اول الصحف العمانية ما قبل وبعد عصر النهضة
تعتبر الصحافة مرآة صادقة لثقافة الشعوب، ومسجلًا أمينًا لحركتها السياسية والاجتماعية والفكرية عبر العصور. وفي سلطنة عُمان، لم يكن نشوء الصحافة مجرد طفرة إعلامية عابرة، بل جاء تعبيرًا أصيلًا عن حراك حضاري ممتد قاده العمانيون داخل جغرافيتهم التاريخية وفي بلدان المهجر التي وصل إليها نفوذهم البحري والسياسي.
إن الحديث عن أقدم الصحف العمانية يتطلب منا تقسيم هذا التاريخ العريق إلى مرحلتين جوهريتين:
- مرحلة الصحافة المهاجرة (الشرق إفريقية): والتي تأسست في مطلع القرن العشرين في زنجبار وممباسا، وشكلت اللبنة الأولى للوعي الصحفي العماني.
- مرحلة الصحافة المحلية (عصر النهضة): والتي انطلقت مع تولّي السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- مقاليد الحكم عام 1970م، لتواكب بناء الدولة الحديثة.
في هذه المقالة، نستعرض بعمق وتفصيل مسيرة أقدم الصحف العمانية، متتبعين روادها الأوائل، وتوجهاتها السياسية والثقافية، وكيف ساهمت في تشكيل الهوية العمانية المعاصرة.
أولًا: صحافة الرواد في المهجر الأفريقي (1911 – 1964)
ارتبط العمانيون بشرق إفريقيا بروابط سياسية واجتماعية وثيقة منذ قرون، وتوج هذا الوجود بتأسيس سلطنة عُمان وزنجبار. ومع دخول المطابع إلى تلك المنطقة، ظهر الوعي بأهمية الكلمة المكتوبة لمخاطبة المجتمع العماني والعربي هناك، والدفاع عن مصالحه وقضاياه الفكرية والسياسية.
1. صحيفة “النجاح” (1911م): الميلاد الأول للصحافة العمانية
تُجمع الكثير من الدراسات التاريخية على أن عام 1911م هو البداية الحقيقية للصحافة العمانية المكتوبة، وذلك عندما أسس الشاعر والعالم العماني الكبير أبو مسلم البهلاني (ناصر بن سالم بن عديم الرواحي) صحيفة “النجاح” في زنجبار.
- التوجه والمضمون: كانت “النجاح” صحيفة دينية، أدبية، وسياسية، تعنى بإصلاح المجتمع ونشر الفكر الإسلامي المستنير وضبط الهوية العربية في زنجبار.
- الأهمية التاريخية: على الرغم من أن الصحيفة توقفت بعد سنوات قليلة (حوالي عام 1914م) وتولى رئاسة تحريرها في فترات لاحقة الشيخ ناصر بن سليمان اللمكي، إلا أنها فتحت الباب على مصراعيه أمام العمانيين ليدركوا قوة التأثير التي تملكها الصحافة.
2. صحيفة “الفلق” (1929م): الأطول عمرًا والأعمق أثرًا
تعتبر صحيفة “الفلق”، التي صدر عددها الأول في أبريل عام 1929م في زنجبار، من أهم وأبرز الصحف في تاريخ عُمان الحديث. أسستها “الجمعية العربية في زنجبار” لتكون لسان حال الجالية العربية والعمانية هناك.
- اللغة والانتشار: تميزت “الفلق” بصدورها باللغتين العربية والإنجليزية، وأحيانًا كانت تضم مواد باللغة السواحيلية لضمان وصولها إلى أوسع شريحة ممكنة من القراء.
- الخط التحريري: تميزت الصحيفة بنبرتها القوية والناقدة للإدارة الاستعمارية البريطانية في زنجبار، ودفاعها المستميت عن الحقوق السياسية والاقتصادية للعرب والعمانيين.
- النهاية الحزينة: استمرت الصحيفة في الصدور والتأثير لقرابة 35 عامًا حتى توقفت قسرًا عام 1964م إثر أحداث الانقلاب الدامي في زنجبار، والذي أنهى الحكم العماني هناك وأدى إلى إغلاق كافة الصحف العربية والمهاجرة.
3. صحيفة “الإصلاح” (1932م) وصحيفة “المرشد” (1942م)
ولم تقتصر الصحافة المهاجرة على زنجبار فقط؛ بل امتدت إلى ممباسا (في كينيا الحالية):
- صحيفة الإصلاح (1932م): أصدرها الشيخ الأمين بن علي المزروعي في ممباسا كاستمرار لمشروعه التنويري. اتخذت الصحيفة من الآية الكريمة “إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت” شعارًا لها، واهتمت بنشر مقالات للمفكر الأمير شكيب أرسلان ومناقشة أسباب تراجع المسلمين وضرورة تمسكهم بالهوية العربية والإسلامية.
- صحيفة المرشد (1942م): أسسها الشيخ أحمد بن سيف الخروصي في زنجبار. كانت صحيفة أسبوعية توزع أعدادًا كبيرة تصل إلى ألف نسخة أسبوعيًا، وركزت بشكل كبير على مساندة الأحزاب الوطنية والجمعيات العربية لمواجهة التحديات السياسية آنذاك، واستمرت حتى عام 1963م.
4. صحيفة “النهضة” (1951م)
ظهرت صحيفة “النهضة” الأسبوعية في زنجبار عام 1951م تحت إدارة السيد سيف بن حمود بن فيصل البوسعيدي. وصدرت باللغتين العربية والإنجليزية. تميزت الصحيفة بتبنيها خطًا إصلاحيًا يهدف إلى تطوير التعليم وتحديث البنية الفكرية للمجتمع العماني في المهجر، مع الحفاظ على الروابط التاريخية التي تجمعهم بوطنهم الأم عُمان.
ثانياً: مرحلة الصحافة المحلية المعاصرة (بداية من 1971م)
مع انطلاق فجر النهضة المباركة عام 1970م بقيادة السلطان قابوس بن سعيد، دخلت سلطنة عُمان عصرًا جديدًا من التحديث وبناء المؤسسات. فظهرت الحاجة ملحة لتأسيس صحافة وطنية تصدر من داخل تراب الوطن، لتنقل الأخبار المحلية للمواطنين، وتعرف العالم الخارجي بملامح الدولة العمانية الحديثة.
1. جريدة “الوطن” (1971م): رائدة الصحافة العمانية المحلية
تعتبر جريدة “الوطن” العمانية أول صحيفة سياسية يومية تصدر داخل السلطنة في العصر الحديث، حيث صدر عددها الأول كصحيفة أسبوعية في 28 يناير 1971م بجهود مؤسسها الأستاذ نصر بن محمد الطائي.
- رحلة الطباعة والتحديات: في البدايات الأولى للنهضة، كانت السلطنة تفتقر للمطابع الصحفية الحديثة. لذلك، كانت “الوطن” تُطبع في عواصم عربية متعددة؛ حيث بدأت طباعتها في بيروت، ثم انتقلت إلى القاهرة، ومنها إلى الكويت عام 1974م. وفي عام 1976م، انتقلت طباعتها بالكامل إلى داخل السلطنة، إلى أن أسست الجريدة مطابعها الخاصة والمستقلة عام 1988م.
- الدور الوطني: لعبت جريدة “الوطن” دورًا محوريًا في صياغة الرأي العام العماني في السبعينيات والثمانينيات، وكانت بمثابة السجل التاريخي الحقيقي لخطط التنمية، وشق الطرق، وبناء المدارس والمستشفيات في أرجاء عُمان.
تاريخ التأسيس: 28 يناير 1971م
المؤسس: نصر بن محمد الطائي
المقر الرئيسي: مسقط – سلطنة عُمان
2. جريدة “عُمان” (1972م): الصوت الرسمي للدولة
تأسست جريدة “عُمان” الرسمية في 18 نوفمبر 1972م لتكون لسان حال الحكومة العمانية والصوت الإعلامي الرسمي للدولة.
- التدرج في الصدور: بدأت “عُمان” كصحيفة أسبوعية تصدر كل يوم سبت، ثم تحولت بعد ذلك لتصدر مرتين في الأسبوع، ومع تسارع الأحداث ونمو الدولة، بدأت بالصدور بشكل يومي منتظم اعتبارًا من 18 نوفمبر 1980م (ليتزامن مع احتفالات البلاد بالعيد الوطني العاشر).
- الهوية والرسالة: تميزت الجريدة منذ صدورها برصانتها وتغطيتها العميقة للمراسيم السلطانية، والقوانين والتشريعات، والسياسة الخارجية للسلطنة القائمة على السلام والحياد الإيجابي وحسن الجوار. كما أفردت مساحات واسعة للملاحق الثقافية والأدبية التي ساهمت في إبراز إبداعات الشباب العماني.
3. جريدة “تايمز أوف عُمان” (1975م): نافذة عُمان إلى العالم بالإنجليزية
مع تدفق العمالة الوافدة والخبراء الأجانب للمساهمة في بناء البنية التحتية للسلطنة، برزت الحاجة لصحيفة تنقل أخبار البلاد بلغة عالمية. وفي 23 فبراير 1975م، صدر العدد الأول من جريدة Times of Oman (تايمز أوف عُمان) على يد الصحفي الراحل الأستاذ عيسى بن محمد الزدجالي، لتكون أول وأقدم صحيفة تصدر باللغة الإنجليزية في تاريخ السلطنة.
قصة التأسيس الطريفة: تذكر الأدبيات الإعلامية العمانية أن فكرة الصحيفة ولدت من “رسالة فاكس”؛ فبينما كان الأستاذ عيسى الزدجالي يعمل في وزارة الخارجية، وصلت رسالة فاكس هامة باللغة الإنجليزية ولم يكن الكثير من الموظفين ملمين بمضمونها بدقة. من هنا، تبلورت لديه فكرة إنشاء صحيفة يومية باللغة الإنجليزية لتسد هذه الثغرة وتخاطب المجتمع الدبلوماسي والوافد في عُمان.
مقارنة تحليليّة لأبرز الصحف العُمانية التاريخية
لإعطاء نظرة شاملة تلخص الفروقات والتحولات بين هذه المنصات الصحفية العريقة، يمكننا قراءة الجدول التالي:
| اسم الصحيفة | سنة التأسيس | مكان الصدور | المؤسس / الجهة الناشرة | طبيعة الإصدار واللغة |
| النجاح | 1911م | زنجبار (المهجر) | أبو مسلم البهلاني | أسبوعية – لغة عربية |
| الفلق | 1929م | زنجبار (المهجر) | الجمعية العربية في زنجبار | أسبوعية – عربية، إنجليزية، سواحيلية |
| الوطن | 1971م | مسقط (محلي) | نصر بن محمد الطائي | أسبوعية ثم تحولت لليومية – لغة عربية |
| عُمان | 1972م | مسقط (محلي) | دار جريدة عمان (وزارة الإعلام) | أسبوعية ثم تحولت لليومية (1980) – لغة عربية |
| تايمز أوف عُمان | 1975م | مسقط (محلي) | عيسى بن محمد الزدجالي | يومية – لغة إنجليزية |
ثالثًا: التطور اللاحق وتعددية المشهد الإعلامي العماني
بعد هذه البدايات التأسيسية القوية، شهد المشهد الإعلامي العماني في أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين توسعًا أفقيًا وعموديًا ملموسًا:
- صحيفة “عمان أوبزرفر” (1981م): صدرت كأول صحيفة حكومية يومية باللغة الإنجليزية لمواكبة التطورات الاقتصادية والسياسية.
- جريدة “الشبيبة” (1993م): والتي بدأت أول الأمر كمجلة رياضية شبابية عام 1990م، ثم تحولت لجريدة يومية شاملة عام 1993م بالتزامن مع عام الشباب الذي أعلنه السلطان قابوس، لتعبر عن تطلعات الجيل الجديد.
- جريدة “الرؤية” (2009م): والتي شكلت إضافة نوعية كأول صحيفة يومية متخصصة في قطاع المال، والأعمال، والاقتصاد الشامل، بتبنيها لنهج “إعلام المبادرات”.
خاتمة: من الحبر المطبوع إلى الفضاء الرقمي
إن تتبع مسيرة أقدم الصحف العمانية يكشف عن حقيقة جوهرية: أن القلم العماني كان دائمًا حاضرًا وشجاعًا ومستنيرًا، سواء أكان يكافح لحفظ هويته وعروبته في زنجبار وشرق إفريقيا، أم كان يبني ويوثق منجزات الوطن وتنميته في مسقط وظفار وسائر المحافظات العمانية.
اليوم، ومع التحول الرقمي السريع وتراجع الصحافة الورقية تقليديًا لصالح المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، تظل هذه الصحف التاريخية (الوطن، وعُمان، وتايمز أوف عمان، والشبيبة) بمثابة الأهرامات الإعلامية التي تحولت بمرونة عالية إلى مؤسسات إعلامية رقمية شاملة، لتستمر في أداء رسالتها السامية بكل أمانة ومهنية، حاملةً إرث الرواد الأوائل إلى آفاق المستقبل المشرق.
لمعرفة المزيد حول المحطات التاريخية الفارقة والمؤسسات الصحفية التي شكلت وعي المجتمع العماني، يمكنك الاطلاع على هذا العرض الوثائقي الذي يتناول بدايات الصحافة العمانية: تاريخ الصحافة العمانية ومحطاتها الأولى. يشرح هذا الفيديو بالتفصيل نشأة الصحف المهاجرة مثل “فتح البصاير” وصحف زنجبار وحتى الصحافة المحلية المعاصرة.