهم؟ قال: نعم. فتعجب ابن عباس وسأل جابرًا: “أوما أنت بمتهم؟” قال: “اللهم بلى”. وتوضح هذه الحادثة عمق الصلة العلمية والسياسية ومراقبة الحكام لتلك الحلقات الفقهية.
المبحث الثاني: وفاته وثناء العلماء عليه
تذكر الروايات التاريخية المعتمدة والمنضبطة لدى أئمة الحديث أن وفاة الإمام جابر بن زيد كانت في سنة 93 هـ بالبصرة. ومن العجائب التاريخية التوافقية ما قيل إن الصحابي الجليل أنس بن مالك والإمام جابر بن زيد توفيا في جمعة واحدة (أي في أسبوع واحد) في نفس السنة (93 هـ).
وقد نعاه العلماء بكلمات تكتب بماء الذهب؛ حيث قال عنه الشماخي: “وكان أعلم الناس وأعبد الناس، استضاء بنوره جماعة عظيمة وأخذ عنه ناس كثيرة، وكان مجاب الدعاء”.
المبحث الثالث: مواقفه السياسية والامتناع عن معاونة الظلمة
عاش الإمام جابر في حقبة تاريخية حرجة عانى فيها الناس والعلماء من بطش الولاة والجراح السياسية، لا سيما في فترة ولاية الحجاج بن يوسف الثقفي على العراق، الذي ملأ القلوب رعبًا وإرهابًا. وفي مثل هذه الظروف، تظهر عظمة العالم العامل بعلمه، وثبات جأشه، والتزامه جادة الحق ليكون منارًا تهتدي به الأمة إذا احلولكت الظروف واختلط الحابل بالنابل.
1. مع الحجاج بن يوسف (موقف القلم والقضاء)
يُروى أن الإمام جابر كان جالسًا في مجلس الحجاج بن يوسف، فسقط القلم من يد الحجاج، فقال للإمام: “ناولني القلم”. وربما كان هذا الطلب البسيط اختبارًا من الحجاج لمدى صلابة الإمام ومداراته للسلطة. فما كان من الإمام جابر إلا أن أجابه بكلمة صدق مستوحاة من هدي السنة النبوية الشريفة والقاضية بالعدل والابتعاد عن الظلم، فقال له مباشرة ودون مداهنة أو خوف:
قال رسول الله ﷺ: “لعن الله الظالمين وأعوانهم وأعوان أعوانهم ولو بمدة قلم”.
كذلك، كان منصب القضاء أعلى منصب ديني رسمي تشرئب إليه أعناق الكثيرين، وطالما حاول الحجاج استقطاب جابر ليتولى القضاء بالبصرة نظرًا لمكانته العظمى بين الناس وثقتهم العمياء به وبفتاواه.
- الموقف الأول: ذهب الإمام جابر لزيارة زيد بن أبي مسلم (كاتب الحجاج ووزيره)، فأدخله على الحجاج. وأعجب الحجاج بالإمام، وسأله: “أتأقرأ؟” قال: نعم. “أتفرض؟” قال: نعم. فقال الحجاج: “لا ينبغي لنا أن نؤثر بك أحدًا بل نجعلك قاضيًا للمسلمين”.
- فأراد الإمام الاعتذار بذكاء وتفويت الفرصة دون الاصطدام المباشر المهلك، فقال: “إني أضعف من ذلك”. فقال الحجاج مستغربًا: “وما مبلغ ضعفك؟” فقال جابر: “يقع بين المرأة وخادمها شر فما أحسن أن أصلح بينهما، قال أن هذا لهو الضعف”.
- لقد كانت فرصة القضاء يسعى إليها آخرون ويموتون في سبيل الحصول عليها، لكن جابرًا -كما وصفه الإمام محمد بن سيرين- “كان أبو الشعثاء مسلمًا عند الدرهم والدينار” لم يكن ليغرى بهذا العرض.
- وقد علق بعض المؤرخين (مثل الدكتور عوض خليفات) مستنتجًا أن جابرًا كان يريد إخفاء مقدرته وإبداء ضعفه للوالي حتى يبعد الشبهات السياسية عنه، ولا يخطر ببال الوالي أن رجلاً يزعم الضعف يمكنه تنظيم حركة سرية مناوئة للحكم. ورغم وجاهة هذا التعليل السياسي، فإن المانع الديني والأخلاقي والورع عن الدخول في دماء المسلمين وظلم الحكام كان هو الركيزة الأساسية لموقف الإمام.
2. مع الحكم بن أيوب
كتب عامل البصرة الحكم بن أيوب الثقفي (وهو ابن عم الحجاج وعامله على البصرة) يستدعي نفرًا من الفقهاء للقضاء، وكان منهم جابر بن زيد. ويقول عمرو بن دينار (وهو من تلامذة الإمام جابر ومن رواة الحديث المشهورين): قال لي أبو الشعثاء عندما بلغه أمر الاستدعاء للقضاء: “لو ابتليت بشيء منه لركبت راحلتي وهربت في الأرض”؛ مما يوضح كراهيته الشديدة لتقلد مناصب تخدم السلطة الجائرة.
المبحث الرابع: العبادة والحرص على أداء الحج
كان الإمام جابر نموذجًا فذًا في العبادة والعمل الفعلي؛ فلم يكن علمًا نظريًا بل عبادة وتطبيقًا. وكان حريصًا على أداء الحج في كل عام، وينبع هذا الحرص من نظرته العميقة للعبادات وتقديسه لها باعتبارها مشقة مأجورة يتحملها العبد تقربًا إلى الله تعالى. فقد روي عنه قوله:
“نظرت في أعمال البر، فإذا الصلاة تجهد البدن ولا تجهد المال، والصيام مثل ذلك، والحج يجهد المال والبدن فرأيت أن الحج أفضل من ذلك”.
كما كان يرى في الحج عملية تطبيقية لأحكام الشريعة، وفرصة كبرى لإرشاد الناس وتعليمهم مناسكهم، ولقاء المسلمين والتعارف معهم، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: 28].
وقد بلغ من حرصه على الحج أنه في إحدى السنوات منعه عامل البصرة من الذهاب خوفًا من تحركاته العلمية والسياسية، وقام بسجنه لئلا يخرج. ولم يطلقه إلا بعد أن دخل شهر ذي الحجة ظنًا منه أن الأوان قد فات ولن يتمكن جابر من السفر نظرًا لضيق الوقت وبعد المسافة.
ويروي أبو سفيان قصة خروجه الإعجازية من السجن قائلًا:
“كان جابر بن زيد يحج كل سنة، فلما كان ذات سنة بعث إليه عامل البصرة، فقال: لا تفعل، فسجنه فلما كان غرة ذي الحجة جاءه الناس فقالوا: أصلحك الله قد هلّ هلال ذي الحجة، قال فأرسله فخرج من السجن، فأتى منزله، وناقته حوله في الدار كان قد هيأها للخروج، فأخذه يشدّ عليها الرحل ويقول: “ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها” يا آمنة أعندك شيء؟ قالت نعم، فهيأته في جرابين، فقال: من سألك عني فلا تخبريه بمسيري يومي هذا، فخرج من ليلته وانتهى إلى عرفات والناس بالموقف، فضربت ناقته بجرانها الأرض وتجلجلت؛ فقال الناس: ذكها ذكها، قال حقيق لناقة رأت هلال ذي الحجة بالبصرة أن لا يفعل بها هذا”.
وتحمل هذه الرواية لطيفة إيمانية وإنسانية، تظهر مدى الوفاء المتبادل بين الإنسان والحيوان (الناقة) التي أجهدت نفسها لتوصيل صاحبها الصالح إلى مبتغاه الإيماني.
المبحث الخامس: صراحته العلمية وفتوى “قتل خردلة”
عُرف الإمام جابر بسعة العلم وتبحره فيه، ونزاهته وسيرته المثلى وزهده الدنيوي، ودقته الفائقة في الفتوى وإصدار الأحكام الشريعة؛ فصار محط ثقة الخاص والعام في عصره حتى قال إياس بن معاوية: “رأيت البصرة وما فيها مفت غير جابر بن زيد”. وكان الحجاج بن يوسف نفسه، رغم جوره، يبعث إليه بالأسئلة الفقهية المستعصية بواسطة كاتبه يزيد بن أبي مسلم ليجيب عليها جابر، وأحيانًا تكون الأسئلة مباشرة بينهما كالمناقشات في آيات سورة البقرة.
ومن أشهر الفتاوى الجريئة والخطيرة التي تعكس فقهه السياسي والشرعي، قصة الفتوى بقتل “خردلة”.
- خلفية الفتوى: تكرم شريعة الإسلام الإنسان وتبلغ ذروة إكرامه ما دام منضبطًا بالضوابط الإيمانية والاجتماعية، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]. أما إذا خرج المرء عن هذه الضوابط وعاث في المجتمع فسادًا وأضر بالمسلمين، فإن للحاكم والشرع شأنًا آخر معه لحفظ بيضة الدين والمجتمع.
- وكان “خردلة” رجلًا فاسدًا، سعى بجماعة من المسلمين الصالحين ووشى بهم عند الوالي عبيد الله بن زياد فقتلوهم بسبب وشايته. فانتظر الإمام جابر فرصة للتخلص من شر هذا الخبيث الفاسد الذي تسبب في إعدام الأبرياء.
- انتهز أحد الشباب المتحمسين من أهل الدعوة الباحثين عن الشهادة والجهاد الفرصة، وسأل أبا الشعثاء جابر بن زيد: “أي الجهاد أفضل؟” فقال جابر تلميحًا وتوجيهًا: “قتل خردلة”.
- فأراه الشاب إياه، فترصده الشاب في المسجد ووضع يده عليه لئلا يخطأه، وضربه بين كتفيه بخنجر مسموم. وقبض الحراس على الشاب وأُدخل على الوالي، فقال له الوالي: “قد علمت أنك لم تفعل هذا من نفسك، وإنما أمرت فدلني على من أمرك ومَنّاه”، فقال الشاب بصلابة ويقين صابرًا على العذاب حتى قُتل: “دع عنك هذا، قتلته وكان خردلة سعى بجماعة من المسلمين فقتلوا”.
- أصدر جابر هذه الفتوى الجريئة وهو يعلم تمامًا مخاطرها ومغبة أمرها لو ضعف الشاب أمام التعذيب والتهديد والوعيد، وكُشف الأمر بالسر. ولكنه كان صادقًا وثابت المبدأ بثبات الجبال الرواسي. وتعتبر هذه الفتوى من قواعد “السياسة الشرعية” العميقة عند الإمام جابر وأبي الشعثاء لحماية المجتمع من الجواسيس والمخبرين الفاسدين الذين يهلكون الحرث والنسل.
المبحث السادس: النفي إلى عُمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
1. النفي السياسي والتفاعل مع الأحداث
عاش الإمام جابر بن زيد في البصرة التي كانت مركزًا للإشعاع الثقافي والفكري، وعاش بجانب قومه الأزد الذين نزلوا البصرة وتمصروا فيها أثناء رجوعهم من بعض الفتوحات في فارس في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وكان من أبرز جماعة الأزد العُمانيين بالبصرة أسرة المهلب بن أبي صفرة، الذين لعبوا دورًا عظيمًا في توطيد دعائم الحكم الأموي والقضاء على الخوارج (الأزارقة).
كانت علاقة آل المهلب بالدولة الأموية تمر بالمد والجزر؛ وكان الحجاج بن يوسف الثقفي من أشد المناوئين لآل المهلب. وبعد وفاة المهلب، أسفر الحجاج عن عداوته لآل المهلب وتنكر لهم، واستطاع إقناع الخليفة الوليد بن عبد الملك بعزل يزيد بن المهلب والزج به في السجن مع بعض أفراد أسرته. ارتبط اسم الإمام جابر بن زيد بهذه الحادثة سياسيًا؛ نظرًا لمكانته العلمية الكبرى وتأثيره في أزد البصرة، وتخوفًا من أي ردة فعل مسلحة أو فكرية من قبيلة الأزد تضامنًا مع آل المهلب، قام الحجاج بسجن الإمام جابر بن زيد ثم نفاه إلى موطنه الأصلي عُمان. وجاء في بعض المصادر أن نفي جابر كان ومعه هبيرة جد أبي سفيان محبوب بن الرحيل. ويرى المحققون (ومنهم الدكتور عوض خليفات) أن الإمام جابر قد نُفي إلى عُمان أكثر من مرة لتطويق تأثيره بالبصرة.
2. قيام دعوة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
يعتبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوام الإسلام ودعامته الأساسية التي ذُكرت في القرآن الكريم كعلامة لخيرية الأمة: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 104]، وقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110].
سلك الإمام جابر هذا المسلك القرآني بمراتبه الثلاث (اليد، واللسان، والقلب) حسب الاستطاعة والمصلحة الشرعية للمسلمين. ونقلت عنه مواقف رائعة ترتعد فيها الفرائض وتتبلبل الأفكار عزةً وثباتًا. وكان حريصًا على الموعظة والمراسلة؛ ومن ذلك رسائله الشهيرة إلى ابن شهاب الزهري (المحدث المشهور) عندما فتح الزهري باب الدخول إلى ملوك بني أمية وصار وزيرًا للوليد بن عبد الملك؛ فقام الإمام أبو يعقوب الوارجلاني بذكر أن مائة وعشرين من الفقهاء -منهم جابر بن زيد، وأبو حازم فقيه المدينة، ووهب بن منبه- كتبوا إليه يؤنبونه ويعظونه للابتعاد عن أبواب السلاطين وحفظ مكانة العلم السامية من الابتذال والتبعية السياسية.
خاتمة
إن سيرة الإمام جابر بن زيد (أبو الشعثاء) تمثل مدرسة متكاملة في الفقه، والحديث، والسياسة الشرعية، والعبادة، والأخلاق الإنسانية. استطاع بعلمه الغزير وحنكته في التعامل مع التيارات السياسية والولاة الجورة أن يحافظ على نقاء الفكر الإسلامي وأن يضع البذرة المباركة لمذهب فقهي وعقدي متزن (المذهب الإباضي) يقوم على الشورى، والعدل، والإنصاف، والابتعاد عن الغلو، ليبقى إرثه الفكري والعلمي منارة تضيء عبر العصور والقرون.