تاريخ سياسة

من ميناء مسقط إلى نيويورك: القصة الكاملة للصداقة والعلاقات العُمانية الأمريكية

من ميناء مسقط إلى نيويورك: القصة الكاملة للصداقة والعلاقات العُمانية الأمريكية

تُعد العلاقات العُمانية الأمريكية نموذجاً استثنائياً وفريداً في تاريخ الدبلوماسية الدولية، فهي ليست مجرد روابط عابرة بين دولتين، بل هي شراكة استراتيجية ممتدة وصداقة تاريخية ضاربة في عمق الزمن. بدأت هذه العلاقات منذ فجر الاستقلال الأمريكي وتوطدت عبر القرون لتصبح اليوم ركيزة أساسية للأمن والاستقرار والازدهار في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

تتميز الدبلوماسية العُمانية بخصوصية نابعة من إرثها البحري وتاريخها كإمبراطورية تجارية منفتحة على العالم، ومستندة إلى مبادئ راسخة أرسى دعائمها المغفور له السلطان قابوس بن سعيد — طيب الله ثراه — ويواصل قيادتها بحكمة واقتدار حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم — حفظه الله ورعاه. هذه المبادئ القائمة على السلام، والحوار، والحياد الإيجابي، وبناء الجسور، التقت مع التوجهات الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية، مما خلق تناغماً دبلوماسياً واقتصادياً فريداً.

1. الجذور التاريخية واللقاء الأول (أواخر القرن الثامن عشر – مطلع القرن التاسع عشر)

لم تكن العلاقات بين مسقط وواشنطن وليدة الظروف السياسية الحديثة، بل تعود إلى أواخر القرن الثامن عشر، عندما كانت سلطنة عُمان (إمبراطورية مسقط وعُمان) قوة بحرية وتجارية مهيمنة في المحيط الهندي والخليج العربي، بينما كانت الولايات المتحدة دولة فتية تسعى لتوسيع آفاقها التجارية خارج القارة الأوروبية.

بداية التواصل التجاري

بدأ الإبحار التجاري الأمريكي نحو منطقة الخليج والمحيط الهندي يزدهر بعد استقلال الولايات المتحدة. وكانت السفن التجارية الأمريكية تبحث عن أسواق جديدة للتوابل، والتمور، والمنسوجات، والبن. وشكلت الموانئ العُمانية، وخاصة ميناء مسقط وميناء زنجبار (الذي كان تابعاً للمملكة العُمانية آنذاك)، نقاط جذب رئيسية للتجار الأمريكيين بفضل أمان هذه الموانئ والتسهيلات الممنوحة للتجارة الدولية.

في عام 1790، وصلت أول سفينة تجارية أمريكية تُدعى “رامبلر” (Rambler) إلى ميناء مسقط، وكانت هذه الخطوة بمثابة الشرارة الأولى التي أنارت طريق العلاقات الثنائية. وجد التجّار الأمريكيون في العُمانيين شركاء موثوقين يتمتعون بثقافة تجارية رفيعة وأخلاق عربية أصيلة، مما شجع على استمرار هذه الرحلات وتكثيفها.

رؤية السيد سعيد بن سلطان التوسعية

شهدت فترة حكم السيد سعيد بن سلطان (1804 – 1856) العصر الذهبي للإمبراطورية العُمانية، حيث تميز برؤية سياسية واقتصادية ثاقبة انفتحت على القوى العالمية الناشئة. أدرك السيد سعيد الأهمية المتزايدة للولايات المتحدة كقوة اقتصادية صاعدة لا تحمل أي أطماع استعمارية في المنطقة، مما جعلها شريكاً مثالياً لتوازن القوى في المحيط الهندي.

2. معاهدة الصداقة والتجارة 1833 (اللبنة الأولى للدبلوماسية)

تُعتبر عام 1833 نقطة تحول جوهرية في تاريخ العلاقات الثنائية، حيث تكللت الجهود التجارية والدبلوماسية بتوقيع اتفاقية رسمية أرست القواعد القانونية والسياسية لهذه الصداقة الممتدة.

جهود إدموند روبرتس

أرسل الرئيس الأمريكي أندرو جاكسون المبعوث الدبلوماسي الشهير إدموند روبرتس (Edmund Roberts) على متن السفينة الحربية “بيوكوك” (Peacock) لدراسة إمكانية عقد معاهدات تجارية مع القوى الآسيوية والعربية. وعند وصول روبرتس إلى مسقط، حظي باستقبال حافل وبحفاوة بالغة من قِبل السيد سعيد بن سلطان.

تم التوصل سريعاً إلى صيغة اتفاقية تخدم مصالح الطرفين، وفي 21 سبتمبر 1833، تم التوقيع على “معاهدة الصداقة والتجارة” بين سلطنة عُمان والولايات المتحدة الأمريكية.

أهمية تاريخية: تُعد هذه المعاهدة أول اتفاقية تجارية توثقها الولايات المتحدة الأمريكية مع دولة عربية في منطقة الخليج، وثاني اتفاقية لها مع دولة عربية وإفريقية على الإطلاق.

بنود ومكاسب المعاهدة

تضمنت المعاهدة بنوداً متقدمة بمقاييس ذلك العصر، ركزت على:

  • منح رعايا البلدين حق التجارة الحرة والدخول إلى الموانئ بأمان.
  • تحديد الرسوم الجمركية على البضائع الأمريكية في الموانئ العُمانية بنسبة منخفضة وثابتة (لا تتجاوز 5%).
  • تقديم المساعدة والحماية للسفن التي قد تتعرض للغرق أو الأنواء المناخية.
  • السماح للولايات المتحدة بفتح قنصليات لها في الأراضي التابعة للسلطنة.

ساهمت هذه المعاهدة في خلق بيئة استثمارية آمنة ومستقرة، وشهدت السنوات التالية لها تدفقاً كبيراً للبضائع الأمريكية مثل الأقمشة القطنية (التي عُرفت في أسواق زنجبار ومسقط باسم “الميركاني” نسبة إلى أمريكا) والمعدات، مقابل تصدير التمور العُمانية، والعاج، والصمغ، والتوابل إلى الأسواق الأمريكية.

3. رحلة السفينة “سلطانة” 1840 (جسر التواصل الحضاري)

لم تقف العلاقات العُمانية الأمريكية عند حدود المصالح الاقتصادية الجافة، بل امتدت لتشمل أبعاداً حضارية وإنسانية تجسدت في الرحلة التاريخية للسفينة العُمانية “سلطانة” إلى نيويورك عام 1840.

المبعوث أحمد بن نعمان الكعبي

قرر السيد سعيد بن سلطان إرسال سفينته الخاصة “سلطانة” في رحلة دبلوماسية وتجارية إلى الولايات المتحدة، وحمّلها بالهدايا الفاخرة للرئيس الأمريكي مارتن فان بيورين، وشملت الهدايا خيولاً عربية أصيلة، وسيوفاً مطعمة بالذهب، وسجاداً فاخراً، ولآلئ نادرة.

وعيَّن السيد سعيد الحاج أحمد بن نعمان الكعبي مبعوثاً رسمياً له، ليكون بذلك أول مبعوث دبلوماسي عربي رسمي يصل إلى الولايات المتحدة.

الوصول والترحيب في نيويورك

أبحرت “سلطانة” من ميناء زنجبار، وقطعت المحيط الأطلسي لتصل إلى ميناء نيويورك في 30 أبريل 1840. أحدث وصول السفينة العُمانية بركابها بلباسهم العربي التقليدي وعمائمهم الزاهية ضجة إيجابية واسعة في الأوساط الأمريكية.

احتشد آلاف المواطنين الأمريكيين على أرصفة الميناء لمشاهدة السفينة، واحتفت الصحافة النيويوركية بالحدث بشكل غير مسبوق، ووصفت الرحلة بأنها خطوة شجاعة تفتح آفاقاً جديدة للتعرف على الثقافة العربية والإسلامية.

استُقبل المبعوث أحمد بن نعمان بحفاوة رسمية بالغة من قبل حاكم ولاية نيويورك وعمدة المدينة، ونُظمت له جولات في المنشآت الصناعية والعسكرية الأمريكية، كما قام الملحن الأمريكي الشهير آنذاك بتأليف مقطوعات موسيقية احتفاءً بالوفد العُماني. خضعت السفينة “سلطانة” لعملية صيانة كاملة في ترسانة البحرية الأمريكية بنيويورك كهدية من الحكومة الأمريكية قبل عودتها إلى عُمان، مما عكس عمق التقدير والاحترام المتبادل بين البلدين.

4. مسيرة العلاقات في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين

استمرت قنوات الاتصال مفتوحة ومستقرة طوال العقود التالية، مدفوعة بالاحترام المتبادل والمعاهدات المبرمة.

التبادل القنصلي والبعثات

تفعيلاً لبنود معاهدة 1833، افتتحت الولايات المتحدة أول قنصلية لها في زنجبار عام 1836، ثم افتتحت قنصلية رسمية لها في مسقط عام 1880. ساهمت هذه البعثات الدبلوماسية في تسهيل المعاملات التجارية وحماية مصالح الرعايا والتجار، وتقديم تقارير دورية عززت من فهم الإدارة الأمريكية لأهمية الموقع الجيوسياسي لعُمان كمفتاح لبحر العرب والخليج.

الدور الإنساني والطبي (المستشفى الأمريكي بمسقط)

في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، شهدت العلاقات بعداً إنسانياً جديداً تمثل في وصول البعثات الطبية الأمريكية إلى عُمان. وفي عام 1909، تم تأسيس مستشفى توماس التذكاري (المعروف محلياً باسم المستشفى الأمريكي) في مسقط.

لعب هذا المستشفى دوراً حيوياً ومقدراً في تقديم الرعاية الصحية للمواطنين العُمانيين في وقت كانت فيه الخدمات الطبية الحديثة شحيحة في المنطقة. ساهم الأطباء والممرضون الأمريكيون في مكافحة الأمراض والأوبئة، وتركوا أثراً طيباً عميقاً في قلوب العُمانيين، مما عزز الروابط الشعبية (بين الشعبين) بجانب الروابط الرسمية.

5. عهد النهضة المباركة وتحديث الشراكة الاستراتيجية (1970 – 2020)

شكل تولّي المغفور له السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور — طيب الله ثراه — مقاليد الحكم في عام 1970 بداية “النهضة العُمانية المباركة”، وبداية فصل جديد وأكثر استراتيجية في العلاقات العُمانية الأمريكية.

ترقية التمثيل الدبلوماسي

أدركت إدارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون أهمية الرؤية التحديثية للسلطان قابوس، وسارعت الولايات المتحدة إلى تعزيز علاقاتها مع السلطنة. وفي عام 1972، تم ترقية التمثيل الدبلوماسي بين البلدين إلى مستوى السفراء، حيث افتتحت الولايات المتحدة سفارتها في مسقط، وافتتحت سلطنة عُمان سفارتها في واشنطن، مما أتاح قنوات اتصال مباشرة وعلى أعلى المستويات لمناقشة قضايا الأمن الإقليمي والتنمية الاقتصادية.

الزيارات السلطانية الرسمية

قام السلطان قابوس بن سعيد — رحمه الله — بعدة زيارات رسمية تاريخية إلى الولايات المتحدة، التقى خلالها بالعديد من الرؤساء الأمريكيين (جيرالد فورد، جيمي كارتر، رونالد ريجان، جورج بوش الأب، بيل كلينتون). تميزت هذه الزيارات بتقدير أمريكي استثنائي لشخص السلطان قابوس باعتباره “رجل سلام” وحكيماً يمتلك نظرة عميقة وشاملة لشؤون الشرق الأوسط.

وفي المقابل، زار عُمان عدد من الرؤساء والمسؤولين الأمريكيين رفيعي المستوى، بما في ذلك وزراء الدفاع والخارجية، مؤكدين دائماً على المكانة المرموقة للسلطنة كشريك استراتيجي موثوق وثابت في منطقة تموج بالتحولات.

6. التعاون الأمني والعسكري: ركيزة الاستقرار الإقليمي

نظراً للموقع الجغرافي الفريد لسلطنة عُمان، وإشرافها المباشر على مضيق هرمز — الشريان الحيوي لتجارة الطاقة العالمية — اكتسب التعاون الأمني والعسكري بين مسقط وواشنطن أهمية قصوى.

اتفاقية التعاون العسكري 1980

في عام 1980، وقع البلدان على اتفاقية الوصول والتعاون العسكري، والتي تم تجديدها وتحديثها بانتظام في الأعوام (2000، 2010، و2019). قضت هذه الاتفاقية بمنح القوات الأمريكية حق الاستخدام المشروط لبعض المرافق والتسهيلات العسكرية العُمانية في حالات الطوارئ ووفقاً لسيادة عُمان الكاملة، مقابل تعزيز القدرات الدفاعية لقوات السلطان المسلحة وتزويدها بأحدث المنظومات التدريبية والتسليحية.

التمارين العسكرية المشتركة والأمن البحري

تُنفذ القوات المسلحة العُمانية والأمريكية تمارين عسكرية مشتركة بانتظام (مثل تمرين “وادي النار” وتمرين “الحصن المنيع”) لرفع الكفاءة القتالية وتبادل الخبرات في مجالات مكافحة الإرهاب، وحماية الحدود، وإدارة الأزمات.

كما يبرز التعاون الوثيق في مجال الأمن البحري ومكافحة القرصنة في المحيط الهندي وبحر العرب، حيث تعمل البحرية السلطانية العُمانية بالتنسيق مع القوات البحرية الأمريكية المشتركة لضمان حرية الملاحة الدولية وتأمين خطوط إمدادات الطاقة العالمية، وهو دور عُماني مقدر عالمياً يساهم في استقرار الاقتصاد الدولي.

7. الشراكة الاقتصادية واتفاقية التجارة الحرة (FTA)

لم يقتصر التطور في العهد الحديث على الجانب السياسي والأمني، بل شهد الجانب الاقتصادي قفزة نوعية غير مسبوقة بفضل البيئة الاستثمارية الجاذبة في سلطنة عُمان.

توقيع اتفاقية التجارة الحرة 2006

تتويجاً للعلاقات الاقتصادية المتنامية، وقع البلدان في عام 2006 على اتفاقية التجارة الحرة (Free Trade Agreement – FTA)، والتي دخلت حيز التنفيذ الكامل في الأول من يناير 2009.

ميزة استراتيجية: سلطنة عُمان هي واحدة من دول معدودة في الشرق الأوسط التي ترتبط باتفاقية تجارة حرة شاملة مع الولايات المتحدة الأمريكية، مما يعكس الثقة العالية في النظام الاقتصادي والقانوني العُماني.

المكاسب الاقتصادية للبلدين

ألغت الاتفاقية الرسوم الجمركية على معظم السلع المتبادلة، وفتحت أسواقاً واسعة للمنتجات العُمانية (مثل الألومنيوم، والبتروكيماويات، والمنسوجات، والأسماك) في الولايات المتحدة، وفي المقابل سهّلت تدفق التكنولوجيا والمعدات الطبية والصناعية الأمريكية إلى عُمان.

مؤشر التعاون الاقتصاديالأثر والنتائج بموجب اتفاقية التجارة الحرة (FTA)
التبادل التجارينمو مستدام ومتصاعد يتجاوز مليارات الدولارات سنوياً.
الاستثمار الأجنبي المباشرتدفق استثمارات أمريكية ضخمة في قطاعات النفط، الغاز، والطاقة المتجددة.
نقل التكنولوجياتوطين معارف حديثة في الموانئ والمناطق الحرة العُمانية (صحار، الدقم، صلالة).

ساهمت هذه الاتفاقية في دعم الخطط العُمانية لتنويع مصادر الدخل، ووفرت فرص عمل وتدريب للشباب العُماني في الشركات الأمريكية الكبرى العاملة في السلطنة.

8. الدبلوماسية العُمانية: وسيط السلام الموثوق لواشنطن

تُعرف سلطنة عُمان في المحافل الدولية بلقب “سويسرا الشرق الأوسط” بفضل سياستها الخارجية الحكيمة والملتزمة بالحياد الإيجابي والحلول السلمية للنزاعات. هذا الدور جعل من مسقط شريكاً دبلوماسياً لا غنى عنه للولايات المتحدة في حل أعقد الملفات الإقليمية.

تيسير الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة)

يُعد الدور العُماني في التمهيد للمفاوضات بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية أحد أبرز الإنجازات الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين. احتضنت مسقط اللقاءات والمفاوضات السرية والمباشرة بين المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين بتوجيهات ومتابعة مباشرة من السلطان قابوس — طاب ثراه.

أثمرت هذه الوساطة العُمانية الصادقة والسرية عن توقيع الاتفاق النووي التاريخي عام 2015. وحظيت عُمان بإشادة واسعة وثناء رسمي من الرئيس الأمريكي باراك أوباما وإدارته، الذين أعربوا عن امتنانهم العميق للحكمة العُمانية التي جنبت المنطقة والعالم صراعات كبرى.

المبادرات الإنسانية والإفراج عن الرعايا

لعبت عُمان مراراً وتكراراً دوراً إنسانياً نبيلاً في تأمين الإفراج عن مواطنين أمريكيين كانوا محتجزين أو مفقودين في مناطق النزاع في المنطقة (مثل اليمن وإيران). نجحت الدبلوماسية العُمانية الصامتة، القائمة على بناء الثقة مع جميع الأطراف، في إعادة هؤلاء المواطنين بسلام إلى عائلاتهم، وهو ما جعل الإدارات الأمريكية المتعاقبة (الجمهورية والديمقراطية على حد سواء) تنظر إلى مسقط باعتبارها صمام أمان إنساني وسياسي في الشرق الأوسط.

9. التعاون الثقافي والتعليمي وبناء القدرات

إن الصداقة المستدامة هي تلك التي تنمو بين الشعوب والعقول، ولذلك حظي التعاون الثقافي والتعليمي باهتمام بالغ من حكومتي البلدين.

البعثات الدراسية والتبادل الأكاديمي

منذ السبعينات، توجه آلاف الطلاب العُمانيين للدراسة في أعرق الجامعات الأمريكية ضمن برنامج البعثات الحكومية العُمانية. عاد هؤلاء الخريجون ليساهموا بفعالية في بناء وتنمية وطنهم، متقلدين مناصب قيادية في القطاعين الحكومي والخاص، ومستفيدين من العلوم والخبرات التي اكتسبوها في أمريكا.

وفي السياق نفسه، تستقبل السلطنة بانتظام باحثين وطلاباً أمريكيين عبر برامج مرموقة مثل برنامج “فولبرايت” (Fulbright) لدراسة اللغة العربية، والتاريخ الإسلامي، والسياسة الشرق أوسطية، حيث يجدون في عُمان بيئة آمنة ومجتمعاً مرحباً ومتسامحاً.

مركز السلطان قابوس للثقافة بواشنطن (SQCC)

تأسس مركز السلطان قابوس للثقافة في العاصمة الأمريكية واشنطن ليكون منارة حضارية تهدف إلى تعزيز الفهم المتبادل والروابط الثقافية بين الشعبين العُماني والأمريكي. يقوم المركز بتنظيم فعاليات ثقافية، ومعارض فنية، ومحاضرات تعريفية، وتقديم منح لدراسة اللغة العربية، مما يسهم بشكل فعال في بناء جسور التواصل الإنساني وتصحيح المفاهيم المغلوطة.

10. آفاق المستقبل في عهد المتجدد: السلطان هيثم بن طارق

مع تولّي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم — حفظه الله ورعاه — مقاليد الحكم في يناير 2020، دخلت العلاقات العُمانية الأمريكية مرحلة جديدة من النمو والازدهار، مستندة إلى إرث الماضي العريق ومتطلبات المستقبل الحديث المتمثل في “رؤية عُمان 2040”.

الحوار الاستراتيجي العُماني الأمريكي

أطلق البلدان منصة “الحوار الاستراتيجي العُماني الأمريكي”، والتي تعقد جولات دورية لمأسسة وتوسيع الشراكة في مجالات حيوية وجديدة تتواكب مع التطور العلمي العالمي. يركز هذا الحوار على قطاعات رئيسية تشمل:

  • الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر: حيث تسعى عُمان لتصبح مركزاً عالمياً لإنتاج الهيدروجين الأخضر، وتشارك الشركات والخبرات الأمريكية التكنولوجية بفعالية في دعم هذا التوجه الاستراتيجي.
  • الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي: تعزيز التعاون التقني لحماية البنى الأساسية الرقمية وتبادل الخبرات في تكنولوجيا المستقبل.
  • التعليم والابتكار: تطوير برامج تدريبية مشتركة لدعم ريادة الأعمال والمشاريع الناشئة للشباب العُماني.

تؤكد اللقاءات المستمرة بين جلالة السلطان هيثم بن طارق والمعنيين في الإدارة الأمريكية، والاتصالات المتبادلة، على أن هذه الصداقة التاريخية تزداد عمقاً ورسوخاً، وأن التنسيق بين مسقط وواشنطن يظل ركيزة أساسية لتحقيق السلام الإقليمي، والازدهار الاقتصادي، والتقدم الإنساني المشترك.

تشهد القرون الثلاثة الماضية على أن العلاقات العُمانية الأمريكية بنيت على أسس متينة من الصدق، والاحترام المتبادل، والالتزام المشترك بالسلام والأمن. ومن رحلة السفينة “سلطانة” الشجاعة في عام 1840 إلى الشراكات التكنولوجية والاقتصادية المتقدمة في القرن الحادي والعشرين، تُثبت الدولتان أن التباين الجغرافي والمساحي يذوب أمام الإرادة السياسية الحكيمة والرغبة الصادقة في بناء عالم أكثر أماناً وازدهاراً. ستظل هذه الشراكة التاريخية تضيء مسارات الدبلوماسية الدولية كنموذج ملهم للصداقة والتعاون بين الأمم.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *