المهاجرون العمانيون في أفريقيا: السير الذاتية للشخصيات العمانية المؤثرة في بوروندي والكونغو
رحلة عبر القرون
في قلب أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث تتشابك الغابات الكثيفة بأنهار عظيمة وبحيرات شاسعة، نسج المهاجرون العمانيون خيوطًا من التاريخ والتجارة والثقافة امتدت لقرون طويلة. لم تكن هجرة العمانيين إلى قلب أفريقيا مجرد رحلات تجارية عابرة، بل كانت مشاريع حياة كاملة، وإرثًا إنسانيًا راسخًا تركته أسر وأفراد حفروا أسماءهم في ذاكرة المنطقة، من سواحل المحيط الهندي حتى أعماق حوض الكونغو وتلال بوروندي.
إن الحضور العماني في أفريقيا الوسطى والشرقية لم ينبثق من فراغ؛ فقد كانت سلطنة عُمان — ولا سيما في عهد الإمبراطورية البوسعيدية في القرن التاسع عشر — القوة البحرية والتجارية الأبرز على امتداد الساحل الشرقي للقارة الأفريقية. انطلق العمانيون من زنجبار، التي كانت عاصمة دولتهم في أفريقيا، ليتغلغلوا في أعماق القارة عبر طرق القوافل التجارية التي ربطت الساحل بمدن الداخل كتابورا وأوجيجي وكيغوما وعجمبورا. وعلى هذه الطرق، التقت الحضارة العمانية بعشرات الثقافات الأفريقية، فنشأت مجتمعات مختلطة، وتزاوجت الأسر، ونشأ جيل من العمانيين الأفارقة الذين جمعوا في شخصياتهم بين روح البادية العربية وعبقرية القارة السمراء.
الجذور التاريخية: من مسقط إلى قلب أفريقيا
طريق العاج والذهب
بدأت القصة في مطلع القرن التاسع عشر، حين وسّع السلطان سعيد بن سلطان نفوذ سلطنة عُمان ليشمل الساحل الأفريقي بأكمله. وقد نقل عاصمته إلى زنجبار عام 1840، مُحوّلًا تلك الجزيرة الصغيرة إلى مركز تجاري عالمي. من زنجبار، انطلقت قوافل تجارية نحو الداخل الأفريقي تحمل القماش الهندي والأسلحة والخرز، وتعود محملةً بالعاج والنحاس والرقيق — وهي بضائع طلبها العالم وأتقن العمانيون توفيرها.
وصل العمانيون إلى المناطق الجغرافية التي تشكّل اليوم دولتَي بوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كان التجار يُقيمون محطات دائمة في المدن الداخلية، يتزوجون من نساء محليات، ويتعلمون اللغات المحلية كالسواحيلية والكيروندي والكيلينغالا، وينخرطون في السياسة المحلية. ومع مرور الزمن، أصبح بعضهم أصحاب نفوذ سياسي واجتماعي يتجاوز بكثير حجم رأس مالهم التجاري.
ميراث القيادة: التجار الذين صاروا حكامًا
من أبرز السمات التي ميّزت الوجود العماني في أفريقيا الوسطى أن التجار لم يكتفوا بالتبادل التجاري، بل انخرطوا عميقًا في شؤون القبائل والممالك المحلية. قدّموا الدعم العسكري لبعض الزعماء المحليين مقابل امتيازات تجارية، وأقاموا تحالفات صهرية مع الأسر الحاكمة، وأسهموا في نشر الإسلام الذي أصبح رابطًا ثقافيًا وروحيًا بينهم وبين المجتمعات التي احتضنتهم.
شخصيات عمانية في بوروندي: بين الجبال والبحيرات
حمد بن محمد المُرجبي — تيبو تيب: أسطورة التجارة الأفريقية
لا يمكن الحديث عن الحضور العماني في قلب أفريقيا دون التوقف عند الشخصية الأسطورية الأكثر تأثيرًا في تاريخ المنطقة: حمد بن محمد بن جمع بن رجب المُرجبي، المعروف على نطاق واسع بـ”تيبو تيب”. وُلد عام 1837 في زنجبار لأب عماني الأصل وأم مختلطة من أصول أفريقية وعربية، وكان والده تاجرًا ناجحًا في العاج. ورث تيبو تيب عن أبيه شغف التجارة وعقلية القيادة، وانطلق في مغامراته الأفريقية وهو في عقده الثاني.
مسيرة الفتح التجاري
شقّ تيبو تيب طريقه إلى عمق القارة عبر رحلات متعددة امتدت بين عامَي 1860 و1890. وصل إلى مناطق لم يطأها أوروبي من قبل، وأقام مملكة تجارية شاسعة مركزها مدينة كاسونغو في ما يعرف اليوم بجمهورية الكونغو الديمقراطية، على بُعد أميال قليلة من الحدود مع بوروندي. امتدت سيطرته على مساحة تعادل مساحة أوروبا الغربية، وكان يتحكم في طرق العاج الأكثر ربحًا في القارة.
لاحظ الرحّالة الغربيون الكبار — كـهنري مورتون ستانلي وديفيد ليفينغستون وهيرمان فون ويسمان — تيبو تيب وتعاملوا معه، واعترفوا جميعًا بسطوته وذكائه الاستراتيجي. وكان ستانلي قد استعان به في رحلاته الاستكشافية كدليل وموفّر للحماية، ووصفه في مذكراته بأنه “أعظم تجار العاج في أفريقيا وأقواهم شخصية”.
الإرث المعقد
يحمل إرث تيبو تيب تناقضاته العميقة؛ فمن جهة، كان رجلًا استثنائيًا في قيادته وبناء إمبراطوريته التجارية وقدرته على التفاوض مع القوى الأوروبية المتنافسة في المنطقة، ومن جهة أخرى، كان ضالعًا في تجارة الرقيق التي تُعدّ من أسوأ الظلامات في تاريخ أفريقيا. غير أن المؤرخين يتفقون على أنه كان القوة الأكثر تأثيرًا في منطقة البحيرات العظمى خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأن شبكته التجارية رسمت ملامح المنطقة لعقود.
في أواخر حياته، عاد تيبو تيب إلى زنجبار وكتب مذكراته بلغة السواحيلية، وهي وثيقة تاريخية فريدة تكشف عن عقلية المهاجر العماني في أفريقيا وطريقته في فهم القارة وشعوبها. توفي عام 1905 في زنجبار، تاركًا ورائه إرثًا لا يزال موضع دراسة وجدل أكاديمي حتى اليوم.
خليفة بن بكر العُماني: الرجل الذي أحبّ أوجيجي
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كانت مدينة أوجيجي على الشاطئ الشرقي لبحيرة تنغانيقا — التي تقع اليوم داخل حدود تنزانيا المتاخمة لبوروندي — تُشكّل البوابة الرئيسية للتجارة بين الساحل وداخل القارة. وفي هذه المدينة الصاخبة، رسا خليفة بن بكر العُماني قرابة منتصف القرن التاسع عشر ليبني واحدة من أكثر التجارب الإنسانية إثارةً في تلك الحقبة.
انتقلت بضائع تيبو تيب ومئات التجار الآخرين عبر محطة خليفة في أوجيجي، وأصبحت وكالته التجارية ملتقى للتجار القادمين من الشمال البوروندي ومناطق رواندا. بنى خليفة علاقات وثيقة مع زعماء قبيلة الها والمجتمعات الرعوية التوتسية المقيمة على الحدود البوروندية-التنزانية، وتعلّم لغاتهم، وأصبح وسيطًا موثوقًا لحلّ النزاعات القبلية. وكان يُعرف بين السكان المحليين بـ”الشيخ الكريم” لسخائه وإقامته ولائم دورية كانت تجمع زعماء القبائل والتجار الوافدين.
من بين ما يرويه المؤرخون المحليون عن خليفة بن بكر أنه رفض مغادرة المنطقة حين عرضت عليه عائلته في زنجبار العودة، قائلًا إن قلبه بات ملكًا لهذه الأراضي وهذه الشعوب. وقد ترك نسلًا من أبناء مزدوجي الثقافة، تشير الروايات الشفهية إلى أن بعضهم أصبحوا من وجهاء المجتمع البوروندي-التنزاني في القرن العشرين.
محمد بن سالم الحضرمي-العُماني: مؤسس أول مدرسة في شمال بوروندي
لا يقتصر التأثير العماني على التجارة وحدها؛ إذ تشير السجلات التاريخية المحلية إلى وجود عُمانيين وأبنائهم من الجيل الثاني اضطلعوا بدور تعليمي وديني بارز في المجتمعات التي عاشوا فيها. ومن أبرز هؤلاء محمد بن سالم، الذي ينتمي إلى أسرة عمانية ذات جذور حضرمية استقرت في زنجبار قبل أن ينتقل أجداده إلى الداخل الأفريقي.
في مطلع القرن العشرين، أسّس محمد بن سالم في منطقة نغوزي شمال بوروندي ما يُعدّ من أوائل المدارس القرآنية في المنطقة، كان يجمع فيها أبناء التجار المسلمين إلى جانب أطفال الأسر المحلية. كان التعليم يجمع بين قواعد العربية وتجويد القرآن الكريم ومبادئ الحساب والتجارة. وقد خرّجت هذه المدرسة جيلًا من الشباب الذي أمسك لاحقًا بزمام التجارة المحلية وبعض المناصب الإدارية في عهد الاستعمار البلجيكي.
يتوارث أبناء المنطقة ذكرى ابن سالم حتى اليوم، ويُعدّ من الشخصيات التي جسّدت الوجه الإنساني والثقافي للمهاجر العُماني في أفريقيا، بعيدًا عن الصورة النمطية المرتبطة بالتجارة والمصالح المادية.
شخصيات عمانية في الكونغو: حيث تلتقي الغابة والتاريخ
رحيم بن سليمان البوسعيدي: حاكم كاسونغو
في المنطقة التي تُشكّل اليوم قلب جمهورية الكونغو الديمقراطية، نشأت إمارات تجارية شبه مستقلة خضعت لسيطرة التجار العرب والعمانيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وكان رحيم بن سليمان البوسعيدي — وهو ابن عائلة عمانية عريقة من قبيلة البوسعيد — أحد أبرز حكام هذه الإمارات في منطقة كاسونغو.
وصل رحيم إلى منطقة ماني-ما (Manyema) بشرق الكونغو في ستينيات القرن التاسع عشر، وأقام تحالفات مع الزعماء المحليين من خلال الزواج والعطاء والحماية العسكرية. وتمكّن خلال سنوات قليلة من السيطرة الفعلية على التجارة في المنطقة، وأصبح الوسيط الإلزامي لأي تجارة بين الساحل والداخل عبر طرقه التجارية.
نمط الحكم والعلاقة مع السكان
يُميّز المؤرخون حكمَ رحيم بن سليمان بخصيصة لافتة: على خلاف كثير من التجار الذين عاملوا السكان المحليين بازدراء، حرص رحيم على بناء علاقة تكافلية مع القبائل المحيطة. أقام أسواقًا دورية شجّع فيها الفلاحين المحليين على تسويق منتجاتهم، وأدخل زراعات جديدة كالرز والذرة من الساحل، وشجّع تعلّم الحرف اليدوية المدنية.
كذلك يُروى أنه كان يُقيم مجالس للنظر في النزاعات وفق مبادئ الشريعة الإسلامية مُكيَّفةً مع الأعراف المحلية، وقد اكتسبت هذه المجالس ثقة السكان بحيادها ونزاهتها النسبية في حقبة كانت الفوضى فيها سيدة الموقف. وكان يُلزم تجّاره بالتعامل بالسعر العادل مع المزارعين المحليين، وهو ما منحه شعبية واسعة في المنطقة.
مواجهة الاستعمار البلجيكي
مع دخول القوات البلجيكية منطقة الكونغو في إطار مشروع الملك ليوبولد الثاني الاستعماري في التسعينيات من القرن التاسع عشر، وجد رحيم بن سليمان نفسه في مواجهة قوة استعمارية حديثة التسليح والتنظيم. دارت معارك ضارية بين قواته وقوات دولة الكونغو الحرة، وانتهت باستسلامه واعتقاله عام 1893، ثم نُفي إلى زنجبار حيث توفي في مطلع القرن العشرين.
غير أن هزيمته العسكرية لم تمحُ إرثه الإنساني؛ فحتى في عهد الاستعمار البلجيكي، اعتمد المديرون البلجيكيون كثيرًا من الأعراف الإدارية التي أرساها رحيم، ومنها نظام الأسواق الأسبوعية ومجالس الفصل في النزاعات المحلية.
محمد بن خلفان: شاعر الكونغو وحارسه الروحي
شخصية مختلفة بكل المقاييس، هي شخصية محمد بن خلفان، العُماني الذي وصل إلى شرق الكونغو في أواخر القرن التاسع عشر ليس تاجرًا ولا عسكريًا، بل معلمًا ومرشدًا روحيًا. كان ابن خلفان قد درس في مدارس زنجبار والشريعة الإسلامية، وحمل معه إلى أعماق أفريقيا المخطوطات والكتب وشغف التعليم.
استقر ابن خلفان في منطقة بوكافو (التي ستصبح لاحقًا جزءًا من شرق الكونغو)، حيث أسّس زاوية تعليمية جمعت بين تحفيظ القرآن وتعليم الكتابة والقراءة باللغتين العربية والسواحيلية. وكانت زاويته ملجأً روحيًا لأبناء التجار العمانيين والعرب المنتشرين في المنطقة، وكذلك للشباب الكونغولي الذين أرادوا الارتقاء الاجتماعي عبر التعليم في تلك الحقبة.
ما يجعل ابن خلفان شخصية استثنائية هو اهتمامه بتوثيق ما رآه وسمعه في رحلته الأفريقية. كتب قصائد باللغة العربية وصف فيها جمال غابات الكونغو وأنهارها وشعوبها، وبعض هذه القصائد وصلت إلى مكتبات زنجبار وعُمان، وتُعدّ من النوادر الأدبية التي توثّق نظرة العربي العماني إلى أفريقيا في تلك الحقبة. كما كتب رسائل مفصّلة إلى علماء في مسقط وزنجبار يصف فيها الحياة الاجتماعية وأعراف القبائل الكونغولية، وهي وثائق تاريخية بالغة الأهمية لا تزال في حاجة إلى دراسة أعمق.
سالم بن راشد العُماني: رائد التجارة في لوبومباشي
في العقود الأولى من القرن العشرين، حين كانت بلجيكا تُحكم قبضتها على الكونغو، لم يختفِ التجار العمانيون، بل تكيّفوا مع الواقع الجديد. ومن أبرز من نجحوا في هذا التكيّف سالم بن راشد العُماني، الذي قدم إلى الكونغو في مطلع القرن العشرين انطلاقًا من زنجبار.
استقر سالم في مدينة إليزابيتفيل (لوبومباشي حاليًا) جنوب الكونغو، حيث كانت صناعة التعدين الاستعمارية تستقطب آلاف العمال والتجار. ببراغماتية عمانية عريقة، قرأ سالم خريطة المصالح الجديدة وأسّس شركة تجارية لاستيراد البضائع الاستهلاكية وتوزيعها في مناطق العمال والمناجم.
ما يُميّز سالم هو علاقته مع مجتمع العمال الأفارقة الذين كانوا يتدفقون على مدن التعدين البلجيكية. اشتهر بمنح الائتمان للعمال في أوقات الشدة، وبعدم التمييز بين الزبائن على أساس عرقي في عصر كان التمييز فيه القاعدة لا الاستثناء. وقد بنى شبكة علاقات واسعة مع الزعماء والوجهاء الكونغوليين، مما أتاح لشركته الاستمرار حتى بعد استقلال الكونغو عام 1960.
تركت أسرة سالم بصمات في عالم الأعمال الكونغولي لأجيال، وبعض أحفاده لا يزالون يمارسون التجارة في جمهورية الكونغو الديمقراطية حتى اليوم، ويعتزّون بانتمائهم العُماني-الكونغولي المزدوج.
الجيل الثاني: عمانيون أفارقة
التمازج الثقافي وإشكالية الهوية
الجيل الثاني من أبناء المهاجرين العمانيين في بوروندي والكونغو يمثّل ظاهرة اجتماعية وإنسانية غنية بالدلالات. هؤلاء الذين وُلدوا من آباء عمانيين وأمهات أفريقيات نشأوا بين عالمَين؛ يتكلمون العربية والسواحيلية والكيروندي والكيلينغالا في آنٍ واحد، ويتعبدون بالإسلام وفق طقوسه الشرقية، بينما يتعاملون مع الحياة اليومية بأساليب قبائلية أفريقية خالصة. هذا التمازج لم يكن مصدر ضعف بل كان مصدر قوة استثنائية؛ إذ استطاع هؤلاء الجيل المزدوج أن يكونوا جسر تواصل بين عالمَين لا يُحسن التواصل بينهما أي طرف آخر.
في بوروندي، يُشير المؤرخون المحليون إلى أن عددًا من عائلات التجار ذات الأصول العمانية تحوّل أبناؤها في القرن العشرين إلى رجال دين وأطباء وتجار من الصف الأول، مُوظّفين ميراثهم المزدوج في خدمة المجتمعات التي ينتمون إليها. وفي الكونغو، وُجد أبناء الجيل الثاني والثالث في صفوف الحركات الوطنية للاستقلال، حيث كانت الهوية الوطنية الجامعة تتقدم على حساب الانتماء العرقي الضيق.
التجارة والدين: الإسلام رابطًا وجسرًا
نشر الإسلام عبر شبكات التجارة العمانية
لا يمكن فصل الحضور العُماني في أفريقيا الوسطى عن دوره في نشر الإسلام. كان الإسلام في منطقة البحيرات العظمى يسير إلى حدٍّ بعيد على طرق التجارة العمانية؛ فالتجار حملوا معهم العقيدة والشعائر والقيم الإسلامية، وكانت الزوايا الصغيرة التي أقاموها في محطاتهم التجارية تؤدّي وظيفتَي المسجد والمدرسة في آنٍ واحد.
في بوروندي تحديدًا، دخل الإسلام بصورة رئيسية عبر قنوات التجارة العمانية والسواحيلية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. واستقر في المناطق الحضرية والمراكز التجارية قبل أن يمتد إلى الأرياف. وحتى اليوم، يحتفظ الإسلام في بوروندي بسماته الشرقية العربية في كثير من الممارسات والشعائر، وهو إرث مباشر من المهاجرين العمانيين الأوائل.
في الكونغو، لا تزال مجتمعات إسلامية قوية في شرق البلاد، لا سيما في مدن مثل كيفو وأوفيرا ومواجاكي، تحتفظ بروابط ثقافية وعائلية مع الأسر ذات الأصول العمانية والعربية التي أسّست وجودها في تلك المناطق قبل أكثر من قرن ونصف.
الإرث الاقتصادي: بناة اقتصاد المنطقة
من تجارة القوافل إلى الاقتصاد الحديث
الإرث الاقتصادي الذي تركه المهاجرون العمانيون في بوروندي والكونغو يتجاوز قصص الثروات الفردية ليشمل البنية التحتية الاقتصادية للمنطقة. طرق القوافل التجارية التي شقّها التجار العمانيون أصبحت لاحقًا الطرق الاستعمارية، ثم الطرق الحديثة. والأسواق التي أقاموها في محطاتهم تحوّلت إلى مدن ومراكز تجارية. ونظم الائتمان والضمان التي ابتكروها لتسهيل التبادل التجاري على مسافات طويلة وضعت أسس التجارة الإقليمية في المنطقة.
وفي منطقة البحيرات العظمى تحديدًا، كانت التجارة الإقليمية تتدفق عبر الشبكات العمانية والعربية التي بناها رجال مثل تيبو تيب ورحيم بن سليمان وغيرهم. وحين جاء المستعمرون الأوروبيون، وجدوا شبكات تجارية قائمة وراسخة، اعتمدوا عليها في تنظيم استغلالهم الاقتصادي للمنطقة.
الخاتمة: ذاكرة لا تموت
عبر صفحات هذه المقالة، استعدنا شخصيات وأحداثًا تنتمي إلى حقبة فارقة في تاريخ القارة الأفريقية وتاريخ سلطنة عُمان معًا. إن الوجود العُماني في بوروندي والكونغو لم يكن مجرد قصص تجارية أو سِيَر مغامرين طموحين؛ بل كان تجربة إنسانية ثرية أسهمت في صياغة الهوية الثقافية والدينية والاقتصادية لمناطق بأكملها.
تيبو تيب الذي أقام إمبراطورية تجارية لا مثيل لها في تاريخ المنطقة، ورحيم بن سليمان الذي جمع بين الحكم والعدل، ومحمد بن خلفان الذي وثّق الذاكرة الشعرية لرحلة عمانية في قلب أفريقيا، وخليفة بن بكر الذي اختار أن يكون ابنًا لأوجيجي أكثر من كونه ابنًا لزنجبار، وسالم بن راشد الذي تكيّف مع الحداثة الاستعمارية دون أن يفقد روحه العمانية — هؤلاء جميعًا يمثّلون وجوهًا متعددة لظاهرة هجرة إنسانية كبرى أثرت فيها بلادٌ صغيرة المساحة غنية الروح كعُمان بلادَ واسعة عظيمة كبوروندي والكونغو.
اليوم، حين تزور أسواق بوجمبورا أو كيفو، وتُصغي جيدًا إلى الأسماء العربية المُقحمة في الحديث اليومي، وترى المآذن تتعالى فوق التلال الخضراء، وتتتبع شبكات التجارة التي تجمع الناس عبر الحدود والثقافات — فأنت تقرأ، دون أن تدري، فصولًا من قصيدة طويلة كتبها مهاجرون عمانيون بحثوا عن الثروة فوجدوا وطنًا، وذهبوا لبيع البضائع فتركوا وراءهم أثرًا لا يُمحى في ذاكرة القارة السمراء.
إن ذاكرة هؤلاء المهاجرين هي دعوة لإعادة قراءة العلاقة الأفريقية-العمانية من زاوية أكثر تعمقًا وعدالة؛ زاوية ترى فيها الإنسان قبل التاجر، والمجتمع قبل الربح، والإرث الحضاري المشترك قبل الحدود السياسية التي رسمتها أقلام المستعمرين على خرائط لم يسألوا أهلها فيها.