الحكومة شخصيات

من هو محمد بن سعيد المعمري وزير الاوقاف والشؤون الدينية في سلطنة عمان؟

من هو محمد بن سعيد المعمري وزير الاوقاف والشؤون الدينية في سلطنة عمان؟

محمد بن سعيد بن خلفان المعمري: رائد التسامح والتعايش الديني في سلطنة عمان

في السادس عشر من يونيو عام 2022، أصدر جلالة السلطان هيثم بن طارق آل سعيد – حفظه الله – مرسوماً سلطانياً بتعيين الدكتور محمد بن سعيد بن خلفان المعمري وزيراً للأوقاف والشؤون الدينية في سلطنة عمان. جاء هذا التعيين في سياق رؤية عمانية متجددة تهدف إلى تعزيز قيم التسامح والاعتدال والتعايش السلمي، وهي القيم التي شكلت هوية السلطنة على مر العصور. يُعد الدكتور المعمري نموذجاً للقيادي الذي يجمع بين العمق الأكاديمي في الدراسات الإسلامية والخبرة العملية الطويلة في نشر رسالة السلام والتفاهم بين الشعوب.

يمتلك الدكتور محمد بن سعيد بن خلفان المعمري مسيرة مهنية حافلة بالإنجازات، بدأت من جهود فردية في نشر ثقافة التسامح أثناء دراسته في الخارج، وصولاً إلى توليه أعلى منصب في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية. يحمل درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية، ودرس في جامعات المملكة المتحدة وألمانيا، مما أكسبه رؤية عالمية واسعة حول قضايا الدين والمجتمع والتعايش. وقد شغل قبل توليه الوزارة مناصب بارزة داخل الوزارة نفسها، منها مستشار علمي في مكتب الوزير، ومدير مشروع التسامح العماني، ووكيل الوزارة.

تأتي أهمية هذا المقال في تسليط الضوء على شخصية وطنية ساهمت بشكل كبير في تعزيز صورة عمان كدولة رائدة في الحوار بين الأديان والثقافات، وفي إدارة الشؤون الدينية بمنهجية علمية معتدلة تتماشى مع رؤية عمان 2040. سنستعرض في هذا المقال الطويل نشأته وتعليمه، مسيرته المهنية، إنجازاته في مشروع التسامح، دوره كوزير، ورؤيته المستقبلية.

النشأة والتعليم: أساس علمي متين لرسالة إنسانية

لا تتوفر تفاصيل كثيرة معلنة عن النشأة المبكرة للدكتور محمد بن سعيد بن خلفان المعمري، كما هو شائع مع كثير من الشخصيات العمانية الرسمية التي تفضل التركيز على الإنجازات العامة. لكنه ينتمي إلى جيل عماني نشأ في ظل نهضة السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – الذي أرسى دعائم الدولة الحديثة على أسس التسامح والانفتاح والتنمية الشاملة. هذه البيئة الوطنية شكلت وعيه المبكر بأهمية الوحدة الوطنية والتعايش السلمي داخل عمان وخارجها.

أكمل الدكتور المعمري تعليمه الجامعي في المملكة المتحدة وألمانيا، وهما بيئتان أوروبيتان غنيتان بالتنوع الثقافي والديني. درس في جامعات مرموقة، وحصل على درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية من ألمانيا. هذا التخصص الأكاديمي الدقيق أتاح له فهماً عميقاً للنصوص الإسلامية، وتاريخ الحضارة الإسلامية، ومقارنتها مع السياقات المعاصرة. كما مكّنه من دراسة قضايا مثل الحوار بين الأديان، والتعددية الدينية، ومواجهة التطرف الفكري من منظور علمي رصين.

خلال فترة دراسته في ألمانيا، بدأ يدرك الفجوة المعرفية التي تفصل بين الشعوب بسبب الاختلافات الدينية والثقافية واللغوية. هذه التجربة الشخصية كانت نقطة تحول في حياته، حيث أدرك أن الكراهية والعنف غالباً ما تنبعان من نقص المعرفة الصحيحة. هذا الإدراك شكل لاحقاً أساس مشروعه الكبير في التسامح، الذي سيصبح أحد أبرز إنجازاته.

يُعد الحصول على الدكتوراه في الدراسات الإسلامية من ألمانيا إنجازاً أكاديمياً مميزاً، خاصة في سياق عماني يولي اهتماماً كبيراً بالتعليم العالي والبحث العلمي. هذا التأهيل العلمي جعله مؤهلاً للعمل في مجالات حساسة مثل الشؤون الدينية، حيث يتطلب الأمر توازناً بين الالتزام بالثوابت الإسلامية والانفتاح على الآخر.

بداية المسيرة المهنية: مشروع التسامح العماني ورسالة الإسلام من عمان

بدأت المسيرة المهنية للدكتور المعمري بالتركيز على نشر ثقافة التسامح من خلال مشروع طموح بدأ كفكرة فردية عام 2009 أثناء دراسته في ألمانيا. أدرك آنذاك الحاجة الماسة إلى سد الفجوة المعرفية بين الشعوب، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي أثرت سلباً على صورة الإسلام في الغرب. قرر إطلاق مشروع يعتمد على لغة الفن والمعرفة لتقديم رسالة إنسانية عالمية.

في عام 2010، أطلق النسخة الأولى من معرض “التسامح الديني والتفاهم والتعايش بين الأمم والثقافات والأديان والحضارات – رسالة عمان”، بمشاركة أصدقاء من أوروبا وعمان، وذلك بثلاث لغات فقط في البداية. سرعان ما حظي المشروع بدعم وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، التي تبنته ووسعته ليصبح مشروعاً وطنياً. أصبح الدكتور المعمري مديراً لمشروع التسامح العماني، ثم المشرف العام على معرض “رسالة الإسلام من عمان”.

يعتمد المعرض على ثلاثية ذهبية: المعرفة (تقديم معلومات صحيحة ودقيقة)، التعارف (تشجيع الحوار والتواصل المباشر)، والاعتراف (الاعتراف بحقوق الآخرين واحترام خصوصياتهم). هذه الثلاثية مستمدة من مبادئ إسلامية أصيلة ومن قيم إنسانية مشتركة، وتهدف إلى بناء جسور الفهم بدلاً من إثارة الخلافات.

استخدم المعرض وسائل فنية متنوعة لجذب الزوار من مختلف الخلفيات: فن الظلال، الرسم بالرمل، الخط العربي، والفنون التشكيلية. لغة الفن هنا عالمية تتجاوز الحواجز اللغوية والثقافية، وتُبرز القيم المشتركة بين البشر مثل السلام والرحمة والعدل. كما تضمن المعرض فيلماً وثائقياً عن التسامح الديني في عمان، ومطبوعات تعريفية بأكثر من 20 لغة.

حقق المعرض نجاحاً باهراً على المستوى الدولي. زاره أكثر من 11 مليون شخص منذ انطلاقته عام 2010، وانتقل إلى عشرات الدول حول العالم، بما في ذلك عرض في مقر الأمم المتحدة في نيويورك برعاية البعثة الدائمة لسلطنة عمان. توسع ليشمل أكثر من 26 لغة، ووصل إلى محطات متعددة في أوروبا وآسيا وأفريقيا والأمريكتين. في بعض التقارير، ذُكر أنه أقيم في أكثر من 140 محطة في نحو 40 دولة، مع تأثيرات ملموسة مثل تدريس محتواه في مدارس ألمانية، وتسمية ساحة في البرازيل باسم “ساحة عمان”.

لم يكن المعرض مجرد فعالية ثقافية عابرة، بل أداة دبلوماسية ناعمة تعكس الوجه الحضاري لعمان. رسالته إنسانية محايدة، لا ترتبط بدين أو دولة أو طائفة معينة، مما جعلها مقبولة عالمياً. ساهم المشروع في تصحيح الصور النمطية عن الإسلام، وتقديمه كدين سلام وتسامح، وهو ما يتماشى مع المذهب الإباضي المعتدل الذي تتبناه عمان.

في عام 2010 أيضاً، تولى الدكتور المعمري رئاسة بعثة الحج العمانية، مما أضاف إلى خبرته في إدارة الشؤون الدينية العملية، من تنظيم الرحلات الدينية إلى ضمان راحة الحجاج وسلامتهم.

المناصب الإدارية: من المستشار إلى وكيل الوزارة

بعد نجاح مشروع التسامح، انتقل الدكتور المعمري إلى العمل الرسمي داخل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية. شغل منصب المستشار العلمي في مكتب الوزير، حيث ساهم في صياغة السياسات والبرامج الدينية والثقافية. كان دوره يركز على الجانب العلمي والفكري، مستفيداً من خلفيته الأكاديمية.

في 12 أغسطس 2020، صدر مرسوم سلطاني بتعيينه وكيلاً لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية. استمر في هذا المنصب حتى يونيو 2022، حيث أشرف على تنفيذ السياسات الوزارية، وإدارة الملفات المتعلقة بالأوقاف، والمساجد، والتعليم الديني، والحوار بين الأديان. خلال هذه الفترة، واصل تطوير مشاريع التسامح وتعزيز التعاون الدولي.

هذه الترقيات التدريجية تعكس ثقة القيادة العمانية في قدراته، وفي رؤيته التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة.

تعيينه وزيراً: رؤية جديدة للشؤون الدينية

في 16 يونيو 2022، تولى الدكتور محمد بن سعيد بن خلفان المعمري حقيبة وزارة الأوقاف والشؤون الدينية. جاء التعيين ضمن حزمة من المراسيم السلطانية التي شملت تغييرات وزارية، في إطار تعزيز الكفاءات الشابة والمؤهلة علمياً.

كوزير، يتولى الإشراف على إدارة الأوقاف الإسلامية، والعناية بالمساجد والجوامع, وتنظيم الشؤون الدينية، وتعزيز القيم الإسلامية المعتدلة، ودعم الحوار بين الأديان. كما يشرف على برامج التوعية الدينية، ومكافحة التطرف، وتعزيز الوحدة الوطنية من خلال الخطاب الديني المستنير.

تحت قيادته، استمرت الوزارة في تطوير مشاريع التسامح الرقمية والافتراضية، خاصة بعد جائحة كورونا. كما عزز التعاون مع المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي.

من أبرز إنجازاته الدولية الحديثة مشاركته في إطلاق “خطة عمل مسقط” في مقر الأمم المتحدة، وهي مبادرة نتجت عن حوار دولي شاركت فيه أكثر من 46 دولة. تهدف الخطة إلى تمكين القيادات التقليدية والشعوب الأصلية من مواجهة خطاب الكراهية والوقاية من العنف والفظائع الجماعية، من خلال الاحترام المتبادل والمعرفة والتعارف والاعتراف.

ألقى الوزير كلمات في مؤتمرات دولية عديدة، منها المؤتمر الدولي للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، مؤكداً على دور عمان في نشر السلام والاعتدال. كما استقبل وفوداً دولية وشارك في لقاءات ثنائية تعزز الدبلوماسية الدينية.

رؤيته ومساهماته: التسامح كاستراتيجية وطنية وإنسانية

يؤمن الدكتور المعمري بأن التسامح ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل استراتيجية للتنمية والاستقرار. في حواراته، يؤكد أن الكراهية تنشأ من الجهل، وأن ملء الفجوة المعرفية بالمعلومات الصحيحة يؤدي إلى التعارف ثم الاعتراف بحقوق الآخر.

يشدد على أن رسالة عمان إنسانية عالمية، مستمدة من الإسلام الذي يدعو إلى البر والقسط مع غير المسلمين. هذه الرؤية تتجسد في استمرار معرض التسامح، وفي برامج الوزارة التي تركز على التعليم الديني المعتدل، وتدريب الأئمة والخطباء على الخطاب الوسطي.

كما يرى أن التعاون الدولي ضروري لمواجهة التحديات المشتركة مثل التطرف والكراهية، وأن عمان، بتاريخها الحضاري وموقعها الجغرافي، مؤهلة للعب دور الوسيط والميسر.

دور الوزارة تحت قيادته وآفاق المستقبل

تضطلع وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بمسؤوليات واسعة تشمل إدارة الأوقاف (التي تشكل مورداً اقتصادياً واجتماعياً مهماً)، والإشراف على بناء وصيانة المساجد، وإصدار الفتاوى، وتنظيم الحج والعمرة، وتعزيز الوعي الديني من خلال البرامج التعليمية والإعلامية.

تحت قيادة الدكتور المعمري، تسعى الوزارة إلى دمج التكنولوجيا في خدماتها، مثل تطوير التطبيقات الإلكترونية للحج والأوقاف، وتعزيز الشفافية والحوكمة. كما تركز على تمكين المرأة في المجال الديني، ودعم الشباب في فهم الإسلام فهماً صحيحاً يواكب العصر.

مستقبلاً، يتوقع أن يواصل الوزير تعزيز مكانة عمان كمركز للحوار الحضاري، من خلال استضافة مؤتمرات دولية، وتوسيع نطاق معارض التسامح، والمشاركة الفاعلة في المنتديات العالمية.

خاتمة

يمثل الدكتور محمد بن سعيد بن خلفان المعمري جيلاً جديداً من القيادات العمانية التي تجمع بين العلم والعمل، والأصالة والانفتاح. من طالب في ألمانيا يحلم بسد الفجوات المعرفية، إلى وزير يقود جهوداً وطنية ودولية لنشر التسامح، تظل مسيرته شاهداً على أن الإرادة الفردية المدعومة بالرؤية الوطنية يمكن أن تحدث تغييراً إيجابياً واسع النطاق.

في عالم يعاني من الاستقطاب والكراهية، تبرز تجربة عمان تحت قيادة أمثال الدكتور المعمري كنموذج يُحتذى به: تسامح حقيقي مبني على المعرفة والاعتراف المتبادل. وستظل رسالة عمان – التي حملها وطورها – نوراً يضيء دروب التعايش السلمي بين الشعوب.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية