الإمام العلامة أبا سعيد محمد بن سعيد الناعبي الكدمي
عُمان في القرن الرابع الهجري وموقع الكدمي منها
شهد التاريخ الإسلامي في سلطنة عُمان مخاضات فكرية وسياسية وعلمية عظمى، شكلت في مجموعها الهوية التشريعية والأصولية للفكر العُماني عامة، والمدرسة الإباضية على وجه الخصوص. ولم تكن الحركة العلمية العُمانية في مجملها مجرد حواضر لتلقين المتون ونقل الفروع، بل كانت مصنعاً لإنتاج العقول الاجتهادية الاستقلالية التي تملك شجاعة النظر والتنظير والموازنة بين مقتضيات الأثر وموجبات النظر العَقلي والأصولي.
وفي قلب هذه الحركة العلمية المتوقدة خلال القرن الرابع الهجري، يبرز اسم الإمام العلامة الكبير والجهبذ النحرير، أبو سعيد محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد الناعبي الكدمي، كأحد أعمق وأقوى العقول الفقهية التي صاغت معالم التشريع وفقه النوازل السياسية في عُمان. لم يكن الكدمي مجرد فقيه تقليدي يكتفي بجمع الأقوال وترجيحها، بل كان مصلحاً اجتماعياً، ومفكراً عقائدياً، ومنظراً سياسياً، وإماماً قيدوماً في “علم التخريج” و”علم الولاية والبراء”، حتى غدت آثاره ومصنفاته عمدة لا غنى عنها لكل من جاء بعده من العلماء والباحثين.
تأتي هذه الدراسة الموسوعية المستفيضة لتبحث في سيرة هذا الإمام الجليل، متتبعةً أصول نسبه الشريف، وبيئته الناشئة، ورحلته المضنية في طلب العلم، وشيوخه الأعلام، وتلاميذه، وقواعد مذهبه التخريجي، ومصنفاته العظيمة، وموقفه الفقهي والسياسي التاريخي من النوازل والأحداث التي عاصرتها الإمامة العُمانية في وقته.
المحور الأول: السيرة الذاتية، حقيقة النسب، والمحيط الجغرافي والزمني
أولاً: الاسم والنسب الشريف والأصول القحطانية
هو الإمام العلامة الكبير والمحقق الشهير أبو سعيد محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد الناعبي الكدمي. يُعرف في الأوساط العلمية والتاريخية بإمام التخريج وإمام علم الولاية والبراء. وينحدر الإمام الكدمي من أرومة عربية قحطانية أصيلة، فهو ينتمي إلى قبيلة النعب (أو الناعبي)، وهي قبيلة قضاعية حميرية قديمة استوطنت أرض عُمان منذ عهود ما قبل الإسلام، وساهمت في صياغة حوادثها التاريخية والسياسية.
وتنتسب قبيلة النعب إلى قضاعة بن مالك بن حمير، وهم الذين قال فيهم شاعرهم قديماً معتزاً ومفتخراً بنسبهم الثابت المستفيض:
نـحن بـني الـشيخ الهـجان الأكـبر — قـضاعـة بـن مـالـك بـن حـمـير
الـنسـب الـمعـروف غـير الـمنـكر — في الحجر المنقوش تحت المنبر
وقد حظي هذا النسب بتوثيق دقيق وعناية بالغة من قِبل النسابين والمؤرخين الأوائل؛ إذ أورد العلامة والمؤرخ والنسابة العُماني الرواد العوتبّي الصحاري في كتابه الشهير في الأنساب: «أن النعب هم من ولد الديل بن مهرة بن عمرو بن الحاف بن قضاعة»، وأسند ذلك بمقولته التاريخية: «وولد الديل، بنو دهن وبنو ناعب وهم بعُمان».
وتشير السير والتواريخ إلى أن بني ناعب (الناعبيين) انتشروا في حواضر عُمانية شتى، وشكلوا حواضر سكانية وعلمية بارزة؛ فهم موجودون اليوم في بلدان عدة من عُمان، منها بلدة الطو، وبلدات وادي المعاول، وفي ناحية كدم (وتحديداً في بلدة “القرية”، وبلدة “ذات خيل”، وبلدة “العارض”، وبلدة “القلعة”، وبلدة “غمر”، وبلدة “بلاد سيت”).
وعلى هذا الأساس، تُعد قبيلة النعب من القبائل العُمانية القديمة والأصيلة التي أدت أدواراً محورية في الإنتاج العلمي والديني، حيث أخرجت بيوتات علمية ناصعة وأسراً اشتهرت بالفقه والولاية، من أبرزها أسرة الشيخ أبي سعيد الكدمي نفسه، وأسرة آل مداد بنزوى، وأسرة بني النظر -على المشهور- بولاية سمايل.

ثانياً: النشأة والمحيط الجغرافي (بلدة كدم العريقة)
ولد الإمام أبو سعيد ونشأ في بلدة العارض من ناحية كدم، وهي منطقة تاريخية عريقة تقع في الجزء الداخلي من عُمان، وتتميز ببيئتها الطبيعية الجميلة ونخيلها الباسقة ومياهها الجارية، مما وهب سكانها طبعاً نقياً وروحاً وثابة للزهد والعبادة والتعلم. وفي هذه البيئة الناضرة، تشرب أبو سعيد المبادئ الأولى في الأخلاق واللغة والقرآن الكريم على يد معلّمي القرية ومؤدبيها.
غير أن طموحه العلمي الكبير، وشغفه المعرفي الذي لا يرتوي، دفعاه سريعاً في مقتبل حياته وفجر شبابه إلى الانتقال من كدم إلى عاصمة العلم والدين في عُمان آنذاك، وهي مدينة نزوى (بيضة الإسلام والمسلمين). كانت نزوى في ذلك العصر تمثل كعبة وفادة لطلاب العلوم الشرعية، وتموج بحلقات المحدثين والفقهاء واللغويين، وفيها استقر الإمام الكدمي، حيث وجد البيئة الخصبة لصقل مواهبه، وبناء معارفه الأصولية والفقهية الموسوعية.
ثالثاً: التحديد الزمني لولادته وعمره الشريف عبر الاستنباط التاريخي
تواجه الباحث في سيرة الإمام أبي سعيد الكدمي عقبة ندرة التوثيق المباشر والمكتوب لتاريخ ولادته بيومه وشهرِه وسنته، وهو أمر شائع في تراجم الكثير من أئمة العلم الأوائل في عُمان نتيجة لضياع أجزاء واسعة من كتب السير والتاريخ القديمة. إلا أن علماء المساق التاريخي العُماني والمحققين الأثبات تمكنوا من رسم خارطة زمنية دقيقة وشبه قاطعة لمولد الشيخ الكدمي بالاعتماد على طريقة التلازم والقرائن التاريخية المقارنة، وتفصيل ذلك على النحو التالي:
- القرينة الأولى (تولي حراسة السجن): ثَبَتَ في الروايات والمساقات التاريخية العُمانية المستفيضة أن أبا سعيد الكدمي قد دخل في السلك الإداري والأمني للإمامة وعمل كحارس للسجن بنزوى في عهد الإمام الشرعي المبايع سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب المنصوب.
- القرينة الثانية (تاريخ تولي الإمام سعيد بن عبدالله): من المعلوم تاريخياً بالضرورة أن بيعة الإمام سعيد بن عبدالله بن محبوب كانت في عام 320هـ.
- القرينة الثالثة (السن المعتبرة لتولي حراسة السجن): إن طبيعة وظيفة “حراسة السجن” وتولي شؤون المعتقلين والتحفظ عليهم هي مسؤولية أمنية بالغة الدقة والحساسية لا تُوكل في العرف السياسي والاجتماعي إلا لرجل قد بلغ الحلم، وآنس منه أولو الأمر القوة العقلية والبدنية والرشد والأمانة. وبما أن الإنسان يبلغ الحلم في العادة بعد مضي أربعة عشر عاماً من عمره ويدخل في الخامسة عشرة، فإننا إذا قدّرنا أن أبا سعيد الكدمي كان في مقتبل شبابه وفجر قوته عند تعيينه في هذه الوظيفة مع بداية عهد الإمام سعيد بن عبدالله سنة 320هـ، فإن عمره الشريف حينذاك كان في حدود الخامسة عشرة من السنين.
وبناءً على هذه العمليات الاستنباطية والتوافقية الدقيقة بين التواريخ والوظائف، يخلص المحققون إلى أن ولادة الإمام أبي سعيد الكدمي كانت تقريباً في عام 305 هجرية على وجه التقريب والتخمين العلمي الرصين. وهذا يعني أنه عاصر الشطر الأكبر من القرن الرابع الهجري، وهو القرن الذي بلغ فيه العطاء الأصولي والفقهي في عُمان ذروة نضجه وازدهاره.
المحور الثاني: الرحلة العلمية، منهل المعرفة، والتحليل المعرفي لطبقة شيوخه
عندما دخل الإمام أبو سعيد الكدمي مدينة نزوى، دخلها بقلب ينبض بالشغف، وروح متعطشة لارتشاف العلوم، وكان حاله كحال الظمآن الشديد الظمأ الذي يسعى بكل قوته نحو الماء العذب الزلال. وفي نزوى، كانت الحلقات العلمية تعج بأئمة الهدى والدين، ورجال الورع والفضل، الذين طاب بهم الزمان وسعدت بهم الدنيا، فارتوى من مناهلهم وعاصر طبقة فريدة من كبار العلماء.

أولاً: الشيخ محمد بن روح بن عربي الكندي النزوي
يُعد الشيخ محمد بن روح بن عربي الكندي أحد أعظم شيوخ الإمام الكدمي وأكثرهم أثراً في تكوينه العقدي والفقهي. وهو من كبار أئمة المدرسة النزوانية، وعنه أخذ الكدمي أصول مذهب الوقوف والسلامة في النوازل السياسية. وقد لازم الكدمي شيخه ابن روح ملازمة الظل لظله، ودرس عليه مدونات الإباضية الأولى، واستوعب منه مناهج الاستدلال والاحتجاج الأصولي.
ثانياً: الشيخ أبو الحسن محمد بن الحسن
وهو القطب الثاني في رحلة الكدمي المعرفية. كان عالماً جليلاً، صاحب مرويات وفتاوى عميقة تركت بصمة واضحة في المسار الفقهي العُماني الداخلي. وقد تحدث الإمام أبو سعيد الكدمي عن هذين الشيخين العظيمين (ابن روح وأبو الحسن) بلسان يملؤه التبجيل والامتنان والتقدير العالي لأثرهما في بناء شخصيته العلمية، حيث قال في نصه التاريخي المحفوظ:
«وأما أبو عبدالله محمد بن روح بن عربي، وأبو الحسن محمد بن الحسن فشاهدناهما وصحبناهما الزمان الطويل، والكثير غير القليل، وعنهما أخذنا عامة ديننا».
ولم يكتف الكدمي بالثناء النثري، بل خلّد ذكرهما ومكانتهما العلمية وموقفهما السياسي العقدي في منظومته “النونية” الشهيرة، حيث يقول:
بـالذي دان ابن روح — ورمـشـقـي الحبران
في أمور الشيخ صلت — وابن موسى يتبعان
ثالثاً: الشيخ أبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر الخروصي
يرى الباحثون والمحققون في التاريخ العُماني أنه ليس من بعيد أن يكون الشيخ أبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر الخروصي أحد شيوخ الإمام الكدمي الذين لازمهم وأخذ عنهم. والقرينة القاطعة التي تؤيد هذا الرأي وتثبته هي تتبع طريقة حديث الكدمي عن الإمام أبي محمد وموقفه من أحداث الفتنة الكبرى (الخروج على الإمام الصلت بن مالك)؛ إذ نجد الكدمي يقول بوضوح وتجرد علمي تام:
«ونحن نتولى أبا محمد على خبرة ومعرفة بمذهبه».
إن استخدام مصطلح “على خبرة ومعرفة بمذهبه” لا يصدر في العرف العلمي إلا عن تلميذٍ خالط شيخه مخالطة شديدة، وقرأ عليه أصول مذهبه وآرائه، وعاين أدلته وحجاجه الفقهي، مما يجعله شاهداً وملازماً له.
رابعاً: الشيخ أبا إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر الأزكوي
يُمثل الشيخ أبو إبراهيم الأزكوي حلقة الوصل الحديثية والفقهية الكبرى في روايات الإمام أبي سعيد الكدمي. ومن طريق هذا الشيخ الجليل، تلقى الكدمي الروايات التاريخية والفقهية العالية التي تُعرف في الاصطلاح الفقهي العُماني بـ “الرفيعة”. ومن ذلك رواية ولاية أبي جابر محمد بن جعفر، وابنه أبي علي الأزهر بن محمد بن جعفر.
ويفصل الإمام الكدمي هذه الرواية الرفيعة بقوله:
«ورفع إلينا أبو إبراهيم رحمة الله ولاية محمد بن جعفر، وقال إنه يتولاه على ولايته لموسى بن موسى، وأخذنا ولاية محمد بن جعفر عن أبي إبراهيم، ولو توليناه بظاهر الأمر والخبر لكان لذلك أهلاً، وكان ذلك معنا جائزاً».
ويستمر الكدمي في تتبع هذا السند الرفيع العالي حتى يصل إلى ابن محمد بن جعفر فيقول: «إلى أن قال: وأما أبو علي الأزهر بن محمد بن جعفر فأخذنا ولايته بالرفيعة عن أبي إبراهيم محمد بن سعيد عن أبي بكر».
ويحظى الشيخ أبو إبراهيم الأزكوي بمكانة رفيعة جداً وتفخيم كبير في فكر الإمام الكدمي، حيث ينعته بصفات تدل على سعة علمه وتقدمه على سائر رجالات عصره؛ إذ يقول في وصفه:
«ثم كان بعد هؤلاء الذين ذكرناهم وسميناهم في الخلف الثالث، وهو ممن شاهد السلف الأول والثاني، وتكلم فيه وقال فيه، وهو أقدم الخلف سناً، وأعظمهم جاهاً، ولعله في بعض الأمور أجمعهم علماً وهو أبو إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر».
المحور الثالث: البناء الأخلاقي والاجتماعي: الزهد والتعفف والأبعاد الأسرية
إن العلم النافع هو الذي يورث صاحبه خشية الله والزهد في الدنيا والتجرد من ملذاتها الفانية. وقد تجسدت هذه المعاني السامية في سيرة الإمام أبي سعيد الكدمي، فكان مضرب الأمثال في الورع، والتعفف الدقيق عن حطام الدنيا والترفع التام عن بهرجها وملذاتها.
أولاً: حقيقة زهده وقناعته وكسب يده
ضرب الإمام أبو سعيد الكدمي نموذجاً فريداً وعالياً لعالم الدين الذي يعيش من كسب يده، ولا يمد يده إلى أموال الناس ولا يعتمد على جاهه العلمي في تحصيل المنافع الدنيوية. ويروى في السير والتواريخ المستفيضة أنه كان يملك في دنياه قطعتين صغيرتين من الرزق: بنخلة واحدة، وشجرة عنب واحدة (كرمة واحدة). وكان الإمام يكتفي في قوته اليومي وغذائه بما تجود به هذه النخلة وتلك الشجرة. فإذا زاد شيء من ثمرهما، باعه في السوق ليشتري بثمنه الزهيد ما يلزمه من كسوة بسيطة لستر بدنه. كان يرى في هذا القوت القليل كفاية تامة تضمن له الحرية الفكرية والاستقلال العلمي، فلا يقع تحت طائلة منة أحد أو فضل مخلوق.
ثانياً: قصة تعففه الإعجازي عن أموال زوجاته الثلاث الموسرات
تتجلى قمة الورع والتعفف في السيرة الاجتماعية والأسرية للإمام الكدمي؛ فقد قيّض الله له أن يتزوج من ثلاث زوجات موسرات. وكنّ صاحبات مال وفير، وغنى عريض، وثروة ممتدة. ولم يتزوجنه لفقره أو لطلب الدنيا، بل رغبن فيه وتنافسن على الاقتران به لما شاع في عُمان من علمه الوافر، وفضله العميم، وخصاله الحميدة، ورجاحة عقله.
وعلى الرغم من أن الشريعة الإسلامية تبيح للزوج الانتفاع بمال زوجته إذا طابت به نفسها، وعلى الرغم من غناهن العريض، إلا أن الإمام أبا سعيد الكدمي ضرب أروع الأمثلة في التعفف والترفع؛ فلم يلمس من ثرواتهن درهماً واحداً، ولم ينتفع بمالهن لخاصة نفسه، بل بقي متمسكاً بثيابه البسيطة ونفقته الزهيدة المستمدة من كسب يده من نخلته وكرمته.
وقد خلّد العلامة المحقق والمؤرخ الكبير الشيخ نور الدين السالمي هذه المنقبة الأخلاقية الفذة والأعجوبة السلوكية بنظم فائق رائق في كتابه “جوهر النظام”، حيث قال:
أبـو سـعـيـد نـخـلـة وكـرمـه — يـمـلـك كـان شـاكـراً للـنـعـمـه
مـنـها طـعـامـه ومـن كـرمـتـه — ثـيـابـه لا مـن غـنـى زوجـاتـه
كـانـت لـه الـزوجـات مـعـهـا الـمـال — يـعـفّ عـنـه وهـو الحـلال
ثالثاً: الامتداد الجغرافي لأسرته وتعدد مواطنه (من كدم إلى نزوى وسلوت)
تشير التحقيقات التاريخية الدقيقة إلى أن زوجات الإمام الكدمي الثلاث لم يكنّ من بلدة واحدة، بل كنّ ينتمين إلى بلدان وحواضر مختلفة ومتباعدة في عُمان. وفي هذا السياق، يذكر المحقق الشيخ سيف بن حمود البطاشي في تصانيفه القيمة، أنه عثر على قرينة تاريخية بالغة الأهمية؛ إذ وجد نسخة خطية قديمة جداً من كتاب “الاستقامة” ممهورة بخط الشيخ مسعود بن صالح بن مسعود بن رمضان النزوي. وقد جاء في خاتمة تلك المخطوطة العتيقة ما نصه:
«إنه تأليف الشيخ العالم الولي الرضي أبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي النزوي السلوتي».
إن إطلاق الألقاب الثلاثة المتتابعة على الإمام (الكدمي، النزوي، السلوتي) يفسر للمؤرخ المسار الجغرافي والاجتماعي لحياة الشيخ. فهو كدمي المولد والمنشأ والأصل، ونزوي الاستقرار والطلب العلمي والحياة الفكرية، وسلوتي نسبة إلى بلدة سلوت التاريخية.
ويخلص العلماء إلى أن استيطانه لبلدة سلوت وتنقله بينها وبين نزوى بعد بلدته الأصيلة كدم، كان سببه الرئيسي هو “الاعتبار بالتأهل”، أي أنه تزوج من تلك البلدان، فكان يتردد على زوجاته ويقيم عندهن، مما جعل له بيوتاً وأهلاً ومواطن متعددة حظيت ببركة علمه وجوده.
المحور الرابع: الحياة السياسية والفقهية وعلاقته التفصيلية بأئمة عهده الثلاثة
عاش الإمام أبو سعيد الكدمي في فترة سياسية عاصفة من تاريخ عُمان، عاصرت قيام وسقوط وحروب إمامات متعددة، وكان شاهداً عن قرب على صنع القرار السياسي والفقهي. وقد عاصر الكدمي خلال حياته الممتدة ثلاثة من أئمة الحكم المبايعين بالإمامة الشرعية المستوفية للشروط:

أولاً: الإمام سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب المنصوب (320هـ)
بويع هذا الإمام بالخلافة والإمامة الشرعية في عُمان في عام 320 هجرية. وكان الإمام الكدمي في ذلك الوقت في مقتبل العمر وبداية الشباب ومناهزاً لسن البلوغ. ونظراً لما توسمه الإمام سعيد ورجالات العلم في الشاب أبي سعيد من الصلابة الدينية، والأمانة الكبرى، واليقظة العالية، فقد أسندوا إليه مَهمة إدارية وأمنية دقيقة هي مسؤولية حراسة السجن بنزوى.
وقد أتاح هذا القرب للإمام الكدمي أن يتابع عهد الإمام سعيد بن عبدالله عن كثب في سلمه وحربه، ويرصد تحركاته وسياسته الداخلية، ويسجل مواقف العلماء منه. ولذلك حظي الكدمي بمكانة رفيعة عند علماء التاريخ العُماني؛ لأنه يُمثل الِوعاء والمصدر الموثوق الأساسي الذي نقل تاريخ عهد ذلك الإمام أولاً بأول وبأدق التفاصيل.
وقد أفاض الكدمي في الثناء على الإمام سعيد بن عبدالله، ناقلاً إجماع الأمة وشهادة أهل الصلاح لعدالته، حيث قال فيه:
«وما أحقه بذلك فإنه كان إماماً عدلاً صحيح الإمامة، من أهل الاستقامة عالماً في زمانه، لعله يفوق أهل زمانه أو كثيراً منهم».
ويؤكد الكدمي شرعية هذه الإمامة والتفاف الأمة حولها بقوله الفقهي المحفوظ: «فتظاهرت الأمور معنا من أهل الدار ممن ينتحل نحلة الحق على الإجماع على ولاية الإمام سعيد بن عبدالله رضي الله عنه وهو ولينا وإمامنا إن شاء الله».
ثانياً: الإمام راشد بن الوليد (سقوط الإمامة عام 342هـ)
آلت الإمامة والحكم بعد ذلك إلى الإمام راشد بن الوليد. وكان الشيخ أبو سعيد الكدمي من أبرز الداعمين والمؤيدين لعهده، فثنى عليه ثناءً عطراً، ورصد تفاصيل إمامته بدقة بالغة منذ اليوم الأول لعقد البيعة عليه وحتى سقوط الإمامة ودخول عُمان في مرحلة الاضطراب الجسيم في عام 342 هجرية.
وقد رسم الكدمي في مصنفاته لوحة أخلاقية وسياسية ناصعة للإمام راشد بن الوليد تبرز رفقه بالرعية وحرصه على العدالة المطلقة، حيث قال في وصفه:
«كان رضي الله عنه لرعيته هيناً رفيقاً بآرائهم، شفوقاً غضيضاً عن عوراتهم، مقيلاً لعثراتهم بعيد الغضب عن مسيئهم، قريب الرضى عن محسنهم، مساوياً في الحق بين شريفهم ودنيهم وفقيرهم وغنيهم وبعيدهم وعشيرهم».
ويضيف الكدمي مؤكداً أن ما نقله هو غيض من فيض من محاسن هذا الإمام: «إلى أن قال: وإنما ذكرنا من أمور راشد بن الوليد ما قد ظهر وما نرجو أنه لأن يرفع ولن ينكر وإلا فإن فضائله كانت معنا أكثر من هذا وأكبر». وبفضل هذه الأمانة التدوينية التاريخية للشيخ الكدمي، حُفظ تاريخ هذين الإمامين العظيمين (سعيد بن عبدالله وراشد بن الوليد) وجزاه الله عن التاريخ العُماني خير الجزاء.
ثالثاً: الإمام حفص بن راشد (معاصرته للقرن الرابع ونقض الأوهام التاريخية)
عاصر الإمام أبو سعيد الكدمي في بقية حياته الشريفة إمامة الإمام حفص بن راشد. وفي هذا العهد، كان الكدمي قد بلغ ذروة نضجه الفكري والاجتهادي، واستوى على عرش المرجعية العلمية العليا في عُمان، فكان الملجأ الأول للأئمة والجمهور في حل المعضلات الفقهية والنوازل التشريعية. ويظهر ذلك جلياً من خلال قيامه بالواجبات الشرعية وتوليه الإجابة الفقهية عن الإمام في القضايا الفقهية والمالية الكبرى.
ومن ذلك الفتيا الشهيرة التي وجّهها إليه الإمام حفص بن راشد يسأله فيها عن أحكام زكاة مال الغائب واليتيم القاصر، فأجابه الإمام الكدمي بفتوى أصولية محكمة جاء فيها:
«في مال الغائب إنه يوقف عند بعضهم حتى يحضر الغائب ثم يخرج ما عليه، وقيل يجوز للشريك أن يسلم زكاة مال الغائب واليتيم إلى الفقراء أو إلى الإمام».
نقض الوهم التاريخي حول عصر الإمام حفص بن راشد
يقف هذا المحور موقف المصحح لخطأ تاريخي شائع وقعت فيه بعض مساقات التواريخ العُمانية المتأخرة؛ إذ زعمت تلك الكتب واهمة أن الإمام حفص بن راشد هو من أئمة القرن الخامس الهجري، وأنه جاء متأخراً بعد عهد الإمام راشد بن سعيد. إلا أن الدليل القطعي المستمد من المعاصرة المباشرة للإمام أبي سعيد الكدمي وللشيخ أبي الحسن البسيوي يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الإمام حفص بن راشد هو من أئمة القرن الرابع الهجري.
وتتأكد هذه الحقيقة التاريخية من خلال النقاشات والمراسلات الفقهية والسياسية التي دارت بين الشيخ أبي الحسن البسيوي (وهو التلميذ الكبير للإمام ابن بركة) وبين الإمام حفص بن راشد حول شروط وصحة العقد الشرعي لإمامته، وحوله حربه الدفاعية الكبرى ضد القائد المطهر بن عبدالله، الذي سيرته الدولة البويهية وحاكم بغداد آنذاك (معز الدولة أو عضد الدولة البويهي) في عام 364 هجرية لغزو عُمان ومحاربة الإمام حفص بن راشد.
كما تظهر قرينة فقهية أخرى أوردها الشيخ أبو الحسن البسيوي؛ إذ ذكر أن الشيخ ابن بركة قد ألزم نفسه بضمان أموال الزكاة التي دُفعت في عهد الإمام راشد بن الوليد وعهد الإمام حفص بن راشد. وكل هذه الحوادث والقرائن المتساندة تعطي دليلاً حاسماً على قرب المسافة الزمنية والتداخل المعاصر بين الإمامين راشد بن الوليد وحفص بن راشد، وتؤكد ريادة الكدمي كمرجع روحي وفقهي لتلك الحقبة التاريخية من القرن الرابع الهجري.
المحور الخامس: البناء الفكري والأصولي والمنهج التخريجي عند الكدمي
مما لا شك فيه أن العبقرية الحقيقية للإمام أبي سعيد الكدمي تكمن في بنائه الأصولي والفلسفي للتشريع، فهو عقلية فذة جمعت بين التكلم العقدي، والتحرير الأصولي، والتدقيق الفقهي، والتوثيق التاريخي، والنظم الفني للشعر.
أولاً: المعالم الفكرية والقواعد الكلية
اتسم فكر الإمام الكدمي بالشمولية الواسعة، فكان ينظر إلى الجزئيات الفقهية من خلال كليات أصولية كبرى. وله كلمات مأثورة جرت مجرى القواعد الأصولية الحاكمة في مجالات الفكر الإسلامي، ومن أبرزها مأثورته الشهيرة:
«من تشجع بعلم كمن تورع بعلم»
وقوله الأصولي البلاغي: «الأمر إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق»
وله مقالات ودراسات تعتبر من الركائز الأساسية للتصور العقدي والاجتماعي في الفكر الإسلامي؛ فبعد أن أورد الآيات القرآنية الكريمة المفصلة لشعائر الحج والأمر الإلهي بالإفاضة سواسية دون تمييز طبقي، صاغ مقالته الاستشرافية قائلاً:
«وكل هذا التوجيه الرباني ليفصل التصور الذي يجب أن يكون عليه المسلمون يختلف عن تصورات الجاهلية وأعمالها».
ثانياً: ريادة مدرسة التخريج (تخريج الفروع على الفروع)
تُعتبر تخريجات الإمام أبي سعيد الكدمي قفزة نوعية وعميقة في حركات تطور الفقه الإسلامي عامة، والإباضي خاصة. والتخريج في مذهبه لا يعني مجرد القياس البسيط، بل هو عملية اجتهادية مركبة تقوم على “تخريج الفروع على الفروع”. فهو يستعرض بكل أمانة وتجرد آراء العلماء السابقين عليه في المسألة الواحدة، ويحلل أدلتهم وسياقاتهم، ثم يتولد وينبثق لديه من خلال تلاقح تلك الأقوال رأي جديد متميز ومستقل، وهذا هو الجوهر الحقيقي لمعنى التخريج والاجتهاد عند أبي سعيد الكدمي.
وقد اقتحم الإمام الكدمي بشجاعته العلمية واحدة من أعقد المسائل في علم أصول الفقه، وهي مسألة: هل يجوز للمجتهد إحداث قول ثالث في مسألة اختلف فيها العلماء السابقون على قولين؟ أو إحداث قول جديد بعد أقوال استقرت؟
وفي هذا السياق، ينقل الشيخ العلامة خلفان بن جميل السيابي قاعدة أصولية ذهبية بعد تفصيله لأقسام الإجماع، حيث يقول:
«وها هنا قاعدة أحببنا إلحاقها بهذا الفصل إذ اختلف العلماء في مسألة على قولين أو أقوال فالمتمسك بأقل ما قيل فيها من القولين أو الأقوال حق وهو ملحق بالإجماع لأنه شبيه به من حيث أنهم كلهم قالوا بذلك الأقل ثم زاد عليه».
وبعد استعراض الكدمي للخلاف التاريخي بين علماء الأصول ومذاهب الأمة بين فريق يمنع إحداث قول ثالث مطلقاً لحفظ الإجماع، وفريق يجيزه بشروط، وفريق يتوسط، أعلن الكدمي رأيه الاستقلالي الصريح منتصراً لمدرسة حرية الاجتهاد العقلي، حيث قال:
«والصحيح عندي من هذه الأقوال الثلاثة قول الظاهرية، وهو جواز إحداث قول ثالث مطلقاً لأن المحرم عندنا هو خلاف الإجماع لا خلاف الخلاف، وإختلاف الأمة على قولين دليل على جواز الرأي في تلك القضية، فصح لغيرهم مثل ما صح لهم من الرأي والاجتهاد، بل يلزم المجتهد أن يخالفهم إذا رأى أن الراجح خلافهم، ولا يصح له تقليدهم، كما لا يصح له تقليد مجتهد مثله بعد تمكنه من الاجتهاد واقتداره عليه، وهذا هو الراجح عند شيخنا السالمي وأكثر أصحابنا وعليه العمل عندهم».
إن هذا المنهج التخريجي الفذ لا يعني إهمال أو رفع الأقوال الفقهية السابقة للأقدمين، بل هو فتح لباب “التوسع والاضطراد في التشريع الإسلامي المستنبط من عمومات النصوص الإلهية ومقاصد الشريعة”. وقد تجلى هذا المنهج بقوة إعجازية في زياداته وتخريجاته الفقهية والتعليقية على كتاب “الإشراف على مذاهب العلماء” لإمام المحدثين ابن المنذر النيسابوري (المتوفى 317هـ)، مما جعله يستحق عن جدارة واستحقاق لقب “إمام مدرسة التخريج”.
ثالثاً: الشجاعة العلمية وثقافة “ومعي” واحتواء المخالف
تميز الأسلوب الإنشائي والبحثي للإمام أبي سعيد الكدمي ببروز الشخصية العلمية المستقلة والاعتزاز الواعي بالرأي المبني على الدليل. فكان لا يتخفى وراء النقول، بل يصرح بقناعته الفقهية مستخدماً مصطلحات علمية تدل على منتهى التجريد والنضج، مثل عبارات: «ومعي»، «وفيما معي»، «وعندي»، «وفيما عندي». وتُعد كلمة «ومعي» هي الأكثر دوراناً واستعمالاً في مصنفاته وجواباته الفقهية.
إن هذا الأسلوب يمثل جوهر ما تطالب به مناهج البحث العلمي المعاصرة اليوم من ضرورة إبراز “شخصية الباحث الفكرية” وتجنب التكرار والجمود الأثري. وهو دليل قاطع على أن الكدمي كان يرفض الجمود النصي، ويسعى دوماً للمزاوجة الحية والتوفيق الخلاق بين الأثر المروي والنظر العقلي المستنير.
ومع هذا الاعتزاز الكبير برأيه واجتهاده، كان الكدمي يمتلك نفساً رحبة، وعقلاً منفتحاً يستوعب الآراء الأخرى المخالفة له، فلا يسارع إلى إصدار أحكام التخطئة أو التبديع جزافاً وتسرعاً. بل كان يضع الاحتمالات والمخارج الأصولية لتلك الآراء المخالفة بما يتيح له احتواءها وتفهم سياقاتها، وتطبيق هذا المنهج الأخلاقي الرفيع لاسيما في أدق المسائل العقدية والسياسية وهي مسألتا “الولاية والبراءة”.
المحور السادس: الانقسام التشريعي: الفتنة التاريخية والمقارنة التحليلية بين المدرستين النزوانية والرستاقية
تُمثل النوازل السياسية الكبرى التي حلت بعُمان في أواخر القرن الثالث الهجري (والمتمثلة في حادثة عزل الإمام الشرعي الصلت بن مالك وما تلاها من تفرق الكلمة) المحك الفقهي والأصولي الأكبر الذي اختبر عقول فقهاء عُمان لقرون متطاوِلة. وحين انقسمت الأمة تجاه هذه الفتنة، ظهرت في عُمان فرقتان علميتان ومدرستان فقهيتان كبريان دارت بينهما مساجلات ومناظرات حامية، وهما: المدرسة النزوانية والمدرسة الرستاقية.

أولاً: خارطة التموقع الفقهي والسياسي لعلماء العصر (الفرق الثلاث)
تذكر المخطوطات والتواريخ المحفوظة أن أهل عُمان وعلمائها افترقوا تجاه تقييم حوادث عزل الإمام الصلت بن مالك والخروج عليه وتصرفات القادة (مثل موسى بن موسى وراشد بن النظر) إلى فرق شتى وبند عريض من الآراء؛ إذ يروي المحدث يعقوب بن غيلان عن العلامة الفضل بن الحواري مقولته الصادمة: «أنه دخل نزوى أيام راشد بن النظر فإذا هم على سبع فرق». إلا أن هذه الآراء الكثيرة تبلورت تاريخياً في ثلاث فئات رئيسية:
- فريق المتولين لجميع الأطراف: وهم الذين رأوا صواب تصرفات الأئمة والقادة معاً وتولوهم جميعاً. واشتهر بهذا الموقف الفضل بن الحواري، ومحمد بن جعفر، وابنه الأزهر بن محمد بن جعفر. وتشير المخطوطات إلى أن هذا الرأي قد انقرض تماماً بوفاة وانقراض قائليه دون أن يترك وراءه أي أثر مدرسي أو تدويني مستمر على الساحة الفكرية العُمانية.
- فريق المتبرئين (المدرسة الرستاقية): وهم الذين شددوا في الأحكام وأعلنوا البراءة الفقهية والعقدية الصريحة من القادة والخارجين على الإمام الصلت بن مالك وعزلوا كل من لم يتبرأ منهم. وتزعم هذا الاتجاه المتشدد رجال أثبات كبار، منهم: أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي، وعبدالله بن محمد بن محبوب، وأبو قحطان خالد بن قحطان الهجاري، وعبدالله بن محمد بن أبي المؤثر، والحواري بن عثمان، وأبو مالك غسان بن محمد بن الخضر الصلاني، والنعمان بن عبدالحميد، وعبدالله بن محمد بن شيخه. ثم غدا رأس هذه المدرسة وعميدها المنظر اللاحق هو الإمام ابن بركة وتلميذه الكبير أبو الحسن البسيوي.
- فريق الواقفة أهل السلامة (المدرسة النزوانية): وهم الذين آثروا الورع والوقوف الفقهي عند الشبهات، فلم يتبرؤوا ولم يتولوا تصرفات أصحاب الفتنة بل كلوا سرائرهم إلى الله مع بقاء ولايتهم الأصلية كأهل فضل واستقامة. واشتهر بهذا الموقف الحميد أئمة جهابذة، منهم: أبو الحواري، ومحمد بن سعيد بن أبي بكر الأزكوي، ومحمد بن روح الكندي، ومحمد بن الحسن النزوي، ورمشقي بن راشد، وعبدالله بن محمد صالح، وبشير بن محمد بن محبوب. ثم غدا إمام هذا الاتجاه وعميدها المنظر الأكبر والمدافع الأول عنها هو الإمام أبو سعيد الكدمي بمؤازرة شيخه محمد بن روح الكندي.
وقد لخص النور السالمي هذا الانقسام التاريخي الثنائي بين الفرقتين الرستاقية (المتبرئة) والنزوانية (الواقفة) مبيناً دور الكدمي التاريخي في كبح جماح الغلو الفقهي للرستاقية، حيث قال:
«ورأس هذه الفرقة وعميدها الذي اشتهر فيها أبو محمد عبدالله بن محمد بن بركة ومن أخذ عنه من أهل عُمان منهم أبو الحسن علي بن محمد البسيوي، وتبعهم على ذلك خلق وسميت فرقتهم الرستاقية، ونقض عليهم أهل الحق مقالتهم هذه وردوا عليهم غلوهم، وممن اشتهر في الرد عليهم أبو عبدالله محمد بن روح بن عربي، وأبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي، وفي الرد عليهم ألف كتاب الاستقامة بأسره وتبعهم على ذلك ناس وفقوا إلى الهدى، وسميت فرقتهم النزوانية».
ثانياً: التأصيل التاريخي والجغرافي لأسباب التسمية (الرستاقية والنزوانية)
يكشف هذا المحور عن كنز معرفي وتنقيب علمي وبحثي طويل استغرق من المحققين وقتاً طويلاً وجهداً جهيداً في البحث والتنقيب والمقارنة بين دلالات الكتب والمخطوطات للوقوف على السبب الحقيقي والمنشأ التاريخي للتسمية بالرستاقية والنزوانية:
- علة تسمية الفرقة الرستاقية: يتوصل المحققون إلى قناعة راسخة مفادها أن سبب تسمية فريق المتبرئين بالفرقة الرستاقية لا يعود إلى مدينة الرستاق الحالية ذاتها بالدرجة الأولى، بل يرجع تاريخياً وجغرافياً بالأساس إلى شخص الشيخ أبي قحطان خالد بن قحطان الهجاري. والشيخ أبو قحطان ينتمي إلى قرية هجار القابعة في أعماق وادي بني خروص. وكانت هذه القرية الوادعة تُعد في التقسيم الإداري والجغرافي القديم جزءاً لا يتجزأ من إقليم الرستاق العريض؛ حيث تذكر السجلات التاريخية أن الإمام الصلت بن مالك كان قد عيّن غسان بن جليد والياً وإدارياً على “رستاق هجار”. وكان اسم الرستاق في ذلك الزمان يُطلق بصفة عامة وشاملة على جميع الحواضر والمناطق الواقعة في السفح والشمال الجغرافي للجبل الأخضر. وبما أن الشيخ أبا قحطان الهجاري (الرستاقي الإقليم) هو أول من صنف وألف سيرة مطولة ومفصلة في تاريخ تلك الأحداث معلناً البراءة الشديدة والمنكِرة صنيع القادة والخارجين، فقد نُسبت المدرسة والمقالة إليه وإلى إقليمه فسميت “الرستاقية”. ثم اشتهر الإمام ابن بركة على رأسها لكونه جاء بعده فصاغ فكرها بقالب تنظيري جدلي وحمى في عصره وطيس المناظرات الفقهية.
- علة تسمية الفرقة النزوانية: في المقابل، يعود منشأ تسمية فريق الواقفة بالفرقة النزوانية نسبة إلى الشيخ أبي عبدالله محمد بن روح بن عربي الكندي النزوي. فهو أول من ألف وصنف سيرة تشريعية مطولة يُؤصل ويقعد فيها لمذهب “الوقوف والسلامة” تجاه أحداث الفتنة، معتبراً إياها حوادث سياسية جرت على سبيل الدعاوى والاجتهادات الدنيوية المخطئة لا على سبيل البدع الدينية المخرجة من الولاية. وتُعرف رسالته وسيرته تاريخياً بـ “سيرة محمد بن روح”. ثم غدا الإمام أبو سعيد الكدمي النزوي هو العلم الأشهر والمنظر الأكبر على رأس هذه المدرسة النزوانية لكونه كان أقوى دفاعاً وتأليفاً وأكثر تنظيراً وأوسع حِجاجاً في نصرة فكر الوقوف والسلامة بمصنفه الإعجازي “كتاب الاستقامة”.
المحور السابع: الفقه السياسي وعلم الولاية والبراء عند الكدمي وموقفه من رجالات الأمة
يُعتبر فكر الإمام أبي سعيد الكدمي في الفقه السياسي وعلم الولاية والبراءة قمة ما وصلت إليه الفلسفة التشريعية الإباضية في احتواء النزاعات وحفظ السلم الأهلي والوحدة الفكرية للأمة.
أولاً: قاعدة “الوقوف عند الشبهة” ورفض أحكام البراءة السياسية
أسس الإمام الكدمي قاعدة أصولية كبرى مفادها أن النزاعات المسلحة والفتن السياسية التي تقع بين رجالات الأمة الأخيار وأهل الصلاح والاستقامة، إذا لم تكن ناتجة عن تبني بدعة عقائدية ظاهرة تهدم أصول الدين والتوحيد، فإنها تُحمل وتُنزل منزلة “الدعاوى والاجتهادات والمطامع السياسية العابرة”. وبالتالي، يرفض الكدمي رفضاً قاطعاً التسرع في إطلاق أحكام البراءة العقدية على أي طرف من أطراف النزاع.
وبناءً على هذا المبدأ، نظر الكدمي إلى أطراف النزاع الكبار في الفتنة العُمانية الأولى، والذين وقعت بينهم الدماء والحروب (مثل الإمام الصلت بن مالك، وموسى بن موسى، وراشد بن النظر، والإمام عزان بن تميم، والفضل بن الحواري، والحواري بن عبدالله)، فقرر إبقاءهم جميعاً في منازلهم الأصلية الرفيعة وهي منزلة الولاية العامة لأهل الفضل والعدل والاستقامة، أو الوقوف في تفاصيل أفعالهم دون تبرؤ من شخوصهم.
ثانياً: شمولية التولي والجمع بين الخصوم في الولاية
في خطوة اجتهادية تمثل ذروة التسامح والإنصاف العلمي، أعلن الإمام أبو سعيد الكدمي ولايته لجميع رجالات الأمة والعلماء الذين اختلفوا وتنازعوا سياسياً وفكرياً. فنجده يتولى في آن واحد العلماء من الفرقة الواقفة والفرقة المتبرئة والفرقة المتولية، طالما ثبتت سلامة أصولهم الدينية من البدع المحدثة. فهو يتولى بكل محبة وتقدير:
- بشيراً وعبدالله ابني محمد بن محبوب.
- أبا جابر محمد بن جعفر وابنه أبا علي الأزهر بن محمد بن جعفر.
- الإمام المؤثر بن جعفر، وأبا المؤثر الصلت بن خميس الخروصي وحفيده أبا محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر.
- شيوخه الأجلاء محمد بن روح بن عربي الكندي ومحمد بن الحسن.
- أبا مالك غسان بن محمد بن الخضر الصلاني وغيرهم من جهابذة العلم.
وسواء كان حكم الولاية قد ثبت لهؤلاء الأعلام الأماثل بطريق الظاهر والشهرة المستفيضة، أم وصل إلينا بطريق الرواية الخاصة الرفيعة العالية، فإن الكدمي يراهم جميعاً أئمة هدى وسادة متقين. وصاغ الكدمي هذه النظرية السياسية الشاملة في نصه الفريد المحفوظ الذي يُعد دستوراً فكرياً للتعايش واحتواء الخلاف، حيث قال:
«فهؤلاء الأئمة الأعلام ومن وصفناهم من أهل الفضل والعلم من أهل عُمان، قولنا فيهم ما قد وصفنا، وهم وإن اختلف قولهم في هذه الأحداث في الولاية والبراءة والوقوف، فأصل مذهبهم على الاتفاق في التدين فيهم، ومن وجبت ولايته منهم علينا فهو ولينا، لا نفرق بين أحد منهم لافتراق أقوالهم في الولاية والبراءة والوقوف عند ظهور السلامة في أصول الدين من أحكام أصول البدع في الدعاوى ومن تظاهر التهم عليهم ببراءة أو بترك ولاية».
المحور الثامن: الإرث المعرفي والمصنفات التاريخية والفقهية للإمام الكدمي
تُعد مصنفات الإمام أبي سعيد الكدمي حجر الزاوية وعمدة المراجع الأولى في الفقه والأصول الإباضي والعُماني؛ فلا تكاد تذكر نازلة أو تبحث مسألة تشريعية إلا ويكون لأبي سعيد الحضور الطاغي بالاعتماد على مأثوراته واقتباس جواباته الفقهية.
وقد شهد له بالتقدم المطلق أئمة العصور اللاحقة، ومن ذلك مقولة المحقق الكبير الشيخ أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي في حقه:
«لاسيما الشيخ أبو سعيد رضي الله عنه فيما وجدناه عنه في غير موضع من جواباته وعجيب مصنفاته، ويقول في كثير مما يراه من الفروع شبه المختلف فيه من الفروع في القياس في ذلك وكذلك عن غيره من أهل العلم من المسلمين صح ذلك، وكفى بأبي سعيد رضي الله عنه حجة ودليلاً، لمن أراد أن يتخذ لنفسه الحق سبيلاً، لأنه أعلم من نعلم من الأحبار، وآثاره أصح الآثار، لا على سبيل محض العصبية، ولكن لظهور أنوار الحق في أقواله المرضية».
وتتمثل أبرز ثرواته المصنفة المحفوظة في الآتي:
1. كتاب الاستقامة (سفر الرد التاريخي الموسوعي)
هو أعظم مصنفات الإمام الكدمي وأشهرها على الإطلاق. ألفه الكدمي خصيصاً للرد الأصولي والفقهي الشامل على مقالات وآراء المدرسة الرستاقية المتشددة في أحكام التبرؤ. وقد نال هذا الكتاب ثناءً عظيماً من الشيخ نور الدين السالمي الذي أفاض في تبيان قيمته الفلسفية والأصولية بقوله:
«وكتاب الاستقامة لمفتي الأمة ومنقذها من الظلمة أبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي رضي الله عنه، ألفه في الرد على من خالف سيرة السلف في الحكم على بعض الخارجين في زمان الإمام الصلت بن مالك، وأوسع فيه القول حتى خرج عن المقصود، وصار كتاباً مستقلاً في أصول الدين، تحتار فيه الأفكار وتقتصر عن درك كنهه الأنظار، فصار بركة عامة، ونعمة خاصة بأهل الاستقامة، وقد أطبق المشايخ قديماً وحديثاً على الثناء عليه مع ما فيه من طول، غير أنه تحت ذلك الطول فوائد، وتحت كل حرف فرائد فأبقوه على حاله كلما تحرك متحرك للاختصار قعدت به همته بعد النظر فهو كرامة لمؤلفه، ونعمة على أتباعه».
ويُعتبر كتاب الاستقامة الموسوعة الأكبر والأعمق التي صاغت أحكام وفلسفة علم الولاية والبراءة ونقد الغلو السياسي. وقد أوضح السالمي في جوهره علة تأليفه بالبيت القائل:
وإنـمـا ألّـفـه الـمـؤلـف — لـرد بـدعـة هـنـاك تـعـرف
وقد أشار الكدمي بنفسه في مقدمة كتابه إلى الدوافع الروحية والشرعية التي حركت قلمه لتأليف الاستقامة، حيث قال: «فإنه لما امتحن الضعفاء من المسلمين لفقد علمائهم في الدين، عظمت عند ذلك المحنة، وانفتحت عليهم أبواب الفتنة… إلخ». وجدير بالذكر أن وزارة التراث القومي والثقافة قد طبعت هذا السفر الجليل في ثلاثة أجزاء حافلة بالتحقيق.
2. كتاب المعتبر (ديوان تفكيك وتحرير الآثار الفقهية)
تشير السير القديمة إلى أن هذا الكتاب الضخم كان يتكون في أصله من تسعة أجزاء كاملة، إلا أن عوادي الزمن وضياع المخطوطات لم تترك لنا منه سوى جزأين حافلين في مجلدين. وقد قامت وزارة التراث القومي والثقافة بطباعتهما ونشرهما مفرعين في أربعة أجزاء كاملة.
وقد سمى الإمام الكدمي مصنفه بـ “المعتبر”؛ لأنه اتخذه معياراً وميزاناً علمياً اعتبر فيه وحلل وسبر من خلاله كتاب “جامع ابن جعفر” الشهير. فكان الكدمي في المعتبر ناقلاً أميناً، ومتعقباً أصولياً، ومضيفاً مجتهداً، وممحصاً دقيقاً لآثار الأقدمين. ويصفه السالمي بقوله: «وكتاب المعتبر لأبي سعيد أيضاً، اعتبر فيه الآثار، وتعقب به جامع ابن جعفر ففصل المجملات، وأوضح المشكلات».
3. كتاب زيادات الإشراف (الحاشية التخريجية المخطوطة)
يُمثل هذا الكتاب التطبيق العملي والبرهان الساطع على ريادة الكدمي لمدرسة التخريج المقارن بين المذاهب الإسلامية؛ وهو عبارة عن حاشية وتعليقات بالغة الدقة وضعها الإمام الكدمي على كتاب “الإشراف على مذاهب العلماء” لإمام أهل الحديث ابن المنذر النيسابوري (المتوفى 317هـ).
وكان ابن المنذر قد جمع في أصله أقاويل ومذاهب فقهاء الصحابة والتابعين والأمصار، فتعقبه الإمام أبو سعيد الكدمي في كل مسألة يطرحها، واضعاً رأي وتخريج الفقه الإباضي العُماني بناءً على تلك المذاهب. ونعت الشيخ السالمي هذا المؤلف بقوله:
«وكتاب زيادات الأشراف لأبي سعيد أيضاً وذلك أنه تعقب كتاب الأشراف لأبي بكر محمد بن إبراهيم المشهور بابن المنذر النيسابوري المتوفى سنة 317هـ جمع فيه مذاهب الأمة، وتعقبه أبو سعيد في كل مسألة ذكرها فصحح وضعف، وقرّب وبَعُد».
ولا يزال هذا السفر الفريد مخطوطاً حَبِيس المكتبات الأثرية. إلا أن بركته العلمية تسرّبت إلى الأمة؛ إذ إن معظم وتفاصيل تخريجات الكدمي الواردة فيه قد نقلها واقتبسها بالكامل العلامة الشيخ صبّاح صاحب كتاب “بيان الشرع” الموسوعي الشهير وضمنها في أسفاره.
ويوجّه الباحثون والمحققون نداءً علمياً عاجلاً لبعث هذا الأثر قائلين: «وحبذا لو يقوم أحد المهتمين بإعداده للطبع من الأجزاء المخطوطة إذا توفرت جميعها، وإذا لم تتوفر فبالرجوع إلى كتاب بيان الشرع لاستخراج ذلك منه، وذلك لأن تخريجات أبي سعيد الفقهية أكثرها موجودة في هذا الكتاب، وهي من الأهمية بمكان».
4. كتاب التاريخيات المفقود والإنتاج الشعري والنظمي
تذكر المصادر التاريخية أن للإمام الكدمي مصنفاً مفرداً ومستقلاً في علم التاريخ يُدعى “كتاب التاريخيات”. ومما يؤسف له أن هذا السفر التاريخي لم يصل إلى أيدينا وضاع في جملة ما ضاع من تراث عُمان القديم. ولولا النقول المبثوثة منه في كتب السير، ولولا نقل الكدمي لأحداث إمامة سعيد بن عبدالله وراشد بن الوليد في كتبه الأخرى، لضاع تاريخ هاتين الإمامتين بالكامل من ذاكرة عُمان.
أما من الناحية الأدبية والشعرية، فقد كان الإمام الكدمي ناظماً مجيداً، يطوع القوافي لنصرة القضايا الأصولية والفقهية. وعلى الرغم من ضياع ديوانه، إلا أن التاريخ حفظ لنا قصيدته “النونية” البديعة التي صاغ فيها رأيه الفقهي والسياسي في أحداث عزل الإمام الصلت وموقفه من شيوخه. وهي قصيدة فائقة تدل على شاعرية رقيقة المأخذ، رصينة السبك، وعذبة المورد الفني. كما احتفظت المخطوطات بمقطوعة نظمية تربوية بديعة صاغها الإمام الكدمي كجواب فقهي لولده وتلميذه سعيد.
المحور التاسع: تلاميذه الأوفياء، غموض نهاية مسيرته، ومشهده الجنائزي الخالد
لقد غدا الإمام أبو سعيد الكدمي بحراً علمياً فائضاً يقصده تلامذة العلوم الشرعية من كل حدب وصوب في عُمان للأخذ عنه، والتأسي بأخلاقه وزهده الباهر، والارتواء من مناهجه الأصولية التخريجية.
أولاً: رجالات طبقته من التلاميذ الأثبات
على الرغم من تخرج أجيال من العلماء على يديه، إلا أن عوادي الزمن وإهمال التراجم العُمانية القديمة تسببا في عدم العثور على أسماء تفصيلية للكثير من تلاميذه. وهو أمر يبعث على الأسى، حيث يجد الباحث مجرد نتف قليلة ومعلومات مبتورة مبثوثة في ثنايا الكتب الفقهية والتعليقات الخطية. ومن أبرز تلاميذ طبقته الذين حفظ التاريخ ذكرهم وملازمتهم له:
- الإمام حفص بن راشد: تذكر المقارنات التاريخية أن الإمام حفص بن راشد كان يتلقى الجوابات الفقهية والشرعية مباشرة من الإمام أبي سعيد الكدمي، ويعتمد على مرجعيته العليا في إدارة شؤون الإمامة، مما يجعله في مقام التلميذ المستفيد والملازم لأقواله.
- الشيخ أبو علي موسى بن مخلد: وهو من أخلص وأقرب التلاميذ ملازمة لشخص الإمام الكدمي. وقد حفظت لنا التواريخ أخباراً لطيفة تعكس مدى توقيره لشيخه؛ إذ جاء عنه في الأثر: «أنه كان يمشي عند أبي سعيد، يريد أن يصل أرحاماً له بنزوى وكان يستأذن على الباب ثلاث مرات فإذا أذن له وإلا أنصرف ولم يزد على ثلاث شيئاً». كما يروي موسى بن مخلد حادثة وداعه لشيخه عندما قرر الكدمي الخروج من نزوى متوجهاً للإقامة في بلدة سلوت، حيث يقول في روايته المحفوظة: «قال: خرج أبو سعيد إلى سلوت حتى إذا صرنا في الشرج التي عند ثقاب عين شجب، وكان ذلك وقت صلاة العصر فصلى بنا العصر وقصر هو ومن كان معه يريد الخروج إلى سلوت وأتممنا نحن ركعتين بقية الصلاة فقلت له ها هنا يكون القصر قال نعم».
- الشيخ سعيد بن محمد بن سعيد الكدمي: وهو الابن الصلبي للإمام أبي سعيد. ونشأ في حجر والده فنهل من علومه وغدا من رجالات العلم المرموقين في عصره. والظاهر التاريخي يثبت أنه وجّه سؤالاً فقهياً منظماً في أبيات شعرية إلى والده يسأله فيه عن إحدى النوازل والأخطاء اللفظية التي تقع من الأئمة في القراءة أثناء صلاة الجماعة ومدى تأثيرها على صحة الصلاة.
فأجابه والده الإمام أبو سعيد الكدمي بأبيات نظمية أصولية فائقة، تبرز سعة أفقه الفقهي وتيسيره التشريعي، حيث قال في جوابه لولده:
سـألت بـني عـن إمـام تـأمـمـا — إمـامـاً فـأخـطأ في الـقـراءة تـنـعـمـا
بـأن خـلق الإنـسان من غـلق كـذا — بـراه إلـه الـخـلـق خـلـقـاً مـسـلـمـا
فـقـلت فـهل تـفـسد صـلاة جـمـاعة — مـن الـقوم كـانـوا تـابـعـاً أو مـقـدما
فـقـد قـيـل في هـذا عـلى الـلفظ بـالخطأ — كـذاك عـلى الـنـسـيان قـولاً مـنـظما
بـان اخـتلاف الـرأي في ذاك واسـع — مـن الـعـلـمـاء الـمـاضـيين فـانـظره مـنعما
ثانياً: غروب الشمس الخالدة ومشهده الجنائزي في بلدة العارض
بعد حياة حافلة بالجهاد العلمي الناصع، والنشاط الدؤوب في نشر الفضيلة والعدل والحق، وفي ظل ظروف تاريخية عصيبة وقاسية كانت تعيشها عُمان نتيجة لتكالب المحن الداخلية والحروب الأهلية والتدخلات والغزوات الخارجية، لحق الإمام أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي بجوار ربه، وانتقل إلى الرفيق الأعلى. ليرتاح جسده الشريف بعد طول عناء وتعب في خدمة الدين والوطن، تاركاً وراءه ذكراً عاطراً لا يبلى، وثناءً حسناً تلهج به الألسن عبر العصور، محققاً دعوة الأنبياء بلسان صدق في الآخرين.
وكما غاب عن التدوين تاريخ مولده، غاب كذلك عن السجلات التاريخية تحديد يوم وسنة وفاته الشريفة بدقة. إلا أن جسده الطاهر ووري الثرى في مسقط رأسه ببلدة «العارض» التاريخية التابعة لكدم. وهناك، لا يزال قبره الشريف ومشهده الجنائزي معروفاً مشهوراً تؤمه الوفود، كما لا يزال مسجده الأثري القديم في العارض عامراً بذكر الله ومحاضرات العلم، وبيته وحجرته المتواضعة أثراً ماديّاً مأثوراً يروي للأجيال قصة الزهد العظيم لإمام التخريج والولاية.
ومن أجمل وأروع ما يُختم به هذا السفر المعرفي الحافل في حق هذا الإمام العظيم والجهبذ الكريم، هما البيتان الشعريان الرائعان اللذان قالهما في حقه مفتي سلطنة عُمان الأسبق العلامة الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري رحمة الله عليه، واصفاً قبره في العارض ومكانته العلمية التي تشبه البحر الفائض:
لـم يـبـق صـيـّب رحـمـة إلا وقـد — وجـبـت عـلـيـه زيـارة لـلـعـارض
يـا رحـمـة الله أمـطـري جـدثـاً بـهـا — لأبـي سـعـيـد بـحـر عـلـم فـائـض
المقارنة الأصولية الكبرى: الجدول التحليلي الشامل للمدرستين النزوانية والرستاقية في عصر الإمام الكدمي
لإعطاء الباحث نظرة شمولية تلخص جوهر المادة الفكرية والسياسية الهائلة التي دارت في عصر الإمام أبي سعيد الكدمي، نضع هذا الجدول المقارن الذي يفكك البناء الفلسفي والمنهجي لكلا المدرستين النزوانية والرستاقية:
| وجه المقارنة والتحليل الأصولي | المدرسة النزوانية (مدرسة الوقوف والسلامة) | المدرسة الرستاقية (مدرسة التبرؤ والتشديد) |
| العميد والمُنظّر التاريخي | الإمام أبو سعيد الكدمي بمؤازرة الشيخ محمد بن روح الكندي. | الإمام ابن بركة بتأييد من تلميذه أبي الحسن البسيوي. |
| المؤسس الأول للمقالة والرسالة | الشيخ محمد بن روح الكندي في “سيرة محمد بن روح”. | الشيخ أبو قحطان خالد بن قحطان الهجاري (الرستاقي الإقليم). |
| المنشأ الجغرافي للتسمية | نسبة إلى مدينة نزوى (بيضة الإسلام وعاصمة العلم والأثر). | نسبة إلى قرية هجار بوادي بني خروص التابعة تاريخياً لـ إقليم الرستاق. |
| الموقف السياسي والفقهي الأساسي | الوقوف الفقهي؛ إبقاء أطراف الفتنة في ولايتهم الأصلية وكل سرائرهم لله. | البراءة العقدية الصريحة من القادة والخارجين على الإمام الصلت بن مالك. |
| طبيعة المنهج الاستدلالي | الجمع والتوفيق بين الأثر المروي والنظر العقلي التخريجي. | التمسك بظواهر أحكام السير السابقة والتشديد في تتبع الفروع التشريعية. |
| المصنف المعرفي الممثل للمدرسة | “كتاب الاستقامة” بأسرِه، للإمام أبي سعيد الكدمي. | كتاب جامع ابن بركة، وكتاب الجامع لأبي الحسن البسيوي. |
| الأثر والتطور التشريعي اللاحق | غدت المدرسة الحاكمة والراجحة عند المحققين كالسالمي وأكثر الأصحاب. | أثمرت نقاشات هائلة في تفريعات نظام الحكم والعلاقة بين الحاكم والمحكوم. |
خاتمة الدراسة وخلاصة البحث المستفيض
في ختام هذا البحث الموسوعي المستفيض، ينجلي لنا بوضوح تام أن الإمام العلامة أبا سعيد محمد بن سعيد الناعبي الكدمي لم يكن مجرد عابر في تاريخ الفقه العُماني، بل كان منعطفاً تشريعياً وأصولياً بارزاً أعاد صياغة مناهج النظر الفقهي والسياسي. لقد تمكن الكدمي، بعبقريته التخريجية الفذة وشجاعته العلمية المستقلة، من إنقاذ الهوية الفكرية للأمة من السقوط في منزلقات التفرق والغلو العقدي والسياسي. فقدم فكراً أصولياً حراً يجيز إحداث القول الثالث تلبية لتطور العصور، وصاغ نظرية سياسية راقية في “علم الولاية والبراء” تقوم على المعذرة، والوقوف عند الشبهات، والتماس السلامة لأهل الفضل والصلاح.
إن إرثه العظيم المتمثل في “الاستقامة” و”المعتبر” وزياداته على “الإشراف”، إلى جانب سيرته السلوكية الإعجازية في الزهد والتعفف عن كسب غيره، سيبقى مَعْلماً نورانياً هادياً تستضيء به أجيال الباحثين والفقهاء والدارسين في الفكر الإسلامي عامة، والإرث العُماني الأصيل خاصة. ليبقى الإمام الكدمي، كما وصفه معاصروه ومن جاء بعدهم، بحراً علمياً فائضاً بالرحمة والنور والعدالة.