دولة اليعاربة في عمان (1624–1741م)
تُمثّل دولة اليعاربة في عُمان واحدة من أزهى وأعمق الفترات التاريخية ليس في سجلات شبه الجزيرة العربية فحسب، بل في تاريخ الملاحة والاستراتيجية البحرية العالمية في العصر الحديث. إنها قصة صعود مذهل لكيان سياسي انطلق من عمق جبال عُمان وأوديتها، ليمد أشرعته وسلطانه عبر المحيط الهندي وبحر العرب والخليج العربي، صانعاً ما يُعرف في الأدبيات السياسية والتاريخية بـ “الثالاسوقراطية” (Thalassocracy)، أو الدولة التي تعتمد سيادتها وإمبراطوريتها على القوة البحرية المطلقة والتجارة العابرة للقارات.
امتدت هذه الدولة بين عامي 1624 و1741م (وقيل حتى عام 1744م مع صعود الدولة البوسعيدية)، وحمل حكامها لقب “الإمام”، وهو لقب يدمج في التجربة الفقهية والسياسية الإباضية بين السلطة الروحية والدنيوية، القائمة على الشورى والانتخاب والعدالة الاجتماعية. لقد استطاعت هذه السلالة، في فترة وجيزة من عمر الزمن، أن تقتلع الوجود البرتغالي -أعتى قوة بحرية استعمارية أوروبية في القرن السادس عشر والسابع عشر- من المعاقل الساحلية الحصينة في مسقط، وصحار، وصور، وجلفار، وأن تلاحقهم في عقر قواعدهم في الهند وشرق أفريقيا، ممتدة بسلطانها لتشمل زنجبار ومومباسا ومناطق شاسعة من الساحل الأفريقي، وأجزاء من فارس والخليج العربي، لتبسط نفوذها على مساحة جغرافية هائلة اتخذت من ولاية الرستاق عاصمة ومركزاً لثقلها الإمبراطوري.
الفصل الأول: الأرومة والنسب والجذور السلالية لليعاربة
1. النسب القبلي الشريف
ينحدر اليعاربة من أرومة عربية قحطانية أصيلة، ويرد المؤرخون والنسابون أصولهم إلى يعرب بن قحطان، الجد الأكبر للعرب العاربة، والذي يعود تاريخ وجوده بحسب بعض المصادر الإخبارية والتاريخية إلى حوالي 800 قبل الميلاد. وينسب اليعاربة بدقة في أمهات كتب الأنساب العُمانية والعربية إلى:
نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
وقد هاجرت قبيلة نصر بن زهران اليعربية من اليمن في فترات موغلة في القدم، إثر التحولات الجيوسياسية والتصدعات المائية (كسيل العرم وتصدع سد مأرب)، واستوطنت أودية عُمان وجبالها، حيث اندمجت في النسيج الاجتماعي والقبلي، وانضمت لاحقاً إلى الحلف والتحالف الغافري الشهير في الانقسام القبلي التقليدي العُماني (الغافري ضد الهناوي).
2. الروابط التاريخية مع بني نبهان
تشير الروايات التاريخية والتحليلات السلالية إلى أن اليعاربة يرجعون في أصلهم ونسبهم الأعلى إلى بني نبهان، العائلة الملكية الشهيرة التي حكمت عُمان لقرون عديدة قبل قيام دولة اليعاربة. فاليعاربة هم فرع نبهاني غادر اليمن واستقر في مناطق الداخلية العُمانية (الرستاق، ونخل، وبهلاء)، وتعاظمت ثروتهم المادية والعقارية من خلال امتلاك الأراضي وحفر الأفلاج وبناء الحصون، مما جعلهم مؤهلين اجتماعياً وسياسياً لتصدر المشهد عندما وصلت عُمان إلى نقطة الصفر سياسياً وعسكرياً في أوائل القرن السابع عشر الميلادي.
الفصل الثاني: الخلفية الجيوسياسية لعُمان قبل عام 1624م
1. الثنائية العُمانية التقليدية: الداخل والساحل
لطالما حكمت الجغرافيا والتضاريس طبيعة الاستقرار السياسي في عُمان؛ حيث انقسمت البلاد بنيوياً وتاريخياً بين منطقتين متمايزتين:
- المناطق الداخلية: وهي جبلية وسهلية داخلية، تمتاز بأنها معزولة نسبياً، وقليلة السكان مقارنة بالشريط الساحلي. كانت هذه المناطق تفتقر في كثير من الأحيان إلى حكومة مركزية قوية، وكثيراً ما كانت القبائل تتنازع فيما بينها على الموارد والمياه والزعامات. ومع ذلك، اشتركت هذه القبائل في تمسكها بمؤسسة الإمامة الإباضية، التي كانت تمثل الهوية الروحية والسياسية والتشريعية للداخل.
- المناطق الساحلية: ولا سيما الساحل الشمالي الشرقي المحيط بمسقط، ومطرح، وصحار، وصولاً إلى صور وجلفار. كانت هذه المناطق منفتحة كلياً على العالم الخارجي، وتتحكم في ممرات التجارة الدولية، ولها علاقات تاريخية ممتدة مع بلاد ما بين النهرين، والشرق الأقصى، وبلاد فارس، مما جعلها هدفاً مستمراً للأطماع الأجنبية.
2. تراجع الإمامة والملوكية النبهانية
بعد فترات الازدهار الأولى للإسلام والعهد العباسي، كانت القبائل الداخلية العُمانية تُقاد من قِبل أئمة يمتلكون سلطة روحية ودنيوية كاملة مستمدة من نظام الشورى والانتخاب. وفي القرن التاسع الميلادي، برز فرع اليحمد من قبائل الأزد، وأسسوا نظاماً راسخاً يختار فيه علماء بني سامة (بنو وجيه) -أكبر قبائل الإباضية في الداخل- الإمام بناءً على مؤهلاته الفقهية والقيادية.
بمرور الوقت، وبسبب الصراعات الداخلية على السلطة والنزاعات القبلية، تراجعت سلطة الأئمة المعنوية والسياسية. وفي عام 1154م، تمكنت السلالة النبهانية من صعود سدة الحكم، فحوّلوا نظام الحكم إلى نظام “ملكي وراثي”، واقتصر دور الأئمة على الجانب الرمزي أو الفقهي المعزول في حواضر صغيرة. لم يكن للإمام في العهد النبهاني المتأخر سلطة معنوية أو مادية تُذكر، إذ أصبح اللقب يمنح صورياً لإرضاء القبيلة المهيمنة في أي وقت، ودخلت البلاد في دوامة من التفتت والانقسام، حيث انقسم النباهنة أنفسهم إلى إمارات وممالك متحاربة (نباهنة الداخل ونباهنة الساحل).
3. الصدمة الاستعمارية البرتغالية (1507م)
في عام 1507م، وفي إطار التوسع الاستعماري الأوروبي في المحيط الهندي للسيطرة على طريق التوابل، وصل الأدميرال البرتغالي الشهير ألفونسو دي ألبوكيرك بأسطوله الحربي الضخم إلى الشواطئ العُمانية. مستغلاً حالة التشرذم والحروب الأهلية النبهانية، اجتاح ألبوكيرك المدن الساحلية بقسوة متناهية؛ فسقطت قلهات، وقريات، وصور، ومسقط، وصحار.
بنى البرتغاليون حصوناً وقلاعاً منيعة على طول الساحل (مثل حصني الميراني والجلالي في مسقط)، وفرضوا نظام تراخيص المرور البحرية (الكارتيز) والضرائب الباهظة على السفن المحلية، وخنقوا التجارة العُمانية بالكامل، وحوّلوا مسقط إلى قاعدة عسكرية مركزية للتحكم في الخليج العربي وبحر العرب، في حين ظلت المناطق الداخلية غارقة في صراعاتها القبلية وعاجزة عن مواجهة هذا المد الاستعماري العنيف لعدم وجود قيادة موحدة تجمع كلمتهم.
الفصل الثالث: عصر التأسيس والتوحيد: إمامة ناصر بن مرشد (1624–1649م)
1. إجماع الرستاق التاريخي والبيعة
أمام وطأة الاحتلال البرتغالي الساحلي، وتعاظم الخطر الفارسي، ووصول التفتت الداخلي إلى مرحلة هددت الوجود العُماني والهوية الإسلامية ذاتها، تنادى علماء الإباضية وأهل الحل والعقد لإنقاذ البلاد. وفي عام 1624م (1033هـ)، قاد الشيخ الفقيه خميس بن سعيد الشقصي مبادرة تاريخية لجمع كلمة العلماء والزعماء القبليين في مدينة الرستاق. وقع اختيار المجتمعين على شاب يتوسمون فيه الذكاء، والشجاعة، والتقوى، والمكانة الاجتماعية، وهو ناصر بن مرشد بن سلطان اليعربي.
بويع ناصر بن مرشد بالإمامة الإباضية، لتبدأ بذلك رسمياً دولة اليعاربة. تميزت الفترة الأولى لدولته باعتماد المنهج الإسلامي الشوري الصارم؛ فألغى الضرائب المكوس والجبايات غير الشرعية التي أثقلت كاهل الرعايا، واعتمد نظام الزكاة الشرعية مكانه، مما أكسبه حاضنة شعبية وجماهيرية واسعة منحت مشروعه التوحيدي مشروعية كبرى.
2. معركة توحيد الجبهة الداخلية
كان الإمام ناصر بن مرشد يمتلك رؤية استراتيجية واضحة: لا يمكن مواجهة القوة البرتغالية الضاربة على الساحل دون بناء جبهة داخلية صلبة وموحدة. كانت البلاد عند مبايعته مقسمة بين خمس قوى محلية متنافسة وقبائل مستقلة، فبدأ حروبه التوحيدية بخطوات مدروسة:
- تطهير البيت الداخلي: بدأ بأسرته اليعربية التي كانت تحكم نخل والرستاق، حيث عارض قسماً منها إمامته، فقام بطرد ابن عمه مالك بن أبي العرب من قلعة الرستاق التي كانت خارجة عن سلطته المركزية.
- إخضاع الظاهرة والداخل: تفرغ لمواجهة الزعيم القبلي ناصر بن قطن، الذي كان يسيطر على إقليم الظاهرة، ونجح في السيطرة على المدن الداخلية الكبرى مثل بهلاء ونزوى من خلال مزيج من الحزم العسكري والدبلوماسية القبلية.
- نقل العاصمة إلى نزوى: في خطوة رمزية وسياسية بالغة الأهمية، نقل الإمام ناصر العاصمة من الرستاق إلى نزوى، العاصمة التاريخية والروحية القديمة للإمامة الإباضية، لالتفاف العلماء والقبائل حوله وتأكيد شرعيته الدينية.
بفضل هذه التحركات، تمكن ناصر بن مرشد من إنهاء التشرذم القبلي، ووحد القبائل العُمانية المتناحرة تحت راية واحدة وهدف مشترك: الجهاد لطرد المحتل البرتغالي.
3. الضربات العسكرية الأولى وتحرير الحصون
بعد توحيد الداخل، شرع الإمام ناصر في بناء جيش عُماني نظامي يعتمد على الولاء للدولة بدلاً من العصبية القبلية، وبدأ بتأسيس نواة أسطول بحري صغير. زحفت قواته نحو الساحل وبدأت بمهاجمة الحاميات البرتغالية:
- تحرير جلفار (رأس الخيمة): في عام 1633م، حقق الإمام إنجازاً عسكرياً كبيراً بتحرير مدينة جلفار الاستراتيجية وطرد القوات البرتغالية والفرس منها، مما أمن الخاصرة الشمالية لعُمان.
- سقوط حصن صحار (1643م): واصلت القوات العُمانية تقدمها على ساحل الباطنة حتى تمكنت من اقتحام حصن صحار المنيع وتطهيره من الحاميات البرتغالية.
- حصار مسقط الأول ومعاهدة 1648م: فرض الإمام حصاراً خانقاً على مسقط عام 1643م (1053هـ). ونظراً لشدة البأس العُماني، أُجبر الحاكم البرتغالي العام في مسقط (دوم جولياو نورونا) في نهاية المطاف سنة 1648م على توقيع اتفاقية صلح مذلة، تنص على دفع البرتغاليين جزية سنوية لليعاربة، وإعفاء السفن العُمانية من رسوم التفتيش بشرط الحصول على تراخيص برتغالية لرحلة العودة، وإعفاء العُمانيين داخل مسقط نفسها من جميع الرسوم والضرائب للبرتغال. كانت هذه الاتفاقية بمثابة المسمار الأول في نعش الوجود البرتغالي.
الفصل الرابع: عصر التطهير والامتداد البحري: سلطان بن سيف الأول (1649–1679م)
1. التحرير النهائي لمسقط (1650م)
توفي الإمام ناصر بن مرشد عام 1649م دون أن يكمل تحرير مسقط كلياً، فانتخب العُمانيون ابن عمه سلطان بن سيف الأول إماماً وخلفاً له. تسلم الإمام سلطان راية الجهاد، وكان مصمماً على إنهاء الوجود البرتغالي تماماً. وفي يناير 1650م، شن العُمانيون هجوماً مباغتاً وعبقرياً على مسقط.
استغلت القوات العُمانية ثغرات في الدفاعات البرتغالية وتسللت إلى داخل المدينة تحت غطاء الليل، بمساعدة بعض السكان والتجار المحليين الذين سئموا الظلم البرتغالي. اقتحم الجيش العُماني حصني الجلالي والميراني، واستسلمت الحامية البرتغالية بالكامل، وبذلك تحررت مسقط نهائياً بعد قرابة 143 عاماً من الاحتلال المظلم. كان هذا النصر بمثابة إعلان رسمي لولادة عُمان كقوة إقليمية بحرية كبرى في المحيط الهندي.
2. بناء الأسطول الإمبراطوري ونقل المعركة إلى البحر
أدرك الإمام سلطان بن سيف الأول أن تأمين السواحل العُمانية بشكل مستدام يتطلب تدمير القوة البحرية البرتغالية في عقر دارها وملاحقة سفنهم في البحار المفتوحة. بناءً على هذه الاستراتيجية “الدفاعية الهجومية”، ركّز جهوده على بناء أسطول بحري حربي تجاري عملاق، مستورداً أخشاب الساج الصلبة من الهند، ومسلحاً السفن بمئات المدافع الحديثة التي تم غنمها من البرتغاليين أو شراؤها من الدول الأوروبية المنافسة.
انطلقت السفن العُمانية تشن غارات مدمرة على القواعد البرتغالية على ساحل غوجارات وديو في شبه القارة الهندية، مما شل حركتهم التجارية تماماً. وفي عام 1660م، قاد الأسطول العُماني حملة بحرية كبرى استهدفت جزيرة مومباسا على ساحل شرق أفريقيا، وهاجمت الحاميات البرتغالية هناك، مما أجبر البرتغاليين على التحصن داخل “حصن يسوع” المنيع، لتتحول عُمان من دولة مدافعة داخل حدودها إلى قوة إمبراطورية تطارد البرتغاليين عبر المحيط.
الفصل الخامس: بلعرب بن سلطان (1679–1692م) وتأسيس حصن جبرين
بعد وفاة الإمام سلطان بن سيف الأول عام 1679م، تولى ابنه بلعرب بن سلطان منصب الإمامة. وكان هذا التولي نقطة تحول سياسية خطيرة في تاريخ الإمامة العُمانية؛ إذ أكد أن الخلافة والسلطة بدأت تتحول وتنزاح تدريجياً من النظام الشوري الانتخابي الصارم إلى النظام الوراثي داخل البيت اليعربي، حيث كان والده قد مهد له الطريق لكسب البيعة.
تميز الشطر الأول من عهد الإمام بلعرب بالاستقرار النسبي، والاهتمام بالعلوم، والآداب، والعمارة، واستصلاح الأراضي الزراعية. ومن أبرز إنجازاته التاريخية والحضارية بناء حصن جبرين الفاخر في ولاية بهلاء. لم يكن حصن جبرين مجرد قلعة عسكرية عادية، بل كان قصراً معمارياً غاية في الجمال والترف، يضم مدارس للمأثورات الفقهية، والعلوم الطبيعية، والفلك، والطب، واللغة العربية، وزُينت جدرانه وأسقفه بنقوش وزخارف إسلامية فريدة تعكس الازدهار المادي للدولة.
إلا أن عهد بلعرب لم يستمر في سلام؛ إذ سرعان ما اندلع صراع مرير على السلطة بينه وبين أخيه الطموح والعسكري سيف بن سلطان. انقسمت القبائل العُمانية بين الأخوين، ودارت بينهما حروب داخلية طاحنة أضعفت الجبهة الوطنية، وانتهى الصراع بحصار سيف لأخيه بلعرب داخل حصن جبرين، حيث توفي الإمام بلعرب داخل حصنه عام 1692م، ليتولى سيف بن سلطان مقاليد الإمامة كأمر واقع.
الفصل السادس: العصر الذهبي لـ “قيد الأرض”: سيف بن سلطان الأول (1692–1711م)
1. النهضة الزراعية والاقتصادية المستدامة
يُعتبر عهد الإمام سيف بن سلطان الأول (المعروف في التاريخ العُماني بلقب قيد الأرض) ذروة سنام دولة اليعاربة وعصرها الذهبي بلا منازع. لُقب بـ “قيد الأرض” لشدة انضباط الأمن والعدالة في عهده، وضخامة الإنجازات الزراعية والإنشائية التي حققها؛ حيث استثمر ثروات الدولة الناتجة عن التجارة البحرية والغنائم في تطوير البنية التحتية للبلاد:
- ثورة الأفلاج والري: أنشأ وأصلح قنوات الأفلاج (نظام الري الهندسي العُماني الفريد) في العديد من مناطق الداخل لتوفير المياه للمدن والقرى، وكان من أبرز إنجازاته شق فلج كبير لتموين مدينة الحمراء بالماء العذب.
- التنمية الزراعية في الباطنة: أمر بزراعة ملايين أشجار النخيل وأشجار النارجيل (جوز الهند) والمانجو على طول ساحل الباطنة الممتد. وكان هذا الإجراء استراتيجياً بهدف تشجيع العرب والقبائل على ترك حياة البداوة والنزوح من الداخل الجبلي الجاف للاستقرار والعمل في الزراعة المستدامة على الساحل، مما أحدث توازناً ديموغرافياً واقتصادياً كبيراً.
- دعم الاستيطان الريفي: موّل اليعاربة في عهده مشاريع زراعية معقدة، مثل بناء المدرجات الزراعية الجبلية على طول وادي بني عوف الكثيف والمناطق المحيطة بالجبل الأخضر.
- التعليم والمعمار العاصمي: بنى مدارس جديدة ورعى العلماء، واتخذ من قلعة الرستاق مقراً رسمياً لإقامته وإدارة شؤون الإمبراطورية، وأضاف إليها تحسينات هندسية كبرى مثل “الملقف” (برج لتهوية القلعة وتلطيف أجوائها).
2. حصار حصن يسوع (1696–1698م) والسيادة على شرق أفريقيا
على الصعيد العسكري الخارجي، خاض الإمام سيف الأول المعركة الحاسمة والفاصلة لإنهاء الوجود البرتغالي في غرب المحيط الهندي. في عام 1696م، أرسل أسطولاً بحرياً ضخماً يتكون من سفن حربية عملاقة مسلحة بأحدث المدافع لحصار حصن يسوع في مومباسا (كينيا الحالية)، وهو أقوى وأمنع الحصون البرتغالية في القارة الأفريقية.
استمر الحصار العُماني التاريخي للحصن قرابة 33 شهراً (نحو ثلاث سنوات متواصلة). عانى المحاصرون داخل الحصن (من جنود برتغاليين وسكان محليين موالين لهم) من تفشي وباء الجدري والمجاعة القاتلة ونقص المياه. وفي ديسمبر 1698م، اقتحمت القوات العُمانية الحصن بعد استسلم الناجون الثلاثة عشر الباقون على قيد الحياة. بسقوط حصن يسوع، تهاوت الإمبراطورية البرتغالية في شرق أفريقيا تماماً كأوراق الخريف، وبسطت عُمان سيادتها المطلقة على الساحل الأفريقي من مقديشو شمالاً حتى حدود موزمبيق جنوباً، وبدأ الاستيطان العُماني الواسع النطاق في زنجبار، وممباسا، ولامو، وبمبا، وتحولت زنجبار لاحقاً إلى درة التاج الإمبراطوري العُماني.
| الإمام | فترة الحكم (م) | العاصمة | أبرز المنجزات العسكرية والحضارية |
| ناصر بن مرشد | 1624 – 1649 | نزوى / الرستاق | تأسيس الدولة، توحيد القبائل، تحرير جلفار وصحار |
| سلطان بن سيف الأول | 1649 – 1680 | نزوى | التحرير النهائي لمسقط (1650م)، بناء الأسطول، غزو مومباسا الأول |
| بلعرب بن سلطان | 1680 – 1692 | بهلاء (جبرين) | بناء حصن جبرين التعليمي، استصلاح الأراضي، بداية التحول للوراثة |
| سيف بن سلطان الأول (قيد الأرض) | 1692 – 1711 | الرستاق | تحرير حصن يسوع بمومباسا، طرد البرتغاليين من أفريقيا، ثورة الأفلاج والزراعة |
| سلطان بن سيف الثاني | 1711 – 1718 | الحزم | بناء حصن الحزم المنيع، فرض السيادة على مياه الخليج وبحر العرب |
| سيف بن سلطان الثاني | 1728 (متقطع) | الرستاق / مسقط | بداية ضعف الدولة، اندلاع الحرب الأهلية، الغزو والتدخل الفارسي |
| سلطان بن مرشد | 1738 – 1743 | الرستاق | القضاء على الفتن، صمود صحار، الاستشهاد في مواجهة الفرس |
3. ثروة “قيد الأرض” ومكانته الدولية
أصبح العُمانيون في عهد سيف بن سلطان الأول أسياد الملاحة والتجارة في المحيط الهندي بلا منازع، واعتبرتهم القوى الأوروبية (كالإنجليز والفرنسيين والهولنديين) بمثابة قوة بحرية مهابة الجانب، وتطلق عليهم مصادرهم أحياناً لقب “القراصنة المخوفين” نظراً لجرأتهم الشديدة في مهاجمة وتفتيش السفن والقواعد الأوروبية والبرتغالية على حد سواء في غرب الهند (مثل دمن وديو وغوا). كما توغل الأسطول العُماني في الخليج العربي، وانتزع جزيرة البحرين من أيدي الدولة الصفوية الفارسية وحافظ عليها لعدة سنوات رداً على التحرشات الفارسية بالسفن التجارية العُمانية.
عندما توفي الإمام سيف بن سلطان الأول في 4 أكتوبر 1711م، دُفن في قلعة الرستاق في ضريح فخم ينم عن مكانته العظيمة وثراء دولته (وهو الضريح الذي تعرض للتدمير لاحقاً في الفترات المضطربة التالية على يد أحد القادة الوهابيين خلال تمددهم في المنطقة). وتذكر المصادر التاريخية الموثقة أن الإمام توفي وعنده ثروة طائلة لم يشهد لها تاريخ عُمان مثيلاً، كانت تشمل:
- 28 سفينة حربية وتجارية كبرى مسلحة بشتى أنواع المدافع الثقيلة.
- أكثر من 700 عبد يعملون في الحراسة والجيش والمزارع الملكية.
- امتلاك ما يعادل ثلث أشجار النخيل في عُمان بأسرها كأوقاف تابعة لأملاكه وأملاك الدولة.
الفصل السابع: سلطان بن سيف الثاني (1711–1718م) وتشييد حصن الحزم
خلف الإمامَ سيفَ بن سلطان الأول ابنُه سلطان الثاني بن سيف. سار هذا الإمام على نهج والده وجده في تقوية الأسطول البحري وتأمين طرق الملاحة الدولية، وتطورت السفن العُمانية في عهده بشكل ملحوظ، وتمكن من إعادة وترسيخ السيادة العُمانية الكاملة على مياه الخليج العربي والمحيط الهندي.
ومن أبرز الآثار العمرانية والحضارية التي خلدها الإمام سلطان الثاني أنه قرر نقل عاصمته وإقامته من الرستاق إلى منطقة الحزم، الواقعة على الطريق الاستراتيجي الواصل بين ولاية الرستاق والساحل. وفي عام 1710م، شيد هناك حصن الحزم الشهير، وهو تحفة هندسية وعسكرية صلبة وعظيمة، صُمم بطريقة عبقرية تمنع اختراقه بالمدافع التقليدية؛ حيث يخلو من الأخشاب في سقوفه (استُعيض عنها بالعقود الهندسية الدائرية)، ويتميز بأبراجه الضخمة وممراته السرية المعقدة ومدافعه البرتغالية والإسبانية الضخمة. ويضم الحصن حتى يومنا هذا ضريح الإمام سلطان الثاني الذي توفي عام 1718م. وبوفاته، أغلقت دولة اليعاربة صفحة الاستقرار والازدهار والنهضة، لتفتح أسوأ صفحاتها المتمثلة في الحرب الأهلية والتآكل الداخلي والتمزق القبلي.
الفصل الثامن: السياسة الخارجية والدبلوماسية لدولة اليعاربة
عاش العالم في فترة اليعاربة على وقع التنافس الاستعماري والتجاري المحموم بين القوى الأوروبية والإقليمية. وبفضل قوتها البحرية الضاربة، لم تكن عُمان معزولة عن هذا الحراك، بل نسجت شبكة معقدة من العلاقات السياسية والعسكرية والاتفاقيات البرغماتية:
1. الصراع الجيوسياسي المستمر مع بلاد فارس (الدولة الصفوية)
تميزت العلاقة بين دولة اليعاربة وبلاد فارس بالتوتر الشديد والصراع الجيوسياسي المستمر على نفوذ الموانئ والممرات المائية في الخليج العربي؛ ففي عام 1625م، أزاح الإمام ناصر بن مرشد الحاكم الفارسي من ميناء جلفار الاستراتيجي وضم الميناء لممتلكاته. وأمام تنامي قوة الأسطول اليعربي وغاراته على السفن والموانئ الفارسية، حاولت الحكومة الفارسية الصفوية بشتى الطرق الاستعانة بالقوى الأوروبية لضرب مسقط وتدمير أسطولها:
- مع شركة الهند الشرقية البريطانية (1657م): طلب المسؤولون الفرس من الشركة البريطانية وضع سفنها الحربية تحت تصرف الفرس لشن هجوم مشترك على مسقط مقابل إغراءات مالية وإعفاءات جمركية ضخمة. لكن الشركة البريطانية تهربت بذكاء من الاستجابة لهذا الطلب؛ حرصاً على حسن علاقتها مع اليعاربة وخوفاً من أن يؤدي وقوفها إلى جانب الصفويين إلى تعرض أسطول اليعاربة لخطوط ومصالح الشركة التجارية الواسعة في المحيط الهندي وشبه القارة الهندية.
- التحالف الفرنسي – الفارسي (1699–1708م): لجأت الحكومة الفارسية إلى فرنسا لعلها توفر لها المساعدة المطلوبة. واقترحت على باريس عن طريق المبعوث البابوي الذي زار أصفهان سنة 1699م القيام بحملة عسكرية مشتركة على مسقط، تقوم خلالها السفن الفرنسية بنقل القوات البرية الفارسية، وتحصل فرنسا مقابل ذلك على نصف عوائد جمرك مسقط وحرية التجارة مع فارس والإعفاء من الرسوم الجمركية في الموانئ الفارسية. لم تستجب الحكومة الفرنسية للطلب أول الأمر لأنه يتطلب إعداد قوة كبيرة ونفقات باهظة، لكن بسبب استئناف السفن العمانية الغارات المدمرة على السواحل الفارسية سنة 1707م، جعل فارس تفاتح فرنسا مجدداً بحشد قواتها للقيام بحملة مشتركة ضد مسقط مقابل حصولها على نصف الغنائم الناجمة عن ذلك الغزو، وترتب على ذلك عقد معاهدة مشتركة سنة 1708م، إلا أنها لم تثمر عن نتيجة عملية على الأرض لقوة الدفاعات العُمانية وضخامة أسطولها في ذلك الوقت.
2. العلاقات التجارية والدبلوماسية مع الإنجليز والهولنديين
- مع الإنجليز: حرصت شركة الهند الشرقية البريطانية على إظهار ود واضح واستراتيجي لكسب رضا أئمة اليعاربة، وهو ما أسفر عن توقيع معاهدة مع الإمام الأول ناصر بن مرشد عام 1645م وقعها معه فيليب وايلد ممثل الشركة، أعطت الشركة حق التجارة واستعمال موانئ صحار والسيب بصورة حصرية قاطعة طريق التجارة على البرتغاليين. وتطورت العلاقة لاحقاً في عهد الإمام سلطان الأول سنة 1659م، حيث مُنحت الشركة البريطانية حق إقامة وكالة تجارية وإحدى القلاع في مسقط مقابل تقاسم الإيرادات الجمركية في مسقط بين الإمام والشركة.
- مع الهولنديين: كانت علاقة اليعاربة مع الهولنديين ودية ومبنية على المصالح المشتركة منذ البداية؛ حيث تعاطف الهولنديون مع جهود اليعاربة لطرد البرتغاليين من الساحة الخليجية والمحيط الهندي لأن ذلك ينسجم مع سعيهم وحربهم للهيمنة على التجارة هناك وإزاحة البرتغاليين. وحرص الهولنديون على تنشيط تجارتهم في عمان، وتطور ذلك سنة 1672م بتعيين وكيل هولندي مقيم في مسقط، لكن أعمال الشركة لم تزدهر بما فيه الكفاية بسبب القيود المحلية والاضطرابات اللاحقة، مما جعل الشركة الهولندية تقرر إغلاق وكالتها سنة 1675م.
3. الصدام مع السلطنة الكثيرية في حضرموت وحدود التوسع
امتد النفوذ والتوسع اليعربي برّاً وبحراً نحو جنوب شبه الجزيرة العربية ليتجاوز ظفار ويصل إلى حدود اليمن. وفي عام 1654م، اصطدمت طموحات اليعاربة بقيام السلطنة الكثيرية (قبيلة الكثيري) بإعادة بسط نفوذها وقوتها العسكرية في حضرموت. أدي هذا الصدام المباشر إلى اضطراب الأوضاع الملاحية والتجارية على البحر وتوقف توسع اليعاربة البري في جنوب الجزيرة العربية عند حدود بلاد المهرة وتحديداً في مدينة قشن (بمحافظة المهرة الحالية)، والتي ظلت تحت النفوذ والسيادة العُمانية لفترة من الزمن قبل أن تنكفئ الدولة لحروبها الداخلية.
الفصل التاسع: الحروب الأهلية والتمزق الداخلي والغزوات الفارسية المدمرة (1718–1741م)
1. معضلة الخلافة وانقسام المجتمع (الغافرية ضد الهناوية)
عندما توفي الإمام سلطان الثاني بن سيف عام 1718م، ترك خلفه طفلاً صغيراً لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره وهو سيف بن سلطان الثاني. نشب صراع عنيف وحاد بين المتنافسين وأهل الحل والعقد والعلماء حول أحقية ومنصب الإمامة:
- الفصيل الأول: دعم الفتى الصغير سيف بن سلطان الثاني استناداً إلى شرعية والده وجده ونظام الوراثة الذي بدأ يترسخ.
- الفصيل الثاني: عارض إمامة الصبي لعدم بلوغه الرشد الفقهي والشرعي والعسكري، ودعموا مهنا بن سلطان (عم الإمام الراحل)، الذي رأوا أنه الأجدر والأكفأ بالإمامة.
في عام 1719م، تم إدخال مهنا بن سلطان خلسةً إلى قلعة الرستاق، ونُصِّب إماماً ببيعة من بعض العلماء. لم يكن مهنا يحظى بشعبية قبلية واسعة، وفي العام التالي (1720م)، عُزل وقُتل على يد ابن عمه يعرب بن بلعرب. نصب يعرب بن بلعرب الصبي سيف الثاني بن سلطان إماماً مجدداً، وأعلن نفسه وصياً وولياً للعهد ومدبراً لشؤون الدولة. وفي مايو 1722م، اتخذ يعرب الخطوة التالية وأعلن نفسه إماماً عازلاً الصبي، مما أدى إلى انتفاضة قبلية مسلحة عارمة قادها بلعرب بن ناصر (صهر الإمام المخلوع). وفي عام 1723م، عُزل يعرب بن بلعرب، وأعيد سيف الثاني وأصبح بلعرب بن ناصر ولياً للعهد والوصي.
هذه الفوضى السياسية والتناحر على الكرسي فجّرت مكامن العصبية القبلية الكامنة في المجتمع العُماني، لتندلع حرب أهلية شاملة ومدمّرة انقسمت فيها عُمان برمتها إلى حلفين قبليين عظيمين هما:
- الحلف الغافري: ويتزعمه محمد بن ناصر الغافري (الذي تم انتخابه إماماً في أكتوبر 1724م كأمر واقع وقوة عسكرية).
- الحلف الهناوي: ويتزعمه خلف بن مبارك الغافري (الملقب بالهناوي لتزعمه قبائل بني هناءة والتحالف القبلي اليمني)، والذي أثار الفتنة والحروب في شتى مدن الشمال والساحل.
بلغت الحرب الأهلية ذروتها المأساوية في معركة صحار عام 1728م، حيث التقى الحلفان في قتال شرس أسفر عن مقتل القائدين المتنافسين في نفس المعركة (خلف بن مبارك ومحمد بن ناصر الغافري)، مما ترك البلاد في حالة تمزق وشلل سياسي تام.
2. عهد الإمامة الثنائية المشلولة
بعد مقتل قادة الفتنة عام 1728م، اعترفت حامية صحار والقبائل الهناوية بـ سيف الثاني بن سلطان إماماً، وأُعيد تنصيبه رسمياً في نزوى. ومع ذلك، رفضت قبائل الداخل والظاهرة (الحلف الغافري) الانصياع له، وانتخبوا ابن عمه بلعرب بن حمير اليعربي إماماً منافساً في الظاهرة وبهلاء.
عاشت عُمان لسنوات في ظل إمامة ثنائية متنازعة مسلحاً كل منهما ضد الآخر:
- بلعرب بن حمير: سيطر على معظم المناطق الداخلية والجبلية، وتزايد نفوذه تدريجياً على البر لعدالته وحزمه وقربه من المنهج الفقهي التقليدي.
- سيف الثاني بن سلطان: لم يكن يحظى إلا بدعم بني هناءة وبعض القبائل المتحالفة معهم على الساحل، لكنه كان يمتلك التفوق المادي المتمثل في الأسطول البحري والموانئ الرئيسية ومداخيل الجمارك في مسقط وبركاء وصحار، وعاش حياة بذخ وترف ومجون أطاحت بمكانته وهيبته بين رعاياه والعلماء.
3. الخطيئة التاريخية والاستعانة بالفرس
مع تضاؤل سلطته البرية وتفوق بلعرب بن حمير في الداخل، ارتكب سيف الثاني بن سلطان خطأً استراتيجياً وتاريخياً قاتلاً؛ إذ طلب المساعدة العسكرية من شاه فارس القوي نادر شاه الأفشاري ضد منافسه اليعربي بلعرب بن حمير. وجد نادر شاه في هذه الدعوة الفرصة الذهبية التي طالما انتظرتها فارس لتدمير القوة العُمانية والسيطرة على مقدرات الخليج.
وصلت حملة عسكرية فارسية ضخمة في مارس 1737م إلى السواحل العُمانية. انضم سيف الثاني بن سلطان إلى الفرس، وساروا معاً إلى إقليم الظاهرة حيث التقوا بقوات بلعرب بن حمير وهزموها. تقدم الفرس عبر المناطق الداخلية العُمانية، وعاثوا في الأرض فساداً؛ فاستولوا على المدن، وهدموا الأفلاج، وقتلوا الأبرياء، ونهبوا الكنوز، وأسروا النساء والأطفال كعبيد، ثم عادوا إلى بلاد فارس حاملين معهم غنائم وثروات عُمان الطائلة.
أدركت القبائل والعلماء حجم الكارثة والجريمة التاريخية التي ارتكبها سيف الثاني باستدعاء العدو التاريخي، فانقلبوا عليه تماماً. وفي فبراير 1742م، أعلن العلماء خلع سيف الثاني ومبايعة رجل آخر من عائلة اليعاربة وهو الإمام سلطان بن مرشد.
4. خديعة الختم والخمور ونهاية سيف الثاني
لم يستسلم سيف الثاني لقرار خلعه، ولجأ للمرة الثانية إلى الفرس مستنجداً بهم، ووعدهم هذه المرة بالتنازل رسمياً عن مدينة صحار الاستراتيجية لهم مقابل إعادته إلى منصبه وحكمه. وصلت حملة فارسية ثانية ضخمة حوالي أكتوبر 1742م، وحاصرت صحار بضراوة بالغة وأرسلت قوات احتلال إلى مسقط ومطرح، لكنها لم تتمكن من اقتحام حصون صحار المنيعة لصمود واليها البطل أحمد بن سعيد البوسعيدي.
وفي عام 1743م، جرت فصول واحدة من أغرب وأحزن القصص الدرامية في التاريخ السياسي؛ حيث أقام القائد العسكري للجيش الفارسي وليمة كبرى في مسقط دعا إليها سيف الثاني بن سلطان ورفاقه المقربين تأكيداً على الصداقة والتحالف. وتشير الروايات التاريخية والمأثورات الشفهية الموثقة إلى أن الفرس تعمدوا سكب الخمور والمسكرات بكثرة في الوليمة حتى أصيب سيف ورفاقه بالثمالة الشديدة وفقدوا وعيهم تماماً.
قام القائد الفارسي بسرقة الختم الرسمي للإمام سيف من ثيابه، وزور به رسائل وأوامر رسمية موجهة إلى قادة حصون مسقط المنيعة الموالين للإمام (حصني الجلالي والميراني)، تأمرهم بتسليم الحصون والقلاع فوراً للقوات الفارسية حليفة الإمام. نفذ القادة الأوامر العسكرية ظناً منهم أنها صادرة حقاً من إمامهم، ليستيقظ سيف الثاني ويجد مسقط بأكملها وقلاعها الحصينة قد سقطت في أيدي الاحتلال الفارسي الخبيث عبر هذه الخديعة المخزية. أُصيب سيف الثاني بحسرة شديدة، وندم قاتل، وعاش منبوذاً وتوفي بعد ذلك بوقت قصير جداً عام 1743م مخلوعاً ومكسوراً.
الفصل العاشر: بزوغ نجم أحمد بن سعيد وسقوط دولة اليعاربة النهائي
1. صمود صحار الأسطوري واستشهاد سلطان بن مرشد
أصبحت عُمان في عام 1743م قاب قوسين أو أدنى من الفناء والزوال كدولة مستقلة؛ فالفرس يحتلون مسقط والساحل، ويحاصرون مدينة صحار براً وبحراً بألوف الجنود والمدافع. قاد الإمام الجديد سلطان بن مرشد اليعربي حركات المقاومة الوطنية ببطولة وشجاعة فائقة، واتخذ من الرستاق عاصمة له، وتوجه بنفسه على رأس جيش من رجال الداخل لفك الحصار عن صحار. وشهدت أسوار صحار معارك ملحمية دامية ضد الجيش الفارسي، وأظهر فيها والي صحار المعين من قِبل اليعاربة أحمد بن سعيد البوسعيدي ثباتاً وعبقرية عسكرية فذة.
في منتصف عام 1743م، وخلال المعارك الضارية تحت أسوار صحار، أُصيب الإمام سلطان بن مرشد بجروح قاتلة واستشهد مرابطاً مدافعاً عن تراب وطنه. وبوفاته، انتهت فعلياً وقصرياً قدرة دولة اليعاربة على القيادة وإدارة شؤون البلاد، وبايع قسماً من قبائل الداخل بلعرب بن حمير اليعربي مجدداً كخيار أخير لملء الفراغ السياسي، إلا أن مركز الثقل الفعلي انتقل إلى الساحل حيث يقود أحمد بن سعيد المقاومة.
بعد استشهاد الإمام سلطان بن مرشد، واصل أحمد بن سعيد البوسعيدي صموده الأسطوري في صحار، وتحمل عبء الحصار الفارسي الخانق الذي دام تسعة أشهر متواصلة، عانى فيها الفرس أنفسهم من المقاومة العنيفة والأمراض ونقص الإمدادات، مما أجبر القائد الفارسي على طلب التفاوض. تمخضت المفاوضات عن توقيع “اتفاقية مشرف واستسلام كرامة”، يعترف فيها الفرس بتثبيت أحمد بن سعيد والياً وحاكماً مطلقاً على صحار وبركاء لإدارة شؤونها مقابل دفع مبالغ جزية رمزية تؤمن خروجهم المؤقت.
2. مذبحة بركاء الكبرى (1747م) واقتلاع الوجود الفارسي
في عام 1747م، تبلغت الحاميات الفارسية نبأ اغتيال الشاه نادر شاه الأفشاري في خراسان، وعمت الفوضى والاضطرابات أركان الإمبراطورية الفارسية، واجهت على إثرها القوات الفارسية في عُمان فراغاً هرمياً وانضباطياً حاداً، وانقطعت عنها المساعدات والإمدادات، مما أدى إلى فرار جماعي للجنود. استغل أحمد بن سعيد البوسعيدي هذا الوضع الجيوسياسي بذكاء حاد للتخلص من المحتلين نهائياً واقتلاع وجودهم:
وجه أحمد بن سعيد دعوة رسمية عامة لجميع قادة وجنود الحامية الفارسية المتبقية في مسقط والساحل لحضور مأدبة عشاء كبرى وتكريم وصرف مستحقات في قلعته المنيعة بولاية بركاء. وعندما استقر الفرس في القلعة واطمأنوا وبدأوا الأكل، أعطى أحمد بن سعيد إشارته السرية المتفق عليها لرجاله وجنوده، والذين انقضوا على الفرس وأغلقوا أبواب القلعة، وارتكبوا بحقهم مذبحة جماعية كبرى أسفرت عن تصفية الحامية الفارسية بالكامل، وطهرت عُمان من دنس الاحتلال الفارسي إلى الأبد بضربة واحدة حاسمة.
3. إجماع مبايعة أحمد بن سعيد البوسعيدي وإسدال الستار
نتيجة لهذه البطولات الخارقة، وتخليص البلاد من الاحتلال الفارسي المهين، وإنهاء فوضى الحرب الأهلية، وعجز أمراء ومطالبي أسرة اليعاربة عن التوحد وإدارة البلاد، أجمع أصحاب الحل والعقد، والعلماء الأجلاء، ورؤساء القبائل العُمانية في عام 1744م (وقيل في بعض المصادر التاريخية بعد مذبحة بركاء عام 1747م) على مبايعة البطل القومي أحمد بن سعيد البوسعيدي إماماً شرعياً ومطلقاً على عُمان، لتنتهي بذلك رسمياً وبشكل مؤسسي دولة اليعاربة، وتبدأ الدولة البوسعيدية الفتية التي تولت قيادة عُمان وصياغة تاريخها الحديث والمعاصر والمستمرة حتى يومنا هذا.
لم ينتهِ وجود اليعاربة السياسي كلياً بمبايعة أحمد بن سعيد في الساحل؛ إذ ظلت بعض البلدات والقبائل في المناطق الداخلية تدين بالولاء والبيعة لـ بلعرب بن حمير اليعربي الذي كان قد أُعيد تنصيبه إماماً في الداخل. ولم يصبح أحمد بن سعيد حاكماً مطلقاً وموحداً للبلاد برًا وبحراً إلا بعد وفاة ومقتل بلعرب بن حمير في إحدى المواجهات العسكرية الفاصلة عام 1749م.
وعلى ساحل شرق أفريقيا، رفض والي زنجبار المعين من قِبل اليعاربة (من أسرة المزاريع) في البداية الاعتراف بشرعية أحمد بن سعيد البوسعيدي إماماً، متمسكاً بشرعية اليعاربة لعدة سنوات قبل أن يخضع الساحل الأفريقي مجدداً للدولة الجديدة. واحتفظت أسرة اليعاربة ببعض الاستقلال الداخلي المحدود جداً في بعض الحصون الصغيرة في منطقة الباطنة والداخلية، ولم يُستولَ على آخر معاقلهم الحصينة على الإطلاق، وهو حصن الهيام في منطقة الباطنة، إلا في عام 1869م على يد السيد عزان بن قيس، لتطوى بذلك نهائياً صفحة واحدة من أعظم وأقوى السلالات الحاكمة في تاريخ الشرق الأوسط والمحيط الهندي.
الفصل الحادي عشر: المنجز الحضاري، العمراني والفكري لدولة اليعاربة
إن القيمة الحقيقية والأثر الباقي لدولة اليعاربة لا تكمن في مدافعها وسفنها الحربية وانتصاراتها العسكرية فحسب، بل في الإرث الحضاري والمادي والتنموي المستدام الذي تركته وراءها، والذي يبرهن على عقليتها الإدارية والتنموية المتقدمة:
1. الهندسة المعمارية العسكرية والمدنية المتميزة
ابتكر اليعاربة مدرسة معمارية وهندسية فريدة جداً في بناء القلاع والحصون والقصور، تدمج بين القوة الدفاعية الممتصة لصدمات المدافع الحديثة وبين الجمال والترف الهندسي الإسلامي، مع التكيف العبقري مع البيئة والمناخ الجاف:
- حصن جبرين (ولاية بهلاء): يمثل هذا الحصن قمة التطور المدني والتعليمي في عهد اليعاربة؛ حيث صُمم ليكون قصراً سكنياً للإمام بلعرب بن سلطان ومركزاً علمياً كبيراً. تزدان غرفه وقاعاته الواسعة (مثل غرفة الشمس والقمر) بآيات قرآنية مخطوطة ببراعة، وأبيات شعرية، ونقوش خشبية وجصية ملونة غاية في الدقة والتأثر بالفن الإسلامي السلجوقي والهندي والمغاربي، ويضم نظام تهوية طبيعي مبتكر عبر فتحات هندسية تدخل الهواء العليل طوال العام.
- حصن الحزم (ولاية الرستاق): شيده الإمام سلطان بن سيف الثاني عام 1710م، ويمثل ذروة الهندسة العسكرية الدفاعية؛ حيث تميز بأبراجه الدائرية الضخمة التي صُممت خصيصاً لتوضع بها المدافع الكبيرة الدوارة لتغطية كافة زوايا الرؤية بـ 180°C أو 360°C، وبجدران مائلة سميكة جداً وخالية من النوافذ السفلى لتشتيت ضربات مدافع الأعداء، كما يخلو الحصن تماماً من الأخشاب في سقوفه لحمايته من الحرائق أثناء الحصار، واستعيض عنها بالعقود والأسقف الإسمنتية والجصية الصلبة.
┌──────────────────────────────┐
│ الإرث المعماري لليعاربة │
└──────────────┬───────────────┘
┌──────────────────────┴──────────────────────┐
▼ ▼
[حصن جبرين ببهلاء] [حصن الحزم بالرستاق]
- قصر سكني ومركز علمي فخم - قلعة عسكرية هندسية دفاعية
- نقوش جصية وخشبية ملونة - أسقف معقودة خالية من الأخشاب
- أنظمة تهوية طبيعية مبتكرة - أبراج دائرية للمدافع الدوارة
2. الازدهار العلمي، الفكري وحركة التأليف
أصبحت حواضر اليعاربة الكبرى (مثل نزوى، والرستاق، وبهلاء، ونخل) في عهدهم بمثابة كعبة ومقصد لطلاب العلم والعلماء من شتى الأقطار؛ فنشطت حركة نسخ المخطوطات الفقهية، واللغوية، والتاريخية، والطبية بشكل غير مسبوق بفضل الدعم المالي المباشر من الأئمة.
وظهر في هذا العصر علماء وفطاحل أثروا المكتبة العُمانية والإسلامية بمؤلفاتهم، ومن أبرزهم الشيخ الفقيه خميس بن سعيد الشقصي (مؤلف موسوعة “منهج الطالبين وبلاغ الراغبين” في الفقه الإباضي والذي كان الأب الروحي لتأسيس الدولة)، والشيخ صبحي بن رزيق، والشيخ جاعد بن خميس الخروصي، وغيرهم من الفقهاء والشعراء والأدباء الذين وجدوا في قصور اليعاربة وحصونهم بيئة مثالية للإبداع والتأليف الفكري.
3. شق الأفلاج والثورة الزراعية المستدامة
لم يشهد تاريخ عُمان اهتماماً بالبنية التحتية المائية والزراعية مثلما شهده في عهد اليعاربة، ولا سيما في عهد الإمام سيف بن سلطان الأول (قيد الأرض). فقد طوّر اليعاربة هندسة الأفلاج (القنوات المائية الجوفية والسطحية التي تنقل المياه من العيون والآبار في قمم الجبال إلى السهول والمدن)؛ فشقوا أفلاجاً عملاقة وعميقة جداً تطلبت مهارات هندسية وحفر صخور صلبة لتموين المدن بالماء العذب وسقاية المزروعات، ومن أشهرها فلج الملكي في إزكي وأفلاج الحمراء والرستاق.
وترتب على هذه الثورة المائية ازدهار زراعي واقتصادي كبير أدى إلى استقرار القبائل البدوية وتحولها إلى الإنتاج الزراعي المستدام، وضمان الأمن الغذائي للدولة في فترات الحصار الحرجة.
4. صياغة الهوية البحرية والتجارية العُمانية الحديثة
أثبتت دولة اليعاربة للعالم بأكمله أن عُمان ليست مجرد إقليم صحراوي أو جبلي معزول في أطراف الجزيرة العربية، بل هي مفتاح بحري وجيوسياسي عالمي يربط الشرق بالغرب. أسس اليعاربة خطوط تجارة بحرية منتظمة وآمنة لنقل التوابل، والأخشاب، والعاج، والقرنفل، والمنسوجات من شرق أفريقيا والهند وشبه الجزيرة العربية إلى موانئ الخليج وأوروبا.
هذا النظام الاقتصادي المفتوح والتجاري القوي هو الأساس الاستراتيجي الذي استندت عليه وتوسعت فيه الدولة البوسعيدية لاحقاً في عهد السيد سعيد بن سلطان (سلطان عُمان وزنجبار)، مما جعل عُمان لاعباً رئيسياً في الاقتصاد العالمي لقرون.
الملحق التوثيقي: قائمة أئمة دولة اليعاربة بترتيبهم التاريخي ونسبهم ومآثرهم
لإعطاء صورة واضحة وموثقة وجامعة لقمة الهرم السياسي لدولة اليعاربة، نورد أدناه السرد الشامل والتفصيلي لجميع الأئمة الذين تعاقبوا على حكم البلاد من التأسيس إلى الغروب:
1. الإمام ناصر بن مرشد اليعربي (1624 – 1649 م)
- النسب والنشأة: الإمام ناصر بن مرشد بن مالك بن أبي العرب اليعربي. ينحدر من عائلة يعربية ترجع في أصلها السلالي إلى بني نبهان، والذين هاجر أجدادهم قديماً من اليمن واستقروا في عُمان.
- المنجز التاريخي: هو المؤسس الحقيقي والشرعي لدولة اليعاربة. بايعه العلماء وأهل الحل والعقد في الرستاق عام 1624م بناءً على مبادرة الشيخ خميس بن سعيد الشقصي. أنشأ جيشاً وطنياً قوياً تجاوز به العصبيات القبلية، ووحد البلاد الممزقة تحت سلطة مركزية واحدة بعد إخضاع الرستاق ونخل والظاهرة ونقل العاصمة إلى نزوى. بدأ بحرب التحرير الكبرى وحاصر البرتغاليين في معاقلهم، وحرر مدناً استراتيجية كبرى مثل جلفار (رأس الخيمة حالياً) عام 1633م وصحار عام 1643م، وفرض على البرتغاليين اتفاقية دفع الجزية السنوية عام 1648م.
2. الإمام سلطان الأول بن سيف اليعربي (1649 – 1680 م)
- النسب والتولّي: الإمام سلطان الأول بن سيف بن مالك بن أبي العرب اليعربي (ابن عم الإمام المؤسس ناصر بن مرشد). تم انتخابه ومبايعته بالإجماع بعد وفاة الإمام الأول.
- المنجز التاريخي: هو الإمام البطل الذي أنجز المهمة التاريخية الكبرى بتطهير التراب الوطني؛ حيث قاد الهجوم الكاسح والنهائي على مسقط عام 1650م وطرد البرتغاليين منها ومن منطقة الخليج العربي بأسرها نهائياً. ركّز عبقريته على بناء أسطول بحري حربي وتجاري عملاق لملاحقة البرتغاليين في البحار، ونقل المعارك إلى قواعدهم في غوجارات وديو بالهند، وشن الحملة البحرية الأولى على معاقلهم في شرق أفريقيا وحاصرهم في مومباسا عام 1660م، وازدهر الاقتصاد العُماني في عهده بفضل الغنائم والتجارة البحرية المفتوحة.
3. الإمام بلعرب بن الإمام سلطان الأول اليعربي (1680 – 1692 م)
- النسب والتولّي: الإمام بلعرب بن الإمام سلطان الأول بن سيف بن مالك بن أبي العرب اليعربي. تولى منصب الإمامة بعد وفاة والده، مما أشار إلى بدء تحول منصب الإمامة الشوري إلى نظام وراثي داخل البيت اليعربي المهيمن.
- المنجز التاريخي: تميز عهده بالاستقرار الداخلي والازدهار الاقتصادي والفكري في شقه الأول؛ حيث استمر على سياسة والده في البناء والإعمار، واستصلح مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، وحفر الأفلاج. خَلّد اسمه في التاريخ الحضاري والمعماري ببناء حصن جبرين التعليمي والفاخر في ولاية بهلاء، والذي جعله مركزاً لإقامته ومنارة علمية لتدريس العلوم والآداب. انشغل الشطر الأخير من عهده بصراع مرير وحرب أهلية مع أخيه الطموح سيف بن سلطان، وانتهت حياته بوفاته محاصراً داخل حصن جبرين عام 1692م.
4. الإمام سيف الأول “قيد الأرض” اليعربي (1692 – 1711 م)
- النسب والتولّي: الإمام سيف الأول (المعروف بلقب قيد الأرض) بن الإمام سلطان الأول بن سيف بن مالك بن أبي العرب اليعربي. تولى مقاليد الإمامة كأمر واقع بعد وفاة أخيه بلعرب.
- المنجز التاريخي: يعتبر عهده العصر الذهبي ودروة قوة الإمبراطورية اليعربية برّاً وبحراً. على الصعيد الداخلي، أحدث ثورة زراعية ومائية كبرى بشق الأفلاج (مثل فلج الحمراء) وزراعة ملايين النخيل وأشجار المانجو والنارجيل على طول ساحل الباطنة لتوطين البدو وتأمين الاقتصاد الغذائي، وبسط الأمن والأمان الصارم فلُقب بـ “قيد الأرض”. وعلى الصعيد الخارجي والعسكري، قاد الجيش والأسطول العُماني لتحرير حصن يسوع المنيع في مومباسا عام 1698م بعد حصار تاريخي دام 33 شهراً، مقتلعاً الوجود البرتغالي بالكامل من شرق أفريقيا ومؤسساً للإمبراطورية البحرية الأفرو-عُمانية في زنجبار ومحيطها، وانتزع البحرين من الفرس وتوفي تاركاً ثروة وأسطولاً بحرياً تجارياً عملاقاً لا مثيل له.
5. الإمام سلطان الثاني بن الإمام سيف الأول اليعربي (1711 – 1718 م)
- النسب والتولّي: الإمام سلطان الثاني بن الإمام سيف الأول (قيد الأرض) بن الإمام سلطان الأول بن سيف بن مالك بن أبي العرب اليعربي. خلف والده بشكل وراثي سلس وحظي ببيعة وتأييد القبائل.
- المنجز التاريخي: حافظ على قوة وأمجاد الدولة، وتطور الأسطول البحري العسكري في عهده بشكل ملحوظ، وتمكن من إعادة وترسيخ السيادة العُمانية المطلقة على مياه الخليج العربي، وبحر العرب، وشمال المحيط الهندي ضد التحرشات الأوروبية والفارسية. خَلّد اسمه معمارياً وعاصمياً بنقل مقر الحكم وتشييد حصن الحزم الهندسي العسكري العظيم عام 1710م ليكون مركزاً لإدارته وضريحاً له بعد وفاته عام 1718م، والتي كانت وفاته إيذاناً ببدء الغروب لليعاربة.
6. الإمام سيف الثاني بن الإمام سلطان الثاني اليعربي (1728 م – فترة أولى ومتقطعة)
- النسب والتولّي: الإمام سيف الثاني بن الإمام سلطان الثاني بن الإمام سيف الأول (قيد الأرض) بن الإمام سلطان الأول بن سيف بن مالك بن أبي العرب اليعربي.
- المنجز والتاريخ: بُويع بالإمامة وهو طفل صغير لم يتجاوز الـ 12 من عمره بعد وفاة والده، وشهد عهده بداية ضعف وانحلال الدولة نتيجة للخلافات الداخلية الحادة حول الوصاية والإمامة. انقسم المجتمع في عهده وانفجرت الحرب الأهلية الكبرى بين الحلفين القبليين (الغافرية والهناوية) ومقتل قادتهم خلف بن مبارك ومحمد بن ناصر الغافري عام 1728م في معركة صحار. ارتكب خطيئة تاريخية قاتلة باستدعائه لجيوش شاه فارس (نادر شاه الأفشاري) لمساعدته ضد منافسه بلعرب بن حمير، مما أدى لغزو الفرس للبلاد وتدمير حواضرها، وتوفي مخلوعاً ومكسوراً عام 1743م بعد تعرضه لخدعة سلب الختم والخمور الشهيرة من قِبل الفرس والذين استولوا بها على قلاع مسقط.
7. الإمام مهنا بن سلطان اليعربي
- النسب والتولّي: الإمام مهنا بن سلطان بن ماجد بن مبارك بن بلعرب اليعربي.
- المنجز والتاريخ: تم إدخاله خلسة ونُصّب إماماً في قلعة الرستاق عام 1719م من قِبل فصيل من العلماء والقبائل الرافضين لإمامة الصبي سيف الثاني بن سلطان لعدم أهليته الشرعية. لم يدم حكمه سوى عام واحد؛ إذ لم يكن يحظى بشعبية أو قبول قبلي واسع، وعُزل وقُتل سريعاً عام 1720م على يد ابن عمه يعرب بن بلعرب، لتتأجج الفتنة السياسية.
8. الإمام يعرب بن الإمام بلعرب اليعربي
- النسب والتولّي: الإمام يعرب بن الإمام بلعرب بن الإمام سلطان الأول بن سيف بن مالك بن أبي العرب اليعربي.
- المنجز والتاريخ: قاد الانقلاب العسكري ضد الإمام مهنا بن سلطان وقتله عام 1720م، وأعلن نفسه وصياً وولياً للعهد على الصبي سيف الثاني. وفي مايو 1722م، اتخذ خطوة متقدمة وأعلن نفسه إماماً رسمياً عازلاً الصبي، مما أثار حفيظة القبائل والعلماء ضد هذا الاغتصاب للسلطة، فقاد بلعرب بن ناصر انتفاضة مسلحة عارمة ضده نجحت في عزله وتجريده من منصبه عام 1723م لإعادة سيف الثاني.
9. الإمام بلعرب بن حمير اليعربي
- النسب والتولّي: الإمام بلعرب بن حَمْيَر بن الإمام سلطان الأول بن سيف بن مالك بن أبي العرب اليعربي.
- المنجز والتاريخ: تم انتخابه ومبايعته إماماً في إقليم الظاهرة والمناطق الداخلية من قِبل الحلف القبلي الغافري والعلماء الرافضين لإمامة سيف الثاني بن سلطان وسلوكه الباذخ. عاشت عُمان في عهده لسنوات تحت وطأة “الإمامة الثنائية المتنافسة”؛ حيث سيطر بلعرب على البر والداخل العُماني وأدار شؤونه بحزم وعدالة، بينما انحصر نفوذ سيف الثاني في الساحل والأسطول. وقاد بلعرب حركات المقاومة ضد الغزو الفارس الأول وهُزم في الظاهرة، وأُعيدت مبايعته كخيار أخير بعد استشهاد سلطان بن مرشد عام 1743م، وتوفي ومُتل في مواجهة عسكرية عام 1749م ليتفرد الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي بحكم البلاد الموحدة.
10. الإمام سلطان بن مرشد اليعربي (1738 – 1740 م / استشهد عام 1743م)
- النسب والتولّي: الإمام سلطان بن مرشد اليعربي. تم انتخابه ومبايعته بالإمامة في نخل والرستاق في فبراير 1742م بعد إجماع العلماء على خلع الإمام سيف الثاني بن سلطان نتيجة لاستدعائه للغزاة الفرس وتدمير البلاد.
- المنجز والتاريخ: هو آخر أئمة دولة اليعاربة الأقوياء والأبطال. اتخذ من ولاية الرستاق عاصمة ومركزاً لإدارته، وتمكن بفضل شجاعته وعقليته الفذة من القضاء على الفتن والاضطرابات الداخلية وتوحيد كلمة القبائل خلفه مجدداً. قاد جيش المقاومة الوطنية ببطولة وتوجه إلى الساحل لفك الحصار الفارس الشرس المضروب على مدينة صحار براً وبحراً، ونجح في رد الهجمات الفارسية وإلحاق خسائر فادحة بهم بالتنسيق مع والي صحار البطل أحمد بن سعيد البوسعيدي. أُصيب بجروح قاتلة واستشهد بطلاً مرابطاً ومدافعاً عن تراب وطنه وسيادته تحت أسوار صحار في منتصف عام 1743م. وبوفاته، انتهت وانهارت دولة اليعاربة سياسياً ومؤسسياً؛ حيث أجمع أصحاب الحل والعقد والعلماء والقبائل بعدها في عُمان على مبايعة والي صحار البطل وصانع النصر ومطهر البلاد من الفرس (أحمد بن سعيد البوسعيدي) إماماً مطلقاً وموحداً لعُمان، لتولد الدولة البوسعيدية وتطوى صفحة اليعاربة الحافلة بالأمجاد والمعارك الحضارية الكبرى.
استنتاج وخاتمة تاريخية: العبرة من الصعود والغروب
إن دراسة وقراءة مسيرة دولة اليعاربة في عُمان (1624–1741م) تقدم درساً تاريخياً وبليغاً وبليغ الأثر في فلسفة ودورات صعود وسقوط الدول والإمبراطوريات؛ فقد أثبتت هذه التجربة السياسية والثالاسوقراطية الفريدة أن الوحدة الوطنية القائمة على العدالة الاجتماعية، وإلغاء المظالم والضرائب غير الشرعية، والاعتماد على الكفاءة الفقهية والشرعية والعسكرية، والالتفاف حول قيادة مخلصة وموحدة، هي الوقود والركيزة الأساسية لصناعة المجد والنهضة والانتصار على أعتى القوى الإمبريالية العالمية (كالبرتغال) مهما بلغ تفوقها التقني والعسكري. لقد حوّل الأئمة الأوائل كناصر بن مرشد وسلطان بن سيف وسيف بن سلطان (قيد الأرض) عُمان من بلد ممزق تنهشه الصراعات والاحتلال، إلى إمبراطورية بحرية عظمى يمتد سلطانها عبر القارات، وتهابها السفن الأوروبية في أعالي البحار، وتزدهر أراضيها بالأفلاج والنخيل والعلوم والآداب.
وفي المقابل، تؤكد التراجيديا الفاجعة والمأساوية لسنوات الضعف والحروب الأهلية اليعربية (1718–1741م) أن تغلغل الأنانيات السياسية، وتقديم المصالح الأسرية والوراثية الضيقة على حساب المبادئ المؤسسية والشورى، وإيقاظ الفتن والعصبيات القبلية الجاهلية (كفتنة الغافرية والهناوية)، والاستعانة بالخارج والعدو الأجنبي التاريخي (كفرس نادر شاه) لضرب وتحجيم الشريك والخصم المحلي في الوطن، هي الوصفة الحتمية والمجربة عبر التاريخ لانهيار وتآكل أعتى الدول والإمبراطوريات وتحول أمجادها إلى ركام تذروه الرياح. ورغم النهاية الحزينة والدامية لهذه السلالة العريقة، إلا أن أئمة دولة اليعاربة يظلون في الذاكرة الجمعية والوجدان العُماني والعربي بمثابة العمالقة الأبطال الذين ذادوا عن حياض الأمة، وطهروا بحار المسلمين وسواحلهم من المد الاستعماري الصليبي البرتغالي المبكر، وتركوا وراءهم شواهد حضارية وعمرانية وتنموية راسخة كحصون جبرين والحزم وأفلاج الداخل، لا تمحوها الأيام وتظل شاهدة على عظمة وبأس الإنسان العُماني وصناعته للتاريخ.