الزراعة التعاقدية في سلطنة عُمان: تجارب شركة “نِتاج” في تأمين المحاصيل الاستراتيجية
يشكّل ملف الأمن الغذائي أحد أبرز الملفات التي تتصدر أولويات دول مجلس التعاون الخليجي في العقد الأخير، وذلك في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، وتقلبات أسواق السلع الغذائية العالمية، والتغير المناخي الذي بات يهدد سلاسل الإمداد الزراعية التقليدية. وسلطنة عُمان، بما تملكه من تنوع بيئي وجغرافي يمتد من السهول الساحلية في الباطنة إلى الهضاب الجبلية في ظفار والجبل الأخضر، تجد نفسها أمام فرصة استراتيجية لإعادة بناء منظومتها الزراعية على أسس أكثر استدامة وكفاءة. ومن بين الأدوات التي برزت بقوة في هذا السياق، تأتي “الزراعة التعاقدية” كنموذج اقتصادي وتنظيمي يربط بين المزارع والمستثمر والسوق برباط تعاقدي واضح، يضمن لكل طرف حقوقه ويقلل من حدة المخاطر التي يتعرض لها القطاع الزراعي تقليديًا.
في هذا السياق، تمثل الشركة العمانية للاستثمار الغذائي القابضة، المعروفة باسمها التجاري “نِتاج”، أحد أهم اللاعبين المؤسسيين الذين يقودون هذا التحول. فالشركة، التي تأسست كذراع استثمارية متخصصة في القطاع الغذائي والزراعي ضمن منظومة الاستثمار السيادي في السلطنة، تسعى إلى تفعيل أدوات تمويلية وتنظيمية حديثة من أجل تأمين سلاسل الإمداد الغذائي، وعلى رأسها المحاصيل الاستراتيجية التي تشكل عمود الأمن الغذائي الوطني مثل الأعلاف، والحبوب، والخضروات ذات الاستهلاك الواسع. تستعرض هذه المقالة مفهوم الزراعة التعاقدية وأبعاده الاقتصادية والاجتماعية، وتتناول السياق العماني الذي تتحرك فيه شركة “نِتاج”، وتحلل الفرص والتحديات التي تواجه هذا النموذج في ضوء استراتيجية الأمن الغذائي العمانية 2040.
أولًا: مفهوم الزراعة التعاقدية وأهميتها الاقتصادية
الزراعة التعاقدية، بمفهومها العام، هي ترتيب تعاقدي يُعقد بين المزارع (أو مجموعة من المزارعين) وجهة مستثمرة أو مصنّعة أو مسوّقة، يتم بموجبه الاتفاق المسبق على كميات الإنتاج المطلوبة، ومواصفاتها الفنية، والسعر المرجعي، وآليات التسليم والدفع، وذلك قبل بدء الموسم الزراعي أو في مراحله الأولى. ويهدف هذا النموذج إلى تجاوز إحدى أكبر معضلات القطاع الزراعي التقليدي، وهي حالة عدم اليقين التي يعيشها المزارع بشأن مصير محصوله، سواء من جهة تقلب الأسعار في السوق الحرة، أو من جهة صعوبة الوصول إلى قنوات تسويق موثوقة.
وتكمن القيمة المضافة لهذا النموذج في كونه يعالج إشكاليات متعددة الأطراف في الوقت نفسه:
من جهة المزارع، توفر العقود الزراعية ضمانًا مسبقًا لتصريف الإنتاج بسعر معروف، وهو ما يقلل من المخاطر التسويقية، ويمنحه القدرة على التخطيط المالي بشكل أفضل، خاصة عندما تكون هذه العقود مرتبطة بتمويل مُسبق أو بتوريد مدخلات إنتاج كالبذور والأسمدة ضمن الاتفاقية.
ومن جهة الجهة المستثمرة أو المصنّعة، فإن الزراعة التعاقدية تضمن تدفقًا منتظمًا وموثوقًا من المواد الخام بالمواصفات المطلوبة، وهو أمر بالغ الأهمية لأي مصنع غذائي أو جهة تسويق تسعى للحفاظ على استمرارية خطوط إنتاجها دون انقطاع، وتقليل اعتمادها على الاستيراد العشوائي من الأسواق الخارجية المتقلبة.
ومن جهة الاقتصاد الكلي والدولة، فإن توسّع هذا النموذج يعني تحقيق درجة أعلى من الأمن الغذائي عبر تنظيم الإنتاج المحلي بما يتناسب مع الاحتياجات الفعلية للسوق، وتقليل الفاقد الزراعي الناتج عن سوء التخطيط، فضلًا عن خلق فرص عمل مستقرة في الريف الزراعي وتحفيز الاستثمار الخاص في قطاع كان يُنظر إليه تاريخيًا على أنه ذو مخاطر مرتفعة وعوائد متواضعة.
ومع ذلك، لا يخلو هذا النموذج من تحديات بنيوية، أبرزها اختلال موازين القوى التعاقدية بين المستثمر الكبير والمزارع الصغير، وصعوبة تطبيق آليات إنفاذ العقود في البيئات الريفية التي يغلب عليها الطابع غير الرسمي، إضافة إلى مخاطر “الانتقائية” التي قد تجعل المستثمرين يفضلون التعاقد مع كبار المزارعين الذين يملكون مساحات وموارد أكبر، على حساب صغار المنتجين.
ثانيًا: السياق العماني للأمن الغذائي والزراعة التعاقدية
تعتمد سلطنة عُمان، كغيرها من دول الخليج، على الاستيراد في تغطية جزء كبير من احتياجاتها الغذائية، وذلك نتيجة لمحدودية الموارد المائية والمساحات الزراعية الصالحة للزراعة المكثفة. وقد دفعت هذه التحديات البنيوية، إلى جانب الصدمات العالمية المتكررة، من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية وتأثيرها على أسواق القمح والزيوت، الحكومة العمانية إلى إعادة صياغة أولوياتها الاقتصادية بحيث يصبح الأمن الغذائي أحد المحاور الرئيسية لرؤية “عُمان 2040”.
وفي هذا الإطار، تبنّت وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه استراتيجية للتنمية الزراعية المستدامة تمتد حتى عام 2040، تركز على عدد من المحاور المتكاملة: تحديث الممارسات الزراعية، وتوسيع المساحات المزروعة بالمحاصيل الاستراتيجية، وتشجيع الاستثمار الخاص والمحلي والأجنبي في سلاسل القيمة الزراعية، وبناء قدرات تخزينية واستراتيجية للحبوب من خلال إنشاء صوامع تخزين، وإطلاق بنوك للبذور المحلية، إلى جانب دعم المشاريع الزراعية الشبابية والمبتكرة وتخصيص أراضٍ جديدة للمزارعين الناشئين.
في موازاة هذه الجهود الحكومية المباشرة، يأتي الدور الذي تلعبه أدوات الاستثمار السيادي، وفي مقدمتها جهاز الاستثمار العُماني الذي يُعد المرجعية الاستثمارية للدولة في القطاعات الاستراتيجية. وتمثل الشركة العمانية للاستثمار الغذائي القابضة “نِتاج” أحد الأذرع التابعة لهذه المنظومة، حيث تتركز مهمتها في توجيه الاستثمارات نحو سلاسل الإنتاج الغذائي والزراعي بطريقة مؤسسية ومنظمة، بما يكمل الجهود الحكومية ولا يكررها.
وتشير بيانات متعلقة بفرص الاستثمار في القطاع الزراعي العماني إلى أن “نِتاج” تستهدف ضخ استثمارات بقيمة تقارب 950 مليون دولار أمريكي في 23 مشروعًا جديدًا مرتبطًا بالقطاع الغذائي، وذلك في ظل وجود أكثر من 1200 نوع من النباتات في السلطنة، وهو تنوع بيولوجي يفتح المجال لتوسيع قاعدة المحاصيل الاستراتيجية التي يمكن تأمينها محليًا بدلًا من الاعتماد الكامل على الاستيراد.
ثالثًا: نِتاج كمحرك مؤسسي للزراعة التعاقدية
تتموضع “نِتاج” في النظام الزراعي العماني بصفتها جهة استثمارية تسعى إلى الجمع بين رأس المال المؤسسي والمعرفة التقنية من جهة، وبين المزارعين والمنتجين المحليين من جهة أخرى، عبر صيغ تعاقدية تتجاوز نمط “الشراء والبيع” التقليدي إلى شراكات أكثر عمقًا في سلسلة القيمة. ويمكن قراءة دور الشركة في هذا الملف من خلال ثلاثة مستويات متكاملة:
المستوى الأول: تأمين سلاسل الإمداد للمحاصيل الاستراتيجية. تشمل هذه المحاصيل، في السياق العماني، الأعلاف الحيوانية والحبوب وبعض الخضروات ذات الاستهلاك المرتفع محليًا، حيث تسعى الشركة من خلال آليات التعاقد المسبق مع المزارعين أو المجمعات الزراعية إلى ضمان توفر هذه المحاصيل بكميات ثابتة نسبيًا، بعيدًا عن تقلبات السوق الموسمية. وتكتسب هذه المحاصيل أهميتها الاستراتيجية كونها تمثل القاعدة الأساسية لصناعات تحويلية أخرى، مثل صناعة الألبان واللحوم التي تعتمد بشكل كبير على توفر الأعلاف بأسعار مستقرة.
المستوى الثاني: ربط الاستثمار بالتكنولوجيا الزراعية الحديثة. لا تقتصر مساهمة “نِتاج” على التمويل أو الشراء المسبق، بل تتجه أيضًا نحو دعم إدخال تقنيات الزراعة الذكية والمحمية، التي تتيح زيادة الكفاءة الإنتاجية لكل وحدة من المياه والأرض، وهو أمر بالغ الأهمية في بيئة عُمانية تتسم بمحدودية الموارد المائية. ومن خلال ربط العقود الزراعية بمتطلبات فنية محددة، يصبح بإمكان الشركة تحفيز المزارعين على تبني ممارسات أكثر استدامة، مقابل ضمانات تسويقية وتمويلية واضحة.
المستوى الثالث: بناء قاعدة من صغار ومتوسطي المنتجين القادرين على المنافسة. يمثل هذا المستوى أحد أهم الأبعاد الاجتماعية للزراعة التعاقدية، حيث يمكن أن تساهم نماذج التعاقد المؤسسي في تمكين المزارعين الأصغر من الوصول إلى أسواق ومصادر تمويل لم تكن متاحة لهم سابقًا، شرط أن تُصمم العقود بطريقة عادلة لا تُحمّل المزارع الصغير أعباءً تفوق قدرته، وأن تتضمن آليات دعم فني ومالي مرافقة، لا مجرد التزامات تسليم صارمة.
رابعًا: المحاصيل الاستراتيجية في الميزان: أين تتركز الجهود؟
عند النظر إلى خريطة المحاصيل ذات الأولوية في استراتيجية الأمن الغذائي العمانية، يمكن تحديد عدد من الفئات التي تتصدر قائمة الاهتمام، نظرًا لارتباطها المباشر بالاستهلاك المحلي اليومي أو بسلاسل الإنتاج الحيواني:
أولًا، محاصيل الأعلاف والمحاصيل العلفية، التي تعد العمود الفقري لصناعة الألبان واللحوم في السلطنة، والتي يتم العمل على توسيع زراعتها محليًا للحد من الاعتماد على الاستيراد الذي يخضع لتقلبات حادة في الأسعار العالمية.
ثانيًا، محصول القمح، الذي شهد اهتمامًا متزايدًا من خلال دراسات بحثية تتعلق بأفضل مواعيد الزراعة وتأثيرها على الإنتاجية، في إطار جهود تعزيز الاحتياطي الاستراتيجي من الحبوب وتقليل الاعتماد على الاستيراد في سلعة بالغة الحساسية الأمنية.
ثالثًا، الخضروات ذات الاستهلاك الواسع والمحاصيل الحقلية، والتي تشهد توسعًا في المساحات المزروعة من خلال عقود الانتفاع الزراعي التي تطلقها الجهات الحكومية بالتعاون مع القطاع الخاص، خصوصًا في محافظات مثل ظفار حيث تتوفر مساحات شاسعة صالحة للاستثمار الزراعي الموسّع.
رابعًا، محاصيل التميز المحلي كالنارجيل، والموز، والثوم العُماني، والرمان في الجبل الأخضر، والتي تحظى باهتمام خاص ليس فقط من زاوية الأمن الغذائي، بل أيضًا من زاوية الحفاظ على التراث الزراعي المحلي وتطوير منتجات ذات قيمة تسويقية وتصديرية مرتفعة.
ويبرز في هذا السياق دور الجهات البحثية والمؤسسات الداعمة، حيث تنفذ وزارة الثروة الزراعية وصندوق التنمية الزراعية والسمكية مشاريع متخصصة تشمل إكثار أصناف نباتية محسّنة، ومكافحة الآفات والأمراض النباتية، وتطوير سلالات محلية أكثر مقاومة للظروف المناخية القاسية، وهي مشاريع تشكل بنية تحتية معرفية تستفيد منها أي جهة استثمارية تسعى لتوسيع نطاق الزراعة التعاقدية، بما في ذلك “نِتاج”.
خامسًا: الفرص التي يفتحها نموذج الزراعة التعاقدية في عُمان
يحمل توسّع الزراعة التعاقدية في السياق العماني مجموعة من الفرص الواعدة، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
تقليل الاعتماد على الاستيراد في السلع الحساسة، من خلال بناء قاعدة إنتاج محلية موثوقة ترتبط تعاقديًا بالمصانع والمستهلكين الرئيسيين، وهو أمر يقلل من تأثير الصدمات الخارجية على الأسواق المحلية.
جذب استثمارات القطاع الخاص إلى الريف العماني، حيث يمكن لصيغ التعاقد المنظمة أن تحوّل القطاع الزراعي من نشاط معيشي تقليدي إلى قطاع استثماري جاذب لرؤوس الأموال، خاصة مع وجود جهة مؤسسية مثل “نِتاج” قادرة على تجميع المخاطر وتوزيعها على نطاق أوسع.
تحفيز الابتكار الزراعي ونقل التكنولوجيا، إذ تتيح العقود الزراعية، عند تصميمها بعناية، إدخال شروط فنية تشجع المزارعين على تبني تقنيات الري الحديثة والزراعة المحمية، بما يرفع من كفاءة استخدام المياه وهي الموارد الأكثر شحًا في السلطنة.
دعم تمكين المرأة والشباب في القطاع الزراعي، من خلال ربط المشاريع الزراعية الناشئة بفرص تعاقدية تضمن لها التسويق منذ البداية، بما يقلل من حاجز الدخول الذي كان يحول تاريخيًا بين الشباب وريادة الأعمال الزراعية.
تعزيز الاستدامة البيئية، من خلال تصميم عقود تأخذ بعين الاعتبار معايير الاستخدام الرشيد للمياه والتربة، بما يتماشى مع توجهات الدولة نحو الزراعة الذكية والمستدامة.
سادسًا: التحديات التي تواجه نموذج الزراعة التعاقدية في السلطنة
في المقابل، لا يمكن تجاهل مجموعة من التحديات البنيوية التي قد تعيق التوسع الأمثل لهذا النموذج:
أولها محدودية المساحات الزراعية الصالحة والموارد المائية، حيث تظل الزراعة في السلطنة مقيدة بطبيعة الموارد المتاحة، الأمر الذي يفرض على أي نموذج تعاقدي أن يكون قائمًا على معايير دقيقة لانتقاء المحاصيل والمناطق الأكثر كفاءة في استخدام المياه.
ثانيها التفاوت بين المزارعين في القدرات الفنية والمالية، حيث يصعب تصميم عقد موحد يناسب كبار المستثمرين الزراعيين وصغار المزارعين التقليديين في الوقت نفسه، وهو ما يتطلب من الجهات المستثمرة، بما فيها “نِتاج”، تطوير نماذج تعاقدية مرنة ومتدرجة بحسب حجم الإنتاج والقدرات المتاحة.
ثالثها ضرورة وجود آليات واضحة لفض النزاعات وإنفاذ العقود، بحيث لا يكون المزارع الطرف الأضعف عند حدوث خلاف حول الجودة أو الكمية أو السعر، وبحيث تتوفر له قنوات وساطة عادلة وسريعة.
رابعها مخاطر تركّز الاستفادة لدى فئة محددة من المنتجين، إذ قد تميل الجهات الاستثمارية، بدافع تقليل المخاطر التشغيلية، إلى التعاقد مع كبار المزارعين الذين يملكون مساحات وخبرات أوسع، وهو ما قد يُبقي صغار المزارعين خارج منظومة الزراعة التعاقدية إذا لم تُصمم سياسات داعمة موجهة لهم بشكل خاص.
خامسها تقلبات المناخ والتغير في أنماط هطول الأمطار، التي تفرض على العقود الزراعية مرونة كافية للتعامل مع المواسم غير المتوقعة، عبر آليات تأمين زراعي أو بنود تعديل قابلة للتفعيل في الظروف الاستثنائية.
سابعًا: نحو نموذج متوازن للزراعة التعاقدية في عُمان
لتحقيق أقصى استفادة من نموذج الزراعة التعاقدية في تأمين المحاصيل الاستراتيجية، يبدو أن المرحلة المقبلة تتطلب توازنًا دقيقًا بين عدة أبعاد متكاملة. فمن الناحية التنظيمية، يحتاج القطاع إلى إطار قانوني واضح ينظم العقود الزراعية ويحدد حقوق وواجبات كل طرف، بما يضمن للمزارع حماية كافية من مخاطر السوق، وللمستثمر ضمانات كافية لاستقرار سلسلة الإمداد.
ومن الناحية التمويلية، يمكن لجهات مثل “نِتاج” أن تلعب دورًا أكبر في ربط العقود الزراعية بحلول تمويلية ميسّرة، مثل التمويل المُسبق لمدخلات الإنتاج أو التأمين الزراعي الجماعي، بما يقلل من اعتماد المزارع على مصادر تمويل باهظة التكلفة.
ومن الناحية التقنية، يبقى الاستثمار في البحث الزراعي والتطوير الجيني للمحاصيل المحلية والمقاومة للجفاف عنصرًا محوريًا، بما يسمح بتوسيع قاعدة المحاصيل القابلة للزراعة التعاقدية ضمن حدود الموارد المائية المتاحة.
ومن الناحية الاجتماعية، يظل إدماج صغار المزارعين والمزارعات والشباب في منظومة الزراعة التعاقدية شرطًا أساسيًا لضمان عدالة توزيع المنافع، بما يحوّل هذا النموذج من أداة استثمارية صرفة إلى رافعة للتنمية الريفية الشاملة.
الخاتمة
تمثل الزراعة التعاقدية، في السياق العماني، أداة واعدة لتجاوز إحدى أكبر التحديات البنيوية التي تواجه القطاع الزراعي، وهي الفجوة بين الإنتاج المحلي المتقطع وحاجة السوق إلى تدفق منتظم وموثوق من المحاصيل الاستراتيجية. وتسعى شركة “نِتاج”، بصفتها أحد الأذرع الاستثمارية المتخصصة في القطاع الغذائي، إلى ترجمة هذا المفهوم على الأرض من خلال استثمارات موجهة نحو سلاسل القيمة الزراعية، بما يتكامل مع توجهات استراتيجية الأمن الغذائي العمانية حتى عام 2040.
ومع ذلك، يظل النجاح الحقيقي لهذا النموذج مرهونًا بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين المصلحة الاستثمارية للمستثمرين وحماية حقوق المزارعين، وبين الكفاءة الاقتصادية والاستدامة البيئية، وبين توسيع نطاق الإنتاج المحلي والحفاظ على الموارد المائية الشحيحة التي تشكل القيد الأكبر أمام أي طموح زراعي في السلطنة. وإذا تمكنت الجهات المعنية، حكومية واستثمارية، من بناء منظومة عقود زراعية عادلة ومرنة ومدعومة بالتكنولوجيا والتمويل المناسب، فإن الزراعة التعاقدية قد تتحول إلى أحد أهم أعمدة الأمن الغذائي العماني في العقدين المقبلين، بما يقلل من هشاشة السلطنة أمام الصدمات الخارجية، ويعزز من قدرتها على الاعتماد على مواردها الذاتية في تأمين غذاء مواطنيها.