الحكومة شخصيات

من هو سلطان بن سالم الحبسي وزير المالية العماني؟

من هو سلطان بن سالم الحبسي وزير المالية العماني؟

تخوض سلطنة عُمان في عهدها المتجدد رحلة طموحة نحو التحول الاقتصادي والمالي، مستندة إلى رؤية “عُمان 2040” التي تستهدف تنويع مصادر الدخل، وتحقيق الاستدامة المالية، وجذب الاستثمارات الأجنبية. وفي قلب هذا التحول المشهود، تبرز شخصيات قيادية فذة صاغت بمسيرتها المهنية والعملية ملامح السياسات الاقتصادية والمالية الحديثة للسلطنة. ويأتي على رأس هذه الشخصيات معالي سلطان بن سالم بن سعيد الحبسي، وزير المالية العُماني.

لا ينبع ثقل معالي سلطان الحبسي في المشهد العُماني من مجرد حقيبة وزارية يشغلها، بل من حجم المسؤوليات الجسيمة والملفات الاستراتيجية التي يديرها؛ فهو إلى جانب قيادته لوزارة المالية منذ 18 أغسطس 2020، يتولى رئاسة مجلس إدارة جهاز الاستثمار العُماني منذ 6 يوليو 2020، ورئاسة مجلس إدارة المركز الوطني للتشغيل منذ عام 2019. هذا التداخل القيادي يضعه في خط المواجهة الأول لإدارة ثروات السلطنة السيادية، ورسم سياستها المالية، ومعالجة أحد أهم الملفات الاجتماعية والاقتصادية: ملف التوظيف والتشغيل.

النشأة والمسار الأكاديمي: بناء الأساس المعرفي

بدأت المسيرة المهنية المتميزة لمعالي سلطان الحبسي بارتکازها على خلفية أكاديمية رصينة ومباشرة في صلب التخصص؛ حيث حصل على درجة البكالوريوس في المحاسبة من جامعة عين شمس في جمهورية مصر العربية.

هذا التخصص الأكاديمي منح الحبسي الأدوات التحليلية والمهارات المحاسبية والمالية والضريبية اللازمة لفك شفرات الموازنات العامة وفهم الآليات المعقدة للاقتصاد الكلي. إن دراسة المحاسبة في واحدة من أقدم الجامعات الإقليمية شكلت نقطة الانطلاق لرجل سيقود لاحقاً دفة التوازن المالي في سلطنة عُمان خلال واحدة من أكثر الفترات الاقتصادية حرجاً في التاريخ الحديث.

التدرج الوظيفي: مدرسة وزارة المالية (1988 – 2017)

التحق الحبسي بالعمل في وزارة المالية العُمانية عام 1988. ولم يكن صعوده مفاجئاً، بل جاء نتيجة تدرج وظيفي دقيق وخبرة تراكمية اكتسبها خطوة بخطوة داخل أروقة الوزارة على مدار ما يقرب من ثلاثة عقود.

  • مفتش للضرائب: بدأ حياته المهنية بالتعامل المباشر مع الحسابات، والتدقيق، والتحصيل المالي.
  • المدير العام لإدارة الضرائب: تدرج في المناصب الإدارية حتى أصبح المسؤول الأول عن مسح وإدارة الضرائب في الوزارة، وهو قطاع حيوي بدأ يشهد في عهده بوادر التحول نحو المأسسة الحديثة.
  • المدير التنفيذي للمؤسسة العامة للمناطق الصناعية (مدائن): أسهمت هذه المحطة في إكسابه أبعاداً اقتصادية واستثمارية خارج النطاق المالي البحت، من خلال الإشراف على البنية الأساسية للمناطق الصناعية وتحفيز القطاع الخاص.
  • وكيل وزارة المالية للشؤون المالية (2007): صدر المرسوم السلطاني رقم 61/2007 بتعيينه في هذا المنصب الرفيع. وخلال فترة عمله كوكيل للوزارة، ساهم بشكل مباشر في إعداد الميزانيات العامة للدولة وإدارة الدين العام والسياسات المالية التوسعية والانكماشية التي فرضتها تقلبات أسواق النفط العالمية.

مهندس التخطيط والسياسات النقدية (2017 – 2020)

مع بزوغ الحاجة إلى رؤية تخطيطية أعمق لمواجهة أزمة انخفاض أسعار النفط التي بدأت عام 2014، تم نقل الحبسي للاستفادة من خبراته في قيادة ملفات استراتيجية أخرى:

1. الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط

شغل منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية، وهي المؤسسة التي كانت مسؤولة عن رسم الخطط الخمسية التنموية وصياغة الملامح الأولى لرؤية “عُمان 2040”. من خلال هذا الموقِع، ربط الحبسي بين الأرقام المحاسبية الصرفية والرؤية التنموية طويلة الأمد التي ترتكز عليها الدولة.

2. البنك المركزي العُماني

في سبتمبر 2017، عُيّن نائباً لرئيس مجلس محافظي البنك المركزي العُماني. هذا التعيين مثّل نقلة نوعية في مسيرته؛ حيث انتقل من إدارة “السياسة المالية” (الإنفاق والإيرادات الحكومية) إلى المشاركة في توجيه “السياسة النقدية” (إدارة النقد، وسعر الصرف، وسلامة القطاع المصرفي). هذا المزيج من الخبرة المالية والنقدية جعل منه شخصية نادرة تمتلك نظرة شمولية شاملة حول كيفية تحريك الاقتصاد.

3. رئاسة جهاز الضرائب (2019)

في أكتوبر 2019، أصدر السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- المرسوم السلطاني رقم 70/2019 بتعيين سلطان بن سالم الحبسي رئيساً لجهاز الضرائب بمرتبته ومخصصاته المالية نفسها. كان هذا التعيين خطوة استراتيجية تزامنت مع إعادة هيكلة النظام الضريبي العُماني، والتمهيد لتطبيق ضريبة القيمة المضافة وضريبة الدخل، بهدف تنويع الإيرادات الحكومية بعيداً عن النفط.

نقطة التحول الكبرى: قيادة الاقتصاد في عهد النهضة المتجددة (2020)

مع تولي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- مقاليد الحكم في يناير 2020، بدأت السلطة التنفيذية في عُمان عملية إعادة هيكلة واسعة وشاملة هي الأكبر في تاريخ البلاد الحديث. وكان الحبسي أحد الركائز الأساسية التي وضع جلالة السلطان ثقته فيها لقيادة قاطرة الإصلاح الاقتصادي والمالي.

تجسدت هذه الثقة في ثلاثة مناصب قيادية واستراتيجية متزامنة، يشكل كل منها عموداً فقرياً في الدولة:

                  ┌──────────────────────────────────────┐
                  │ معالي سلطان بن سالم الحبسي         │
                  └──────────────────┬───────────────────┘
                                     │
         ┌───────────────────────────┼───────────────────────────┐
         ▼                           ▼                           ▼
┌──────────────────┐        ┌──────────────────┐        ┌──────────────────┐
│   وزير المالية   │        │ رئيـس مجلس إدارة │        │ رئيـس مجلس إدارة │
│ (18 أغسطس 2020)  │        │جهاز الاستثمارالعُماني│    │المركز الوطني للتشغيل│
│                  │        │  (6 يوليو 2020)  │        │    (عام 2019)    │
└──────────────────┘        └──────────────────┘        └──────────────────┘

أولاً: حقيبة وزارة المالية.. خطة التوازن المالي والاستدامة

تولى الحبسي وزارة المالية في 18 أغسطس 2020 خلفاً لمعالي درويش بن إسماعيل البلوشي، وجاء تعيينه في وقت شديد الحرج والتعقيد؛ حيث كانت السلطنة تواجه أزمة مزدوجة غير مسبوقة: الانهيار الحاد في أسعار النفط العالمية نتيجة جائحة كورونا (كوفيد-19)، وتصاعد حجم الدين العام للدولة الذي هدد التصنيف الائتماني للبلاد.

السياسات والإجراءات المتخذة تحت قيادته:

  1. خطة التوازن المالي متوسطة المدى (2020 – 2024): قاد الحبسي تنفيذ هذه الخطة الطموحة التي هدفت إلى خفض العجز المالي المتراكم، والسيطرة على الإنفاق العام الجاري، ورفع كفاءة الإنفاق الرأسمالي.
  2. تنويع مصادر الإيرادات غير النفطية: أشرف على التطبيق الفعلي لضريبة القيمة المضافة ($VAT$) بنسبة 5% في أبريل 2021، وتوسيع نطاق الضريبة الانتقائية، مما أدى إلى رفد الخزينة العامة بإيرادات مستدامة ومستقرة.
  3. إدارة وخفض الدين العام: تبنى استراتيجية استباقية لإعادة شراء السندات الحكومية وسداد القروض قبل موعد استحقاقها مستفيداً من الفوائض المالية النفطية اللاحقة. أسهمت هذه السياسة الحكيمة في خفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي من مستويات قياسية تقترب من 70% إلى مستويات آمنة جداً تحت 40%، مما دفع وكالات التصنيف الائتماني العالمية (مثل موديز، وستاندرد آند بورز، وفيتش) إلى رفع تصنيف عُمان الائتماني عدة مرات متتالية مع نظرة مستقبلية مستقرة وإيجابية.
  4. منظومة الحماية الاجتماعية: وازن الحبسي بين الإجراءات المالية التقشفية الصارمة وبين الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي؛ حيث أشرفت وزارة المالية تحت قيادته على تمويل وتأسيس “منظومة الحماية الاجتماعية” الحديثة التي دمجت الصناديق التقاعدية المتعددة ووفرت منافع مالية مباشرة للفئات المستحقة وكبار السن والأطفال.

ثانياً: رئاسة جهاز الاستثمار العُماني.. إعادة هيكلة ثروات الوطن

في 6 يوليو 2020، أصدر جلالة السلطان هيثم بن طارق أمراً بتعيين معالي سلطان بن سالم الحبسي رئيساً لمجلس إدارة جهاز الاستثمار العُماني، وهو الكيان السيادي الموحد الذي أُنشئ بموجب المرسوم السلطاني رقم 61/2020 لدمج “صندوق الاحتياطي العام للدولة” و”الشركة العُمانية للاستثمار الاستراتيجي” وكافة الشركات الحكومية التابعة للدولة تحت مظلة استثمارية واحدة.

تكمن أهمية هذا المنصب في قيادة الحبسي لثروة عُمان السيادية واستثماراتها الداخلية والخارجية. وقد ركزت استراتيجيته في إدارة الجهاز على محاور أساسية:

  • الحوكمة وتعميق الكفاءة: تم إطلاق برنامج “روابط” لربط كافة الشركات الحكومية التابعة للجهاز بمنظومة حوكمة موحدة، مما قضى على الترهل الإداري والمالي في الشركات المملوكة للدولة، وأوقف الخسائر التي كانت تتكبدها بعض القطاعات.
  • تقسيم المحافظ الاستثمارية: جرى تقسيم أصول الجهاز إلى محفظتين رئيستين: “محفظة الأجيال” المخصصة للاستثمارات الخارجية طويلة الأجل، و”محفظة التنمية الوطنية” المخصصة لإدارة الشركات المحلية ودعم الاقتصاد الوطني والتنويع الاقتصادي.
  • تخارج الشركات الحكومية: قاد الجهاز خطة التخارج وعرض جزء من حصص الشركات الحكومية الناجحة للاكتتاب العام في بورصة مسقط (مثل شركتي “أوكيو لشبكات الغاز” و”أبراج لخدمات الطاقة”)، وهو ما ساعد على تنشيط سوق المال المحلي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحقيق عوائد مالية إضافية لرفد الميزانية العامة.

ثالثاً: المركز الوطني للتشغيل.. تحدي التوظيف وتنمية الموارد البشرية

يمثل ملف الباحثين عن عمل أحد الملفات الحيوية ذات البُعد الاجتماعي والأمني والرمزي في سلطنة عُمان. ومع إنشاء المركز الوطني للتشغيل عام 2019 ليكون نافذة موحدة للتشغيل ومواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل، تولى معالي سلطان الحبسي رئاسة مجلس إدارته.

تمثلت فلسفة القيادة التي انتهجها الحبسي في هذا الملف في ضرورة الربط المباشر والوثيق بين السياسات المالية والاقتصادية للدولة وبين قدرة سوق العمل على خلق فرص عمل مستدامة وحقيقية للمواطنين، بعيداً عن التوظيف العشوائي أو التضخم الوظيفي الحكومي غير المنتج. وقد ركز المركز تحت إشرافه على:

  1. تسريع وتيرة “العَمْنَنَة” (إحلال العمالة الوطنية محل الوافدة) في الوظائف القيادية والتخصصية بالقطاع الخاص والشركات الحكومية.
  2. بناء الشراكات مع القطاعات اللوجستية، والصناعية، والطاقة لتصميم برامج “التدريب المقرون بالتشغيل”.

مناصب وعضويات استراتيجية أخرى

نظراً لطبيعة مناصبه المتعددة وثقة القيادة السياسية العُمانية في كفاءته، شغل ويشغل معالي سلطان الحبسي عضوية ونيابة رئاسة مجالس إدارة العديد من الشركات والكيانات السيادية والاقتصادية الكبرى التي ترسم المشهد الاستثماري العُماني:

  • عضو مجلس الشؤون المالية وموارد الطاقة: الكيان الأعلى المسؤول عن صياغة السياسات النفطية والمالية للدولة.
  • نائب رئيس مجلس إدارة شركة ميناء صحار الصناعي: أحد أهم الشرايين اللوجستية والاقتصادية للسلطنة المطلة على خطوط الملاحة الدولية.
  • نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة (بما فيها منطقة الدقم الاقتصادية): المساهمة في الإشراف على أكبر مشروع استثماري واقتصادي صناعي في تاريخ عُمان الحديث.
  • نائب رئيس مجلس إدارة مجموعة “إسياد” ($ASYAD$): المجموعة اللوجستية العُمانية العالمية التي تجمع تحت مظلتها الموانئ، والنقل البحري، والحوض الجاف، والنقل البري.
  • نائب رئيس مجلس إدارة شركة “أوكيو” ($OQ$): المجموعة العالمية المتكاملة للطاقة التي تمثل الذراع الاستثماري للسلطنة في قطاع النفط، والغاز، والمصافي، والبتروكيماويات.

الرؤية الإدارية والسمات القيادية لمعالي سلطان الحبسي

يُعرف معالي سلطان الحبسي في الأوساط الاقتصادية والسياسية بكونه رجل الأرقام الصارم والواقعي. يتسم أسلوبه الإداري بالهدوء، والبعد عن الصخب الإعلامي، والتركيز الكامل على النتائج والمؤشرات الرقمية الملموسة.

نجح الحبسي في تطبيق سياسة “الحزم المالي التنموي”؛ فلم يكتفِ بدور وزير المالية التقليدي الذي يهدف لخفض النفقات فحسب، بل وظّف ترؤسه لجهاز الاستثمار العُماني في تحويل الأصول الراكدة إلى أصول استثمارية منتجة وضخ الحيوية والسيولة في عصب الاقتصاد المحلي. يعكس هذا الجمع غير التقليدي للمناصب مرونة ورؤية استراتيجية واضحة تستهدف تكامل الأدوار بين السياسة المالية العامة وبين الذراع الاستثماري السيادي للدولة.

خاتمة

يجسد معالي سلطان بن سالم الحبسي نموذجاً متميزاً للتكنوقراط والقيادة الإدارية الرصينة في سلطنة عُمان. فمنذ بداياته كمفتش للضرائب عام 1988 وصولاً إلى قمة الهرم المالي والاستثماري كوزير للمالية ورئيس لجهاز الاستثمار العُماني ورئيس للمركز الوطني للتشغيل، قاد مسيرة حافلة بالعطاء والقرارات الاستراتيجية التي عبرت بالبلاد من أتون أزمات مالية عاصفة إلى بر الأمان والاستقرار الائتماني والنمو المستدام.

إن الإنجازات المحققة في ملفات التوازن المالي، وإعادة حوكمة الشركات الحكومية، وحماية التصنيف الائتماني للسلطنة، تظل شواهد حية على نجاح رؤيته الاقتصادية المنسجمة تماماً مع التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، مما يجعله بحق أحد أبرز مهندسي عُمان الحديثة نحو مستقبل مشرق ومستدام ومزدهر.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *