رياضة

تاريخ مشاركات عمان في تصفيات كأس العالم ونتائجها

تاريخ مشاركات عمان في تصفيات كأس العالم ونتائجها

تُشكل كرة القدم في سلطنة عمان نبضاً جماهيرياً يروي قصصاً من الشغف والكفاح. ومنذ تأسيس الاتحاد العماني لكرة القدم عام 1978، وانضمامه الفعلي إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) عام 1980، وضع “الأحمر” العماني نصب عينيه هدفاً أسمى: بلوغ نهائيات كأس العالم. على مدار عقود من المشاركات في التصفيات الآسيوية، مرّت الكرة العمانية بمحطات متباينة بين البدايات المتواضعة، وبناء الجيل الذهبي، والاقتراب من حلم المونديال في أكثر من مناسبة، لا سيما في تصفيات 2002، 2014، والتصفيات الأخيرة المؤهلة لنسخة 2026.

البدايات والخطوات الأولى (1990 – 1994)

لم يشارك المنتخب العماني في تصفيات كأس العالم بشكل فعلي إلا في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً في التصفيات المؤهلة لبطولة إيطاليا 1990.

تصفيات كأس العالم 1990: نقطة الانطلاق

وقعت عمان في المجموعة الأولى من التصفيات الآسيوية إلى جانب منتخبات قوية كالعراق وقطر والأردن. استهلت عمان مشوارها التاريخي في السادس من يناير 1989 بمباراة تاريخية أمام المنتخب العراقي في مسقط، وانتهت بالتعادل الإيجابي 1-1، وهو ما مُثّل نتيجة إيجابية واعدة لمنتخب يتلمس خطاه الأولى. ورغم قلة الخبرة، نجح الأحمر في تقديم أداء متوازن، محققاً بعض النتائج الجيدة لكنه أنهى المجموعة في المركز الرابع والأخير برصيد هدفين من تعادلين و4 هزائم، دون تحقيق أي فوز، مسجلاً هدفين ومستقبلاً 11 هدفاً.

تصفيات كأس العالم 1994: البحث عن الهوية

في تصفيات الولايات المتحدة 1994، وضعت القرعة عمان في مجموعة ضمت إيران، سوريا، تايوان، وميانمار (التي انسحبت لاحقاً). تميزت هذه التصفيات بنظام التجمع، وأظهرت عمان تحسناً طفيفاً؛ حيث نجحت في تحقيق انتصارها الأول تاريخياً في تصفيات المونديال على حساب تايوان بنتيجة 2-1. ورغم الخسائر أمام إيران وسوريا، إلا أن المشاركة منحت اللاعب العماني احتكاكاً قارياً ضرورياً لبناء مرحلة جديدة.

مرحلة إثبات الذات والتطور (1998 – 2006)

شهدت هذه الفترة النقلة النوعية الأبرز للكرة العمانية، بفضل الاهتمام بالقواعد السنية وظهور جيل موهوب استطاع مقارعة كبار القارة الصفراء.

تصفيات كأس العالم 1998: جيل الشباب الواعد

دخلت عمان تصفيات فرنسا 1998 بروح معنوية عالية مدعومة بإنجازات منتخب الناشئين الذي حقق مركزاً متقدماً في كأس العالم للناشئين 1995 بإكوادور. وقع المنتخب في مجموعة ضمت اليابان ونيبال وماكاو. نجحت عمان في الفوز على ماكاو ونيبال ذهاباً وإياباً بنتائج عريضة، لكنها اصطدمت بقوة الكمبيوتر الياباني الذي انتزع بطاقة التأهل، لينهي الأحمر التصفيات في المركز الثاني بالمجموعة برصيد 12 نقطة من 4 انتصارات وخسارتين.

تصفيات كأس العالم 2002: الانفجار الكبير والوصول للمرحلة النهائية

تعتبر تصفيات كوريا واليابان 2002 إحدى أبرز المحطات التاريخية. في الدور الأول، اكتسح المنتخب العماني مجموعته التي ضمت سوريا، لاوس، والفلبين. وسجل الأحمر نتائج تاريخية، منها الفوز على لاوس بنتيجة قياسية 12-0 ثم 7-0، والفوز على الفلبين 7-0. وفي الموقعة الحاسمة أمام سوريا، تعادل الفريقيان ذهاباً 3-3 وفازت عمان إياباً 2-0 ليتأهل الأحمر إلى الدور النهائي (المرحلة الثانية) لأول مرة في تاريخه.

في الدور النهائي، وقعت عمان في مجموعة نارية ضمت الصين، الإمارات، أوزبكستان، وقطر. عانى المنتخب من نقص خبرة المواعيد الكبرى في هذه المرحلة، لكنه قدم مباريات قوية، أبرزها الفوز على أوزبكستان في مسقط 4-2 بفضل تألق النجم يعقوب جمعة وفوزي بشير، والتعادل مع الإمارات ذهاباً وإياباً. وأنهى الأحمر المجموعة في المركز الخامس برصيد 6 نقاط، بينما تأهلت الصين للمونديال.

تصفيات كأس العالم 2006: الاصطدام بالعملاق الياباني

في تصفيات ألمانيا 2006، وضعت القرعة عمان في مواجهة مباشرة مع اليابان وسنغافورة والهند في الدور الثاني. قدمت عمان تصفيات متميزة واكتسحت الهند بنتيجة 5-1 وسنغافورة 7-0، وكان الند بالند أمام اليابان؛ حيث خسرت في سايتاما بصعوبة بالغة في الدقيقة الأخيرة 1-0، وخسرت إياباً في مسقط 1-0 بهدف من ركلة جزاء. حصدت عمان 10 نقاط في المركز الثاني، ولم تشفع لها للتأهل للدور النهائي نظراً لأن نظام التصفيات كان يمنح بطاقة واحدة فقط لمتصدر المجموعة.

مقارعة الكبار والاقتراب من الحلم (2010 – 2022)

استمر الطموح العماني في التصاعد مع جيل قاده نجوم مثل علي الحبسي، وعماد الحوسني، وأحمد كانو، وفوزي بشير.

تصفيات كأس العالم 2010: كبوة مفاجئة

شهدت تصفيات جنوب أفريقيا 2010 تراجعاً نسبياً للأحمر العماني. فبعد تجاوز نيبال في الدور التمهيدي، وقع المنتخب في مجموعة قوية بالدور الثالث ضمت اليابان، البحرين، وتايلاند. لم تكن النتائج مواكبة للطموحات؛ حيث حصد المنتخب 8 نقاط فقط من انتصارين وتعادلين وخسارتين، ليحتل المركز الثالث ويودع التصفيات مبكراً.

تصفيات كأس العالم 2014: ملحمة الدور النهائي والملحق القريب

عادت عمان بقوة في تصفيات البرازيل 2014 تحت قيادة المدرب الفرنسي بول لوجوين. تجاوز المنتخب ميانمار في الدور الثاني، ليتأهل إلى الدور الثالث في مجموعة حديدية ضمت أستراليا، السعودية، وتايلاند. حقق الأحمر مفاجأة مدوية بالفوز على أستراليا 1-0 في مسقط بهدف عماد الحوسني، والتعادل مع السعودية ذهاباً وإياباً 0-0، والفوز على تايلاند 2-0، ليقصي المنتخب السعودي ويتأهل برفقة أستراليا إلى الدور النهائي الحاسم.

في الدور النهائي، لعبت عمان في مجموعة ضمت اليابان، أستراليا، الأردن، والعراق. قاتل الأحمر بشراسة، وحقق انتصاراً تاريخياً على الأردن 2-1، وعلى العراق 1-0، وتعادل مع أستراليا في سيدني 2-2 بعد أن كان متقدماً بهدفين. في الجولة الأخيرة، كان الأحمر بحاجة للتعادل أمام الأردن في عمان لضمان التأهل للملحق الآسيوي، لكنه خسر بنتيجة 1-0، لينهي المجموعة في المركز الرابع برصيد 9 نقاط، وبفارق نقطة واحدة فقط عن الأردن الذي تأهل للملحق.

تصفيات كأس العالم 2018: مرحلة تجديد الدماء

في تصفيات روسيا 2018، دمج الاتحاد الآسيوي تصفيات كأس العالم وتصفيات كأس آسيا. لعبت عمان في مجموعة ضمت إيران، تركمانستان، غوام، والهند. ورغم تحقيق نتائج مقبولة والفوز على الهند وغوام، إلا أن التعادل المخيب أمام تركمانستان والخسارة من إيران أدت إلى احتلال المركز الثاني برصيد 14 نقطة، وفشل المنتخب في التواجد ضمن أفضل المنتخبات الحاصلة على المركز الثاني، ليتوقف مشواره عند الدور الثاني للتصفيات المونديالية.

تصفيات كأس العالم 2022: إسقاط اليابان في عقر دارها

تحت قيادة الكرواتي برانكو إيفانكوفيتش، قدمت عمان تصفيات تاريخية في نسخة قطر 2022. تجاوز المنتخب الدور الثاني بنجاح بحصده 18 نقطة من 6 انتصارات خلف قطر. وفي الدور النهائي الحاسم، صدمت عمان القارة الآسيوية في الجولة الأولى بالفوز على المنتخب الياباني في ملعب “سويتا” باليابان بنتيجة 1-0 بهدف تاريخي للنجم عصام الصبحي في الدقيقة 88.

استمر المنتخب في تقديم مستويات رفيعة؛ ففاز على فيتنام ذهاباً وإياباً، وفاز على الصين 2-0، وتعادل مع أستراليا 2-2. ورغم هذه العروض البطولية، أنهى الأحمر المجموعة في المركز الرابع برصيد 14 نقطة، وبفارق نقطة واحدة فقط عن أستراليا (صاحبة المركز الثالث التي تأهلت للملحق وعبرت منه للمونديال)، مما أثبت أن عمان باتت رقماً صعباً وقريباً جداً من النخبة العالمية.

العهد الجديد: تصفيات كأس العالم 2026

مع زيادة مقاعد القارة الآسيوية إلى 8 مقاعد ونصف في نسخة كأس العالم 2026 المشتركة بين أمريكا والمكسيك وكندا، دخلت عمان التصفيات بطموح مهيأ تاريخياً لتحقيق الحلم.

الدور الثاني: صدارة مستحقة

لعبت عمان في المجموعة الرابعة إلى جانب قرغيزستان، ماليزيا، والصين تايبيه. نجح الأحمر في حسم الصدارة برصيد 13 نقطة من 4 انتصارات وتعادل وخسارة واحدة، مسجلاً 11 هدفاً واستقبلت شباكه هدفين فقط، ليتأهل بجدارة إلى الدور الثالث الحاسم.

الدور الثالث والرابع (حصاد 2024 – 2025)

خاض المنتخب العماني ملحمة طويلة في المجموعة الثانية بالدور الثالث بمواجهة منتخبات قوية (كوريا الجنوبية، الأردن، العراق، فلسطين، الكويت). شهدت هذه المرحلة تقلبات فنية صعبة وتغييرات في الجهاز الفني، حيث حقق الأحمر انتصارات هامة على ماليزيا وفلسطين والكويت، وتعادل في مواجهات بطولية كبرى مثل التعادل أمام كوريا الجنوبية 1-1 في ملعب غويانغ، والتعادل مع فلسطين 1-1 بهدف عصام الصبحي القاتل في الدقيقة 97.

أنهى الأحمر الدور الثالث متقدماً إلى الدور الرابع من التصفيات. وفي هذا الدور الحاسم (الذي أقيم في أكتوبر 2025)، لعبت عمان في مجموعة مصغرة؛ حيث تعادلت مع قطر سلبياً 0-0، وخسرت أمام الإمارات بصعوبة 2-1، لينهي الأحمر مشواره في المركز الثالث بالمجموعة ويتبدد حلم الوصول إلى نهائيات 2026 بعد مسيرة شجاعة حظيت باحترام الجميع.

إحصائيات وأرقام تاريخية للمنتخب العماني في التصفيات

تعكس لغة الأرقام مدى التطور المستمر للمنتخب العماني في تصفيات المونديال منذ عام 1989 وحتى أواخر عام 2025:

  • إجمالي المباريات الملعوبة: تخطى المنتخب العماني حاجز 105 مباراة في تصفيات كأس العالم.
  • الفوز والتعادل والخسارة: حقق الأحمر 46 انتصاراً، وتعادل في 25 مباراة، وتلقى 35 هزيمة.
  • السجل التهديفي: أحرز الهجوم العماني أكثر من 162 هدفاً، بينما استقبلت شباكه 104 أهداف.

قائمة أبرز هدافي عمان في تصفيات كأس العالم:

  1. هاني الضابط: 11 هدفاً (يتربع على عرش هدافي الأحمر في التصفيات).
  2. يعقوب جمعة: 9 أهداف.
  3. عماد الحوسني: 8 أهداف.
  4. أحمد مبارك (كانو): 7 أهداف.
  5. فوزي بشير: 7 أهداف.
  6. محمد مبارك الهنائي: 7 أهداف.
  7. عصام الصبحي وعبد العزيز المقبالي: 6 أهداف.

الخلاصة والتطلعات المستقبلية

إن تاريخ مشاركات عمان في تصفيات كأس العالم يمثل قصة صعود ملهمة لكرة القدم الخليجية والعربية. من منتخب كان يكتفي بالمشاركة واكتساب الخبرة في 1990، إلى منتخب يزلزل ملاعب آسيا ويسقط عمالقتها كاليابان وأستراليا، وينافس حتى الأنفاس الأخيرة على بطاقات التأهل المباشر والملحق.

وعلى الرغم من أن الحظ عاند “سامبا الخليج” في الأمتار الأخيرة من تصفيات 2002، 2014، 2022، و2026، إلا أن البنية التحتية الرياضية المتطورة في السلطنة، والاهتمام بالدوري المحلي والمواهب الشابة، يمنح الجماهير العمانية يقيناً راسخاً بأن رفع علم السلطنة في المحفل العالمي الأكبر ليس إلا مسألة وقت، وأن الجيل القادم سيحمل الأمانة ليمضي بالأحمر نحو تحقيق الحلم المونديالي طال انتظاره.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية