التعليم العالي

دورالكليات والجامعات التطبيقية في التوطين ومستقبل “عُمان الإبحار”: التعليم التقني والمهني كمحرك للتنمية الاقتصادية

دورالكليات والجامعات التطبيقية في التوطين ومستقبل “عُمان الإبحار”: التعليم التقني والمهني كمحرك للتنمية الاقتصادية

تمر سلطنة عُمان بمرحلة تحول اقتصادي واجتماعي جوهري، يتمثل في الانتقال من الاعتماد على الموارد النفطية والغازية إلى بناء اقتصاد متنوع قائم على المعرفة والمهارة والإنتاجية. وفي قلب هذا التحول، تقف رؤية “عُمان 2040” كإطار استراتيجي شامل يرسم ملامح الدولة العُمانية المنشودة خلال العقدين المقبلين. ولأن أي رؤية وطنية لا تتحقق إلا بأدوات تنفيذية فعّالة، فقد برزت برامج التوطين، وعلى رأسها برنامج “عُمان الإبحار”، كآلية عملية لترجمة الأهداف الكبرى إلى واقع ملموس في سوق العمل.

ولا يمكن الحديث عن نجاح هذه البرامج دون التوقف عند الدور المحوري الذي تلعبه الكليات التقنية والتطبيقية في تأهيل الكادر الوطني وتزويده بالمهارات اللازمة لشغل الوظائف التي كانت، ولفترة طويلة، حكراً على العمالة الوافدة. فالتعليم التقني والمهني لم يعد خياراً ثانوياً أو بديلاً عن التعليم الجامعي التقليدي، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة التحولات الاقتصادية العالمية والمحلية على حد سواء.

تسعى هذه المقالة إلى تسليط الضوء على العلاقة العضوية بين التعليم التقني والمهني وجهود التوطين في عُمان، مع التركيز بشكل خاص على دور الكليات التطبيقية في هذا المسار، وموقع برنامج “عُمان الإبحار” ضمن هذا السياق الأوسع، وما يحمله المستقبل من فرص وتحديات.

أولاً: التعليم التقني والمهني – مفهومه وأهميته الاستراتيجية

1.1 ما هو التعليم التقني والمهني؟

يُعرَّف التعليم التقني والمهني (TVET – Technical and Vocational Education and Training) بأنه ذلك النوع من التعليم الذي يركز على تزويد المتعلمين بالمهارات العملية والمعارف التطبيقية اللازمة لممارسة مهنة أو حرفة معينة، بخلاف التعليم الأكاديمي البحت الذي يركز على الجانب النظري. ويشمل هذا النوع من التعليم تخصصات متعددة كالهندسة التطبيقية، وتقنية المعلومات، والصناعات النفطية والغازية، والسياحة والضيافة، والتمريض والعلوم الصحية المساعدة، والصناعات اللوجستية والبحرية، وغيرها الكثير.

يتميز هذا النوع من التعليم بقربه الشديد من احتياجات سوق العمل، حيث يتم تصميم البرامج الدراسية بالتعاون المباشر مع القطاعات الصناعية والاقتصادية، بما يضمن أن يكون الخريج جاهزاً للانخراط في بيئة العمل دون الحاجة إلى فترات تدريب طويلة أو إعادة تأهيل مكلفة.

1.2 لماذا يحتل التعليم التقني مكانة متقدمة في الاستراتيجيات الوطنية؟

تتعدد الأسباب التي تجعل من التعليم التقني والمهني ركيزة أساسية في أي استراتيجية تنموية حديثة:

أولاً، يمثل هذا النوع من التعليم استجابة مباشرة لظاهرة عالمية تتمثل في الفجوة المتزايدة بين مخرجات التعليم الجامعي التقليدي ومتطلبات سوق العمل الفعلية. فكثير من الدول، بما فيها عُمان، شهدت ولا تزال تشهد ارتفاعاً في معدلات البطالة بين حملة الشهادات الجامعية، في الوقت الذي تشكو فيه قطاعات صناعية وخدمية حيوية من نقص حاد في الكفاءات التقنية الماهرة.

ثانياً، يرتبط التعليم التقني ارتباطاً وثيقاً بمفهوم “التوطين”، أي استبدال العمالة الوافدة بكوادر وطنية مؤهلة. فالكثير من الوظائف التي تشغلها العمالة الوافدة في القطاعات الصناعية والخدمية واللوجستية والسياحية ليست وظائف تتطلب شهادات جامعية عليا، بل تتطلب مهارات تقنية وحرفية متخصصة، وهذا بالضبط ما توفره الكليات التطبيقية والتقنية.

ثالثاً، يساهم هذا النوع من التعليم في تنويع مصادر الدخل الوطني، حيث يدعم القطاعات غير النفطية كالصناعة والسياحة واللوجستيات والاقتصاد الرقمي، وهي القطاعات التي تراهن عليها رؤية “عُمان 2040” بشكل كبير في تحقيق التنويع الاقتصادي المنشود.

ثانياً: الكليات التطبيقية في السلطنة – الواقع والإمكانات

2.1 نشأة وتطور الكليات التطبيقية

شهدت السلطنة في العقود الأخيرة جهوداً متواصلة لتطوير منظومة التعليم التقني والمهني، تجلت في إنشاء شبكة واسعة من الكليات التقنية والتطبيقية المنتشرة في مختلف محافظات السلطنة. وقد جاءت خطوة دمج كليات العلوم التطبيقية وكليات التقنية ضمن مؤسسة واحدة، هي “جامعة التقنية والعلوم التطبيقية”، كخطوة استراتيجية تهدف إلى توحيد الجهود وتعزيز كفاءة المنظومة التعليمية التقنية، وتقليل التشتت في الموارد والإمكانات، وتوفير مسارات تعليمية أكثر تكاملاً ووضوحاً للطلبة.

تنتشر فروع هذه المؤسسة التعليمية في محافظات السلطنة المختلفة، من مسقط إلى صحار، ومن صلالة إلى نزوى وإبراء وغيرها، بما يعكس التزاماً واضحاً بمبدأ العدالة في توزيع الفرص التعليمية والتنموية بين مختلف مناطق السلطنة، ويضمن في الوقت ذاته تأهيل كوادر محلية قريبة من المشاريع الصناعية والاستثمارية القائمة في تلك المناطق.

2.2 التخصصات التطبيقية ومواكبتها لاحتياجات السوق

تتميز الكليات التطبيقية بتنوع تخصصاتها الذي يغطي قطاعات اقتصادية متعددة، من أبرزها:

  • الهندسة التطبيقية: تشمل هندسة الاتصالات، الهندسة الكهربائية، الهندسة الميكانيكية، وهندسة النفط والغاز، وهي تخصصات تخدم القطاعات الصناعية الكبرى في السلطنة.
  • تقنية المعلومات والاتصالات: في ظل التحول الرقمي المتسارع الذي تشهده عُمان كجزء من استراتيجيتها الرقمية، أصبحت هذه التخصصات أكثر أهمية من أي وقت سابق.
  • العلوم البحرية واللوجستية: ارتباطاً بموقع عُمان الاستراتيجي على السواحل وموانئها الكبرى كصحار والدقم وصلالة، تبرز أهمية هذا القطاع بشكل متزايد.
  • التصميم والفنون التطبيقية: تخصصات تخدم قطاعات الإعلام والإعلان والصناعات الإبداعية الناشئة.
  • العلوم الصحية المساعدة: تخصصات تدعم القطاع الصحي وتقلل الاعتماد على الكوادر الصحية الوافدة في بعض التخصصات المساعدة.

إن هذا التنوع في التخصصات يعكس وعياً مؤسسياً بضرورة مواءمة مخرجات التعليم التقني مع احتياجات سوق العمل المتغيرة، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل التحولات الاقتصادية السريعة التي يشهدها العالم بفعل التطور التقني والتحول الرقمي.

2.3 الشراكة مع القطاع الخاص: ضرورة لا اختيار

من أهم العوامل التي تحدد جودة ونجاح التعليم التقني والمهني هي درجة الشراكة القائمة بين المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص. ولا يمكن لأي كلية تطبيقية أن تخرّج كوادر مؤهلة فعلياً لسوق العمل دون أن تكون هناك قنوات تواصل مستمرة مع الشركات والمؤسسات الصناعية لفهم احتياجاتها المتغيرة وتحديث المناهج بما يتوافق معها.

وتسعى الكليات التطبيقية في عُمان إلى تعزيز هذا النوع من الشراكات من خلال:

  • برامج التدريب التعاوني والتدريب الميداني التي تتيح للطلبة فرصة الانخراط في بيئة العمل الفعلية قبل التخرج.
  • استضافة خبراء من القطاع الصناعي لتقديم محاضرات وورش عمل تكميلية.
  • تطوير المناهج بالتعاون مع لجان استشارية تضم ممثلين عن القطاعات الصناعية المختلفة.
  • إنشاء مراكز تميز وحاضنات أعمال داخل الكليات لدعم الابتكار وريادة الأعمال بين الطلبة.

ثالثاً: التوطين – من المفهوم إلى التطبيق

3.1 مفهوم التوطين وأبعاده

يُعرَّف “التوطين” في السياق العُماني بأنه السياسة الرامية إلى زيادة نسبة العمانيين العاملين في القطاعين العام والخاص، عبر استبدال العمالة الوافدة تدريجياً بكوادر وطنية مؤهلة، مع الحفاظ على كفاءة الإنتاج وجودة الخدمات. ولا يقتصر مفهوم التوطين على الجانب الكمي المتعلق بأعداد العمانيين الموظفين، بل يمتد ليشمل الجانب النوعي المتعلق بمدى تأهيل هذه الكوادر وقدرتها على المنافسة وتحمل المسؤوليات الفعلية في مواقعها الوظيفية.

3.2 التحديات التي تواجه جهود التوطين

على الرغم من الجهود الحكومية المتواصلة في هذا المجال، تواجه سياسات التوطين عدداً من التحديات الجوهرية:

الفجوة بين المهارات والاحتياجات: لا تزال هناك فجوة بين ما يتم تدريسه في بعض المؤسسات التعليمية وما تحتاجه الشركات فعلياً، وهذا يتطلب جهداً متواصلاً من التحديث والمراجعة الدورية للمناهج.

النظرة الاجتماعية للعمل التقني والمهني: لا تزال بعض الأسر والطلبة ينظرون إلى التعليم التقني والمهني كخيار أقل مكانة من التعليم الجامعي التقليدي، وهذا التصور الثقافي يحتاج إلى جهد مجتمعي مستمر لتغييره عبر التوعية وتسليط الضوء على قصص النجاح في هذا المجال.

تفاوت الأجور والحوافز: في بعض القطاعات، لا تزال الأجور المقدمة للكوادر الوطنية الجديدة أقل جاذبية مقارنة بالعمالة الوافدة من حيث كلفة التشغيل بالنسبة للشركات، وهو ما يتطلب حوافز حكومية إضافية لتحفيز القطاع الخاص على التوطين الفعلي وليس الشكلي.

استمرارية التدريب والتطوير: التوطين الناجح لا يتوقف عند لحظة التوظيف، بل يتطلب برامج تدريب وتطوير مستمرة لمواكبة المستجدات التقنية والمهنية في كل قطاع.

3.3 دور الكليات التطبيقية في معالجة هذه التحديات

تلعب الكليات التطبيقية دوراً محورياً في معالجة هذه التحديات من خلال عدة محاور:

أولاً، من خلال تحديث المناهج بشكل دوري بالتعاون مع القطاع الصناعي لضمان مواءمتها مع المتطلبات الفعلية لسوق العمل، بدلاً من الاعتماد على مناهج جامدة لا تتطور مع الزمن.

ثانياً، من خلال برامج التدريب العملي المكثف التي تضمن أن يتخرج الطالب وهو يحمل خبرة عملية حقيقية، لا معرفة نظرية فقط، وهذا يقلل بشكل كبير من فترة “التأهيل الإضافي” التي تحتاجها الشركات بعد التوظيف.

ثالثاً، من خلال برامج التوعية المهنية التي تستهدف الطلبة وأسرهم لتعريفهم بفرص العمل الواقعية المتاحة في كل تخصص تقني، وتقليص الفجوة بين التوقعات والواقع.

رابعاً، من خلال حاضنات الأعمال ومراكز الابتكار التي تشجع الخريجين على إنشاء مشاريعهم الخاصة بدلاً من الاعتماد الكامل على التوظيف في القطاع العام أو الخاص، وهذا يخلق نوعاً مختلفاً من “التوطين” يتمثل في توطين الفرص الاقتصادية نفسها لا فقط الوظائف.

رابعاً: برنامج “عُمان الإبحار” – رؤية استراتيجية للتوطين

4.1 سياق ظهور البرنامج

يأتي برنامج “عُمان الإبحار” ضمن سلسلة من المبادرات والبرامج الوطنية التي أطلقتها الحكومة العُمانية بهدف تسريع وتيرة التوطين في القطاعات الاقتصادية المختلفة، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي فرضتها التقلبات في أسواق النفط العالمية، والتي أكدت الحاجة الملحة إلى الإسراع بخطى التنويع الاقتصادي وتمكين الكادر الوطني من قيادة هذا التنويع.

يستمد البرنامج اسمه من فكرة “الإبحار” التي تحمل دلالات رمزية عميقة في الثقافة العُمانية، أمة بحرية عريقة عرفت منذ القدم بريادتها في مجال الملاحة والتجارة البحرية. ويرمز “الإبحار” هنا إلى الانطلاق نحو آفاق جديدة من الإنتاجية والتمكين الاقتصادي، وكأن السلطنة تخوض رحلة بحرية جديدة، لكنها هذه المرة رحلة في بحار الاقتصاد المعرفي والتنويع الإنتاجي.

4.2 الأهداف والمحاور الرئيسية

يهدف برنامج “عُمان الإبحار”، بحسب ما تم الإعلان عنه من الجهات الحكومية المعنية، إلى تحقيق عدد من الأهداف الاستراتيجية المتكاملة:

تسريع معدلات التوطين: من خلال تحديد قطاعات ووظائف معينة يتم فيها استبدال العمالة الوافدة بكوادر وطنية، وفق خطط زمنية محددة وآليات تنفيذ واضحة.

تأهيل الكفاءات الوطنية: عبر برامج تدريبية وتأهيلية تستهدف الباحثين عن عمل، بما يضمن جاهزيتهم الفعلية لشغل الوظائف المستهدفة بالتوطين، وهنا تحديداً تتقاطع جهود البرنامج مع دور الكليات التطبيقية والتقنية بشكل مباشر.

تحفيز القطاع الخاص: من خلال تقديم حوافز ومزايا للشركات التي تلتزم بخطط التوطين المعتمدة، وربط هذه الحوافز بمؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس.

متابعة وتقييم الأداء: عبر آليات رقابية ومتابعة مستمرة لضمان التزام الجهات المختلفة بخطط التوطين الموضوعة، وعدم تحول البرنامج إلى مجرد إعلان نوايا دون تنفيذ فعلي على الأرض.

4.3 العلاقة بين “عُمان الإبحار” والتعليم التقني والمهني

لا يمكن لبرنامج “عُمان الإبحار”، أو أي برنامج توطين مماثل، أن ينجح في تحقيق أهدافه دون وجود منظومة تعليمية وتدريبية قوية تغذيه باستمرار بكوادر مؤهلة. وهنا تحديداً يتجلى الدور المحوري للكليات التطبيقية والتقنية، التي تمثل بمثابة “خط الإنتاج” الأساسي للمهارات الوطنية المطلوبة لتنفيذ خطط التوطين.

فالعلاقة بين البرنامج والكليات والجامعات التطبيقية علاقة تكاملية وتبادلية بطبيعتها: فمن جهة، يحدد البرنامج القطاعات والوظائف ذات الأولوية للتوطين، وهذا يساعد الكليات التطبيقية في توجيه خططها التعليمية والقبول نحو التخصصات الأكثر طلباً في سوق العمل. ومن جهة أخرى، تزود الكليات التطبيقية البرنامج بالكفاءات المؤهلة فعلياً لشغل هذه الوظائف، بما يضمن أن يكون التوطين توطيناً نوعياً حقيقياً وليس مجرد عملية إحصائية شكلية.

ولتحقيق هذا التكامل بشكل فعّال، فإن نجاح برامج التوطين الطموحة كـ “عُمان الإبحار” يتطلب:

  • مرونة أكبر في تصميم البرامج التدريبية تتيح تأهيل الباحثين عن عمل بسرعة أكبر في التخصصات ذات الأولوية، عبر برامج تدريبية مكثفة وقصيرة المدى تكمّل البرامج الأكاديمية التقليدية.
  • تنسيق مستمر بين الجهات الحكومية المعنية بالتوطين والمؤسسات التعليمية التقنية لضمان أن تكون خطط القبول والتخصصات الجديدة متوافقة مع توجهات سوق العمل المستقبلية.
  • متابعة مخرجات سوق العمل عبر دراسات وأبحاث دورية تقيس مدى نجاح الخريجين من الكليات التطبيقية في الانخراط الفعلي والمستدام في الوظائف المستهدفة بالتوطين.

خامساً: التحديات المستقبلية والفرص الكامنة

5.1 التحول الرقمي وتأثيره على طبيعة المهارات المطلوبة

يشكل التحول الرقمي المتسارع، بما يحمله من تطورات في مجالات الذكاء الاصطناعي والأتمتة والروبوتات الصناعية، تحدياً وفرصة في آن واحد بالنسبة للتعليم التقني والمهني وجهود التوطين. فمن جهة، تهدد هذه التحولات بإلغاء أو تقليص بعض الوظائف التقليدية التي كان يُخطط لتوطينها، خصوصاً الوظائف ذات الطابع التكراري أو الروتيني. ومن جهة أخرى، تخلق هذه التحولات نفسها فرصاً جديدة كلياً في مجالات لم تكن موجودة من قبل، كتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والصيانة التقنية للأنظمة الذكية، وإدارة المشاريع الرقمية.

وهذا يفرض على الكليات التطبيقية في عُمان ضرورة استمرار تطوير مناهجها بوتيرة أسرع من المعتاد، وتضمين مهارات التحول الرقمي والتفكير التحليلي والمرونة المهنية ضمن جميع التخصصات، لا فقط التخصصات التقنية المحضة، لضمان أن يكون الخريج العُماني قادراً على التكيف مع طبيعة سوق العمل المتغيرة بسرعة.

5.2 تغيير النظرة المجتمعية للتعليم التقني

يبقى التحدي الثقافي والمجتمعي المتعلق بالنظرة إلى التعليم التقني والمهني واحداً من أهم التحديات التي يجب معالجتها على المدى الطويل. فلا تزال بعض الشرائح المجتمعية تفضل التعليم الجامعي التقليدي حتى لو لم يكن مناسباً لقدرات أو اهتمامات الطالب، وذلك بدافع النظرة الاجتماعية لـ “المكانة” المرتبطة بالشهادات الجامعية مقارنة بالشهادات التقنية والمهنية.

ولمواجهة هذا التحدي، يحتاج الأمر إلى جهد مؤسسي ومجتمعي متكامل، يشمل:

  • تسليط الضوء على قصص النجاح الفعلية لخريجي الكليات التطبيقية الذين حققوا مكانة مهنية ومالية متميزة في مجالاتهم.
  • تعزيز برامج التوجيه المهني في المراحل الدراسية المبكرة، بما يساعد الطلبة على اتخاذ قرارات تعليمية ومهنية مبنية على فهم حقيقي لقدراتهم وتوجهات سوق العمل.
  • إبراز الدور الاقتصادي الحيوي الذي تلعبه الكفاءات التقنية في بناء الاقتصاد الوطني، وربط هذا الدور بمفاهيم الانتماء الوطني والمساهمة في تحقيق رؤية “عُمان 2040”.

5.3 الفرص الواعدة في القطاعات الاستراتيجية

تحمل الخارطة الاقتصادية العُمانية المستقبلية فرصاً واعدة عديدة يمكن للتعليم التقني والمهني أن يلعب فيها دوراً محورياً، من أبرزها:

القطاع اللوجستي والموانئ: مع استمرار تطوير موانئ السلطنة الكبرى كميناء الدقم وميناء صحار، تتزايد الحاجة إلى كفاءات وطنية متخصصة في إدارة العمليات اللوجستية والشحن والتخزين.

السياحة والضيافة: في ظل توجه السلطنة لتنويع مصادر دخلها من خلال تنمية القطاع السياحي، تتزايد الحاجة إلى كفاءات وطنية في مجالات الضيافة والإدارة السياحية والمرشدين السياحيين.

الطاقة المتجددة والاستدامة: مع التوجه العالمي والمحلي نحو الطاقة النظيفة، تبرز فرص واسعة في مجالات تقنيات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، وهي مجالات تتطلب كفاءات تقنية متخصصة يمكن للكليات التطبيقية أن تلعب دوراً رائداً في تأهيلها.

الاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال: مع تزايد الاهتمام بدعم الشركات الناشئة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، تبرز فرصة لربط التعليم التقني بمهارات ريادة الأعمال والابتكار، بما يخلق جيلاً من الخريجين القادرين على خلق فرص عملهم بأنفسهم بدلاً من الاعتماد الكامل على سوق العمل التقليدي.

سادساً: نحو رؤية متكاملة – توصيات لتعزيز التكامل بين التعليم التقني والتوطين

استناداً إلى ما سبق، يمكن استخلاص عدد من التوصيات التي قد تساهم في تعزيز فعالية العلاقة بين التعليم التقني والمهني وجهود التوطين في إطار رؤية “عُمان 2040” وبرامج كـ “عُمان الإبحار”:

أولاً، ضرورة تعزيز آليات التنبؤ بمتطلبات سوق العمل المستقبلية عبر دراسات وأبحاث دورية تشارك فيها الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية معاً، بما يضمن أن تكون خطط القبول والتخصصات الجديدة في الكليات التطبيقية متوافقة مع التوجهات الاقتصادية المستقبلية، وليس فقط مع الاحتياجات الحالية.

ثانياً، تعزيز برامج التدريب المهني المرن وقصير المدى الموجهة للباحثين عن عمل، بالتوازي مع البرامج الأكاديمية التقليدية، بما يتيح استجابة أسرع لاحتياجات التوطين العاجلة في بعض القطاعات.

ثالثاً، تطوير منظومة متابعة وتقييم شاملة تقيس مدى نجاح خريجي الكليات التطبيقية في الانخراط الفعلي والمستدام في سوق العمل، وربط نتائج هذا التقييم بتطوير المناهج وخطط القبول المستقبلية.

رابعاً، تعزيز الحوافز المقدمة للقطاع الخاص لتوظيف الكفاءات الوطنية المؤهلة من الكليات التطبيقية، وربط هذه الحوافز بمعايير جودة واضحة، لا بمجرد أرقام التوطين الكمية.

خامساً، الاستمرار في برامج التوعية المجتمعية بأهمية التعليم التقني والمهني، وتغيير النظرة الثقافية السلبية المرتبطة به في بعض الشرائح المجتمعية.

خاتمة

إن العلاقة بين التعليم التقني والمهني وجهود التوطين في سلطنة عُمان ليست علاقة عابرة أو ظرفية، بل هي علاقة استراتيجية عميقة تمثل أحد أهم أعمدة تحقيق رؤية “عُمان 2040”. فالكليات التطبيقية، بما تقدمه من تخصصات متنوعة ومناهج متطورة وشراكات فعّالة مع القطاع الخاص، تمثل الرافد الأساسي الذي يغذي برامج التوطين المختلفة، وعلى رأسها برنامج “عُمان الإبحار”، بالكفاءات الوطنية المؤهلة القادرة على قيادة عملية التنويع الاقتصادي المنشودة.

وبينما يحمل المستقبل تحديات حقيقية تتعلق بالتحول الرقمي وتغيير طبيعة المهارات المطلوبة، والنظرة المجتمعية للتعليم التقني، والفجوة المستمرة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، فإنه يحمل في الوقت ذاته فرصاً واعدة في قطاعات استراتيجية متعددة كاللوجستيات والسياحة والطاقة المتجددة والاقتصاد الرقمي.

ولتحقيق النجاح المنشود في هذا المسار، يحتاج الأمر إلى جهد متكامل ومستمر من جميع الأطراف المعنية: الحكومة بمؤسساتها المختلفة، والمؤسسات التعليمية التقنية والتطبيقية، والقطاع الخاص، والمجتمع بأسره. فقط من خلال هذا التكامل يمكن لـ “عُمان الإبحار” أن تحقق غاياتها الكبرى، ولتكون رحلة الإبحار نحو مستقبل اقتصادي متنوع ومستدام رحلة ناجحة بحق، تليق بتاريخ عُمان البحري العريق وبتطلعات أبنائها نحو مستقبل أفضل.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية