تراث

النسيج في جعلان بني بوحسن: صناعة الإزار واللحاف العماني على الأنوال اليدوية

صمم صورة مقالة بابعاد جوجل ديسكفري بعنوان النسيج في جعلان بني بوحسن: صناعة الإزار واللحاف العماني على الأنوال اليدوية

على سفوح جبل قهوان، حيث تتوزع القرى والحلال بين السهل الزراعي والصحراء الممتدة نحو بحر العرب، نشأت في ولاية جعلان بني بوحسن – إحدى ولايات محافظة جنوب الشرقية في سلطنة عمان – منظومة من الحرف اليدوية التي رافقت الإنسان العماني في تدبير شؤون حياته اليومية قروناً طويلة. ومن بين هذه الحرف، تحتل صناعة النسيج اليدوي مكانة خاصة، إذ لم تكن مجرد وسيلة لإنتاج الكساء والفراش، بل كانت نظاماً معرفياً متكاملاً توارثته الأجيال يداً عن يد، وعبّر من خلاله الحرفيون والحرفيات عن ذوقهم الجمالي وهويتهم الثقافية في آن واحد. وتأتي هذه المقالة لتتناول هذه الصناعة العريقة بشيء من التفصيل، وتحديداً صناعة الإزار واللحاف على الأنوال اليدوية، باعتبارهما من أبرز المنتجات النسيجية التي ارتبطت بحياة العمانيين في الأرياف والبوادي على حد سواء.

وتزخر ولاية جعلان بني بوحسن بتراث مادي وغير مادي غني، يتجلى في حصونها وقلاعها الأثرية التي تنيف على الخمس عشرة قلعة وأكثر من ستين برجاً دفاعياً، وفي أفلاجها التي يتجاوز عددها اثنين وثلاثين فلجاً، وفي عيونها المائية المنتشرة بين سفوح جبل قهوان وسهوله. وفي هذا الإطار الجغرافي والاجتماعي، ازدهرت حرف يدوية متعددة كان النسيج أحد أعمدتها الأساسية، إلى جانب حرف أخرى كصناعة الخناجر والفخار والسعفيات، لتشكل في مجموعها نسيجاً حضارياً متكاملاً يعكس عبقرية الإنسان في التكيف مع بيئته واستثمار مواردها.

مكانة النسيج في الموروث العماني

لم تكن صناعة النسيج في عمان عموماً، وفي مناطق الشرقية وجعلان بني بوحسن خصوصاً، حرفة هامشية أو ثانوية، بل كانت من أعمدة الاقتصاد المنزلي الذي يقوم على الاكتفاء الذاتي. فقد اعتاد السكان، سواء في الحضر أو البادية، على إنتاج ما يحتاجونه من الكساء والفرش والأغطية بأيديهم، معتمدين على ما توفره البيئة المحلية من خامات كالصوف ووبر الإبل وشعر الماعز، إضافة إلى القطن الذي كان يُجلب أحياناً من الهند عبر طرق التجارة البحرية النشطة التي ربطت السواحل العمانية بالعالم منذ قرون.

وتذكر المصادر المتخصصة في التراث العماني أن سكان البادية ما زالوا حتى اليوم ينتجون من الصوف ملابس متنوعة، ومفارش، وسجاداً، وحصائر، وخياماً، فيما يُصنع من شعر الماعز الحبال وبعض الأثاث المنزلي، ومن وبر الإبل منتجات أخرى كالمناسيل والبشوت والحقائب والأحزمة. أما النسيج القطني فقد كثرت صناعته عند سكان الحضر، وكانت منتجاته تتداول في الأسواق بكثافة نظراً لكثرة الطلب عليها، إذ كان القطن يُغزل بواسطة المغازل اليدوية، ثم يُنسج على الأنوال الخشبية التقليدية لإنتاج أنواع متعددة من الأقمشة المنزلية والملابس.

«تمر مراحل إنتاج النسيج اليدوي بعدة مراحل تبدأ بإعداد المقايسة، وهي حساب عدد خيوط الأسدية حسب عرض النسيج المطلوب، ومعرفة طريقة اللقي في الدرء، وحساب التطريح حسب عدة الأمشاط المستخدمة، قبل تنفيذ التصميم المعد مسبقاً.» – من أدبيات التراث النسيجي العماني

وقد ارتبط النسيج اليدوي في الذاكرة الجمعية العمانية بمظاهر الحياة الاجتماعية كافة؛ فالمرأة كانت تستخدم منسوجات الصوف والقطن في إعداد جهازها قبل الزواج، وكان الرجل يستخدم بعض المنسوجات كالبشت في المناسبات الرسمية والاحتفالية، فيما كانت الأسرة بأكملها تعتمد على منتجات النول في تأثيث بيتها من فرش وأغطية وستائر. ومن هنا، فإن دراسة صناعة النسيج لا تنفصل عن دراسة بنية المجتمع العماني التقليدي ونمط معيشته القائم على التكافل الأسري وتقسيم العمل بين الرجال والنساء، حيث غلب على حرفة النسج طابع نسائي في كثير من جوانبها، خصوصاً في مراحل الغزل والتسدية والترصيص، فيما شارك الرجال في تجهيز الأنوال وبعض مراحل الحياكة الثقيلة.

الإزار واللحاف: منسوجان بمعنى واحد للستر والدفء

يُعد الإزار من أقدم القطع النسيجية التي عرفها الإنسان العربي عموماً، وهو قطعة قماش مستطيلة تُلف حول الجسد أو تُستخدم غطاءً، وقد وردت كلمة «إزار» في المعاجم العربية القديمة بمعنى الملحفة أو ما يُتغطى به، كما أشار ابن منظور في «لسان العرب» إلى أن بعض الألفاظ القريبة منه كـ«الشوذر» تعني الملحفة أو الإزار في آن واحد، وهي كلمة فارسية الأصل دخلت إلى اللهجات الخليجية، ومنها العمانية، وتُلفظ أحياناً «شاذر» أو «جادر»، وتُجمع على «شواذر» أو «جوادر». وتشير المصادر اللغوية إلى أن هذا اللفظ كان يُطلق تحديداً على لحاف الفراش الذي كان يُجلب من الهند، قبل أن تتطور صناعته المحلية واستخدامه ليشمل أنواعاً متعددة من الأغطية النسيجية.

أما اللحاف، فهو في الاستعمال العماني الدارج اسم لكل ما يُلتحف به، أي ما ينام الإنسان تحته أو يتغطى به اتقاءً للبرد، سواء كان مصنوعاً من القطن أو الصوف أو خليط منهما. وتذكر معاجم اللهجات الخليجية أن لفظة «اللحاف» مسموعة في عمان وقطر والكويت والبحرين والسعودية والإمارات ومصر وبلاد الشام، مما يدل على عراقة هذا المصطلح وانتشاره في الثقافة العربية المشتركة منذ قرون. وإلى جانب اللحاف، عُرفت في عمان مسميات أخرى قريبة منه كـ«المطرح» أو «المطرحة»، وهي لحاف خفيف يُصنع من قماش قطني محشو بقطن نديف، يُفرش غالباً على الأرض للنوم عليه، وهو أخف وزناً وأصغر حجماً من اللحاف العادي.

وتكمن أهمية الإزار واللحاف في كونهما من المنتجات النسيجية الأكثر التصاقاً بالحياة اليومية للأسرة العمانية، فهما لا يرتبطان بمناسبة معينة أو موسم محدد كبعض المنسوجات الاحتفالية، بل يدخلان في صلب الاستخدام اليومي المتكرر؛ فالإزار يُستخدم غطاءً للجسد أو وقاية من الحر والبرد، واللحاف يفترش به النائم أو يتغطى به في ليالي الشتاء الباردة على السفوح الجبلية والوديان. ومن هنا، كان الطلب عليهما مستمراً ومتجدداً، الأمر الذي جعل صناعتهما تحظى باهتمام خاص من الحرفيين والحرفيات، الذين طوروا فيها أساليب متعددة من الزخرفة والتلوين لتمييز إنتاجهم وإرضاء أذواق الزبائن المختلفة.

الشيلة: قريبة الصلة باللحاف في الوظيفة والشكل

ومن المنسوجات ذات الصلة الوثيقة بفكرة الإزار واللحاف، ما يُعرف محلياً بـ«الشيلة»، وهي لباس قطني نسائي عبارة عن لحاف طويل تلفه المرأة على رأسها عند خروجها من المنزل، وله خصوصية فنية تتجلى في تقسيماته الهندسية الدقيقة، ويُصنع بشكل مستطيل بألوان متعددة تختلف باختلاف ذوق المرأة وعمرها ومناسبة ارتدائها. وتُظهر الشيلة كيف أن الفكرة الأساسية للقطعة النسيجية المستطيلة – وهي الفكرة ذاتها التي يقوم عليها الإزار واللحاف – قابلة لأن تتحول بتعديلات بسيطة في الحجم والزخرفة إلى منتجات متعددة الوظائف، تخدم احتياجات مختلفة من الكساء والفراش والتغطية، مما يعكس مرونة هذه الصناعة وقدرتها على التكيف مع متطلبات الحياة المتجددة.

النول اليدوي: الأداة الأم لصناعة النسيج

يرتكز فهم صناعة الإزار واللحاف في جعلان بني بوحسن وسائر المناطق العمانية على فهم الأداة الأساسية التي تقوم عليها هذه الصناعة، وهي «النول» أو «المنسج»، وهو آلة تُدار يدوياً تُستخدم في تحويل الخيوط إلى قماش منسوج، عبر تعاشق مجموعتين من الخيوط هما السدى – الخيوط الطولية الثابتة – واللحمة – الخيوط العرضية المتحركة. وللنول تاريخ بالغ القدم، إذ يعود استخدامه إلى آلاف السنين، واستخدمه المصريون القدماء والصينيون منذ آلاف السنين قبل الميلاد، وهو ما يدل على أن هذه التقنية من أقدم ما عرفته البشرية في تحويل الألياف الخام إلى أقمشة قابلة للاستخدام.

وفي السياق العماني، غالباً ما يكون النول التقليدي مسطحاً على الأرض، ويعتمد على خطوط طول رئيسية ثابتة تُمد بين نقطتين، ثم تبدأ عملية الحياكة بإدخال خيوط العرض وترصيصها أولاً بأول حتى يكتمل المنتج بالشكل المطلوب. ومن خلال عملية الترصيص هذه، يستطيع الحرفي أو الحرفية إضافة لمسة جمالية تُعرف محلياً باسم «الرقم»، وهي نقوش وزخارف ومساحات خطية ملونة تمتد على طول القطعة النسيجية، فتمنحها طابعاً جمالياً مميزاً ودلالات ترتبط بالهوية العمانية الأصيلة. وتختلف هذه النقوش من منطقة إلى أخرى ومن حرفي إلى آخر، بحيث يمكن للعارف بهذه الصناعة أن يميز أصل القطعة المنسوجة من خلال طراز زخرفتها وألوانها.

مكونات النول وآلية عمله

يتألف النول الحرفي، أياً كان حجمه أو طرازه، من مجموعة أجزاء أساسية تعمل في تكامل تام لإنجاز عملية النسج اليدوي. ويتصدر هذه الأجزاء الإطار الخشبي الذي يحمل سائر المكونات ويثبّتها في مكانها. ومن أهم هذه الأجزاء «مطوة السداء»، وهي عارضة أفقية خلفية تُشد عليها خيوط السدى الطولية، و«مطوة القماش»، وهي عارضة أفقية أمامية يُلف عليها القماش المنسوج تدريجياً مع تقدم عملية الحياكة. كما يحتاج النول إلى مكوك – يدوي في الأنوال التقليدية – يُستخدم لتمرير خيط اللحمة بين خيوط السدى، إضافة إلى مشط النول الذي يضمن توزيعاً متساوياً للخيوط ويحافظ على نعومة النسيج وانتظام كثافته.

وتُصنع معظم أجزاء النول التقليدي من الخشب المحلي، نظراً لتوفره ومتانته وسهولة تشكيله، وإن كانت بعض الأدوات المساعدة كالمقص والإبر تُصنع من المعدن. ويستلزم تشغيل النول مهارة يدوية عالية ودقة متناهية في ترتيب الخيوط، إذ إن أي خطأ في حساب عدد خيوط السدى أو في ضبط شدها قد يؤدي إلى اعوجاج النسيج أو تفاوت كثافته، الأمر الذي يجعل من إتقان هذه الحرفة عملية تراكمية تحتاج إلى سنوات من الممارسة والتدرب على يد الحرفيين الأكبر سناً وخبرة.

مراحل صناعة الإزار واللحاف على النول اليدوي

تمر صناعة الإزار واللحاف، شأنها شأن سائر المنتجات النسيجية اليدوية، بسلسلة من المراحل المتعاقبة التي يتطلب كل منها مهارة ودقة خاصة، وفيما يلي عرض لأبرز هذه المراحل كما توارثها الحرفيون العمانيون جيلاً بعد جيل.

المرحلة الأولى: إعداد المقايسة

تُعد مرحلة «إعداد المقايسة» من أهم المراحل الأولية في صناعة النسيج، إذ يقوم الحرفي من خلالها بحساب كل ما سيدخل في عملية النسج، بدءاً من حساب عدد خيوط الأسدية – أي خيوط السدى – بحسب عرض النسيج المطلوب للإزار أو اللحاف، وصولاً إلى تحديد طريقة «اللقي» في «الدرء»، ومعرفة نوع «الدرء» المستخدم في القطعة، وحساب «التطريح» حسب عدة الأمشاط المستخدمة في النول. وتمثل هذه المرحلة بمثابة التخطيط الهندسي للمنتج النهائي، إذ من خلالها يتحدد حجم القطعة وكثافتها وكمية الخيوط اللازمة لإنجازها، وبالتالي تكلفتها وسعرها النهائي في السوق.

المرحلة الثانية: إعداد التصميم واختيار الخيوط

بعد إتمام مرحلة المقايسة، ينتقل الحرفي إلى تنفيذ التصميم الذي أُعد مسبقاً حسب نوع القطعة المراد نسجها واستخدامها، سواء كانت إزاراً للارتداء أو لحافاً للفراش أو غطاءً. وتُحدد في هذه المرحلة الخيوط المستخدمة من حيث «النمرة» – وهي مقياس سماكة الخيط – والألوان المختارة، والتي قد تكون موحدة أو متعددة بحسب التصميم المطلوب. ويتطلب اختيار الألوان ذوقاً جمالياً مكتسباً، إذ كانت بعض الألوان أكثر تفضيلاً من غيرها لدى المجتمع المحلي، كاللون الأحمر والبرتقالي والأزرق والأخضر، وهي ألوان شاع استخدامها في المنسوجات التقليدية العمانية والخليجية بشكل عام لما تحمله من دلالات جمالية وثقافية.

المرحلة الثالثة: التسدية

تُعرف هذه المرحلة بـ«عملية التسدية»، وتتم يدوياً باستخدام أداة تُعرف بـ«الدوارة» الخاصة بتسدية المنتجات النسيجية المختلفة كالسيحة والشواذر والأزرة. وفي هذه المرحلة، يتم تحويل الخيوط الملفوفة على البكرة إلى خيوط ممدودة وملفوفة على مطوة السداء، بالطول والتصميم المطلوبين للقطعة النهائية. وتُعد هذه المرحلة من أكثر مراحل الإنتاج استهلاكاً للوقت والجهد، إذ تتطلب ترتيب آلاف الخيوط بدقة متناهية وتوزيعها بانتظام على طول النول، تمهيداً لبدء عملية الحياكة الفعلية.

المرحلة الرابعة: الحياكة والترصيص

بعد تجهيز خيوط السدى على النول، تبدأ مرحلة الحياكة الفعلية، حيث يُمرر الحرفي خيوط اللحمة عبر خيوط السدى باستخدام المكوك، ويقوم بترصيصها أولاً بأول حتى يظهر المنتج كاملاً بالشكل المطلوب. وفي هذه المرحلة بالتحديد، يُضاف «الرقم» – أي النقوش والزخارف – وفق تصميم مدروس مسبقاً، فتتشكل على طول القطعة مساحات خطية ملونة جميلة تمنحها طابعها الجمالي المميز. وتختلف مدة إنجاز هذه المرحلة باختلاف حجم القطعة ودقة زخرفتها؛ فقد يستغرق نسج إزار بسيط أياماً معدودة، بينما قد تمتد صناعة لحاف كبير الحجم ومزخرف بدقة إلى أسابيع من العمل المتواصل.

المرحلة الخامسة: التشطيب والتجهيز النهائي

بعد اكتمال عملية النسج، تأتي مرحلة التشطيب التي تشمل قطع القماش عن النول، وتسوية أطرافه، وأحياناً إضافة حواف مزخرفة أو أهداب تزيينية حسب نوع المنتج وطبيعة استخدامه. وفي حالة اللحاف خصوصاً، قد تُضاف طبقة من القطن النديف بين طبقتين من القماش المنسوج لتحقيق الدفء المطلوب، وتُخاط الأطراف بإحكام لضمان متانة القطعة وطول عمرها الاستخدامي. وبهذا تكتمل دورة الإنتاج، من الخيط الخام إلى المنتج النهائي الجاهز للاستخدام أو البيع في الأسواق المحلية.

الخامات: من الصوف والقطن إلى الألوان الطبيعية

اعتمدت صناعة النسيج التقليدي في عمان عموماً، وفي مناطق الشرقية خصوصاً، على خامتين رئيسيتين هما الصوف والقطن، إلى جانب استخدامات أقل شيوعاً لوبر الإبل وشعر الماعز في منتجات أخرى غير الإزار واللحاف. وكانت كل خامة من هذه الخامات تُستخدم بحسب توفرها المحلي والغرض من المنتج؛ فالصوف، المستخرج من أغنام البادية والجبال، كان يُستخدم في المنسوجات السميكة التي تحتاج إلى متانة ودفء، بينما كان القطن، الذي اشتهر استخدامه عند سكان الحضر وكان يُجلب أحياناً من الهند عبر طرق التجارة البحرية، يُستخدم في المنسوجات الأخف وزناً والأكثر ملاءمة لمناخ المنطقة الحار.

وقبل البدء بعملية النسج، كانت الخيوط الصوفية تخضع لمرحلة تلوين تُعرف محلياً باسم «الوشيع»، حيث يُلوّن الصوف الأبيض باستخدام أصباغ مستخلصة من الأعشاب الطبيعية للحصول على الألوان المطلوبة. وقد كانت هذه الأصباغ الطبيعية تتميز بثباتها رغم بساطة طريقة استخلاصها، خلافاً للأصباغ الكيماوية التي دخلت لاحقاً عبر طرق التجارة، والتي وإن كانت أسهل وأسرع استعمالاً، إلا أنها كانت في كثير من الأحيان أقل ثباتاً من نظيراتها الطبيعية. وتُظهر هذه التفاصيل الدقيقة في عملية الصباغة مدى عمق المعرفة التقنية التي امتلكها الحرفيون التقليديون، رغم بساطة الأدوات المتاحة لهم.

البعد الاجتماعي والاقتصادي للحرفة

لم تكن صناعة النسيج اليدوي في جعلان بني بوحسن وسائر المناطق العمانية تُمارَس بدافع الربح التجاري المحض في غالب الأحيان، بل كانت في الأصل تلبية لاحتياجات الأسرة من الكساء والفراش، قبل أن تتطور تدريجياً لتصبح مصدر دخل إضافي لبعض الأسر، خصوصاً مع تنامي الطلب على بعض المنتجات النسيجية في الأسواق المحلية والإقليمية. وكان النسيج، شأنه شأن حرف يدوية أخرى كالسدو عند نساء البادية، يحمل طابعاً وظيفياً بالدرجة الأولى، إذ كانت النساء يمارسن هذه الحرفة لسد احتياجات أسرهن من الملابس والمفروشات، معتمدات على ما تجود به البيئة المحلية من أصواف الأغنام ووبر الإبل وشعر الماعز.

وقد شكلت هذه الحرفة أيضاً فضاءً اجتماعياً مهماً لنقل المعرفة بين الأجيال، إذ كانت الأمهات والجدات يُعلّمن بناتهن أصول الغزل والنسج منذ الصغر، وكان إتقان هذه المهارات يُعد جزءاً من تنشئة الفتاة وإعدادها لإدارة شؤون بيتها المستقبلي. وبهذا، تجاوزت صناعة النسيج وظيفتها الإنتاجية المباشرة لتصبح جزءاً من منظومة التنشئة الاجتماعية والثقافية، تماماً كما هو الحال في حرف تراثية أخرى كالتطريز والفخار.

ومن الناحية الاقتصادية، أسهمت منتجات النسيج اليدوي، ومنها الإزار واللحاف، في تحريك عجلة التبادل التجاري المحلي، إذ كانت تُباع في الأسواق الأسبوعية التي اشتهرت بها ولايات المنطقة الشرقية، وتُستبدل أحياناً بسلع أخرى في إطار اقتصاد المقايضة الذي ساد المجتمعات الريفية قبل انتشار النقد الورقي بشكل واسع. كما ساهمت هذه الصناعة في توفير فرص عمل موسمية أو دائمة لبعض الأسر، خصوصاً في المواسم التي يقل فيها العمل الزراعي أو الرعوي.

الزخرفة والألوان: لغة بصرية تحمل دلالات الهوية

لا يمكن الحديث عن صناعة الإزار واللحاف في جعلان بني بوحسن دون التوقف عند البعد الجمالي الذي يميز هذه المنسوجات، والمتمثل في ما يُعرف محلياً بـ«الرقم»، أي مجموعة النقوش والزخارف والخطوط الملونة التي تُحاك على أطراف القطعة أو على امتدادها. وتحمل هذه الزخارف في الغالب أشكالاً هندسية متكررة، كالمعينات والمثلثات والخطوط المتوازية والمتعرجة، وهي أشكال بسيطة في تكوينها لكنها غنية في تنوع تركيبها وتوزيعها، بحيث يستطيع الحرفي الماهر أن يبتكر من المفردات الزخرفية ذاتها تشكيلات متعددة لا تتكرر بالضرورة من قطعة إلى أخرى.

وترتبط هذه النقوش، بحسب ما تذكره الدراسات المتخصصة في التراث النسيجي بمناطق شبه الجزيرة العربية، بدلالات رمزية متوارثة، وإن كانت هذه الدلالات قد تتفاوت تفسيراتها من منطقة إلى أخرى ومن جيل إلى آخر، فبعضها يرتبط بعناصر من البيئة المحيطة كالنخيل أو النجوم أو مظاهر طبيعية أخرى مُختزَلة في خطوط هندسية مجردة، وبعضها الآخر يحمل طابعاً تجريدياً بحتاً غايته الأساسية إضفاء الجمال والتميز على القطعة المنسوجة. وأياً كانت التفسيرات، فإن الثابت أن هذه الزخارف لم تكن اعتباطية، بل خضعت لقواعد متوارثة في التوزيع والتناظر، يتعلمها الحرفي الناشئ من خلال المراقبة والممارسة الطويلة قبل أن يتمكن من ابتكار تصاميمه الخاصة.

أما من حيث الألوان، فقد كانت بعض الألوان أكثر شيوعاً واستخداماً من غيرها في منسوجات المنطقة الشرقية عموماً، وعلى رأسها الأحمر بدرجاته المختلفة، والذي ارتبط في الثقافة الشعبية العربية عموماً بدلالات الحيوية والاحتفال، إلى جانب البرتقالي والأزرق والأخضر، وهي ألوان كانت تُستخرج تقليدياً من أصباغ نباتية محلية قبل أن تحل محلها تدريجياً الأصباغ الكيماوية المستوردة. وكان اختيار تركيبة الألوان في القطعة الواحدة يعكس ذوق الحرفي ومهارته، إذ إن التوازن بين الألوان الزاهية وألوان الخلفية الأكثر هدوءاً كان يحدد إلى درجة كبيرة جاذبية المنتج النهائي وقيمته في السوق.

الأدوات المساعدة في عملية النسج

إلى جانب النول نفسه بمكوناته الأساسية، اعتمد الحرفيون العمانيون على مجموعة من الأدوات المساعدة التي سهّلت عليهم مختلف مراحل الإنتاج. فمن أبرز هذه الأدوات «المغزل»، وهو أداة بسيطة تُستخدم لغزل الألياف الخام – سواء كانت قطناً أو صوفاً – وتحويلها إلى خيوط قابلة للنسج، وذلك قبل أن تدخل هذه الخيوط مرحلة التسدية على النول. وكان إتقان الغزل يُعد من المهارات الأساسية التي تتعلمها الفتاة منذ نعومة أظفارها، إذ إن جودة الخيط المغزول تنعكس مباشرة على جودة القماش المنسوج لاحقاً، فالخيط المتجانس السماكة ينتج نسيجاً متيناً ومنتظماً، بينما يؤدي الخيط المتفاوت إلى عيوب ظاهرة في القطعة النهائية.

ومن الأدوات الأخرى التي رافقت عملية النسج، «الدوارة» المستخدمة في مرحلة التسدية، والمشط الذي يضبط كثافة الخيوط وتوزيعها، إضافة إلى عصي خشبية صغيرة تُستخدم لتثبيت الخيوط في موضعها وضبط درجة شدها أثناء الحياكة، بما يحافظ على توازن النسيج ويسهّل على الحرفي إنجاز عمله بسلاسة. وكانت هذه الأدوات جميعها تُصنع محلياً، غالباً من الأخشاب المتوفرة في البيئة المحيطة، وهو ما يعكس مبدأ الاكتفاء الذاتي الذي قام عليه نمط الإنتاج الحرفي التقليدي، حيث لم تكن هناك حاجة لاستيراد أدوات أو معدات من خارج المجتمع المحلي لممارسة هذه الحرفة.

النسيج في جعلان بني بوحسن ضمن سياق إقليمي أوسع

لا تنفرد جعلان بني بوحسن بصناعة النسيج اليدوي، بل تشترك مع سائر ولايات محافظة جنوب الشرقية، وعلى رأسها جعلان بني بوعلي المجاورة، وكذلك مناطق أخرى في الداخلية وسمائل، في هذا الموروث الحرفي الذي يشكل جزءاً من الهوية الثقافية العمانية الجامعة. وقد أسهمت طبيعة المنطقة الشرقية المتنوعة بين السهول والجبال والسواحل في إثراء هذه الصناعة، إذ وفرت البيئة الجبلية والصحراوية أصواف الأغنام ووبر الإبل، بينما أتاح القرب من السواحل وطرق التجارة البحرية وصول القطن المستورد من الهند، فاجتمعت بذلك خامات محلية وأخرى مستوردة لتثري تنوع المنتجات النسيجية وتمنح كل منطقة طابعها الخاص.

وتُظهر المقارنة بين النسيج في جعلان بني بوحسن وبين حرف النسيج التقليدي في مناطق عربية أخرى، كحرفة «السدو» المعروفة لدى نساء البادية في شبه الجزيرة العربية، وجود قواسم مشتركة واضحة في الأدوات والتقنيات الأساسية، مثل اعتماد النول الأرضي الأفقي في كلتا الحالتين، وتلوين الصوف بأصباغ طبيعية مستخلصة من الأعشاب فيما يُعرف بـ«الوشيع»، إلى جانب الطابع الوظيفي الذي غلب على الحرفة في أصلها، حيث كانت تُمارَس أساساً لسد احتياجات الأسرة من الملابس والمفروشات والخيام، قبل أن تتحول جزئياً إلى نشاط ذي بعد تجاري مع تطور أنماط الحياة الاقتصادية. وهذا التشابه يعكس عمق الجذور المشتركة لهذه الصناعة في الثقافة العربية عموماً، رغم تباين التفاصيل الزخرفية والتقنية من منطقة إلى أخرى.

التحديات المعاصرة وجهود الحفاظ على الحرفة

شأنها شأن كثير من الحرف اليدوية التقليدية، واجهت صناعة النسيج في جعلان بني بوحسن وسائر المناطق العمانية تحديات جسيمة مع دخول المنسوجات الجاهزة والمستوردة إلى الأسواق المحلية، وانتشار الأنوال الآلية التي تنتج كميات أكبر بوقت أقل وتكلفة أدنى. فقد أدى هذا التحول الاقتصادي والصناعي إلى تراجع الإقبال على المنتجات اليدوية التقليدية لدى شريحة واسعة من المستهلكين، الذين باتوا يفضلون المنتجات الجاهزة لسهولة توفرها وانخفاض أسعارها النسبي مقارنة بالمنتج اليدوي الذي يستغرق إنتاجه وقتاً وجهداً أكبر بكثير.

ورغم هذه التحديات، لم تندثر هذه الحرفة كلياً، بل ظلت حاضرة في بعض الأسر والمراكز الحرفية التي حرصت على نقلها للأجيال الجديدة، إيماناً منها بقيمتها التراثية والثقافية التي لا تُقاس بمعايير الجدوى الاقتصادية وحدها. وقد بذلت الجهات الرسمية والمؤسسات المعنية بالتراث في سلطنة عمان جهوداً ملموسة لإحياء هذه الصناعة وصونها من الاندثار، عبر إنشاء مراكز متخصصة لتدريب وإنتاج النسيج والتطريز في عدد من الولايات، تهدف إلى إيجاد جيل حرفي شاب يمتلك المعرفة والمهارة العملية اللازمة لاستمرار هذه الحرفة.

«يتم خلال التدريب إيجاد جيل حرفي شاب يمتلك المعرفة والمهارة العملية، من خلال إدخال تقنيات حديثة في عملية الصناعات النسيجية مثل الأنوال اليدوية التي تحاكي عمل الكارجة التقليدية، مع تطوير تصميم المنتجات من حيث الجانب الجمالي والوظيفي، والمحافظة في الوقت ذاته على الهوية العمانية الأصيلة.» – ناصر بن سيف بن سعيد الحاتمي، مدير مركز تدريب وإنتاج النسيج والتطريز بسمائل

وتتجه هذه الجهود إلى المزج بين الأصالة والمعاصرة، من خلال تطوير تصاميم المنتجات النسيجية بما يتلاءم مع الاستخدامات العصرية، سواء في الأزياء الرجالية أو النسائية، مع الحفاظ على الطابع التراثي الذي يميز هذه الصناعة. وتُعد منتجات كالشيلة والأحزمة القطنية المزخرفة بالزري نماذج على هذا التوجه، إذ أصبحت تُستخدم اليوم لإضفاء لمسة جمالية تراثية على الأزياء المعاصرة، كالعباءات والملابس النسائية الحديثة، في محاولة لربط الماضي بالحاضر وضمان استمرارية هذا الموروث الثقافي الغني.

خاتمة: نسيج الذاكرة وذاكرة النسيج

تمثل صناعة النسيج اليدوي في جعلان بني بوحسن، وما يندرج تحتها من منتجات كالإزار واللحاف، شاهداً حياً على عبقرية الإنسان العماني في التكيف مع بيئته، واستثمار مواردها المحدودة لإنتاج ما يحتاجه من كساء وفراش بأسلوب يجمع بين الوظيفية والجمال. فالنول اليدوي، بأجزائه البسيطة من خشب وخيوط، تحول على مر القرون إلى أداة لصياغة هوية ثقافية متكاملة، تتجلى في كل خيط مرصوص وكل نقشة ملونة تزين أطراف الإزار أو اللحاف.

وإذا كانت هذه الحرفة تواجه اليوم تحديات حقيقية أمام زحف الصناعة الآلية والمنتجات المستوردة، فإن استمرار بعض الأسر والمراكز التدريبية في ممارستها ونقلها للأجيال الجديدة يبعث الأمل في أن تظل هذه الصناعة جزءاً حياً من الذاكرة الثقافية العمانية، لا مجرد ذكرى تُروى أو قطعة تُعرض في متحف. فالحفاظ على صناعة الإزار واللحاف على الأنوال اليدوية ليس فقط حفاظاً على حرفة، بل هو حفاظ على جزء أصيل من الهوية الوطنية العمانية التي تستمد قوتها من عمق جذورها وتنوع موروثها الحضاري.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية