من هو محاد بن سعيد باعوين وزير العمل العماني؟
معالي الأستاذ الدكتور محاد بن سعيد باعوين: رحلة من رحاب الأكاديميا إلى قيادة سوق العمل في سلطنة عمان
في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها سلطنة عمان نحو تحقيق رؤية عمان 2040، يبرز دور وزارة العمل كإحدى الركائز الأساسية لبناء اقتصاد متنوع ومستدام يعتمد على الكوادر الوطنية. وفي صدارة هذا الجهد يقف معالي الأستاذ الدكتور محاد بن سعيد بن علي باعوين، وزير العمل منذ 18 أغسطس 2020، الذي جمع بين الخبرة الأكاديمية العميقة والرؤية الاستراتيجية العملية. يُعد الدكتور باعوين نموذجاً للقائد الذي انتقل من قاعات الجامعات ومراكز البحث العلمي إلى سدة المسؤولية الوطنية، حاملاً معه إرثاً علمياً غنياً وخبرة إدارية واسعة.
يأتي تعيينه في منصب وزير العمل في إطار التشكيل الوزاري الجديد الذي أعقب تولي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله – مقاليد الحكم، ليجسد التوجه نحو الاستفادة من الكفاءات الوطنية ذات الخلفيات العلمية المتميزة في إدارة الملفات الحيوية. خلال أكثر من خمس سنوات في المنصب، حققت الوزارة تحت قيادته إنجازات ملموسة في مجال التعمين، التشغيل، التدريب، والتحول الرقمي، مما ساهم في خفض معدلات الباحثين عن عمل وتعزيز مشاركة المواطنين في سوق العمل.
النشأة والمسيرة التعليمية: أساس علمي متين
ولد الدكتور محاد بن سعيد باعوين في سلطنة عمان، ونشأ في بيئة تشجع على العلم والمعرفة.
- البكالوريوس: أكمل تعليمه الجامعي الأولي في جامعة السلطان قابوس، حيث حصل على درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية عام 1998. هذه الخلفية الهندسية شكلت قاعدة قوية لاهتمامه اللاحق بالقضايا البيئية والتنموية المستدامة.
- الماجستير: لم يكتفِ بالدرجة الأولى، بل واصل مسيرته العلمية في الخارج. حصل على درجة الماجستير في الهندسة البيئية من كلية إمبريال كوليدج لندن الشهيرة عام 2000، وهي إحدى أرقى المؤسسات الأكاديمية في العالم.
- الدكتوراه: ثم نال درجة الدكتوراه في الهندسة البيئية والموارد المائية من جامعة ألبرتا في كندا عام 2007. خلال فترة دراسته للدكتوراه، عمل باحثاً مساعداً في الجامعة نفسها بين عامي 2002 و2007، مما أتاح له فرصة التعمق في البحث العلمي التطبيقي.
يمتلك الدكتور باعوين أكثر من 220 إصداراً بحثياً علمياً محكماً في مجالات الهندسة البيئية، معالجة المياه والصرف الصحي، إدارة النفايات الصلبة، والهندسة التحويلية، بالإضافة إلى اهتمامات في القطاع اللوجستي والتنمية المستدامة. هذه الإنتاجية البحثية تعكس شغفه بالعلم التطبيقي الذي يخدم المجتمع والبيئة، وهو ما انعكس لاحقاً في رؤيته لسوق العمل كمجال يتطلب التوازن بين التنمية الاقتصادية والاستدامة الاجتماعية.
المسيرة الأكاديمية والإدارية: من الأستاذية إلى القيادة الجامعية
بعد عودته إلى الوطن، التحق الدكتور باعوين بجامعة السلطان قابوس كأستاذ مساعد في قسم الهندسة المدنية والمعمارية بكلية الهندسة عام 2007. تم ترقيته إلى أستاذ مشارك عام 2013، ثم إلى درجة الأستاذية الكاملة.
- إدارة المراكز البحثية: شغل منصب مدير مركز الدراسات والبحوث البيئية (CESAR) في الجامعة بين عامي 2013 و2016، حيث قاد جهوداً بحثية وتطبيقية مهمة في مجال البيئة والتنمية المستدامة.
- العمادة الأكاديمية: في يونيو 2020، تم تعيينه عميداً لكلية عمان البحرية الدولية (التابعة لمجموعة أسياد)، حيث أسهم في تطوير البرامج الأكاديمية والتدريبية المتخصصة في القطاع البحري واللوجستي، وهو قطاع حيوي للاقتصاد العماني. هذه التجربة الإدارية الجامعية أعدته جيداً للانتقال إلى المسؤوليات الوزارية، حيث اكتسب خبرة في إدارة المؤسسات التعليمية، تطوير المناهج، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل.
- الاعتماد الأكاديمي: في أبريل 2026، تم تعيينه رئيساً لمجلس إدارة الهيئة العمانية للاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم (OAAAQA)، مما يؤكد استمرار دوره في تطوير قطاع التعليم والتدريب، وهو أمر جوهري لنجاح سياسات التشغيل والتعمين.
التعيين كوزير للعمل: تحديات وفرص في مرحلة التحول الوطني
جاء تعيين معالي الدكتور محاد باعوين وزيراً للعمل في 18 أغسطس 2020، في وقت كانت فيه سلطنة عمان تواجه تحديات اقتصادية ناجمة عن جائحة كورونا، إلى جانب الحاجة الماسة إلى تسريع وتيرة التعمين وتنويع الاقتصاد. ورث الوزير ملفاً معقداً يتعلق بارتفاع أعداد الباحثين عن عمل، خاصة من الشباب، والاعتماد التاريخي على العمالة الوافدة في القطاع الخاص.
منذ اليوم الأول، أكد الوزير على أهمية العمل الجاد والتعاون بين جميع الأطراف: الحكومة، القطاع الخاص، والشباب العماني. وقد أظهر التزامه بالحوار المباشر مع أصحاب العمل والعمال، وإجراء زيارات ميدانية للمصانع والشركات في مختلف المحافظات، مثل زيارته لمحافظة ظفار.
الإنجازات الرئيسية: أرقام تتحدث عن نفسها
تحت قيادة الدكتور باعوين، سجلت وزارة العمل إنجازات كمية ونوعية بارزة:
- تشغيل أكثر من 200 ألف عماني: بين عام 2021 وأكتوبر 2025، دخل أكثر من 200 ألف مواطن عماني إلى سوق العمل. هذا الرقم يعكس نجاح البرامج المتكاملة في التشغيل والإحلال والتدريب.
- مضاعفة الدعم المالي للقطاع الخاص: تم رفع الدعم المخصص لبرامج تشغيل الباحثين عن عمل في القطاع الخاص من 50 مليون ريال عماني إلى 100 مليون ريال عماني، مما شجع الشركات على توظيف الكوادر الوطنية بشكل مستدام.
- منصة “توطين” (Tawteen): أطلقت الوزارة في نهاية 2024 منصة “توطين” الرقمية المتكاملة، والتي أصبحت إلزامية التسجيل عليها لجميع الشركات بحلول فبراير 2026. تعمل المنصة كمنظومة متكاملة تربط الباحثين عن عمل بفرص التوظيف، وتتيح تتبع نسب التعمين، وتسهل إجراءات التصاريح العمالية والتأشيرات، مع ضمان أولوية الكفاءات العمانية. كما توفر أدوات تحليلية لصناع القرار وأصحاب الأعمال.
- برامج التدريب والتأهيل: ارتبط أكثر من 50 ألف فرصة عمل ببرامج تدريبية نوعية، مما يساهم في سد الفجوة المهارية بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق.
- حماية العمالة الوطنية: أصدرت الوزارة توجيهات واضحة بعدم إنهاء خدمات الموظفين العمانيين إلا بموافقة مسبقة من الوزارة. انخفض معدل إنهاء الخدمات الشهري بشكل كبير، وتم إعادة إدماج أكثر من 4 آلاف شخص في سوق العمل خلال عام 2025 وحده.
- خطة 2026: أعلنت الوزارة عن خطة شاملة لتوفير 60 ألف فرصة عمل خلال عام 2026، مع التركيز على التوسع في التعمين، دعم ريادة الأعمال والعمل الحر، وتحسين جودة الوظائف.
- انخفاض أعداد الباحثين: كما انخفض عدد الباحثين عن عمل إلى ما بين 74 و76 ألف شخص حتى نوفمبر 2025، مع استمرار الجهود لخفض هذا الرقم من خلال الربط الإلكتروني والمبادرات النوعية.
التحول الرقمي والشراكات الاستراتيجية
أولت الوزارة اهتماماً كبيراً بالتحول الرقمي، حيث أصبحت الخدمات الإلكترونية أكثر سلاسة، وتم تفعيل نظام حماية الأجور، بالإضافة إلى تعزيز الربط الإلكتروني مع الجهات الحكومية الأخرى. كما عقدت الوزارة شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص، مثل الاتفاقية مع شركة أواصر لتمكين الشباب العماني.
على الصعيد الدولي، شارك الوزير في العديد من المحافل، منها القمة العالمية للحكومات في دبي 2026، وقمم أخرى تناقش قضايا العمل والتنمية البشرية، مما يعزز مكانة عمان إقليمياً وعالمياً في مجال سياسات العمل.
الرؤية المستقبلية: نحو سوق عمل مستدام وتنافسي
يؤمن الدكتور باعوين بأن نجاح التعمين لا يقتصر على الأرقام، بل يتطلب مواءمة مستمرة بين التعليم وسوق العمل، وتطوير المهارات الرقمية والخضراء، وتشجيع ريادة الأعمال. ومن خلال رئاسته لهيئة الاعتماد الأكاديمي، يسعى إلى ضمان جودة مخرجات التعليم والتدريب المهني بما يخدم أهداف الخطة الخمسية العاشرة ورؤية عمان 2040.
تشمل رؤيته المستقبلية:
- توسيع نطاق التعمين في القطاعات الاستراتيجية.
- دعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر وخلق فرص عمل مستدامة.
- تعزيز ثقافة العمل الحر والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
- الاستمرار في التحول الرقمي الكامل لخدمات الوزارة.
خاتمة: قائد يجمع بين العلم والعمل
يُجسد معالي الأستاذ الدكتور محاد بن سعيد باعوين نموذج القائد العماني الذي يجمع بين العمق الأكاديمي والكفاءة الإدارية والرؤية الوطنية. من قاعات جامعة السلطان قابوس ومختبرات البحث في كندا، إلى قيادة وزارة العمل في مرحلة مفصلية من تاريخ السلطنة، أثبت الدكتور باعوين قدرته على تحويل التحديات إلى فرص.
إن الإنجازات التي تحققت خلال فترة توليه الوزارة – من تشغيل مئات الآلاف من العمانيين إلى إطلاق منصات رقمية متقدمة – ليست سوى بداية لمسيرة أطول نحو سوق عمل عماني تنافسي، منتج، ومستدام. ومع استمرار الدعم السلطاني والتعاون المجتمعي، يبقى الدكتور باعوين رمزاً للجيل الجديد من القادة الذين يبنون مستقبل عمان بأيدي أبنائها.