الاعلام

صحيفة الفلق العمانية: شعاع الوعي ولسان النهضة العربية في شرق أفريقيا

صحيفة الفلق العمانية: شعاع الوعي ولسان النهضة العربية في شرق أفريقيا

شكلت الهجرات العمانية إلى شرق أفريقيا، وتحديداً إلى زنجبار، واحدة من أهم المحطات التاريخية التي أسهمت في نقل الحضارة العربية والإسلامية إلى القارة الأفريقية. لم تكن هذه الهجرات مجرد انتقال جغرافي أو توسع سياسي وتجاري، بل كانت حراكاً ثقافياً وفكرياً عميقاً أثمر عن تأسيس مجتمع عربي ناهض في المهجر. وفي خضم هذا الحراك، أدرك العمانيون والعرب في شرق أفريقيا أهمية الكلمة المكتوبة كوسيلة للنهوض بالمجتمع، والحفاظ على الهوية، ومواكبة التطورات السياسية والاجتماعية التي كان يشهدها العالم آنذاك. من هذا الرحم الفكري، ولدت “صحيفة الفلق”، لتكون واحدة من أهم وأوائل الصحف العربية التي ظهرت في أفريقيا الشرقية بعد الحرب العالمية الأولى، ولتلعب دوراً محورياً في صياغة الوعي العربي والإسلامي في تلك البقاع.

الإرهاصات الأولى: من “النجاح” إلى “الفلق”

لم تكن “الفلق” النبتة الأولى في حقل الصحافة العمانية والعربية في شرق أفريقيا، بل كانت امتداداً طبيعياً وتطوراً حتمياً لجهود صحفية سابقة. فقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، كانت الساحة الثقافية في زنجبار تعرف صحيفة باسم “النجاح”، والتي أدت دوراً كبيراً في إرساء دعائم الصحافة المقروءة. إلا أن ظروف الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من تقلبات سياسية واقتصادية عالمية ومحلية، ألقت بظلالها على المشهد الثقافي، مما أدى إلى تعثر بعض المشاريع الفكرية.

وبعد انقضاء الحرب، برزت الحاجة الماسة إلى منبر إعلامي جديد يواصل المسيرة التي بدأتها “النجاح”، ويحمل لواء التنوير والدفاع عن قضايا الأمة. هنا، انبرى المثقف العماني البارز محمد بن سعيد بن ناصر الكندي لتأسيس وإطلاق الصحيفة الجديدة، مفضلاً أن يطلق عليها اسماً يحمل دلالات عميقة تتناسب مع المرحلة الجديدة، فأسماها “الفلق”.

لقد كان الهدف من هذا التأسيس جلياً:

  • أن تكون الصحيفة شبيهة بـ “النجاح” في مساعيها الحثيثة لإزالة ظلمة الجهل والغباوة.
  • إنارة الأفكار ونشر الوعي بين أبناء المجتمع.
  • إصلاح الشؤون الدينية والدنيوية، والربط بين الأصالة والمعاصرة.

دلالات التسمية: بزوغ فجر جديد

لم يكن اختيار اسم “الفلق” عشوائياً أو مجرد صدفة لغوية، بل كان نابعاً من رؤية فلسفية وفكرية عميقة صاغها محمد بن سعيد الكندي ببراعة. وقد أفصح عن هذه الرؤية في العدد الأول من الصحيفة، مقدماً بياناً تأسيسياً يشرح فيه أسباب هذا الاختيار وأبعاده الرمزية.

يقول الكندي في كلمته الافتتاحية الخالدة:

((الفلق أو الشعيعات الذهبية التي تؤذن بالقسم الهام من اليوم، النهار الذي جعله الله لنا للعمل والجهاد في سبيل الحياة والبقاء أعزاء.. أو المؤذن للفلاح والكفاح، الفلق أو القاسم بين الجزئين من اليوم (الليل والنهار)، الفلق.. أو الفارق بين العهدين من تاريخها عهد الجهل والظلام وعهد المعرفة والنور)).

تحليل النص التأسيسي:

  1. الشعيعات الذهبية: ترمز إلى بداية عصر التنوير، حيث تمثل الصحافة شعاع النور الذي يبدد عتمة الجهل.
  2. العمل والجهاد: ربط الكندي بين طلوع الفجر (النهار) وبين العمل الدؤوب والكفاح من أجل الحياة الكريمة والبقاء في موقع العزة، وهي رسالة سياسية واجتماعية واضحة بضرورة النهوض القومي.
  3. الفارق بين العهدين: اعتبر الكندي ظهور الصحيفة حداً فاصلاً بين حقبتين؛ حقبة ماضية اتسمت بالظلام (الجهل والركود)، وحقبة جديدة تتسم بالنور (المعرفة، الوعي، والتقدم).

انطلاقة الصحيفة: التأسيس والإدارة

صدر العدد الأول من “الفلق” في يوم تاريخي مشهود: الإثنين 20 من شوال عام 1347 هـ، الموافق للأول من نيسان/أبريل عام 1929 م. كانت هذه الانطلاقة ثمرة لجهود مؤسسية قادتها الجمعية العربية في زنجبار، والتي كانت تمثل الكيان الجامع والمدافع عن حقوق العرب هناك.

الداعمون والمؤسسون:

  • السيد سالم بن كنده: صدرت الصحيفة في عهد رئاسته للجمعية العربية، حيث وفر لها المظلة السياسية والمجتمعية اللازمة للظهور.
  • الشيخ ناصر بن سليمان اللمكي: كان من أبرز المشجعين والداعمين المعنويين والماديين لظهور هذه الصحيفة، إيماناً منه بأهمية وجود صوت يعبر عن طموحات العرب في شرق أفريقيا.

الإخراج الفني: جسور التواصل مع مصر

لم تكتفِ “الفلق” بتقديم محتوى فكري رصين، بل اهتمت أيضاً بالشكل والقالب الذي تقدم فيه رسالتها. وفي دلالة واضحة على عمق الروابط الثقافية بين زنجبار وعواصم الثقافة العربية، استعانت الصحيفة بخبرات فنية من خارج المحيط الجغرافي لشرق أفريقيا.

وقد تجلى ذلك في إسناد مهمة الإخراج الفني لأعداد الصحيفة الأولى إلى الرسام المصري عبد الباري العجيزي. إن هذا التعاون الفني يعكس رغبة مؤسسي الصحيفة في إخراجها بمستوى احترافي يضاهي الصحف الكبرى الصادرة في القاهرة ودمشق وبيروت في ذلك الوقت، مما جعلها جذابة بصرياً وقادرة على استقطاب القراء من مختلف الشرائح.

ربابنة الكلمة: رؤساء التحرير ومراحل التطور

توالى على قيادة دفة “الفلق” نخبة من ألمع العقول العمانية والعربية في زنجبار، وكل منهم ترك بصمته الخاصة على مسيرتها وتوجهاتها التحريرية:

1. الشيخ محمد بن هلال البرواني (العصر الذهبي)

يُعد الشيخ محمد بن هلال البرواني المؤسس الحقيقي لهوية “الفلق” التحريرية، حيث تولى أول رئاسة تحرير فعلية ومستقرة لها لمدة أربعة عشر عاماً متواصلة (من 23 أيار/مايو 1931م وحتى 30 كانون الأول/ديسمبر 1945م). خلال هذه الفترة الطويلة، استطاع البرواني أن يرسخ أقدام الصحيفة، جاعلاً منها منبراً فكرياً يناقش قضايا التعليم، والإصلاح الديني، والسياسة الدولية والمحلية. كانت كتاباته تتسم بالعمق والموضوعية، مما أكسب الصحيفة احتراماً واسعاً.

2. الشيخ سعيد بن سالم الرواحي (مرحلة التجديد)

تولى رئاسة التحرير لمدة سنتين تقريباً (من أول شباط/فبراير 1951م إلى 18 أيار/مايو 1953م). واجهت الصحيفة في عهده تحديات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبدايات المد القومي العربي، فعمل على تجديد الدماء في الصحيفة ومواكبة الأحداث العالمية المتسارعة.

3. رؤساء التحرير اللاحقون (مرحلة التناوب)

بعد فترة الرواحي، دخلت الصحيفة في مرحلة تناوب سريع على رئاسة التحرير، حيث تولى قيادتها كل من:

  • الشيخ عبد الله بن سليمان الحارثي.
  • الشيخ أحمد بن محمد بن ناصر اللمكي.
  • السيد سيف بن حمود بن فيصل. وقد أدار كل واحد منهم الصحيفة لمدة تقارب السنة الواحدة، حافظوا خلالها على خط الصحيفة الوطني والقومي، واستمروا في أداء رسالتها رغم تصاعد التوترات السياسية في زنجبار.

الانتشار والتأثير الإقليمي والقومي

تجاوزت صحيفة الفلق بفضل أطروحاتها الثقافية والسياسية الرصينة حدود زنجبار وشرق أفريقيا، لتتحول إلى جسر فكري يربط الشتات العماني بالوطن الأم، ويربط عرب أفريقيا بالوطن العربي الأكبر.

خريطة الانتشار:

  • عمان: كانت الصحيفة تصل إلى عمان لتنقل لأهلها أخبار إخوانهم في المهجر الأفريقي، وتعكس نهضتهم الأدبية والسياسية.
  • الشام ومصر والجزائر: كانت الصحيفة توزع في حواضر العالم العربي الكبرى، مما جعل أطروحاتها مثار إعجاب قرائها ومتابعيها من النخب العربية.

لقد أسهم هذا الانتشار الواسع في خلق وعي قومي مشترك، وتعريف المفكرين العرب في المشرق والمغرب بإسهامات العمانيين في بناء الحضارة في أفريقيا، مما عزز من شعور التضامن العربي في مواجهة الاستعمار الغربي.

الدور السياسي والمحنة: ثمن الكلمة الحرة

لم تكن صحيفة الفلق مجرد نشرة ثقافية أو أدبية هادئة، بل كانت صوتاً صارخاً بالحق في مواجهة التحديات السياسية. مع تصاعد الوعي الوطني في الخمسينيات من القرن العشرين، انخرطت الصحيفة بقوة في المعترك السياسي، متبنيةً مطالب الشعب في نيل حقوقه السياسية والمدنية.

الصدام مع السلطة (1954 – 1955): بلغت شجاعة “الفلق” ذروتها عندما بدأت تنشر مقالات صارخة في وجه السلطات المحلية والإدارة البريطانية (التي كانت تمارس نفوذاً واسعاً في المنطقة). وتمحورت أطروحاتها السياسية حول نقطتين رئيسيتين:

  1. التحريض على العمل الوطني: دعت الصحيفة أبناء المجتمع إلى التكاتف والعمل المنظم لانتزاع حقوقهم.
  2. المناداة بالديمقراطية والمجالس التشريعية: طالبت الفلق صراحة بإرساء أسس الديمقراطية، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة لاختيار أعضاء المجلس التشريعي، ليكون ممثلاً حقيقياً لإرادة الشعب.

هذا الخطاب الثوري الجريء لم يرق للسلطات، التي رأت في “الفلق” خطراً يهدد نفوذها. ونتيجة لذلك، صدر قرار تعسفي بإيقاف الصحيفة عن الصدور. توقفت الفلق قسراً لمدة عام كامل، ابتداءً من 19 حزيران/يونيو 1954م وحتى 19 حزيران/يونيو 1955م.

كانت فترة التوقف هذه بمثابة “وسام شرف” على صدر الصحيفة، إذ أثبتت للقاصي والداني أن “الفلق” لم تكن تساوم على مبادئها، وأنها كانت مستعدة لدفع الثمن غالياً في سبيل رفعة وطنها وكرامة شعبها. وبعد انقضاء فترة الإيقاف، عادت الصحيفة لتواصل رسالتها، وإن كانت في بيئة سياسية تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.

الخاتمة: الإرث الخالد

إن دراسة تاريخ “صحيفة الفلق العمانية” ليست مجرد استرجاع لذكرى مطبوعة ورقية مضت وانقضت، بل هي قراءة في سفر النضال الفكري والسياسي للعمانيين والعرب في شرق أفريقيا. لقد كانت الفلق، كما أراد لها مؤسسها محمد بن سعيد الكندي، شعاعاً ذهبياً أشرق في سماء زنجبار، فبدد ظلمات الجهل، وأيقظ العقول، وربط أواصر القربى بين أطراف الوطن العربي.

لقد سطر رؤساء تحريرها وكتابها أسماءهم بأحرف من نور في تاريخ الصحافة العربية الحرة، تاركين خلفهم إرثاً ثقافياً، وأدبياً، وسياسياً يستحق البحث والدراسة. ورغم كل المحن والخطوب، تظل “الفلق” شاهداً حياً على أن الكلمة الصادقة، النابعة من إرادة الأمة، لا تموت، بل تظل تتردد أصداؤها عبر الأجيال كمؤذن دائم بـ “الفلاح والكفاح”.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية