تراث

الخط العربي في عُمان: مدارس المخطوطات والمصحف العماني المكتوب بماء الذهب

الخط العربي في عُمان: مدارس المخطوطات والمصحف العماني المكتوب بماء الذهب

لم يكن الخط العربي في عُمان مجرد أداة لتدوين الكلمات، بل كان وما يزال وجهًا من وجوه الهوية الثقافية لأمة عُرفت منذ القرون الأولى للإسلام بعنايتها الفائقة بالعلم والمعرفة. فمنذ أن وصل الإسلام إلى أرض عُمان، ارتبط الحرف العربي بالقرآن الكريم وعلوم الشريعة، وتحوّلت الكتابة إلى فن قائم بذاته تناقلته الأجيال عبر مدارس غير رسمية قامت على علاقة الأستاذ بتلميذه، وعبر مكتبات أهلية حفظت آلاف المخطوطات النفيسة في شتى ضروب العلم. ومن بين هذا التراث الزاخر، تبرز ظاهرة فنية ودينية فريدة، هي كتابة بعض نسخ المصحف الشريف بماء الذهب، في تجسيد لتلاقي الفن والعقيدة في إطار واحد. تستعرض هذه المقالة مسيرة الخط العربي في عُمان، ومدارس المخطوطات التي حفظت هذا الإرث، وصولًا إلى أبرز نماذج المصاحف العمانية المذهّبة، القديم منها والحديث.

ويتجاوز الحديث عن الخط العماني كونه شأنًا متخصصًا يهم الباحثين والخطاطين وحدهم، ليصبح مدخلًا واسعًا لفهم جوانب متعددة من التاريخ الاجتماعي والديني والفكري لعُمان، إذ تكشف المخطوطات بمضمونها وشكلها معًا عن طبيعة العلاقة التي ربطت العماني بكتابه، وعن الأدوات والخامات التي توفرت له، وعن مسارات انتقال المعرفة بين الأجيال والمناطق. ولذلك فإن النظر في هذا الإرث اليوم ليس استدعاءً للماضي من أجل التباهي به فحسب، بل هو أيضًا محاولة لفهم كيف صاغت أمة صغيرة العدد، واسعة الانتشار والأثر، علاقتها بالحرف العربي والكتاب المقدس على مدى أكثر من ألف عام.

الخط العربي في عُمان عبر التاريخ

ترتبط نشأة الاهتمام العماني بالخط العربي ارتباطًا وثيقًا بانتشار العلم الديني في ربوع عُمان منذ القرون الهجرية الأولى. فقد أنجبت هذه الأرض علماء أسهموا في خدمة اللغة العربية وعلومها على مستوى العالم الإسلامي كله، وعلى رأسهم الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي، الذي تُعزى إليه إسهامات جوهرية في ضبط النحو والعروض والتشكيل، وهي إسهامات يسّرت لاحقًا قراءة القرآن الكريم وكتابته بدقة متناهية. وقد رافق هذا الاهتمام باللغة اهتمامٌ موازٍ بصناعة الكتاب المخطوط، إذ كانت جودة الخط مؤشرًا على مكانة الكاتب والمكتوب معًا.

ومع ازدهار حركة التأليف والنسخ في عُمان عبر القرون، نشأت تقاليد متوارثة في الكتابة، تشكّلت ملامحها من تراكم خبرات النساخين والخطاطين الذين عملوا في المساجد ومجالس العلماء وبيوت الأسر العلمية الكبرى. ولم تكن هذه التقاليد منعزلة عن محيطها العربي والإسلامي الأوسع، بل تفاعلت مع المدارس الخطية في الحجاز والعراق والشام ومصر، واستفادت من الأساليب التي وضعها كبار الخطاطين عبر التاريخ الإسلامي، مع الاحتفاظ بسمات محلية مميزة طبعت الكتابة العمانية بطابع خاص يمكن لدارسي المخطوطات تمييزه عن غيره.

وتشير الدراسات إلى أن المخطوطات العمانية تغطي حقبة زمنية واسعة تمتد لقرون طويلة، وتشمل نصوصًا في علوم الدين واللغة والأدب والفلسفة والطب والفلك والتاريخ، إضافة إلى مؤلفات تتعلق بنظام الأفلاج، ذلك النظام الهندسي القديم للري الذي عُرفت به عُمان منذ قِدم الأزل. وهذا التنوع الموضوعي في المخطوطات يعكس عمق الحركة العلمية التي واكبت تطور فن الخط في البلاد، إذ لم يكن الخط الجميل حِكرًا على كتابة المصاحف وحدها، بل امتد ليشمل سائر فروع المعرفة.

ولعل من أبرز ما يميز هذه الحركة العلمية، أنها لم تكن وقفًا على فئة بعينها أو إقليم بعينه، بل امتدت من نزوى وبهلا في الداخل، إلى الرستاق وصحار في الشمال، وصولًا إلى صلالة وظفار في الجنوب، حيث نشأت في كل منطقة حلقات علمية ومكتبات أهلية أسهمت في تخريج خطاطين ونساخين أتقنوا حرفتهم على أيدي علماء البلد. وقد ساعد على هذا الانتشار الجغرافي الواسع كثرة المساجد التي كانت تؤدي دور المدرسة والمكتبة في آن واحد، إذ كان طالب العلم ينتقل بين هذه المراكز طلبًا للإجازة في القراءة والكتابة، فيحمل معه أسلوبًا خطيًا يمزج بين ما تعلمه في موطنه الأصلي وما اكتسبه في رحلاته العلمية، الأمر الذي أثرى تنوع الأساليب الخطية العمانية مع حفاظها على قاسم مشترك يمكن تمييزه.

مدارس المخطوطات: من الجمع الأهلي إلى المؤسسات الوطنية

لم تكن “المدرسة” في فن الخط العربي تعني بالضرورة مؤسسة تعليمية بالمعنى الحديث، بل كانت تعني – كما يوضح الباحثون في هذا المجال – مجمل الخبرات الفنية والسمات التصميمية التي تطبع الخط في فترة جغرافية وزمنية محددة، وتحمل طابعًا حضاريًا مميزًا. وقد قامت هذه المدارس على علاقة وثيقة بين الأستاذ وتلميذه، عُرفت في تراث الخط العربي بـ”الإجازة الخطية”، وهي شهادة ضمنت اتساق الأساليب وجودتها، وشكّلت في الوقت ذاته نواة لتكوّن اتجاهات فنية متمايزة تتناقلها أجيال من الخطاطين.

وفي عُمان، تجسّد هذا النمط من التعليم في حلقات العلم التي كانت تُعقد في المساجد والمكتبات الأهلية، حيث كان طالب العلم يتلقى أصول الكتابة جنبًا إلى جنب مع علوم الدين واللغة، فينشأ الخطاط فقيهًا أو أديبًا في آن واحد، وتنعكس ثقافته الواسعة على دقة خطه وجمال تنسيقه. ومن هذه الحلقات غير الرسمية، تشكّلت على مرّ القرون مكتبات أسرية وأهلية ضخمة، توارثتها العائلات العلمية جيلًا بعد جيل، وأصبحت بمثابة خزائن حقيقية للمعرفة العمانية.

وقد بدأت الجهود المنظمة لجمع هذا التراث المخطوط وتوثيقه منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي تقريبًا، حين شُرع في محاولات لحصر المخطوطات الموجودة في حيازة الأسر والمكتبات الخاصة. واستمرت هذه الجهود بوتيرة متصاعدة، حتى تُوّجت في العقود الأخيرة بإنشاء دار متخصصة للمخطوطات ضمن مؤسسات الدولة المعنية بالتراث والثقافة في مسقط، حيث جرى فحص آلاف المخطوطات العمانية وفهرسة المئات منها فهرسة علمية دقيقة. وتضم هذه الدار نوادر تعود إلى قرون بعيدة، من بينها مخطوطة في علم الحديث يُرجَّح أنها من أقدم ما وُثّق من المخطوطات العمانية، إذ تعود إلى مطلع القرن الثالث عشر الميلادي، إلى جانب مخطوطة طبية نادرة لأحد الأطباء العمانيين تتضمن رسومًا تشريحية دقيقة للدماغ والجهاز العصبي تعود إلى منتصف القرن الثالث عشر الميلادي كذلك.

ولم تقتصر جهود حفظ هذا الإرث على الفحص والفهرسة فحسب، بل امتدت لتشمل آليات لتشجيع الأسر العمانية على إيداع ما لديها من مخطوطات نفيسة في الدار المتخصصة، عبر زيارات ميدانية منظمة وتقديم تعويضات مادية لمن تبرعوا بمقتنياتهم الموروثة، إدراكًا لكون هذه المخطوطات ثروة غير متجددة يهددها التلف والضياع إن بقيت بمعزل عن أساليب الحفظ العلمي الحديثة.

ومن الناحية التاريخية، مرّت الكتابة في عُمان، كما هو الحال في سائر الأقطار العربية والإسلامية، بأطوار متعاقبة من حيث الطُّرز المستخدمة. فقد عُرف الخط الكوفي بزواياه الحادة وحروفه المستقيمة في النقوش والمخطوطات المبكرة، ثم تراجع تدريجيًا أمام خط النسخ الأكثر ليونة وسهولة في القراءة، والذي أصبح مع مرور الوقت الخط الغالب في نسخ المصاحف والمؤلفات الدينية والأدبية على حد سواء. وقد طوّع الخطاطون العمانيون هذين الطرازين وغيرهما بما يتناسب مع أذواقهم وأدواتهم المحلية، فجاءت بعض المخطوطات بخط نسخ متين الحروف، وأخرى بخط أقرب إلى الثلث في عناوينها، مع توظيف الخط الكوفي المزخرف أحيانًا في تيجان الصفحات الافتتاحية.

السمات الفنية للخط العماني وخصوصيته

من أبرز القضايا التي شغلت الباحثين والخطاطين في السنوات الأخيرة، مسألة تمييز “الخط العماني” عن غيره من الأساليب الخطية العربية. فعلى الرغم من القواسم المشتركة الكثيرة بين الكتابات العربية في مختلف الأقطار، لاحظ الدارسون وجود بصمة عمانية واضحة في عدد كبير من المخطوطات، تتجلى في تفاصيل تشكيل الحروف وتناسبها، وفي أسلوب التعامل مع الكتابات الموجَّهة إلى الحكام والكتابات ذات الطابع السياسي والرسمي.

وقد أفضت هذه الملاحظات إلى مشروعات بحثية حديثة سعت إلى دراسة هذه السمات دراسة علمية منهجية، تجمع بين تاريخ الخط ودراسة المخطوطات وتحقيقها وتحليلها من الناحية الجمالية، تمهيدًا لتحويل هذه السمات إلى نمط خطي رقمي معاصر مستوحى من الإرث الثقافي العماني. وقد واجه القائمون على هذه المشروعات تحديًا يتمثل في التباين الكبير بين الكتابات العمانية عبر الفترات الزمنية المختلفة، الأمر الذي تطلّب منهجية بينية تجمع بين عدة تخصصات للوصول إلى نتائج موثوقة.

وتكمن أهمية هذه المشروعات في أنها تتيح للباحثين والمهتمين بفن الخط مقارنة الكتابة العمانية بنظيراتها من الكتابات العربية الأخرى، والتمييز بينها استنادًا إلى معايير فنية دقيقة. كما تسهم في حفظ هذا النمط الخطي من الاندثار في عصر تراجعت فيه الكتابة اليدوية لصالح الطباعة والتقنيات الرقمية، عبر صياغته بصورة حاسوبية قابلة للاستخدام في النشر والتصميم المعاصرين، مع الحفاظ على روحه التراثية الأصيلة.

فنون التجليد والختم العماني

لم يكن جمال المخطوطة العمانية مقتصرًا على الحرف وحده، بل امتد ليشمل الغلاف الذي يحفظها، حيث ازدهرت في عُمان صناعة تجليد الكتب بوصفها فنًا متكاملًا يصاحب فن الخط ويكمله. فقد كانت العناية بجودة الخط مؤشرًا على التطور العام في صناعة الكتاب المخطوط عند المسلمين عمومًا، الأمر الذي رافقه ازدهار موازٍ في فنون الرسم والتصوير والتجليد والتذهيب والزخرفة، إلى جانب تطور صناعة الورق والمداد.

ومن أبرز ما تميزت به أغلفة الكتب العمانية المخطوطة، ما يُعرف بـ”الختم العماني”، وهو نظام زخرفي هندسي دقيق يُطبع على جلد الغلاف، ويتألف من عدة وحدات متكاملة: فهناك “السرة” التي تتوسط الغلاف وتتشكل من خطوط دقيقة منتظمة على هيئة تشكيلة شمسية، و”الهالة” التي تمثل الوحدة المركزية المحيطة بالسرة، وتتألف عادة من أشكال متعددة الأضلاع تتفرّع إلى هالات ثانوية متداخلة تمتد نحو زوايا الغلاف الأربع. وتتنوع الخطوط المستخدمة في هذا الختم بين الخطوط المستقيمة والمنحنية، إضافة إلى عنصر “الدرع” الذي يُستخدم لملء الفراغات الكبيرة في الزخرفة المركزية.

ويعكس هذا النظام الزخرفي مستوى عاليًا من الدقة الهندسية والذوق الجمالي لدى الحرفيين العمانيين الذين تخصصوا في هذه الصناعة عبر القرون. ومن أبرز الدراسات التي تناولت هذا الفن، ما تناوله الباحث العماني خالد بن سليمان بن سالم الخروصي في مؤلَّف خاص خصصه لتحليل الختم العماني للكتب المخطوطة، حيث فكّك عناصر هذا الفن عنصرًا عنصرًا، موضحًا الدلالات الجمالية والرمزية لكل تشكيلة من تشكيلاته.

فن التذهيب: من زخرفة المصحف إلى الكتابة بماء الذهب

يُعدّ التذهيب من أرقى الفنون التي رافقت كتابة المصحف الشريف في تاريخ الحضارة الإسلامية كلها. وجرت العادة أن يقتصر التذهيب في بداياته على عناصر محددة من صفحات المصحف، كالأشرطة الفاصلة بين السطور، وعلامات نهاية الآيات، والرموز الدالة على أقسام القرآن، ثم توسّع تدريجيًا ليشمل الصفحتين الافتتاحيتين والصفحات الختامية، التي تحوّلت بفضل براعة المذهِّبين إلى لوحات فنية متكاملة تجمع بين الزخرفة الهندسية والنباتية وتناغم الألوان، وفي مقدمتها اللون الذهبي إلى جانب درجات من اللون الأزرق الفيروزي.

ومن الناحية الفقهية، أجاز كثير من علماء المسلمين تحلية المصحف وتذهيبه باعتباره تعظيمًا لكتاب الله، شريطة ألا يكون ذلك من باب المباهاة. أما كتابة نص المصحف نفسه بمداد الذهب بصورة كاملة، فلم يكن أمرًا شائعًا بسبب ما فيه من إسراف يخالف روح البساطة التي ميزت تعامل المسلمين الأوائل مع كتاب الله، إلا أن هذا التحرّج لم يمنع بعض الخطاطين على مر العصور من كتابة فواصل السور والآيات وبعض الزخارف الهامشية بماء الذهب، بل ومن إنجاز نسخ كاملة أو أجزاء كبيرة من المصحف بهذه التقنية في مناسبات استثنائية.

وفي عُمان، حملت بعض المصاحف المخطوطة هذا الطابع الفني الرفيع، إذ تشير المصادر إلى أن المخطوطات العمانية القرآنية تميزت بالبساطة والوضوح، وخلت من رسوم الكائنات الحية تماشيًا مع الموروث الفقهي الإسلامي العام، بينما حملت بعضها كتابة بماء الذهب وزخارف دينية راقية تعكس مكانة هذا الكتاب في وجدان العمانيين.

مصحف القراءات السبع: تحفة خطية عمانية نادرة

من أبرز الشواهد على براعة الخطاطين العمانيين، مصحف يحمل اسم “القراءات السبع”، وهو من أنفس المخطوطات القرآنية في العالم الإسلامي بأسره، لما يحمله من إبداع هندسي عماني خالص. أنجز هذا المصحف الفريد الشيخ عبدالله بن بشير بن مسعود الحضرمي الصحاري، الذي ابتكر بمفرده أسلوبًا فنيًا لم يُعرف له مثيل سابق، وأهداه لابنته بعد أن أتمّ كتابته في عام 1148 للهجرة.

ويُحفظ هذا المصحف النفيس اليوم في دار المخطوطات بمسقط، بوصفه أحد أبرز كنوزها. ومن اللافت أن الصحاري لم يكتفِ بهذه النسخة، بل أنجز مصحفًا آخر بالأسلوب الفني نفسه، أودعه في أحد مساجد نزوى في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي وأهداه لأحد علمائها، وهذه النسخة محفوظة اليوم في إحدى المكتبات الأهلية العمانية. وقد استلهم عدد محدود من الخطاطين أسلوبه، حتى غدا بمثابة مدرسة فنية صغيرة قائمة بذاتها.

المصحف العماني المعاصر المكتوب بخط اليد

في العصر الحديث، تجدد الاهتمام العماني بفن كتابة المصحف الشريف يدويًا عبر مشروع فني وديني بارز، تمثّل في أول مصحف عماني يُخط بخط اليد بالكامل، وهو من إنجاز الخطاط سالم بن خلفان البلوشي، أحد أبرز أساتذة الخط العربي في السلطنة، والمولود في منطقة الجنين بولاية قريات عام 1960. تلقى البلوشي دراسته في فنون الخط العربي في إحدى المدارس المتخصصة بجمهورية مصر العربية، وحصل على شهادة امتياز فيها عام 1989، قبل أن يتفرغ لتدريس الخط العربي منذ عام 1992.

استغرقت كتابة هذا المصحف جهدًا متواصلًا امتد نحو اثني عشر عامًا، وصدرت نسخته الأولى في رمضان من عام 1425 للهجرة، قبل أن تُدشَّن احتفاليته الأولى رسميًا في ولاية قريات في أواخر أغسطس 2010. ويتميز بحجمه الكبير ووزنه اللافت الذي بلغ في إحدى نسخه نحو خمسة وعشرين كيلوغرامًا، بمقاس يقارب خمسة وسبعين سنتيمترًا طولًا وخمسة وخمسين عرضًا، موضوعًا على قاعدة خشبية يعلوها صندوق زجاجي.

ومن أبرز ما يميز هذا العمل، أن نسخته جُلِّدت بجلد الغزال الطبيعي، وزُيّنت بزخرفة إسلامية نحاسية مطعّمة بماء الذهب والفضة، في مزج فني بديع بين الخط والتجليد والتذهيب والمعدن. وقد تبنت الجهات الدينية المعنية في السلطنة طباعة نسخ منه بأحجام مختلفة، وتوزيعها على المساجد داخل عُمان وخارجها.

وتكمن القيمة الرمزية لهذا النوع من المصاحف في كونها لا تؤدي وظيفة تعبدية فحسب، بل تتحول أيضًا إلى تحفة فنية تُعرض وتُزار، وتجسّد حجم الجهد البشري والفني الذي يبذله الخطاط في خدمة كتاب الله، من اختيار الأدوات والمداد، إلى ضبط تناسب الحروف، وانتهاءً بإخراج الصفحة المذهّبة.

جهود الحفظ والرقمنة في العصر الحديث

أدركت الجهات المعنية بالتراث في عُمان أن المخطوطات تمثل ثروة وطنية غير متجددة، يهددها التلف إن لم تُصن بأساليب علمية حديثة. ومن هنا، تواصلت الجهود لتوسيع نطاق حصر هذه المخطوطات وفهرستها، حتى بلغ عدد المخطوطات المتاحة اليوم للباحثين عبر منصة إلكترونية متخصصة آلاف المخطوطات، يمكن نسخ ما يحتاجه الدارسون منها بأسعار رمزية.

وقد واكب هذا التوجه الرقمي اهتمام مؤسسي أوسع، تجلّى في حلقات نقاشية تهدف إلى وضع فهرس وطني موحّد للمخطوطات العمانية، يجمع بيانات المكتبات كافة، ويستثمر إمكانات التقنيات الحديثة بما فيها أدوات الذكاء الاصطناعي. وإلى جانب ذلك، برزت مبادرات لاستلهام هذا الإرث في تصاميم معاصرة، أبرزها مشروع لإنتاج خط حاسوبي عماني الهوية، مستمد من دراسة تشريحية لسمات الخط في المخطوطات القديمة، حوّلها خطاطون معاصرون إلى حروف رقمية واضحة المقروئية.

خاتمة

يكشف استعراض مسيرة الخط العربي في عُمان عن منظومة فنية وثقافية متكاملة، جمعت بين دقة الحرف وجمال الزخرفة وعراقة التجليد، وتوّجها التزام عميق بتعظيم كتاب الله عبر فن التذهيب وماء الذهب. فمن مدارس المخطوطات غير الرسمية، إلى دار المخطوطات الوطنية الحديثة، ومن تحفة “القراءات السبع” التي أبدعها الصحاري قبل قرون، إلى المصحف العماني المعاصر الذي خطّه البلوشي بجهد استغرق اثني عشر عامًا، يتضح أن الخط العربي في عُمان ليس مجرد فن تزييني، بل هو سجل حي لتاريخ أمة عرفت قيمة العلم والكتاب، وما زالت تجدد عهدها بهذا الإرث جيلًا بعد جيل، بما يضمن له الاستمرار والازدهار في القرن الحادي والعشرين كما ازدهر في القرون الغابرة.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية