التعليم العالي

الجامعات الخاصة في عُمان: مسيرة البحث العلمي في جامعة نزوى وجامعة ظفار

الجامعات الخاصة في عُمان: مسيرة البحث العلمي في جامعة نزوى وجامعة ظفار

لم يعد البحث العلمي في سلطنة عُمان حكرًا على الجامعات الحكومية، بل أصبحت الجامعات الخاصة شريكًا فاعلًا في صناعة المعرفة وتوليد الابتكار. ومنذ مطلع الألفية الثالثة، حين انفتح قطاع التعليم العالي العُماني على القطاع الأهلي، برزت جامعتان أهليتان تأسستا في العام نفسه تقريبًا، وحملت كل منهما طموحًا مختلفًا في موقعه الجغرافي، لكنه متماثل في الغاية: جامعة نزوى في محافظة الداخلية، وجامعة ظفار في مدينة صلالة بمحافظة ظفار. كلتاهما انطلقت في العام 2004 كمؤسستين تعليميتين خاصتين ذواتي نفع عام، وكلتاهما راهنت على البحث العلمي بصفته أحد أعمدة هويتها الأكاديمية، لا مجرد نشاط هامشي يرافق التدريس.

على مدى أكثر من عقدين، تحولت هاتان الجامعتان من مؤسستين فتيتين تبحثان عن موقع لهما في خريطة التعليم العالي العُماني، إلى كيانين بحثيين ينشران آلاف الأوراق العلمية المحكمة، ويسجلان براءات اختراع، ويوقعان اتفاقيات شراكة مع مؤسسات صناعية وخدمية، ويستضيفان فعاليات بحثية سنوية تُحتفى فيها بإنجازات الباحثين والطلبة على حد سواء. هذا المقال يتتبع مسيرة البحث العلمي في الجامعتين: من حيث البنية التنظيمية، والمخرجات الكمية والنوعية، والمراكز البحثية المتخصصة، وآليات ربط البحث بالصناعة والمجتمع، وأخيرًا التحديات والآفاق المستقبلية التي تواجه هذا المسار.

أولًا: جامعة نزوى.. حجر الزاوية في المشروع الأكاديمي

نشأة الجامعة وموقعها الأكاديمي

تأسست جامعة نزوى في العام 2004 بموجب قرار وزاري، بوصفها مؤسسة أكاديمية أهلية ذات نفع عام تقع في ولاية نزوى بمحافظة الداخلية. ومنذ تأسيسها، حملت الجامعة رسالة تجمع بين نشر الفكر الإيجابي وترسيخ الهوية الثقافية للأمة من جهة، وتحقيق التميز العلمي والبحثي من جهة أخرى. وقد نمت الجامعة عبر السنوات لتشمل عددًا من الكليات في مجالات العلوم والآداب، والهندسة، والصيدلة والعلوم الطبية، والاقتصاد والعلوم الإدارية والمالية، والحقوق، إلى جانب برامج متنوعة في الدراسات العليا تصل إلى مستوى الدكتوراة.

استثمار مالي كبير في البحث العلمي

ما يميز تجربة جامعة نزوى البحثية هو حجم الاستثمار المالي الذي وجهته نحو هذا الملف منذ تأسيسها. فقد أعلنت الجامعة، في احتفالية “يوم البحث العلمي”، أن إنفاقها على البحث العلمي تجاوز 85 مليون ريال عُماني منذ التأسيس، وهو رقم يعكس قناعة إدارية راسخة بأن البحث ليس نشاطًا ثانويًا بل استثمار استراتيجي طويل الأمد. وقد جاء هذا التصريح على لسان نائب رئيس الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي والعلاقات الخارجية، الذي أكد أن البحث العلمي يمثل حجر الزاوية في المشروع الأكاديمي للجامعة.

الإنتاج العلمي بالأرقام

تُترجم هذه الاستراتيجية إلى مؤشرات كمية لافتة. فقد أسهمت جامعة نزوى في نشر أكثر من 4,430 بحثًا علميًا محكمًا منذ تأسيسها، وهي أوراق وُزعت على مجلات علمية متخصصة في مختلف التخصصات التي تطرحها كلياتها، من العلوم الطبيعية والتطبيقية إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية. وقد حصدت هذه الأبحاث ما يقارب 100 ألف استشهاد علمي، وهو مؤشر يعكس مدى تأثير الإنتاج البحثي للجامعة في الأوساط العلمية الدولية، وليس مجرد حجم النشر فقط.

ولم يتوقف الإنتاج المعرفي للجامعة عند حدود الأوراق البحثية المحكمة، بل امتد إلى المساهمة في الكتب الأكاديمية، حيث أصدرت الجامعة 485 كتابًا وفصلًا في كتب، وهو رقم يضع الجامعة في مكانة متقدمة بين الجامعات الخاصة من حيث التنوع في أوعية النشر العلمي.

من البحث إلى الابتكار: براءات الاختراع

من أبرز ما يميز مسيرة جامعة نزوى البحثية هو الانتقال التدريجي من النشر الأكاديمي البحت إلى الابتكار التطبيقي القابل للتسويق. فقد سجلت الجامعة 57 براءة اختراع منذ تأسيسها، منها 27 براءة خلال عام واحد فقط، وهو تسارع لافت يعكس نضوج البنية البحثية للجامعة وتحول بعض منتجاتها من نماذج بحثية إلى نماذج ومنتجات قابلة للتطبيق الفعلي في السوق.

ويأتي هذا التحول بفضل دور مركز الاستشارات وتوطين الابتكار، الذي يمثل حلقة الوصل بين الفكرة البحثية والمنتج النهائي. فقد أوضح القائمون على المركز أن العمل خلال الفترة الأخيرة تركز على بناء منظومة ابتكار متكاملة تعزز الشراكة بين الشركات والجامعة، وتعمّق الربط بين البحث العلمي والتطبيق الصناعي، وتدعم ريادة الأعمال التقنية داخل الحرم الجامعي. ووفقًا لتصريحات مسؤولي المركز، فقد سُجلت سبع براءات اختراع عبر المركز خلال عام واحد، إلى جانب تطوير أربعة منتجات باستخدام تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد داخل مختبر الابتكار التابع له.

كما اعتمد المركز خمس سياسات تنظيمية لدعم حوكمة الابتكار وحماية الملكية الفكرية، مع تقديم إرشاد فني وقانوني متخصص للباحثين والطلبة، وهو ما انعكس في زيادة الإقبال على تسجيل الابتكارات. وتنوعت المشاريع المدعومة بين تطبيقات صناعية وغذائية وتقنية، مع تطوير نماذج أولية قابلة للاختبار، وتسجيل براءات اختراع أخرى لا تزال قيد التقييم، في مسار يعكس انتقالًا فعليًا من الفكرة إلى المنتج.

ولم يقتصر نشاط المركز على الجانب التقني، بل شارك خلال عام واحد في ستة مؤتمرات علمية، ونفّذ اثني عشر برنامج تواصل محلي، وخمس مشاركات دولية، في مسار يعزز حضور الجامعة الأكاديمي والمجتمعي على المستويين المحلي والعالمي. ومع ذلك، أشار القائمون على المركز إلى تحديات حقيقية ما تزال قائمة، أبرزها الفجوة بين البحث الأكاديمي ومتطلبات السوق، وحاجة بعض المشاريع إلى مزيد من التطوير قبل جاهزيتها للتطبيق التجاري، فضلًا عن محدودية التمويل في المراحل المبكرة من تطوير المنتج.

مركز ريادة الأعمال وربط البحث بالاقتصاد

إلى جانب مركز الاستشارات وتوطين الابتكار، أنشأت جامعة نزوى مركز ريادة الأعمال، الذي يسعى إلى أن يكون مقرًا لبحوث ريادة الأعمال في سلطنة عُمان، وممثلًا للسلطنة في التقارير العالمية المتخصصة في رصد نشاط ريادة الأعمال. ويعمل المركز على مسارين متوازيين: الأول أكاديمي تعليمي يتمثل في تقديم برامج لتعليم ريادة الأعمال لطلبة البكالوريوس والدراسات العليا، والثاني بحثي وتنموي يهدف إلى زيادة عدد الأبحاث والمنشورات في مجالات ريادة الأعمال والابتكار ونقل المعرفة، عبر تشجيع الباحثين وأعضاء هيئة التدريس من داخل عُمان وخارجها على الانخراط في هذا الحقل البحثي الناشئ.

وفي سياق تعزيز هذا التوجه، وقّعت الجامعة في العام 2025 اتفاقية تعاون مع إحدى المجموعات الاقتصادية الكبرى في السلطنة، بهدف تمويل ورعاية مجموعة من المشاريع الطلابية الريادية خلال العام الأكاديمي 2025-2026، في خطوة تعكس رغبة الجامعة في توسيع دائرة الشراكات المجتمعية والصناعية الداعمة للبحث وريادة الأعمال.

الدراسات العليا كرافد للبحث العلمي

يرتبط نمو البحث العلمي في جامعة نزوى ارتباطًا وثيقًا بتوسع برامج الدراسات العليا فيها. فقد أعلنت الجامعة عن فتح باب التسجيل في 24 برنامجًا للدراسات العليا للعام الأكاديمي 2025/2026، تشمل درجتي الماجستير والدكتوراة، من بينها تسعة برامج جديدة صُممت لتلبية أولويات التنمية الوطنية واحتياجات سوق العمل. وتغطي هذه البرامج تخصصات متنوعة تمتد من علوم الحاسوب بفروعها المختلفة – كالشبكات وهندسة البرمجيات وعلم البيانات – إلى الرياضيات التطبيقية، واللغة العربية وآدابها، والقيادة التربوية، والاقتصاد والمالية والخدمات المصرفية الإسلامية.

ويُنظر إلى هذا التوسع بصفته جزءًا من استراتيجية الجامعة لتعزيز التخصصات ذات القيمة المضافة وتحقيق التميز الأكاديمي والبحثي معًا، بما يسهم في تخريج كفاءات وطنية قادرة على قيادة التحول في مختلف القطاعات الاقتصادية والمجتمعية. ولأن طلبة الدراسات العليا يمثلون قوة بحثية فاعلة من خلال رسائلهم وأطاريحهم، فإن توسع هذه البرامج يصب مباشرة في تعميق الإنتاج البحثي الكمي والنوعي للجامعة.

يوم البحث العلمي: احتفالية سنوية بالإنجاز

من التقاليد الراسخة في جامعة نزوى تنظيم “يوم البحث العلمي” بصورة سنوية، وهي فعالية تحتفي بمنجزات الباحثين وتستعرض أحدث ما تحقق من نتائج بحثية وابتكارات. وقد شهدت إحدى نسخ هذه الفعالية، التي نُظمت برعاية وزير الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، الكشف عن الأرقام التراكمية الكبيرة للإنفاق والنشر والاستشهادات وبراءات الاختراع المذكورة أعلاه، إلى جانب تدشين كرسي بحثي متخصص في الذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس مواكبة الجامعة للاتجاهات العلمية العالمية المتسارعة في هذا المجال.

التواصل المجتمعي والمحلي

لا يقتصر نشاط البحث العلمي في جامعة نزوى على الأطر الأكاديمية الصرفة، بل يمتد إلى أنشطة تواصل مجتمعي متنوعة. فقد استضافت مختبرات الجامعة زيارات استكشافية لطالبات من مدارس محلية في إطار تعريفهن بالعمل المعملي والبحثي، كما شاركت كلية العلوم والآداب في ملتقيات علمية لطلبة الدراسات العليا في جامعات خليجية أخرى. وفي مجال أوسع يتجاوز العلوم البحتة، شهدت الجامعة تعاونًا فنيًا دوليًا مع متحف سويسري لتجسيد جماليات الأفلاج العُمانية بصفتها تراثًا عالميًا، وهو نموذج للبحث الذي يمتد إلى حقل التراث والهوية الثقافية، إلى جانب أنشطة بحثية ميدانية نُظمت في إطار ملتقيات بحثية إقليمية، مثل ملتقى أُقيم في محافظة مسندم أوصى بترسيخ ثقافة البحث العلمي والابتكار والتقنية في البيئة التربوية.

ثانيًا: جامعة ظفار.. من صلالة إلى المشاركات العلمية العالمية

النشأة والهوية المؤسسية

تأسست جامعة ظفار في يناير من العام 2004 كمؤسسة تعليم عالٍ خاصة غير ربحية في مدينة صلالة بمحافظة ظفار، وبدأت أنشطتها الفعلية في سبتمبر من العام نفسه. وتُعد جامعة ظفار المؤسسة الوحيدة في محافظة ظفار التي تقدم برامج الدبلوم والبكالوريوس والدراسات العليا معًا، وهو ما يمنحها موقعًا استراتيجيًا فريدًا في جنوب السلطنة، بعيدًا عن التمركز التقليدي للتعليم العالي في محافظة مسقط ومحيطها.

تضم الجامعة كليات في الآداب والعلوم التطبيقية، والتجارة وإدارة الأعمال، والهندسة، وتتبع معايير دولية في برامجها الأكاديمية التي تمتد من الدبلوم إلى الدراسات العليا. وتسعى الجامعة بحسب أهدافها المعلنة إلى تحقيق التميز العلمي في جميع مجالات التخصص التي تطرحها، وإعداد طلبة يجمعون بين الكفاءة المهنية والالتزام الأخلاقي والانخراط في ثقافة التعلم المستمر مدى الحياة.

مكانة بحثية متقدمة بين الجامعات الخاصة

من أبرز ما يلفت النظر في تجربة جامعة ظفار البحثية هو موقعها التنافسي بين الجامعات الخاصة العُمانية. فبحسب تصنيف “ريسرتش غيت” (Research Gate)، تحتل الجامعة المرتبة الثانية في مجال البحث العلمي بين جميع الجامعات الخاصة في سلطنة عُمان. ويدعم هذا الترتيب حجم إنتاجها العلمي المسجل في قواعد البيانات العالمية، حيث تضم سجلاتها أكثر من 733 بحثًا منشورًا في قاعدة “سكوبس” (Scopus)، وأكثر من 700 بحث في قاعدة “ويب أوف ساينس” (Web of Science)، وهما من أهم قواعد البيانات العلمية المعتمدة دوليًا في قياس الإنتاج البحثي وتقييم جودته.

مركز أبحاث جامعة ظفار

يمثل مركز أبحاث جامعة ظفار اللاعب المحوري في تنظيم الجهد البحثي داخل الجامعة. فالمركز لا يقتصر دوره على دعم الباحثين لوجستيًا، بل يتولى أيضًا الإشراف على عرض الإنجازات البحثية وتوثيقها في الفعاليات السنوية التي تنظمها الجامعة. وقد استعرض مدير المركز، في إحدى نسخ “يوم البحث العلمي”، أبرز منجزات المركز خلال العام، بما يشمل المنشورات والمشاركات والمؤشرات الكمية للإنتاج البحثي.

وتؤكد الجامعة من خلال هذه الفعاليات أن هيئة التدريس والطلاب يعملون معًا لضمان أن تكون الأبحاث ذات قيمة ملموسة للمجتمع، وأن الجامعة تواصل جهودها لضمان إنتاج أبحاث عالية الجودة يتم نشرها في مجلات علمية مرموقة عالميًا، بدلًا من التركيز على الكم وحده دون اعتبار لجودة أوعية النشر ومدى تأثيرها العلمي.

يوم البحث العلمي: تقليد متجذر منذ أكثر من عقد

شأنها شأن جامعة نزوى، أسست جامعة ظفار تقليدًا سنويًا في الاحتفاء بالبحث العلمي، استمر لأكثر من اثنتي عشرة دورة متتالية. وقد شهدت النسخة الحادية عشرة من هذه الفعالية تنظيمًا برعاية شخصية سياسية بارزة شغلت منصب نائب رئيس مجلس أمناء الجامعة، بحضور رئيس الجامعة، وتضمنت استعراضًا للإنجازات البحثية للمركز، إلى جانب معرض ضم أهم البحوث العلمية التي أنجزتها الجامعة عبر كادرها البحثي من الأكاديميين والطلبة والمشاركين الخارجيين. وفي ختام الفعالية، جرى تكريم أفضل الأبحاث والمشاريع المقدمة، مع منح جوائز تقديرية للطلبة والباحثين المتميزين، في مسار يعزز الحافزية المؤسسية لمواصلة النشاط البحثي.

أما النسخة الثانية عشرة، فقد شهدت تطورًا نوعيًا إضافيًا تمثل في توقيع مذكرة تفاهم بين رئيس الجامعة وأحد كبار المسؤولين في شركة خدمية وطنية كبرى، تهدف إلى ربط البحث العلمي بالقطاع الصناعي والخدمي المحلي بصورة مباشرة وملموسة. وأوضح رئيس الجامعة في هذا الحدث أن الجامعة تواصل جهودها في تطوير بيئة بحثية محفزة تدعم إنتاج المعرفة وتوظيفها لخدمة المجتمع، مشيرًا إلى أن الشراكات مع المؤسسات الوطنية والدولية تمثل ركيزة أساسية لربط مخرجات البحث العلمي باحتياجات التنمية المستدامة. وأضاف أن المشاركة الفاعلة للباحثين والطلبة في هذا الحدث تعكس نضج التجربة البحثية في الجامعة، وتؤكد قدرتها على المساهمة في إيجاد حلول علمية مبتكرة للتحديات المعاصرة، بما يعزز مكانتها كمؤسسة أكاديمية رائدة على المستويين المحلي والإقليمي.

الاعتراف الدولي بالكوادر البحثية

لم تقف مكانة جامعة ظفار البحثية عند حدود المؤشرات الكمية فقط، بل امتدت إلى تكريمات وجوائز علمية دولية حصل عليها بعض أعضاء هيئة التدريس فيها في عدد من مجالات البحث العلمي. وقد أكد رئيس الجامعة، في معرض تهنئته للأساتذة المكرمين، أن هذا الإنجاز يأتي نتاجًا لاهتمام إدارة الجامعة بتوفير المناخ الملائم لدفع حركة البحث العلمي، مشيرًا إلى أن الجامعة باتت تساهم بفعالية في المشاركات العلمية العالمية، بل تتبوأ مراكز متقدمة في التقديرات والإنجازات، وهو ما يعكس حرص الجامعة على استقطاب كوادر متميزة قادرة على إثراء البحث العلمي بصفته أولوية قصوى لإدارتها، خصوصًا في ظل تطلع الجامعة إلى طرح برامج دكتوراة جديدة بعد أن تجاوزت مرحلة منح درجة الماجستير في معظم مجالاتها الأكاديمية.

دعم البنية التحتية والبيئة البحثية

توفر جامعة ظفار بيئة تعليمية وبحثية متكاملة لطلابها وباحثيها، مع مرافق ملائمة لذوي الاحتياجات الخاصة، ومراكز خدمية داعمة مثل مركز دعم التعلم الذي يقدم المساعدة الأكاديمية للطلبة، إلى جانب مرافق أخرى كالعيادة الطبية ومركز خدمة المجتمع والتعليم المستمر. وتمثل هذه المنظومة الداعمة بيئة محيطة تساعد على استقرار النشاط البحثي والأكاديمي للجامعة وتواصله بصورة مستدامة.

ثالثًا: قراءة مقارنة.. أوجه التشابه والاختلاف

عند النظر إلى مسيرتي البحث العلمي في الجامعتين بصورة مقارنة، تتضح ملامح مشتركة وأخرى متمايزة تعكس خصوصية كل تجربة:

التزامن التاريخي: تأسست الجامعتان في العام نفسه تقريبًا (2004)، وهو ما يجعل من مسيرتيهما حالة مثيرة للمقارنة الزمنية، إذ نضجت تجربتاهما البحثية على مدى أكثر من عقدين من الزمن في ظروف وطنية واقتصادية متماثلة نسبيًا.

الحجم والتمركز الجغرافي: تتمركز جامعة نزوى في محافظة الداخلية، وهي محافظة ذات ثقل سكاني وتاريخي كبير في وسط عُمان، بينما تتمركز جامعة ظفار في صلالة، عاصمة الجزء الجنوبي من السلطنة، وهو موقع يمنحها دورًا تنمويًا محوريًا في خدمة محافظة ظفار التي تبعد جغرافيًا عن العاصمة مسقط بمسافة كبيرة.

المؤشرات الكمية للنشر: تتفوق جامعة نزوى من حيث الحجم المطلق للإنتاج البحثي المُعلن (أكثر من 4,430 بحثًا محكمًا)، بينما تعتمد جامعة ظفار على مؤشرات تصنيفية نسبية تضعها في المرتبة الثانية بين الجامعات الخاصة العُمانية وفق “ريسرتش غيت”، إلى جانب إنتاج موثق يتجاوز 700 بحث في كل من “سكوبس” و”ويب أوف ساينس”. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المؤشرات قد تتغير بمرور الوقت، وأن المقارنة الدقيقة تتطلب الرجوع إلى أحدث التصنيفات الرسمية للجامعتين.

نموذج الابتكار التطبيقي: تبدو جامعة نزوى أكثر تقدمًا من حيث آليات تحويل البحث إلى منتجات تجارية وبراءات اختراع مسجلة فعليًا (57 براءة)، بدعم من مركز متخصص في توطين الابتكار وحماية الملكية الفكرية. في حين تركز جامعة ظفار حتى الآن على تعزيز الشراكات المؤسسية الكبرى – كالاتفاقية الموقعة مع شركة خدمية وطنية لربط البحث بالقطاع الصناعي – بصفتها مسارًا موازيًا لتسويق المعرفة وتوظيفها مجتمعيًا.

الاحتفالية المؤسسية بالبحث: تتشارك الجامعتان في تقليد تنظيم فعالية سنوية تحت اسم “يوم البحث العلمي”، وهو ما يعكس قناعة مشتركة بأهمية الاحتفاء بالباحثين وتحفيزهم معنويًا ومؤسسيًا، إلى جانب استخدام هذه الفعاليات منصة لتوقيع اتفاقيات الشراكة وتدشين مبادرات بحثية جديدة.

رابعًا: التحديات المشتركة وآفاق المستقبل

رغم الإنجازات اللافتة التي حققتها الجامعتان، تواجه مسيرة البحث العلمي فيهما تحديات لا يمكن تجاهلها، أبرزها:

الفجوة بين البحث والسوق: أشارت جهات مسؤولة في جامعة نزوى صريحًا إلى وجود فجوة بين البحث الأكاديمي ومتطلبات السوق الفعلية، وهي إشارة تنطبق على القطاع الأكاديمي العُماني بصورة أوسع، وتستدعي مزيدًا من برامج الربط بين الجامعات والقطاع الصناعي والخدمي.

محدودية التمويل في مراحل التطوير الأولى: يمثل التمويل عقبة متكررة أمام تحويل الأفكار البحثية إلى منتجات قابلة للتطبيق التجاري، خصوصًا في المراحل التي تسبق النضج التجاري الكامل للمنتج أو الابتكار.

استدامة الكفاءات البحثية: يتطلب الحفاظ على وتيرة النشر والاستشهادات المرتفعة استمرار استقطاب كفاءات بحثية مؤهلة، وتوفير بيئة محفزة تحول الجامعتين من بيئتين تعليميتين بحتة إلى مراكز بحثية إقليمية فاعلة.

التوسع في برامج الدكتوراة: أعربت كل من الجامعتين، بدرجات متفاوتة، عن طموحها في توسيع برامج الدراسات العليا وصولًا إلى مستوى الدكتوراة في تخصصات أوسع، وهي خطوة من شأنها تعميق الإنتاج البحثي عبر أطاريح الدكتوراة التي تمثل تقليديًا أحد أهم روافد البحث الأصيل في الجامعات حول العالم.

ربط البحث بأولويات التنمية الوطنية: تسعى الجامعتان إلى مواءمة برامجهما البحثية مع أولويات التنمية المستدامة واحتياجات سوق العمل العُماني، بما يضمن أن يكون الإنتاج المعرفي ذا أثر تنموي ملموس، لا مجرد إنتاج أكاديمي معزول عن السياق الاقتصادي والاجتماعي.

خامسًا: دور أعضاء هيئة التدريس والطلبة في صناعة الإنتاج البحثي

لا يمكن فهم مسيرة البحث العلمي في الجامعتين بمعزل عن العنصر البشري الذي يقف خلف كل رقم وكل بحث منشور. فالجامعتان تتبنيان، كل بطريقتها، فلسفة تشاركية تجمع بين أعضاء هيئة التدريس والطلبة في إنتاج المعرفة، بدلًا من حصر النشاط البحثي في فئة الأساتذة فقط.

في جامعة نزوى، ينعكس هذا التوجه في توسيع برامج الدراسات العليا بحيث يصبح طلبة الماجستير والدكتوراة جزءًا فاعلًا من منظومة الإنتاج البحثي، عبر الأطاريح والمشاريع البحثية التي تشكل أحد أهم روافد النشر العلمي المحكم. كما تحرص الجامعة على إشراك الطلبة في الأنشطة المعملية والاستكشافية منذ مراحل دراسية مبكرة، وهو ما يُهيئ بيئة معرفية تراكمية تمتد من المراحل الدراسية الأولى وحتى الدراسات العليا المتقدمة. وقد بدا هذا واضحًا من خلال مشاركة كلية العلوم والآداب في ملتقيات بحثية خارجية لطلبة الدراسات العليا، ومن خلال تنظيم ورش عمل ومجالات تدريبية تجمع بين أعضاء هيئة التدريس وطلبة الجامعات الأخرى ضمن شراكات أكاديمية إقليمية.

وعلى الجانب الآخر، تؤكد جامعة ظفار بصورة متكررة، في فعالياتها السنوية، أن هيئة التدريس والطلاب يعملون معًا بصفتهم منظومة بحثية واحدة، بهدف ضمان أن تكون نتائج الأبحاث ذات قيمة ملموسة للمجتمع لا مجرد إنتاج نظري معزول. ويبرز هذا التوجه جليًا في معارض “يوم البحث العلمي” التي تستضيفها الجامعة سنويًا، حيث يُمنح الطلبة والباحثون المتميزون جوائز تقديرية تحفزهم على الاستمرار في النشاط البحثي، في رسالة مؤسسية واضحة مفادها أن البحث العلمي مسؤولية جماعية لا فردية.

هذا النموذج التشاركي بين الأساتذة والطلبة يحمل أهمية مضاعفة في سياق الجامعات الخاصة على وجه التحديد؛ إذ إن استمرار تدفق الكفاءات البحثية الشابة من صفوف الطلبة يضمن تجدد الطاقة البحثية للمؤسسة، ويخفف الاعتماد الكلي على هيئة تدريس قد تتأثر أعدادها بعوامل التنقل الوظيفي أو التقاعد. كما أن إشراك الطلبة في مراحل البحث المبكرة – من جمع البيانات إلى التحليل والنشر – يمنحهم تأهيلًا عمليًا يصقل مهاراتهم البحثية قبل تخرجهم، ويرفع من جاهزيتهم لسوق العمل أو لمواصلة الدراسات العليا في مؤسسات أخرى محليًا أو دوليًا.

ولا يخفى أن هذا النموذج التشاركي يتطلب أيضًا استثمارًا مستمرًا في تطوير قدرات أعضاء هيئة التدريس أنفسهم، من خلال برامج تدريبية وورش عمل متخصصة في مناهج البحث العلمي وأدوات النشر الدولي، وهو ما تحرص الجامعتان على توفيره عبر مراكزهما البحثية المتخصصة، بما يضمن مواكبة معايير الجودة العالمية المتجددة في مجالات النشر العلمي والتحكيم الأكاديمي.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية