صناعة الفخار في بهلاء: الطين المحلي وتقنيات الحرق في الأفران التقليدية
تنفرد ولاية بهلاء العُمانية بمكانة استثنائية في تاريخ الحرف اليدوية التقليدية بالمنطقة، فهي إحدى أقدم وأشهر مراكز صناعة الفخار في سلطنة عُمان، بل في شبه الجزيرة العربية بأكملها. تمتد جذور هذه الصناعة في بهلاء إلى آلاف السنين، حيث تشير الدلائل الأثرية والتاريخية إلى أن سكان المنطقة عرفوا صناعة الفخار منذ العصور القديمة، واستمرت هذه المهنة متناقلة من جيل إلى جيل حتى يومنا هذا، محافظة على أصالتها وتقنياتها التقليدية التي لم تتغير كثيرًا عبر القرون.
تكمن أهمية بهلاء في هذه الصناعة في عدة عوامل متكاملة: طبيعة التربة والطين المحلي ذو الخصائص الفريدة، والمعرفة المتراكمة عبر الأجيال في تقنيات التشكيل والحرق، ووجود الأفران التقليدية التي ما زالت تُستخدم حتى الآن بطرق تشبه إلى حد كبير ما كانت عليه في الماضي. هذا المزيج من العناصر الطبيعية والمعرفية جعل من فخار بهلاء منتجًا له طابعه الخاص الذي يميزه عن غيره من المنتجات الفخارية في المناطق الأخرى.
في هذا المقال، سنتعمق في دراسة صناعة الفخار في بهلاء من جوانب متعددة: بدءًا من الطين المحلي ومصادره وخصائصه، ومرورًا بمراحل تحضير الطين وتشكيله، وانتهاءً بتقنيات الحرق التقليدية في الأفران الأثرية التي تشكل جوهر هذه الصناعة وسرها الكامن وراء جودة منتجاتها.
الموقع الجغرافي وتاريخ بهلاء
تقع ولاية بهلاء في محافظة الداخلية بسلطنة عُمان، وتعتبر واحدة من أقدم المدن العُمانية المسكونة، حيث يعود تاريخها إلى آلاف السنين. اشتهرت بهلاء تاريخيًا بحصنها الشهير المُصنّف كموقع تراث عالمي من قبل اليونسكو، إضافة إلى سورها الطويل الذي كان يحيط بالمدينة القديمة وواحاتها الزراعية الغنية.
لم تكن صناعة الفخار في بهلاء أمرًا منفصلًا عن البيئة المحيطة، بل كانت جزءًا لا يتجزأ من النظام الاقتصادي والاجتماعي للمدينة. فقد ارتبطت هذه الصناعة بحياة السكان اليومية، حيث كانت المنتجات الفخارية تُستخدم في تخزين المياه والحبوب والزيوت، وفي الطبخ، وفي العديد من الاستخدامات المنزلية الأخرى التي كانت ضرورية للحياة في تلك العصور التي سبقت انتشار البلاستيك والمعادن الحديثة.
وقد ساهم الموقع الجغرافي لبهلاء، الواقعة عند سفوح الجبال وعلى حافة الصحراء، في توفير المواد الخام اللازمة لهذه الصناعة، خاصة الطين المناسب والمياه العذبة من الأفلاج التي تُعد من أقدم وأبرع نظم الري التقليدية في عُمان.
الطين المحلي في بهلاء: المصدر والخصائص
مصادر الطين
يُعد الطين المحلي العنصر الأساسي الذي تقوم عليه صناعة الفخار في بهلاء، ويستخرج الحرفيون هذا الطين من مناطق محددة معروفة لدى أهل الحرفة منذ القدم، وتقع هذه المناطق غالبًا في الوديان والمناطق المنخفضة القريبة من المدينة، حيث تتجمع الرواسب الطينية الناتجة عن عمليات التعرية الطبيعية وانجراف المياه من الجبال المحيطة عبر آلاف السنين.
يتميز هذا الطين بأنه طين طبيعي خالٍ من الإضافات الصناعية، وقد توصل الحرفيون عبر تجاربهم المتراكمة إلى معرفة دقيقة بأماكن وجود أفضل أنواع الطين الصالح للتشكيل والحرق، وهي معرفة تُعتبر من الأسرار المهنية التي تُنتقل ضمن العائلات والورش الحرفية.
الخصائص الفيزيائية والكيميائية للطين
يتميز الطين المستخدم في صناعة الفخار ببهلاء بعدة خصائص تجعله مناسبًا لهذه الصناعة:
القابلية للتشكيل (اللدونة): يتمتع الطين المحلي بدرجة لدونة عالية تسمح للحرفي بتشكيله بسهولة عند إضافة الماء إليه، مما يمكّن الصانع من تشكيل أشكال متنوعة من الأوعية والأدوات الفخارية دون أن ينكسر أو يتشقق أثناء عملية التشكيل.
نسبة الشوائب والمعادن: يحتوي الطين على نسب متفاوتة من أكاسيد الحديد والمعادن الأخرى التي تؤثر على لون الفخار النهائي بعد الحرق، فغالبًا ما يأخذ الفخار العُماني التقليدي ألوانًا تتراوح بين الأحمر الطوبي والبرتقالي والبني، وهذا يعود مباشرة إلى التكوين المعدني للطين المستخدم.
درجة النفاذية: من الخصائص المهمة للطين المحلي أنه عند حرقه بالطريقة الصحيحة، يحتفظ بقدر من النفاذية الطبيعية التي تسمح بتبخر بسيط من خلال جدران الوعاء، وهذه الخاصية كانت مفيدة جدًا في تبريد المياه المخزنة في الأجواء الحارة، حيث يعمل التبخر الطفيف على خفض درجة حرارة الماء الموجود داخل الوعاء، وهي ميزة طبيعية استفاد منها سكان عُمان قبل انتشار أجهزة التبريد الكهربائية.
التجانس النسبي: يتميز الطين المستخرج من مناطق بهلاء المحددة بدرجة تجانس مقبولة، لكن هذا لا يعني خلوه التام من الشوائب، حيث تتطلب عملية تحضير الطين خطوات تنقية متعددة سنتناولها في الفقرات القادمة.
مراحل تحضير الطين
تحضير الطين هو المرحلة التمهيدية الحاسمة التي تحدد جودة المنتج النهائي، وتتضمن هذه المرحلة عدة خطوات متتابعة تقوم بها النساء والحرفيون في بهلاء بدقة وصبر شديدين، إذ تُعد صناعة الفخار في بهلاء تقليديًا من الحرف التي تشارك فيها النساء بشكل كبير، بل إنها تُعد من أبرز الحرف النسائية في المنطقة.
الخطوة الأولى: استخراج الطين
يبدأ الحرفيون باستخراج الطين الخام من مواقعه المعروفة، وغالبًا ما يتم ذلك في فترات معينة من السنة تكون التربة فيها أكثر ملاءمة، وذلك بعد سقوط الأمطار التي تجعل الطين أكثر سهولة في الاستخراج، أو في فترات محددة يعرفها الحرفيون من خبرتهم الطويلة.
الخطوة الثانية: التنقية والتصفية
بعد استخراج الطين الخام، يتم نقعه في الماء لفترة من الزمن حتى يلين تمامًا وتذوب فيه الكتل الصلبة. وفي هذه المرحلة، يقوم الحرفيون بتصفية الطين المنقوع لإزالة الشوائب الكبيرة كالحجارة الصغيرة وبقايا النباتات والجذور وأي مواد غريبة أخرى قد تكون موجودة في التربة الأصلية. تتم عملية التصفية عادة باستخدام مصافٍ مصنوعة من القماش الناعم أو الشباك ذات الفتحات الصغيرة، حيث يُمرر الطين المخلوط بالماء خلالها للحصول على عجينة طينية نقية وخالية من الشوائب الكبيرة.
الخطوة الثالثة: الترسيب والتجفيف الجزئي
بعد التصفية، يُترك الطين المُصفى في أحواض أو حفر مخصصة لفترة من الزمن حتى تترسب جزيئات الطين في القاع وينفصل الماء الزائد عنها. وبعد ذلك، يتم تجفيف الطين جزئيًا حتى يصل إلى القوام المناسب للعجن والتشكيل، وهو قوام لا يكون جافًا تمامًا ولا رطبًا بشكل مفرط، بل يكون في حالة وسطى تسمح بتشكيله دون أن يتشقق.
الخطوة الرابعة: العجن
تُعد مرحلة العجن من أهم المراحل التي تحدد جودة الطين النهائي، حيث يتم عجن الطين بالأيدي بشكل مكثف ومتكرر لإخراج فقاعات الهواء المحتبسة بداخله وضمان تجانس قوامه بالكامل. وتُعد فقاعات الهواء من أكبر الأسباب التي تؤدي إلى انفجار أو تشقق الأوعية الفخارية أثناء عملية الحرق، لذا فإن مرحلة العجن تتطلب صبرًا ودقة عالية من الحرفي لضمان عدم وجود أي فراغات هوائية داخل العجينة الطينية.
ويستخدم الحرفيون في بهلاء طرقًا تقليدية متوارثة في العجن، تعتمد بشكل أساسي على القوة العضلية والخبرة اليدوية المتراكمة، دون الحاجة إلى أي أدوات أو آلات حديثة، وهذا ما يجعل كل قطعة فخارية تحمل بصمة يدوية فريدة لا يمكن تكرارها بدقة متطابقة.
الخطوة الخامسة: التخزين قبل الاستخدام
بعد إتمام عملية العجن، يُحفظ الطين في أماكن رطبة ومظللة، وغالبًا ما يُغطى بقطع من القماش المبلل للحفاظ على رطوبته ومنع جفافه قبل استخدامه في عملية التشكيل، وذلك لأن الطين الجاف يفقد قابليته للتشكيل ويحتاج إلى إعادة نقعه وعجنه من جديد.
تقنيات التشكيل التقليدية
بعد تحضير الطين، تأتي مرحلة التشكيل التي تُظهر فيها مهارة الحرفي وإبداعه. يعتمد فخار بهلاء بشكل أساسي على تقنية التشكيل اليدوي دون استخدام عجلة الفخار الكهربائية الحديثة في كثير من الورش التقليدية، وإن كانت بعض الورش الحديثة قد أدخلت عجلات الفخار التقليدية البسيطة التي تُحرّك باليد أو بالقدم.
تقنية اللفائف (Coiling)
من أبرز التقنيات المستخدمة في تشكيل الفخار التقليدي في بهلاء هي تقنية اللفائف، حيث يقوم الحرفي بصنع لفائف طويلة من الطين على شكل حبال رفيعة، ثم يقوم بتكديس هذه اللفائف فوق بعضها بشكل دائري متصاعد لتشكيل جسم الوعاء تدريجيًا، مع تنعيم الأسطح الداخلية والخارجية باستخدام أدوات بسيطة كقطع من الخشب أو الحجارة الصغيرة الملساء أو حتى الأصابع نفسها.
تتطلب هذه التقنية مهارة عالية وصبرًا كبيرًا، حيث يجب أن يتمتع الحرفي بحس فني دقيق لضمان تماثل الشكل وتناسق الجدران من جميع الجهات، وهي مهارة تُكتسب عبر سنوات طويلة من التدريب والممارسة.
تقنية التشكيل اليدوي المباشر
تُستخدم هذه التقنية بشكل خاص في صناعة القطع الصغيرة أو البسيطة، حيث يتم تشكيل الطين مباشرة بالأيدي دون الحاجة إلى لفائف أو عجلة، ويعتمد الحرفي على خبرته في الضغط والتشكيل لإعطاء القطعة الشكل المطلوب.
استخدام القوالب
في بعض الحالات، خاصة عند صناعة كميات كبيرة من قطع متماثلة، يستخدم الحرفيون قوالب بسيطة مصنوعة محليًا للمساعدة في الحصول على أشكال متناسقة، وإن كانت هذه الطريقة أقل شيوعًا في الفخار التقليدي الذي يُفضّل فيه الطابع اليدوي الفردي لكل قطعة.
مرحلة التنعيم والتزيين
بعد الانتهاء من تشكيل القطعة الأساسية، تأتي مرحلة التنعيم التي يتم فيها تمليس السطح الخارجي للوعاء لإزالة أي خشونة أو تفاوتات ناتجة عن عملية التشكيل، وتستخدم في ذلك أدوات بسيطة كقطع من الخشب أو الحجر الأملس أو حتى قطع من الجلد المبلل.
أما التزيين، فيُعد جانبًا مهمًا من الفخار العُماني التقليدي، حيث تُضاف زخارف هندسية بسيطة باستخدام أدوات حادة لرسم خطوط أو نقاط أو أشكال هندسية متكررة على سطح الوعاء قبل أن يجف تمامًا، وتعكس هذه الزخارف الطابع الثقافي والجمالي المحلي الذي تطور عبر الأجيال.
مرحلة التجفيف قبل الحرق
بعد الانتهاء من تشكيل وتزيين القطعة الفخارية، تأتي مرحلة بالغة الأهمية وهي التجفيف، والتي يجب أن تتم بطريقة بطيئة ومتدرجة لضمان عدم تشقق القطعة. توضع القطع المشكَّلة في مكان مظلل بعيد عن أشعة الشمس المباشرة وعن أي تيارات هواء قوية يمكن أن تسبب تجفيفًا غير متساوٍ يؤدي إلى تشققات في الجسم الفخاري.
تستغرق هذه المرحلة عدة أيام، وتختلف المدة بحسب حجم القطعة وثخانة جدرانها ودرجة الرطوبة والحرارة في الجو المحيط. ويتأكد الحرفي من جفاف القطعة بشكل كافٍ قبل نقلها إلى المرحلة التالية وهي الحرق، حيث أن أي رطوبة متبقية داخل جسم الفخار يمكن أن تتحول إلى بخار أثناء الحرق وتؤدي إلى انفجار القطعة داخل الفرن.
الأفران الأثرية وتقنيات الحرق التقليدية
تُعد مرحلة الحرق هي المرحلة الأكثر دقة وخطورة في عملية صناعة الفخار، وهي التي تحوّل الطين الطري الهش إلى مادة صلبة متينة قابلة للاستخدام. وتشتهر بهلاء بأفرانها التقليدية التي ما زال بعضها قائمًا منذ زمن بعيد، وتحمل طابعًا تاريخيًا وأثريًا يجعلها محط اهتمام الباحثين والمهتمين بالتراث.
وصف الأفران التقليدية
تُبنى الأفران التقليدية المستخدمة في حرق الفخار في بهلاء من مواد محلية بسيطة، وعادة ما تكون مبنية من الطوب أو الحجارة المحلية المخلوطة بالطين، وتتميز بتصميم بسيط لكنه فعّال يسمح بتوزيع الحرارة بشكل يضمن نضج القطع الفخارية بشكل متساوٍ.
تأخذ هذه الأفران غالبًا شكلًا أقرب إلى القبة أو الشكل المخروطي المفتوح من الأعلى، مع فتحة في الأسفل أو من الجانب تُستخدم لإضافة الوقود وتغذية النار، وفتحات تهوية صغيرة متفرقة تساعد على التحكم في تدفق الهواء وانتشار النار واللهب داخل الفرن.
ويُعتبر بعض هذه الأفران في بهلاء أفرانًا أثرية بالمعنى الحقيقي للكلمة، إذ يعود تاريخ إنشاء بعضها إلى عقود أو حتى قرون مضت، وقد استمر استخدامها وصيانتها وترميمها جيلًا بعد جيل، مما يجعلها شاهدًا حيًّا على استمرارية هذه الحرفة عبر الزمن.
الوقود المستخدم في الحرق
يعتمد الحرفيون في بهلاء على المواد المتوفرة محليًا كوقود لعملية الحرق، وتُستخدم في الغالب:
الحطب المحلي: من أشجار السدر والسمر والأشجار الصحراوية الأخرى المتوفرة في البيئة المحلية، وتُفضل أنواع معينة من الحطب لقدرتها على توليد حرارة عالية ومستدامة لفترة طويلة من الزمن.
سعف النخيل وجريده: نظرًا لوفرة أشجار النخيل في واحات بهلاء، تُستخدم مخلفات النخيل كسعفه وجريده كوقود مساعد، خاصة في المراحل الأولى من إشعال النار حيث تشتعل هذه المواد بسرعة وتساعد في رفع درجة الحرارة تمهيدًا لإضافة الحطب الأثخن.
روث الحيوانات المجفف: في بعض الأحيان، وخاصة في المناطق الصحراوية التي تشترك فيها هذه الممارسة مع ثقافات أخرى في الجزيرة العربية، يُستخدم روث الحيوانات المجفف كوقود إضافي يساعد في الحفاظ على استمرارية النار لفترات طويلة.
طريقة ترتيب القطع في الفرن
تتطلب عملية ترتيب القطع الفخارية داخل الفرن قبل الحرق خبرة ودقة كبيرتين، حيث يجب أن يأخذ الحرفي بعين الاعتبار حجم كل قطعة وثخانة جدرانها وموقعها بالنسبة لمصدر الحرارة، لضمان نضج جميع القطع بشكل متساوٍ دون أن تتعرض بعضها لحرارة مفرطة بينما لا تصل الحرارة الكافية إلى قطع أخرى.
تُرتب القطع الأصغر والأكثر حساسية للحرارة العالية بعيدًا عن مصدر النار المباشر، بينما توضع القطع الأكبر والأثخن في مواقع أقرب إلى مصدر الحرارة الأساسي. وفي بعض الأحيان، يضع الحرفيون طبقات من الرماد أو الطين الخام بين القطع المختلفة كعزل حراري إضافي يساعد في توزيع الحرارة بشكل أكثر تجانسًا.
مراحل عملية الحرق
تمر عملية الحرق التقليدية في الأفران الأثرية ببهلاء بعدة مراحل متتابعة:
مرحلة التسخين التمهيدي: تبدأ هذه المرحلة بإشعال نار خفيفة وتدريجية لرفع درجة حرارة الفرن والقطع الفخارية بداخله بشكل بطيء، وهي مرحلة ضرورية جدًا لطرد أي رطوبة متبقية في الطين تدريجيًا دون أن تتسبب في تشقق القطع أو انفجارها بسبب التمدد الحراري المفاجئ.
مرحلة رفع الحرارة: بعد التسخين التمهيدي، يبدأ الحرفي في زيادة كمية الوقود وتكثيف النار تدريجيًا لرفع درجة الحرارة إلى المستوى المطلوب لنضج الفخار، وتختلف درجات الحرارة المطلوبة باختلاف نوع الطين وحجم القطع، إلا أن الأفران التقليدية المفتوحة في بهلاء عادة ما تصل إلى درجات حرارة تتراوح بين 700 إلى 950 درجة سلسيوس تقريبًا، وهي درجات أقل نسبيًا مقارنة بأفران الفخار الصناعية الحديثة التي يمكن أن تصل إلى درجات أعلى بكثير.
مرحلة الثبات الحراري: بعد الوصول إلى الحرارة القصوى المطلوبة، يحافظ الحرفيون على هذا المستوى من الحرارة لفترة من الزمن تختلف بحسب حجم وكمية القطع الموجودة في الفرن، وذلك للسماح للحرارة بالتغلغل بشكل متساوٍ في جميع أجزاء كل قطعة فخارية، وضمان حدوث التحولات الكيميائية والفيزيائية اللازمة في بنية الطين التي تحوله من مادة هشة إلى مادة صلبة متماسكة.
مرحلة التبريد التدريجي: بعد انتهاء فترة الحرق، تأتي مرحلة بالغة الحساسية وهي التبريد، والتي يجب أن تتم بشكل بطيء وتدريجي تمامًا كما كان التسخين. فالتبريد السريع المفاجئ يمكن أن يتسبب في تشقق أو حتى تكسر القطع الفخارية الناضجة حديثًا بسبب الانكماش الحراري المفاجئ وغير المتساوي. لذا، يترك الحرفيون النار تخمد تدريجيًا، وتظل القطع داخل الفرن لساعات طويلة، وأحيانًا ليوم كامل أو أكثر، حتى تبرد تمامًا قبل إخراجها.
معرفة الحرفيين بالحرارة دون أدوات قياس حديثة
من أبرز جوانب الإبداع التقليدي في هذه الحرفة هو قدرة الحرفيين على تقدير درجة حرارة الفرن دون استخدام أي أدوات قياس حديثة كالثرمومترات الصناعية. يعتمد الحرفيون المتمرسون على مجموعة من المؤشرات البصرية والحسية المتراكمة عبر سنوات من الخبرة، مثل لون اللهب وألوان الجمر المتوهج داخل الفرن، وكذلك على ملاحظة سلوك الدخان المتصاعد من الفرن وكثافته ورائحته.
هذه المعرفة الحسية الدقيقة، التي قد تبدو للناظر من الخارج أمرًا بديهيًا أو بسيطًا، هي في حقيقتها نتاج تراكم معرفي طويل انتقل عبر الأجيال، وتمثل جوهر الحرفة التقليدية التي لا يمكن تعلمها من الكتب أو الشروحات النظرية فقط، بل تحتاج إلى المعايشة الفعلية والتدريب العملي تحت إشراف حرفيين متمرسين.
أهمية الأفران الأثرية في بهلاء
تحمل الأفران التقليدية في بهلاء قيمة تتجاوز كونها مجرد أدوات إنتاج، فهي تمثل في حد ذاتها قطعًا أثرية وتراثية تستحق الحفاظ عليها ودراستها. فهذه الأفران تعكس مستوى المعرفة التقنية التي توصل إليها السكان المحليون منذ قرون في فهم خصائص الحرارة والمواد، وفي تصميم بنية معمارية بسيطة لكنها فعالة لتحقيق الغرض المطلوب منها.
كما أن استمرارية استخدام هذه الأفران حتى اليوم، رغم التطورات التكنولوجية الكبيرة في عالم صناعة الفخار، تشير إلى تفضيل الحرفيين المحليين للطرق التقليدية التي يرون أنها تحافظ على الطابع الأصيل والجودة الخاصة بمنتجاتهم، والتي قد لا تتحقق بالطريقة نفسها باستخدام الأفران الحديثة الكهربائية أو الغازية.
دور المرأة في صناعة الفخار ببهلاء
تجدر الإشارة إلى أن صناعة الفخار في بهلاء، كما هو الحال في كثير من المناطق العُمانية الأخرى، تُعد حرفة نسائية بشكل أساسي، حيث تتولى النساء الجزء الأكبر من عمليات التحضير والتشكيل والتزيين، بينما يشارك الرجال في بعض الأحيان في عمليات استخراج الطين الخام أو جمع الوقود وإدارة عمليات الحرق في الأفران.
وتُعد هذه الحرفة مصدر دخل إضافي مهم للعديد من العائلات في بهلاء، كما أنها وسيلة للحفاظ على الهوية الثقافية والتراثية للمنطقة، حيث تنتقل المهارات والمعرفة من الأمهات إلى البنات عبر الملاحظة المباشرة والتدريب العملي منذ الصغر.
التحديات المعاصرة والجهود المبذولة للحفاظ على الحرفة
تواجه صناعة الفخار التقليدي في بهلاء، كما هو الحال في كثير من الحرف التقليدية حول العالم، عدة تحديات معاصرة تهدد استمراريتها. من أبرز هذه التحديات:
انتشار المنتجات البديلة: أدى انتشار الأدوات البلاستيكية والمعدنية والزجاجية الرخيصة الثمن والمستوردة إلى تراجع الطلب على المنتجات الفخارية التقليدية التي كانت تُستخدم سابقًا في الأغراض المنزلية اليومية.
هجرة الأيدي العاملة: يلاحظ تراجع عدد الحرفيين الشباب الراغبين في تعلم هذه الحرفة وممارستها، نتيجة توجه الأجيال الجديدة نحو فرص عمل أخرى تبدو أكثر استقرارًا من الناحية الاقتصادية.
التغيرات في أنماط الاستخدام: تحولت كثير من المنتجات الفخارية من كونها أدوات استخدام يومي ضروري إلى منتجات تراثية وتذكارية تُباع بشكل أساسي للسياح والمهتمين بالتراث، وهو تحول يغير من طبيعة الطلب على هذه المنتجات وأنماط إنتاجها.
في مواجهة هذه التحديات، تبذل الجهات الحكومية والمؤسسات المهتمة بالتراث في عُمان جهودًا للحفاظ على هذه الحرفة وتوثيقها، من خلال دعم الحرفيين، وتنظيم فعاليات ومهرجانات تراثية تسلط الضوء على هذه الصناعة، وتوثيق المعرفة التقليدية المرتبطة بها قبل أن تضيع مع تقدم الأجيال الحالية من الحرفيين في السن.
الخاتمة
تمثل صناعة الفخار في بهلاء نموذجًا حيًّا ومستمرًا لحرفة تقليدية عريقة استطاعت الحفاظ على جوهرها وتقنياتها الأساسية عبر آلاف السنين، رغم كل التغيرات التي شهدها العالم من حولها. فمن استخراج الطين المحلي بخصائصه الفريدة، إلى مراحل التحضير الدقيقة التي تتطلب صبرًا ومهارة، إلى تقنيات التشكيل اليدوي التي تعكس إبداع الحرفي وحسه الفني، وحتى مرحلة الحرق في الأفران الأثرية التي تتطلب معرفة عميقة بسلوك الحرارة والنار، تتكشف لنا صورة متكاملة لحرفة تحمل في داخلها معرفة تقنية وعلمية متراكمة عبر الأجيال.
إن الحفاظ على هذه الصناعة وتوثيقها ليس مجرد مسألة الحفاظ على حرفة اقتصادية، بل هو حفاظ على جزء أساسي من الهوية الثقافية والتراثية لمنطقة بهلاء وعُمان بشكل عام، وشاهد على عبقرية الإنسان العُماني القديم في التكيف مع بيئته المحلية واستثمار مواردها الطبيعية بطرق مبتكرة ومستدامة. ويبقى الأمل معقودًا على استمرار الجهود الرامية إلى دعم هذه الحرفة وتطويرها بما يحافظ على أصالتها مع تمكينها من الاستمرار والازدهار في عالم متغير باستمرار.