شخصيات

الإمام ابن بركة السليمي البهلوي: عبقرية المنهج الأصولي والسياسة الشرعية وتأسيس النهضة العلمية في عُمان

الإمام ابن بركة السليمي البهلوي: عبقرية المنهج الأصولي والسياسة الشرعية وتأسيس النهضة العلمية في عُمان

تزخر الذاكرة التاريخية والفقهية لسلطنة عُمان بقامات علمية رفيعة أسست للمنهج الأصولي ورسمت ملامح الفكر الإسلامي عبر القرون. وفي طليعة هؤلاء الأعلام الفحول يبرز اسم الإمام العلامة المجتهد المطلق أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة السليمي البهلوي (رحمه الله ورضي عنه). يمثل ابن بركة حلقة وصل جوهرية في نقل وتأصيل الفقه والأصول، وتعد أطروحاته الفكرية والسياسية ركيزة لا غنى عنها لدارسي الفقه المقارن والسياسة الشرعية. من خلال مؤلفاته، وبخاصة كتاب “الجامع”، استطاع صياغة عقلية فقهية منضبطة بالدليل اللغوي والشرعي، وترك بصمة مؤسسية تجاوزت حدود عُمان لتبلغ بلاد المغرب الإسلامي.

أولاً: النسب، الأصول، والموطن التاريخي

1. النسب القبلي والجذور الأزدية

هو الإمام العلامة الجليل المجتهد المطلق أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة السليمي البهلوي. ينتمي إمامنا إلى قبيلة بني سليمة بن مالك بن فهم الأزدي. وهي قبيلة عُمانية عريقة ذات شأن عظيم في التاريخ والسياسة والجهاد. وقد خرج من هذه القبيلة العديد من الأئمة الأعلام، والسادة الكرام، والقادة العظام. ومن أبرز قادتها التاريخيين القائد الكبير والخطيب المصقع أبو حمزة الشاري المختار بن عوف (رحمه الله).

2. الجغرافيا التاريخية لقبيلة بني سليمة

كانت قبيلة بني سليمة تقطن في مدينة صحار وما حولها في منطقة الباطنة في القرون الأربعة الإسلامية الأولى. وكان يجاورهم في تلك النواحي بنو عمومتهم من قبيلة فراهيد بن مالك بن فهم، وهي القبيلة التي خرج منها إماما اللغة والأدب:

  • الإمام الخليل بن أحمد الفراهيدي.
  • الإمام أبو بكر ابن دريد.
  • الإمام المحدث الفقيه الربيع بن حبيب.

وعلى الرغم من هذا الاستقرار في منطقة الباطنة، فإن المصادر التاريخية تشير إلى أن قسماً كبيراً من قبيلة بني سليمة كانوا يعيشون في إقليم كرمان بأرض فارس. ويعود سبب ذلك تاريخياً إلى لجوء سليمة بن مالك إلى تلك الأرض بعد قتله أباه الملك مالك بن فهم بطريقة الخطأ. حيث تخوف سليمة من أخوته، فخرج تلوذ به خطاه، فتزوج هناك وأنجب وعاش في كرمان حتى مات. وتورد المصادر التاريخية العُمانية قصة طريقة حول هذا الحدث. ويقول العلامة العوتبي في كتاب الأنساب موضحاً حجم هذا التواجد:

“جمهور بني سليمة بأرض فارس وكرمان لهم بأس وشدة وعدد كثير، وبعُمان منهم الأقل”.

3. لغز المولد والنشأة ومحنة الانتقال إلى بهلا

لا توجد نصوص قطعية تحدد بدقة متى وأين كان مولد الإمام ابن بركة، ولعله لا يبعد أن يكون مولده بين عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الثالث الهجري. وقد كان معاصراً وزميلاً للإمام سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب.

والسؤال التاريخي والتحقيقي الذي يطرح نفسه: هل كان أصل الإمام ابن بركة من بهلا أم أنه كان نزيلاً فيها؟

الأمر بحاجة إلى تدقيق؛ والذي يظهر من خلال التحقيق العلمي أن الإمام ابن بركة لم يكن من أهل بهلا على وجه الأصالة والمنشأ الأول، وإنما هو من صحار. والدليل على ذلك أن شيوخه الذين تلقى عنهم العلم ودرس على أيديهم إنما هم من صحار، وفي مقدمتهم شيخه الكبير أبو مالك غسان بن محمد بن الخضر الصلاني الصحاري. إذ ليس من المألوف في ذلك العصر أن يرحل ابن بركة من بهلا (داخلية عُمان) ويتجه إلى صحار والمنطقة الساحلية لطلب العلم، بينما كانت بهلا ونزوى وإزكي يومئذ تزخر بالعلماء ومشايخ العلم الكبار؛ أمثال كأبي المؤثر الصلت بن خميس الخروصي، وأبي الحواري محمد بن الحواري القري، ونبهان بن عثمان، ومحمد بن روح الكندي، وأبي جابر محمد بن جعفر الأزكوي وغيرهم من كبار العلماء الأجلاء. وبما أن قومه بني سليمة كانت منازلهم في صحار وما حولها، وكانت لهم السيادة والعزة والمنعة عليها، فإن منشأه الأول بلا ريب كان هناك.

أما عن سبب انتقاله إلى بهلا واستقراره بها، فيمكن إرجاعه إلى عدة عوامل متضافرة:

  • العامل السياسي والأمني: شهدت عُمان في ذلك الزمان اضطراباً سياسياً حاداً، حيث تعرضت منطقة الساحل (وخاصة الباطنة وصحار) لاحتلال قرمطي وتلاه احتلال بويهي، وكانت السيطرة تؤول أحياناً لبعض العمال المحليين لبني العباس. هذا الاضطراب السياسي في الساحل استمر عقوداً من السنين، بينما كان الداخل العُماني أخف نسبياً وأكثر استقراراً نظراً لقيام بعض الإمامات هناك، كإمامة الإمامين سعيد بن عبد الله، وراشد بن الوليد (320هـ – 342هـ).
  • العامل الشخصي والزمالة: لعل انتقاله إلى بهلا كان في عهد إمامة صديقه وزميله وصنوه وتربه أبي القاسم سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب. فحين زارها طاب له المقام فيها، وألقى بها عصا التسيار وأناخ بها رحال التجوال. وراقت له تلك المدينة الجميلة ببساتينها ذات الظلال الوارفة، ومقاصيرها ذات البهجة والنضارة والخضرة، وتأثل بها الأموال والدور.
  • الأهمية الإستراتيجية لبهلا: نظراً لما لبهلا من أهمية موقعاً وطبيعة، فإن أحمد بن هلال (الذي عينه القائد العباسي محمد بن بور بعد احتلاله لعُمان وقضائه على دولة الإمامة فيها وبعد رجوعه إلى البحرين) كان قد اتخذ من بهلا مقراً لإقامته قبل انتقاله إلى صحار.
  • البحث عن بيئة علمية آمنة: لم يكن ببعيد أن تكون تلك الأوضاع السياسية المضطربة دافعاً قوياً ومباشراً لأن يترك الإمام ابن بركة منطقة الساحل، ويتخذ من بهلا في منطقة الجوف من عُمان وطناً له، بعد أن تكوّن فكراً وعلماً ومعرفة في صحار على أيدي علماء أجلاء.

ثانياً: التكوين العلمي والشيوخ

تلقى الإمام ابن بركة تعليمه الأولي والعالي في صحار، وانخرط في حلقات العلم الفقهية والأصولية واللغوية التي كانت تميز الحواضر الساحلية العُمانية. وقد تخرج من مدرسة “الإمام المحجل محمد بن محبوب” (رضوان الله عليه) عبر تلاميذه.

ويمكن حصر أبرز شيوخه الذين أثروا في تكوينه الفكري في ثلاثة علماء كبار:

  1. أبو مالك غسان بن محمد بن الخضر الصلاني الصحاري: وهو أكبر شيوخه وأكثرهم إشادة وذكراً عنده. وقد تلقى ابن بركة على يديه أصول المذهب وقواعده، وتأثر بمنهجه تأثيراً عميقاً ظهر في كتاباته اللاحقة.
  2. أبو مروان سليمان بن حبيب: أحد ركائز المدارس الفقهية في صحار ومن كبار فقهاء عصره.
  3. أبو يحيى مهنا بن يحيى: عالم متمكن ساهم في صقل ملكة ابن بركة الفقهية والأصولية.

ولعل هؤلاء الثلاثة كانوا من مخرجات مدرسة ذلك الإمام المحكم والعلامة المبجل محمد بن محبوب (رضوان الله عليه). بعد أن أخذ ابن بركة العلم عن أولئك العلماء الأجلاء وتوسعت مداركه العلمية، صار نابغة زمانه ووحيد أقرانه، وشُدت إليه الرحال، ووفد إليه من طلبة العلم أفواج، وتخرج على يديه أجيال وعالم من علماء ومستمعين.

ثالثاً: معالم المدرسة الفكرية والأصولية لابن بركة

تميز الإمام ابن بركة بأنه صاحب فكر متميز ومدرسة فكرية فريدة، قامت على ركائز علّامية متمكنة وبيان أدبي لغوي رفيع. ويصفه المؤرخ النسابة العوتبي بقوله:

“ومنهم -أي من بني سليمة- الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد ابن بركة، رضي الله عنه، وهو العالم المشهور، والبليغ المذكور، صاحب الكتاب الجامع، وكتب التقييدات، ومسائل أصول الدين، وغير ذلك من مسائل الفروع الحلال والحرام”.

ويقول في حقه الدكتور الشيخ محمد حسام الدين (وكيل الأزهر الأسبق):

“الشيخ العلامة أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة، وهو إمام مجتهد يستقل بتأصيل الأحكام، لم أر بياناً أشبه ببيان الشافعي من بيان هذا الشيخ فهو كأنما ينظم الدر وينثر الحكمة”.

ويمكن تفصيل ملامح خطوطها المنهجية والمعرفية ومعالمها الفكرية في المحاور التالية:

1. تقديم الأصول على الفروع وتأصيل الأحكام

تعتمد مدرسة ابن بركة على أصول الفقه في تأصيل الأحكام؛ حيث عُرف بأنه من أئمة الأصول في الفقه، واهتمت مدرسته بعلوم أصول الفقه وقواعده. ويبين الإمام هذا المنهج ويمنهجه بقوله:

“فالواجب على من أنعم الله عليه بالإسلام، وخصه بشريعة الإيمان، أن يبدأ بتعلم الأصول قبل الفروع، وأن يثبت قواعد البنيان قبل أن يرفع شواهق الأركان، ومن عرف معاني الأصول عرف كيف يبني عليها الفروع، ومن لم يعرف حقيقة الأصول كان حرياً أن تخفى عليه أحكام الفروع”.

ويقول أيضاً مؤكداً على هذا المبدأ المنهجي الصارم:

“فالواجب عليه إذا أراد علم الفقه أن يتعرف أصول الفقه وأمهاته ليكون بناؤه على أصول صحيحة، ليجعل كل حكم في موضعه، ويجريه على سننه، ويستدل على معرفة ذلك بالدلالة الصحيحة، والاحتجاجات الواضحة، وأن لا يسمي العلة دليلاً، والدليل علة، والحجة علة، وليفرق بين معاني ذلك ليعلم افتراق حكم المفترق واتفاق المتفق، لأني رأيت العوام من متفقهي أصحابنا ربما ذهب عليهم كثير من معرفة ما ذكرنا وتكلم عند النظر ومحاجة الخصوم بما ينكره الخواص منهم، وأهل المعرفة بذلك، لأنهم ربما وضعوا اللفظة في غير موضعها، ونقلوا الحجة على غير جهتها واستعملوها في غير أماكنها”.

ولذلك نجد أن المنتمين إلى هذه المدرسة، والتي عُرفت بـ “المدرسة الرستاقية” فيما بعد، اهتموا أيما اهتمام بأصول الفقه وقواعده، ويلاحظ ذلك بوضوح في مؤلفاتهم ومصنفاتهم. ويُعتبر الإمام ابن بركة هو أول من ألف في أصول الفقه من أهل عُمان؛ فقد صَدَّر كتابه القيّم “الجامع” بمقدمة أصولية طويلة، وفي ثنايا الكتاب يجد القارئ الكثير من مسائل الأصول مبثوثة فيه عندما يربط المؤلف الفروع بالأصول. وقد أشار الإمام نور الدين السالمي إلى أولية قيام ابن بركة بالتأليف في فن أصول الفقه حيث يقول:

“وعلى طريقة الصدر الأول من الصحابة والتابعين قد جرى جل سلفنا من أهل عُمان فتراهم يحكمون بالخاص في موضع الخصوص، وبالعام في موضع العموم، وبالمطلق في موضع الإطلاق، وبالمقيد في موضع التقييد، وهكذا من غير أن يذكروا نفس العبارات التي اصطلح عليها أهل الفن وربما ذكرها بعضهم كابن بركة”.

2. التوظيف اللغوي والدلالي في الاستنباط الشرعي

تعتمد مدرسة ابن بركة من حيث وسائل المعرفة على التوظيف اللغوي. فنجد أن الإمام قد وظف اللغة ومدلولاتها في الاستدلال على المعاني الشرعية، عند عدم ورود النص الشرعي طبعاً، وذلك بنيط المعنى الشرعي على الاسم اللغوي، أو بتعبير آخر هو بناء الحكم الشرعي على اللفظ اللغوي، وهو ما يعرف بـ “دلالة الاسم على الحكم”.

ومما تقرر في هذا الباب عند أهل الأصول: أن الأسماء التي لم تثبت لها معانٍ شرعية يجب أن تحمل على المعنى اللغوي حتى يثبت لها معنى شرعي، أما الأسماء التي ثبتت لها معانٍ شرعية فإنه يجب أن يكون الأمر فيها محمولاً على المعاني الشرعية.

ويورد ابن بركة تطبيقاً عملياً على هذا التوظيف اللغوي للدلالة على الأحكام الشرعية فيما يتعلق باختلاف الفقهاء في استبراء الأمة الصغيرة؛ حيث يقول:

“واختلفت أصحابنا في الصغيرة من الإماء فقال بعضهم تستبرأ أربعين يوماً قبل الوطء وقال بعضهم بخمسة وأربعين يوماً قياساً على الحرة الصغيرة… والإستبراء في اللغة هو الإستكشاف للأمر المشكل، وأي إشكال في الصغيرة؟”.

فهو بهذا الاستدلال اللغوي يقرر عدم وجوب الاستبراء للأمة الصغيرة. وفي كلام آخر له حول مدلول صيغة الأمر يقول الله تعالى: $\text{\small ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾}$ [طه: 72]، لم يكن أمراً منهم له بقتلهم فيكونوا قد أعانوا على قتل أنفسهم، ويستحق فرعون به مدحاً إذ سارع إلى طاعتهم، بل كان هذا القول منهم تسليماً للقضاء وقنوعاً بما أعد الله لهم من الجزاء، ومثل هذا مشهور في كلام العرب وقال أبو سحر الحملي.

3. الصرامة في اعتماد الأدلة الشرعية والمنهجية الفقهية

من حيث المنهجية، فإن مدرسته تحرص كل الحرص على الاعتماد على الدليل من القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس وسائر الأدلة التشريعية الأخرى المعروفة عند أهل الأصول، ولم تفرط في ذلك ولنتعرف على ذلك من خلال كتاب “الجامع”. فقد جاء في باب الوضوء قال الله تبارك وتعالى: $\text{\small ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾}$ [المائدة: 6] ففرض الطهارة بالماء من كتاب الله عز وجل. ومن سنة نبيه ﷺ، فأما من الكتاب فقوله جل ذكره: $\text{\small ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾}$ [الفرقان: 48] يعني مطهراً، لأن الطهور في اللغة هو الفعول للطهارة. ومن السنة قول النبي ﷺ: «الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه». ولا اختلاف بين الناس في تأويل هذا الخبر، والاتفاق حجة، والاختلاف منهم رأي، وإتباع الحجة أولى من إتباع الرأي الذي ليس بحجة، والماء الطاهر المطهر باتفاق الأمة: ماء السماء، وماء البئر، وماء العيون، وماء البحر، إلا في قول عبد الله بن عمرو بن العاص في ماء البحر وحده، وأتباع السنة أولى من أتباع عبد الله بن عمرو.

4. الفقه المقارن وإيراد الأقوال وترجيح الراجح

تعتمد هذه المدرسة أيضاً في منهجيتها على الأقوال المختلفة وإيرادها وترجيح الراجح منها، وهو ما يعرف حالياً بـ “الفقه المقارن”، أي المقارنة بين الأقوال الفقهية. وكتاب “الجامع” لصاحب هذه المدرسة مملوء بهذا الأسلوب، ولا نكون مبالغين إذا قلنا إنه أول من توسع في هذا الباب من علماء المذهب. وإن كان سبقه من العلماء إعتمدوا هذا الأسلوب أيضاً، إلا أن الإمام ابن بركة أكثرهم توسعاً في هذا الباب في نقل أقوال علماء المذهب وأقوال أئمة المذاهب الإسلامية الأخرى.

رابعاً: الفكر السياسي الشرعي ومعالم “المدرسة الرستاقية”

1. قضية الإمام الصلت بن مالك ونشأة الافتراق الفكري

من أهم المعالم الفكرية لمدرسة الإمام ابن بركة السياسية، هي موقفها من الأحداث التاريخية العُمانية الكبرى، وتحديداً قضية البراءة من أهل الأحداث الخارجين على الإمام الصلت بن مالك الخروصي (237هـ – 273هـ). ذلك أن العلماء الذين عاصروا تلك الفترة أو التي أعقبتها اختلفوا في أصحاب تلك الأحداث إلى ثلاثة آراء:

  1. فريق البراءة (المدرسة الرستاقية): كان يبرأ من أولئك الخارجين، وقد اشتهر على رأس هذا الفريق الإمام أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة.
  2. فريق الوقوف (المدرسة النزوية): كان يرى الوقوف عن الولاية أو البراءة أسلم، وعلى رأس هذا الفريق الإمام سعيد بن محمد الكدمي.
  3. فريق الولاية: كان يتولى أولئك الخارجين، وعلى رأس هذا الفريق أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي. وهذا الفريق الأخير قد انقرض رأيه بوفاة أصحابه ولم يستمر هذا الرأي القائل بالولاية، ولم يشكل بذلك وجود مدرسة فكرية كما هي الحال بالنسبة للرأيين الأولين القائلين بالبراءة والوقوف، حيث تشكلت منهما الفرقتان الشهيرتان تاريخياً:
    • الفرقة الرستاقية: وإمامها أبو محمد ابن بركة.
    • الفرقة النزوية: وإمامها أبو سعيد الكدمي.

2. الأثر الفكري والسياسي للمدرستين على الفقه الإسلامي

وقد مثلت هاتان الفرقتان تطوراً فكرياً في سلسلة حلقات تطور الفكر الإسلامي في عُمان، حيث صارتا تمثلان مدرستين فكريتين على مدى عدة قرون، كل مدرسة لها معالمها ومنهجيتها. ويعود فضل كبير لهاتين المدرستين الرستاقية والنزوية في تطور الفكر السياسي في المذهب. ومن خلال سجالاتهما العلمية وتأصيلاتهما، تكونت ثروة فقهية كبيرة في الفقه السياسي أو ما يُعرف بـ “السياسة الشرعية”، بصورة تكاد لا يوجد لها نظير لدى المذاهب الإسلامية الأخرى.

فقد بحثتا بشكل موسع ومفصل نظام الحكم في الإسلام من حيث:

  • علاقة الحاكم بالمحكوم.
  • كيفية اختيار الحاكم وواجباته ومتى تجب طاعته ومتى لا تجب.
  • طبيعة ووظيفة الولاة والقضاة.

وغير ذلك من أمور الحكم، حتى أن القارئ يجد أجزاء بكاملها في المطولات الفقهية تعنى بنظام الحكم في الإسلام نتاجاً لتلك الحقبة.

خامساً: إنجازات وأعمال الإمام ابن بركة وعطاؤه الحضاري

للإمام أبي محمد ابن بركة أعمال جليلة وعظيمة، في خدمة العلم والإسلام والإنسانية ودائماً فإن العظائم من الأمور لا تكون إلا من العظماء من الناس، وتمثلت أبرز أعماله فيما يلي:

1. التدريس وتأسيس مدرسة بهلا العلمية

نال الإمام ابن بركة حظاً واسعاً من العلم وأخذ قسطاً كبيراً من علوم الشريعة الإسلامية الغرّاء وعلوم العربية وآدابها، واشتهر علمه شرقاً وغرباً، فكان لا بد من أن يحمل رسالة التدريس وهي طريقة رجال الإصلاح في كل زمان ومكان. فأنشأ مدرسته الشهيرة التي لا تزال أطلالها باقية حتى يومنا هذا بـ محلة الضرح من بهلا.

تلك المدرسة التي شُدت إليها الرحال، وقصدها طلبة العلم من أنحاء القطر العُماني ومن بلدان المغرب العربي. ويقول الشيخ محمد بن عبد الله السالمي:

“كانت لعُمان في القديم مدارس للفقه وبقية العلوم منها: مدرسة أبي محمد بن بركة في بهلا، وآثارها باقية إلى الآن تشتمل على كثير من الطلبة من البلاد ومن الخارج، وسمعت والدي -أي نور الدين السالمي- يذكر أنه تخرج منها ثمانون عالماً من إخواننا المغاربة، فلذلك ترى المغاربة يثنون على ابن بركة من علماء عُمان أكثر من غيره”.

وكان الشيخ من أغنياء أهل زمانه يحوط أمواله كل يوم من أول الصباح ثم يعود إلى التلامذة للتدريس. وقد خرّجت تلك المدرسة عدداً غير قليل من العلماء الأعلام الذين قدموا للعلم وللإسلام خدمات جليلة سجلها التاريخ، وفي مقدمتهم العلامة الخبير والمؤلف الشهير أبو الحسن علي بن محمد البسيوي صاحب المؤلفات العديدة.

2. ابتكار نظام الأقسام الداخلية لإيواء الطلاب

كان ابن بركة يتمتع بثروة مالية طائلة وغنى واسع أنعم الله به عليه، ولكن تلك الثروة لم تكن تشغله عن القيام بالواجب في شأن الإصلاح إنفاقاً وإرشاداً وتدريساً. وكان ينفق من تلك الثروة على الطلبة الذين يلتحقون بمدرسته؛ فهو يؤويهم تعليماً وإسكاناً وتغذية.

ولعله بهذا الصنيع يعتبر أول من أنشأ نظام الأقسام الداخلية لطلبة العلم. وهي نقطة يجب الوقوف عندها وتقييمها حضارياً، ولعل إيواءه لطلبة العلم بهذه الصورة وسد حاجاتهم المعيشية هو الذي جذب إليه الطلاب المغاربة وتكبدوا مشاق السفر للوصول إلى منارته العلمية في بهلا.

3. بناء المساجد وتعمير الحواضر

للمسجد دور كبير في الإسلام، فهو محور الحياة، وقد قام الإمام ابن بركة ببناء العديد من المساجد في مدينة بهلا لإقامة الصلوات وبث حلقات العلم، ومنها:

  • مسجد محلة الضرح: وهي المحلة التي كان يقطنها في بهلا وهو مسجده الذي لازم الصلاة فيه وجعله مركزاً لمدرسته.
  • مسجد الخير في بهلا.
  • مسجد الشريعة.
  • مسجد الفحال.
  • مسجد الوحيد.

4. الوقف الخيري المستدام

الوقف في الإسلام صدقة جارية ينتفع العبد بصالحه وهو من الباقيات الصالحات لقول الرسول ﷺ: «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث، علم ينتفع به، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له». وقد وقف الإمام ابن بركة أرضاً واسعة من النخيل والأشجار، تسمى “أرض المدانة”، وقفها على فقراء المسلمين. ويقول الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري:

“ولعله كان وقفها على المتعلمين، ثم اندمجت من بعد ذلك بيت مال المسلمين”.

سادساً: النتاج التأليفي والمكتوب للإمام ابن بركة

اعتنى الإمام ابن بركة بالتأليف بجانب التدريس والإفتاء، فقد ألّف العديد من الكتب القيمة المفيدة ذات النفع الكبير، والتي أصبحت عمدة لفقهاء المشرق والمغرب على حد سواء. وتتمثل أبرز مؤلفاته في الآتي:

ماسم الكتابطبيعته ومضمونه الفقهي والأصوليحالته وصداه العلمي
1كتاب الجامعيقع في مجلدين. يُعتبر من أهم الكتب التي تربط الفروع بالأصول، وهو من أمهات مصادر الفقه الإباضي. صدّره بمقدمة أصولية رفيعة.طُبع عدة مرات. وصفه الشيخ العلامة إبراهيم بن سعيد العبري بأنه كتاب نفيس جداً، أفرغ فيه تحرير مسائله وتحقيقها وصدره بمقدمة عظيمة في ذكر أمهات ومهمات أصول الفقه، حظي بمكانة كـ “كتاب سيبويه” عند النحاة.
2كتاب الشرحكتاب فقهي موسع وضعه كشرح لجامع ابن جعفر (العلامة أبي جابر محمد بن جعفر الأزكوي).يمثل مادة فقهية مقارنة بين المدارس العُمانية.
3كتاب التقييدقيد فيه المسائل التي سأل عنها وأجابه عليها شيخه أبو مالك غسان بن محمد بن الخضر الصلاني الصحاري.لا يزال مخطوطاً وهو من الأهمية بمكان للوقوف على نشأته الفقهية.
4كتاب الموازنةيتناول المسائل الفقهية بنظرة ترجيحية مقارنة بين الآراء.من كتبه التخصصية الرفيعة.
5كتاب المبتدأيتحدث في خلق السماوات والأرض وما فيهن من الخلق.يبدو أنه في التاريخ والعقيدة والكونيات.
6كتاب التعارفكتيب مهم جداً، ذكر فيه ما تعارف عليه الناس وجرى بينهم مجرى العادة، وبيان الحكم الشرعي في ذلك.مطبوع ومتداول، وهو رائد في فقه العادات والأعراف.
7كتاب الأقليدمصنف فقهي أصولي يفتح مغاليق الأحكام.من مؤلفاته القيّمة.

سابعاً: وفاته والرحيل الإيجابي

بعد حياة حافلة قضاها الإمام ابن بركة بين حلقات العلم، وبعد أن ملأ الدنيا علماً، انتقل إلى الرفيق الأعلى، تاركاً بعده من تلامذته علماء واصلوا السير في طرق التعليم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فكانوا هداة ودعاة، وترك آثاراً علمية تضيء للناس طرق الخير والصلاح تزدان بها رفوف المكتبات الإسلامية، ومشاريع خيرية تدعو ذوي الغنى أن يحذوا حذوه، وينهجوا منهجه، ومحبة عميقة وطيدة في قلوب أولئك الذين كانت تمتد إليهم يده الكريمة لتيسر عليهم مؤونة الحياة وتكاليف المعيشة.

بيد إننا لم نقف بالتحديد على تاريخ وفاته، ولعل وفاته كانت بعد منتصف القرن الرابع الهجري بقليل (رحمه الله تعالى ونفعنا بعلمه).

ثامناً: خلاصة واستنتاجات حضارية من سيرة ابن بركة

إن القراءة المتأنية والفاحصة لسيرة الإمام ابن بركة السليمي تخرج بالعديد من الاستنتاجات التي ترسم ملامح النهضة العلمية العُمانية في القرنين الثالث والرابع الهجريين:

  • التكامل الحضاري بين أقاليم عُمان: تبرز سيرة الانتقال من صحار (الساحل) إلى بهلا (الداخل) كيف كانت الحواضر العُمانية تتكامل علمياً وسياسياً؛ حيث شكلت بيئة الداخل الجغرافية حصناً آمناً للمشروعات العلمية الكبرى عند اضطراب السواحل بسبب الغزو الخارجي.
  • أصالة الفكر الأصولي العُماني: يثبت نتاج ابن بركة أن علماء عُمان لم يكونوا مجرد ناقلين للفروع الفقهية، بل كانوا مجتهدين مطلقين يضعون القواعد الأصولية، ويربطون الدلالات اللغوية بالأحكام الشرعية بكفاءة تضاهي مدرسة الإمام الشافعي.
  • المأسسة والتكافل التعليمي: إن ابتكار نظام السكن الداخلي لطلبة العلم والإنفاق عليهم من حر ماله وتأسيس الأوقاف كـ “أرض المدانة” يعكس وعياً مبكراً بالمأسسة التعليمية، وهي التجربة الرائدة التي جعلت مدرسة بهلا جاذبة لطلبة العلم من أقصى المغرب الإسلامي.
  • النضج والعمق السياسي: أثمر الخلاف الفكري بين الفرقتين “الرستاقية” و”النزوية” ثراءً فقهياً وسياسياً هائلاً وضع أطراً واضحة وموسعة لنظام الحكم، وعلاقة الحاكم بالمحكوم، وضوابط السياسة الشرعية، مما يمثل مساهمة عُمانية أصيلة في المكتبة السياسية الإسلامية.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *