شخصيات

الخليل بن أحمد الفراهيدي

الخليل بن أحمد الفراهيدي

تزخر الذاكرة الحضارية للأمة العربية بشخصيات فذة شكلت منعطفات حاسمة في مسيرة الفكر واللغة. ولم يكن التاريخ العربي اللغوي والأدبي مجرد تدوين عابر، بل قام على أكتاف علماء عباقرة صاغوا القواعد وأسسوا العلوم من نقطة الصفر. وفي مقدمة هؤلاء الأعلام، يتلألأ اسم الإمام الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي، الأديب البارز الذي بيّض صفحات التاريخ الأدبي المشرّف، وصيّرها بيضاء ناصعة خالية من الشوائب التي تشوّه التاريخ وتدنّس صفحاته.

ظهر هذا الأديب البارز في مستهل القرن الثاني الهجري، ليرفع مستوى الأدب العربي إلى أوج الكمال الذي يليق بمكانته ومنزلته. هذا الأمر جعله يتولى زمام اللغة العربية والأدب العربي في عصره، وضُربت إليه أكباد الإبل من مختلف الأصقاع وشتى النواحي للاغتراف من فيضان بحره والنهل من معينه العذب الذي يروي كل ظامئ متلهف. إن عظمة الخليل لا تكمن فقط في كونه عالماً متبحراً، بل في كونه مؤسساً ملهماً لتلك العلوم وأباً عذرتها، وما الناس فيها إلا تبع له وعالة عليه، ناسجين على منهجه وسائرين على منواله.

أولاً: نسبه الطاهر وجذوره العُمانية

هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي، وينتسب إلى فراهيد بن مالك بن فهم الأزدي. وذكر المرزباني: أن أباه (أحمد) كان أول من سُمّي “أحمد” بعد الرسول ﷺ.

وتؤكد المصادر العُمانية بكل وضوح وعناية نسب ومكان مولد ونشأة الخليل؛ فقبيلته هي قبيلة “فراهيد” المشتقة من فراهيد بن مالك بن فهم الأزدي. ومالك بن فهم هو القائد العربي التاريخي المعروف الذي انتقل بالقبائل الأزدية من اليمن إلى عُمان عقب الانهيار التام لسد مأرب باليمن، وترك أولاداً عديدين أصبحوا فيما بعد آباء لقبائل عُمانية انتشرت في عُمان وخارجها. ومن بين هؤلاء الأبناء برز “فراهيد بن مالك” الذي صار أباً لقبيلة فراهيد العُمانية العربية.

وقد أنجبت هذه القبيلة العريقة العديد من العلماء والأدباء والقادة التاريخيين، ومنهم:

  • الإمام إمام اللغة الخليل بن أحمد الفراهيدي.
  • الربيع بن حبيب، صاحب المسند المشهور في الحديث الشريف (مسند الإمام الربيع).
  • ابن دريد، الأديب واللغوي العُماني الكبير صاحب كتاب “جمهرة اللغة”.
  • بلج بن عقبة، صاحب أبي حمزة الشاري.

وكانت مساكن هذه القبيلة في منطقة الباطنة من عُمان، وتحديداً في مدينة صحار وما حولها، ثم تفرعت منها قبائل لا يزال بعضها موجوداً في عُمان حتى اليوم، بالرغم من اختفاء النسبة المباشرة إلى “فراهيد”.

ثانياً: مولده ونشأته الجغرافية في عُمان

ولد الخليل بن أحمد سنة 100 هجرية أثناء خلافة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. وقد حددت المصادر الجغرافية والتاريخية مسقط رأسه بدقة؛ حيث ولد في بلدة «ودام» القريبة من ولاية المصنعة في منطقة الباطنة بسلطنة عُمان. وبها نشأ وتعلّم مبادئ العلوم الأولى قبل رحيله التاريخي.

وتقسم قرية «ودام» تاريخياً وجغرافياً إلى قسمين:

  1. ودام الساحل: وهي القسم الذي يقع بجوار البحر، ومطل مباشرة على خليج عُمان.
  2. ودام الغاف: وهي القسم الأعلى من البحر، ولعلّها سُميت بذلك نسبة إلى شجر الغاف الذي يكثر في البيئة العُمانية.

وتعتبر قرية «ودام» التابعة لولاية المصنعة بمحافظة الباطنة بمثابة “بحبوحة عُمان” نظراً لرخاء العيش بها بفضل جوارها المباشر للبحر ووفرة مزروعاتها الخضراء. وتتميز منطقة الباطنة جغرافياً بأنها سهل فسيح ممتد ينحصر بين الجبال والبحر، ويمتد طوله لمسافة ثلاثمائة كيلومتر، بينما يتراوح عرضه ما بين عشرين إلى خمسين كيلومتراً على ساحل خليج عُمان.

هذه الطبيعة الجغرافية الغنية هي التي عناها ذلك الحكيم العُماني الذي لقيه أبو عمرو بن العلاء بمكة المكرمة (فيما يرويه عنه تلميذه الأصمعي). فبعد أن وجّه إليه العديد من الأسئلة، قال له: صف لي بلادك، فقال العُماني عبارته البليغة والموجزة: «سيف أفيح، وفضاء صحصح، وجبل صلدح، ورمل أصبح». وقد تلخصت الجغرافيا الطبيعية لعُمان بهذه العبارة المختصرة ذات الكلمات القليلة والمعاني الكثيرة التي تبين مدى ارتباط العُمانيين بالفصاحة والبيان منذ القدم.

ثالثاً: الهجرة إلى البصرة وطلب العلم

بعد أن أمضى الخليل طفولته المبكرة وصباه في ربوع بلدة ودام بمحافظة الباطنة، سار على بركة الله مفارقاً وطنه الحبيب الذي هو مسقط رأسه، وتربّى على ترابه، ولعب على ثراه، ومرح تحت سمائه إلى طلب العلم الذي لا حياة للإنسانية بدونه. وانتقل الخليل إلى البصرة في العراق، حيث كانت البصرة في ذلك الزمان محط رحال رواد العلم، وملتقى الفحول من العلماء والأدباء والمفكرين من كل حدب وصوب.

ووصل الخليل إلى البصرة، وجدّ واجتهد على تحصيل العلم بالاعتماد على ما رزقه الله من فرط الذكاء وسعة العقل النافذة. وهنالك أكبّ على العلم ينهل منه ليروي ظمأه المعرفي، وسرعان ما تمكن من أدواته حتى أمسك بزمام التدريس والتأليف، وأصبح منارة يُهتدى بها في شتى الفنون.

رابعاً: حياته، ومكانته الأدبية، وزهده الشديد

شهادات العلماء والمزامنين

لقد حظي الخليل بن أحمد بمكانة علمية سامية لم يدانه فيها أحد من معاصريه. قال حمزة بن الحسن الأصبهاني في كتابه التنبيه على حدوث التصحيف:

«وبعد فإن دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي لم يكن لها عند علماء العرب أصول من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذه، ولا على مثال تقدمه احتذاه، وإنما اخترعه من ممر له بالصفارين من وقع مطرقة على طست ليس فيهما حجة ولا بيان يؤديان إلى غير حليتهما، أو يفيدان غير جوهرهما إلى أن قال: ومن تأسيسه بناء كتاب العين الذي يحصر لغة أمة من الأمم قاطبة».

وحقّ للخليل هذا الثناء والوصف اللذان وصفه به صاحب كتاب التنبيه، ومن كانت هذه مكانته وهذه صفاته جدير بأن يوصف ويقال فيه مثل هذا الكلام الرفيع.

وفي ليلة ليلية مشهودة، اجتمع الخليل بن أحمد وعبد الله بن المقفع (صاحب كتاب كليلة ودمنة) وبقيا يتحدثان ويتباحثان حتى أشرق الصباح. فلما افترقا، قيل لعبد الله بن المقفع: كيف وجدت الخليل؟ قال: «وجدت رجلاً عقله أكبر من علمه»، وقيل للخليل: كيف وجدت عبد الله بن المقفع؟ قال: «وجدت رجلاً علمه أكبر من عقله». وهذا يدل على العمق الفكري والنضج العقلي الذي تمتع به الخليل.

زهد الخليل وعزة نفسه

بجانب عبقريته العلمية، كان الخليل بن أحمد رجلاً فاضلاً قانعاً زاهداً متورعاً رفيع النفس عن الأمور المادية، كثير التوكل على ربه عز وجل. حدّث عنه بعض طلابه أنه في بعض الأيام لا يجد فلسين (مبلغاً زهيداً جداً من المال)، بينما يرى أصحابه وطلابه يكسبون ويسعدون بعلمه وجاهه في الدنيا وينالون المناصب. وكان الخليل يرى ذلك ويبتسم، وترأه دائماً يردد في لسانه بيت الشاعر الأخطل ليزيح عن قلبه الهم والأفكار لقلة ما في يده:

وإذا اعتمدت على الذخائر لم تجد … ذخراً يكون كصالح الأعمال

وكان الخليل يتقاضى راتباً ضئيلاً يحده ويُمده به سليمان بن حبيب بن أبي صفرة الأزدي (وكان والياً على فارس والأهواز). وكان الخليل متقنعاً وراضياً بهذا الراتـب القليل، تاركاً الدخول على الملوك والسلاطين وعزة نفسه تفوق كل شيء.

ومما يدل على ترفعه وعزة نفسه أن سليمان بن حبيب كتب إليه يوماً يستدعيه للحضور عنده في مجلسه وتولي بعض المهام، فرأى الخليل أنه إذا ذهب ربما يتعطل سير الدراسة والتدريس التي يحضرها كثير من الطلاب المتفتحين للعلم، فامتنع عن تلبية طلبه وكتب إلى سليمان أبياتاً بليغة يعتذر فيها ويرد على كتابه، يقول فيها:

أبلغ سليمان أني عنه في سعةٍ … وفي غنى غير أني لست ذا مالِ
شحاً بنفسي أني لا أرى أحداً … يموت هزلاً ولا يبقى على حالِ
الرزق عن قدرٍ لا الضعف ينقصه … ولا يزيدك فيه حول محتالِ
والفقر في النفس لا في المال نعرفه … ومثل ذاك الغنى في النفس لا المالِ

ولما وصلت هذه الأبيات المترعة بالأنفة إلى سليمان بن حبيب، غضب سليمان وقطع عنه الراتب الضئيل الذي كان يمده به، فكتب إليه الخليل بكل عزة وإباء نفس غير مبالٍ بقطع الراتب متوكلاً على الخالق الذي خلفه:

إن الذي شقّ فمي ضامنٌ … للرزق حتى يتوفاني
حرمتني خيراً قليلاً فما … زادك في مالك حرماني

فلما بلغت سليمان هذه الأبيات أقامته وأقعدته بما فيها من إخلاص نية وصدق توكل وقوة عزم، وعرف أنها خرجت من قلب رجل رفيع النفس، وعن عقل رجل عرف مصير نفسه، فأضعف له الراتب واعتذر إليه.

خامسًا: تلامذته الأعلام

تخرج من مدرسة الخليل بن أحمد الفراهيدي في البصرة جيل من الفحول الذين حملوا لواء اللغة والأدب والشعر، وصاروا أئمة المذاهب النحوية واللغوية، ومن أبرزهم:

  1. سيبويه (عمرو بن عثمان): تلميذه الأثير، الذي لازم الخليل ملازمة تامة، وصار إماماً في النحو، وألف كتابه التاريخي في قواعد النحو العُماني والبحري والعباسي وسماه باسمه المشهور “الكتاب”، وكان إذا قال سيبويه في كتابه “قال” دون ذكر الاسم، فإنما يعني به أستاذه الخليل.
  2. النضر بن شميل: من كبار لغويي البصرة ورواة الحديث وممن نشروا علم الخليل.
  3. مؤرج السدوسي: اللغوي والمؤرخ والنحوي المعروف بتبحره في غريب اللغة.
  4. نصر بن علي الجهضمي: وغيرهم كثيرون. وقد برع نصر بن علي في علم العروض وهو أول فن اكتشفه الخليل ولم يسبقه إليه أحد ودرّسه وألّف فيه.

ويُحكى عن الخليل بن أحمد أنه مرة دخل عليه ولده وكان غير نبيه، فوجده يقطع بيت شعر بأوزان العروض (مستفعلن مستفعلن مستفعلن)، فخرج الولد مذعوراً إلى الناس وقال: «إن أبي قد جُنّ فادخلوا عليه!»، فدخل عليه الناس فأخبروه بما قاله ولده لهم، فقال الخليل مخاطباً ابنه بأبيات من الحكمة الخالدة:

لو كنت تعلم ما أقول عذرتني … أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني … وعلمت أنك جاهلٌ فعذرتكا

سادسًا: مؤلفاته وإرثه العلمي

ترك الخليل بن أحمد الفراهيدي للامة العربية مجموعة من المصنفات التاريخية التي أنقذت لغة الضاد وصانتها، وجزاه الله عن لغة الضاد وأهلها خير الجزاء، لما قام به من أعمال علمية لصيانتها نطقاً وإملاءً، فهي لغة النص الديني، والخطاب الإسلامي، فبها الله يُعبد ويُوحد.

قائمة مؤلفاته الرئيسية:

  1. كتاب العين: وهو أعظم آثار الخليل؛ حيث حصر فيه مفردات اللغة العربية بطريقة حسابية عبقرية شيقة. ورتّب الحروف حسب مخارجها من الحلق، وابتدأ من هذه الحروف بحرف العين ولذلك سُمي “كتاب العين”.
  2. كتاب العروض: الذي وضع فيه علم العروض وقوانين القافية وحصر فيه بحور الشعر العربي.
  3. كتاب الشواهد: وجمع فيه الأدلة الشعرية والنثرية الموثوقة.
  4. كتاب النقط والشكل: الذي أسس فيه للنظام الحديث للحركات الإعرابية (الفتحة والضمة والكسرة) بدلاً من نقط الدؤلي.
  5. كتاب النغم: في علم الموسيقى والأصوات.

أما كتاب العين فهو موجود منه نسخة في بريطانيا في المكتبة، وقد طُبع منه الجزءان الأول والثاني، وكان الخليل بن أحمد رضي الله عنه يقول: «لا يعلم خطأ معلّمه حتى يجالس غيره».

ويقول الخليل في حكمة بليغة تُنسب إليه:

«أكمل ما يكون الإنسان عقلاً وذهناً إذا بلغ الأربعين، وهي السنة التي بعث الله فيها محمداً ﷺ، وينقص إذا بلغ ثلاثاً وستين وهي السنة التي قُبض الله تعالى فيها رسول الله ﷺ، وأصفى ما يكون ذهن الإنسان في وقت السحر».

ومن شعره الرقيق والجميل في الغزل والوجد:

يقولون لي دار الأحبة قد نأت … وأنت كئيبٌ إن ذا لعجيبُ
فقلت وما تغني الديار وقربها … إذا لم يكن بين القلوب قريبُ

سابعًا: وفاته الفاجعة

توفي الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمة الله عليه سنة 175 هجرية، وعمره خمس وسبعون سنة، بعد أن قضى حياته في سبيل نشر المعرفة وإيقاظ القلوب، وأنشأ جيلاً مثقفاً تولى بعده هذا العمل المشرف وهو نشر العلم والمعرفة بجميع أنواعها.

وكان سبب موته غريباً ينم عن استغراقه الفكري التام؛ حيث أراد يوماً أن يرسل جاريته إلى السوق لتبتاع بعض الأغراض، فقال في نفسه: «أريد أن أعمل لها حساباً رياضياً سهلاً وبسيطاً حتى لا يمكن للتاجر ظلمها أو غشها في السعر». فدخل المسجد الجامع بالبصرة وهو يفكّر في ذلك الحساب والمسألة الرياضية بعمق، وصدمته سارية (عمود من أعمدة المسجد) وهو غافل يفكر فانقلب فمات من فورها. وقيل في رواية أخرى: إنه كان يقطع بحراً في العروض فاصطدم بالسارية فانقلب فمات، وكانت وفاته بالبصرة في السنة المذكورة رحمه الله وغفر له وجزاه عن الإسلام والعربية خير الجزاء.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *