آثار بات والخطم: دراسات هندسية متقدمة في أبراج العصر البرونزي بسلطنة عُمان
حضارة مجان وشهادة الحجر
في قلب الداخل العُماني، حيث تمتد سهول الحصى الجافة عند سفوح جبال الحجر الغربي، تنتصب منذ خمسة آلاف عام شواهد حجرية صامتة تروي قصة واحدة من أعرق الحضارات التي عرفتها الجزيرة العربية. تقع المواقع الأثرية في بات والخطم والعين، شرق ولاية عبري بمحافظة الظاهرة، لتشكل اليوم أحد أكثر السجلات الأثرية اكتمالاً للألفية الثالثة قبل الميلاد في العالم بأسره.
لم تكن هذه المواقع مجرد مقابر متناثرة أو أكوام حجرية عشوائية، بل كانت في يوم من الأيام نواة لحضارة عُرفت في النصوص السومرية القديمة باسم مملكة مجان (Magan)، التي اشتهرت بتصدير النحاس والديوريت إلى بلاد الرافدين عبر شبكة تجارية بحرية وبرية واسعة. ويشهد على ذلك الازدهار التجاري والاقتصادي تركز سكاني كثيف ومنشآت معمارية ضخمة، أبرزها تلك الأبراج الحجرية الدائرية التي لا تزال تحير الباحثين حتى اليوم بشأن وظيفتها الحقيقية.
اكتُشفت هذه المواقع رسمياً للمرة الأولى عام 1964م، قبل أن تخضع لعقود من المسوحات والتنقيبات على يد بعثات أثرية دنماركية وألمانية وأمريكية ويابانية، توّجت بإدراج بات والخطم والعين ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1988م، لتصبح ثاني موقع عُماني يحظى بهذا التصنيف بعد حصن بهلاء. وتكمن الأهمية الاستثنائية لهذه المواقع في كونها، بحسب وصف اليونسكو، تشكل مع المواقع المجاورة لها أكمل مجموعة من المستوطنات والمقابر التي تعود للألفية الثالثة قبل الميلاد في العالم.
وتتناول هذه المقالة الأبراج الحجرية الضخمة في بات والخطم من زاوية هندسية ومعمارية، مستعرضة ما توصلت إليه الدراسات الأثرية الحديثة من تفاصيل دقيقة حول تقنيات البناء، والتخطيط الهندسي، والمواد المستخدمة، والتطور المعماري عبر القرون، في محاولة لفهم العقل الهندسي الذي صمم هذه المنشآت قبل خمسة آلاف عام، دون معرفة الحديد أو العجلة أو الكتابة المتقدمة.
الموقع الجغرافي والسياق الحضاري
تقع مستوطنة بات داخل بستان نخيل في المنطقة الداخلية لسلطنة عُمان، على بعد كيلومترين شرق موقع الخطم، وحوالي 22 كيلومتراً شمال غرب موقع العين. وقد لعب هذا الموقع الجغرافي دوراً حاسماً في ازدهار المنطقة، إذ تتميز بوفرة المياه الجوفية والأراضي الزراعية الخصبة، فضلاً عن وقوعها على ملتقى طرق القوافل التجارية القديمة الرابطة بين سواحل خليج عُمان وداخل شبه الجزيرة العربية.
ويرى الباحثون الأثريون أن هذا الموقع الاستراتيجي جعل من بات محطة تجارية مزدهرة، إذ كانت القوافل القادمة من عمق الجزيرة العربية عبر الصحراء، والمتجهة نحو السواحل، تمر عبرها لتتزود بالماء والمؤن قبل مواصلة رحلتها. وقد انعكس هذا الازدهار الاقتصادي في الكثافة الاستيطانية والضخامة المعمارية التي تميز بها الموقع مقارنة بمواقع أخرى من نفس الحقبة في شبه الجزيرة العُمانية.
ولا يمكن فهم أبراج بات بمعزل عن سياقها الحضاري الأوسع، المعروف لدى علماء الآثار بحضارة مجان، والتي ازدهرت خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد معتمدة على تجارة النحاس المستخرج من الجبال المجاورة. وتشير الألواح المسمارية السومرية إلى أن مجان كانت مصدراً رئيسياً للنحاس والديوريت (نوع من الصخور الصلبة استُخدم في صناعة الأواني والتماثيل) الذي كان يُصدَّر إلى مدن بلاد الرافدين عبر طرق بحرية وبرية، وهو ما يفسر الثراء النسبي الذي مكّن مجتمع بات من تشييد منشآت معمارية بهذا الحجم والتعقيد.
التصنيف الزمني: من فترة حفيت إلى أم النار
يقسّم علماء الآثار التسلسل الحضاري لموقع بات إلى عدة فترات متعاقبة، يمكن تتبعها من خلال الفروق الواضحة في تقنيات البناء وأنماط الدفن. وتُعد هذه السلسلة الزمنية المتصلة، النادرة في مواقع الجزيرة العربية، أحد أهم أسباب القيمة العلمية الاستثنائية للموقع.
فترة حفيت (حوالي 3200–2700 ق.م)
تمثل هذه الفترة الأقدم في تسلسل الموقع، وتتميز بمقابر صغيرة الحجم على هيئة خلية النحل، أحادية الغرفة غالباً، مبنية بطريقة الرص الحجري الجاف دون ملاط. وقد بُني أقدم برج معروف في الموقع، وهو الهيكل الطيني الموجود أسفل برج حجري لاحق في موقع المطاريّة (Matariya)، خلال هذه الفترة المبكرة باستخدام اللبن الطيني، ما يشير إلى أن فكرة البرج الدائري سبقت إتقان تقنيات البناء الحجري المتطور.
فترة أم النار (حوالي 2700–2000 ق.م)
شهدت هذه الفترة، التي تحمل اسم جزيرة أم النار قرب أبوظبي حيث اكتُشفت أول مرة، ذروة الازدهار المعماري في بات. فقد تطورت المقابر إلى أبنية أكثر تعقيداً، متعددة الحجرات، ذات واجهات خارجية من الحجر الجيري الأبيض المشذب بعناية، تحوي رفات أعداد كبيرة من الموتى مع مرفقات جنائزية متنوعة، محلية ومستوردة من بلاد الرافدين ووادي السند وإيران. وفي هذه الفترة أيضاً شُيدت معظم الأبراج الحجرية الضخمة التي تشتهر بها بات اليوم، وآخرها زمنياً البرج المعروف باسم قصر الرجوم (Kasr al-Rojoom)، الذي يُؤرخ بالأدلة الفخارية إلى أواخر فترة أم النار.
الأبراج الحجرية: عناصر معمارية محورية
تُعرَّف أبراج العصر البرونزي في عُمان والإمارات بأنها آثار دائرية كبيرة، مشيدة من اللبن الطيني أو الحجر، يُطلق عليها تقليدياً اسم الأبراج رغم أن وظيفتها الفعلية لا تزال موضع جدل علمي. فقد رُجِّح أن تكون هذه المنشآت ذات طابع دفاعي، أو سياسي إداري، أو زراعي مرتبط بإدارة الموارد المائية، أو حتى طقسي ديني، دون أن يُحسم الجدل نهائياً حتى الآن.
اكتُشفت في بات سبعة أبراج حجرية ضخمة، إضافة إلى برج ثامن في موقع الخطم على بعد كيلومترين غرب بات. وتتميز هذه الأبراج بجدار خارجي دائري يتراوح قطره بين 20 و25 متراً، يحتوي من الداخل على صفين متوازيين من الحجرات أو المقصورات (Compartments) المتراصة حول بئر مركزي، في تخطيط هندسي شديد الانتظام يعكس تصميماً مسبقاً ومدروساً وليس بناءً عشوائياً متراكماً.
وقد دأب سكان قرية بات الحالية، إعجاباً بضخامة هذه الأبراج، على إطلاق تسميات محلية خاصة عليها وكأنها قصور، وهي تسميات لا تزال مستخدمة في الدراسات الأثرية حتى اليوم، مثل قصر الرجوم وقصر الخفاجي وقصر السليمي والمطارية. واللافت أن بعض هذه الأبراج استمر استخدامه أو إعادة توظيفه حتى العصر الإسلامي، إذ أُعيد استخدام أحدها كحصن دفاعي لسكان القرية، الذين شيدوا فوق أساسه الحجري القديم بناءً جديداً من الطوب اللبن، في استمرارية وظيفية لافتة عبر آلاف السنين.
جدول مقارن لأبرز الأبراج المكتشفة في بات والخطم
| اسم البرج | التأريخ التقريبي | القطر الخارجي | ملاحظات هندسية |
| قصر الرجوم (Tower 1145) | أواخر أم النار (~2200–2000 ق.م) | نحو 20–25 متراً | أحدث الأبراج زمنياً، الأكثر اكتمالاً من حيث التنقيب |
| قصر الخفاجي (Tower 1146) | أم النار | نحو 20 متراً | يضم بقايا عمارة مستطيلة داخلية من الألفية الثالثة |
| المطارية (Tower 1147) | حفيت إلى أم النار المبكرة | متغير | أقدم بناء طيني تحت برج حجري لاحق؛ يوثّق التحول من اللبن إلى الحجر |
| قصر السليمي (Tower 1148) | أم النار | غير محدد بدقة | وُثّق بالمسح الفوتوغرامتري الرقمي؛ يضم نقوشاً صخرية مكتشفة حديثاً |
| برج الخطم | الألفية الثالثة ق.م | نحو 20 متراً (بيضاوي الشكل) | يقع فوق تل صغير؛ يحيط به نطاق من المدافن الركامية |
جدول 1: مقارنة بين أبرز الأبراج المكتشفة في موقعي بات والخطم، استناداً إلى بيانات اليونسكو وأبحاث مشروع بات الأثري.
التحليل الهندسي للأبراج: التخطيط والبناء
المخطط الدائري: اختيار هندسي مدروس
يُعد اختيار الشكل الدائري لهذه الأبراج، بدلاً من الأشكال المستطيلة أو المربعة الشائعة في عمارة بلاد الرافدين المعاصرة، خياراً هندسياً له دلالاته. فالدائرة توزع الأحمال الإنشائية بانتظام على كامل محيط الجدار، وتقلل من نقاط الضعف الإنشائي عند الزوايا التي تتعرض عادة لإجهادات تركزة، كما توفر أكبر مساحة داخلية ممكنة بالنسبة لطول الجدار الخارجي المستخدم، وهو اعتبار اقتصادي مهم عند التعامل مع مادة بناء تتطلب جهداً كبيراً في القلع والنقل كالحجر الجيري.
ويكشف التخطيط الداخلي لهذه الأبراج عن مستوى لافت من الدقة الهندسية: صفان متوازيان من الحجرات أو المقصورات المتراصة بشكل شعاعي حول بئر أو محور مركزي. وهذا التصميم الشعاعي (radial) يستلزم بالضرورة عملية مسح وتخطيط مسبقة، إذ يصعب تحقيق هذا الانتظام دون استخدام أداة بسيطة كالوتد المركزي والحبل لرسم الدوائر المتحدة المركز وتقسيم محيطها إلى قطاعات متساوية، وهي تقنية مسح معروفة استخدمتها حضارات قديمة أخرى معاصرة في بناء المنشآت الدائرية والمعابد.
نظام البناء المزدوج: حكاية جدارين
من أبرز ما كشفته أعمال التنقيب الحديثة، وتحديداً في برج المطارية الذي ورد وصفه في أبحاث مشروع بات الأثري الأمريكي الياباني تحت عنوان دال هو جدار البرج: حكاية جدارين، هو أن بعض الأبراج لم تُبنَ دفعة واحدة، بل خضعت لمراحل بناء متعاقبة تضمنت إضافة جدار خارجي ثانٍ (جدار توسعة أو دعم) محيط بالجدار الأصلي الأقدم. ويوضح هذا الاكتشاف أن هذه المنشآت لم تكن نتاج مخطط واحد ثابت، بل تعرضت لتعديلات هندسية وتوسعات عبر الزمن، ربما استجابة لمتطلبات إنشائية كتقوية الأساسات، أو لتغير في الوظيفة المرجوة من البرج، أو لإضفاء مزيد من المهابة والضخامة على المبنى.
وقد لاحظ الباحثون في موقع قصر الخفاجي أن قاعدة الجدار (Plinth) للبرج الحجري تستقر مباشرة فوق بقايا جدار حجري يعود لفترة حفيت الأقدم، دون وجود خندق أساسات (Foundation Trench) واضح يحتوي البرج، ما يشير إلى أن البنائين استغلوا أحياناً بقايا منشآت سابقة كقاعدة صلبة وموثوقة لإرساء أساسات البرج الجديد، وهي ممارسة هندسية عملية توفر الجهد وتضمن الاستقرار الإنشائي.
المواد ومداميك البناء
اعتمد بناة أبراج بات بشكل أساسي على الحجر الجيري المحلي المهذّب (Dressed Limestone)، وهي كتل حجرية شُذِّبت يدوياً لتُعطى أوجهاً مستوية نسبياً قبل رصّها في مداميك منتظمة. ويُلاحظ في الجدران الخارجية للأبراج استخدام ملاط طيني بسيط (Mud Mortar) لربط الكتل الحجرية، وهي تقنية بناء جاف نسبياً بالمقارنة مع تقنيات الملاط الجيري الأكثر تعقيداً التي عرفتها حضارات أخرى لاحقة، لكنها أثبتت كفاءة استثنائية في الصمود لآلاف السنين ضمن المناخ الجاف لشبه الجزيرة العُمانية.
- الجدار الخارجي: كتل حجرية كبيرة نسبياً ومهذبة الأوجه، مرصوصة بعناية لتشكل واجهة خارجية متماسكة ومقاومة للعوامل الجوية.
- الحشوة الداخلية (Core/Fill): في كثير من الحالات استُخدمت ردميات حجرية أصغر حجماً وأقل انتظاماً لملء الفراغ بين الجدارين أو داخل بنية المقصورات، وهي تقنية بناء اقتصادية شائعة في العمارة الحجرية القديمة لتقليل كمية الحجر المهذب المطلوب.
- الطين واللبن: استُخدم اللبن الطيني في المراحل الأقدم (فترة حفيت) قبل التحول التدريجي إلى البناء الحجري في فترة أم النار، كما استُخدم الطين كملاط رابط وكمادة تكسية في بعض الأجزاء.
- الأساسات: في بعض الأبراج، أظهرت الحفريات أن البرج بُني فوق ربوة طينية اصطناعية (Anthropogenic Clay Mound) رفعت مستوى الموقع عدة أمتار عن الأرض المحيطة، في عملية تمهيد أرض هندسية مقصودة سبقت أعمال البناء الفعلية.
البئر المركزي: عنصر هندسي محوري
يكاد يكون البئر أو الفراغ المركزي عنصراً ثابتاً في تخطيط هذه الأبراج، إذ يقع في قلب المبنى الدائري محاطاً بصفي المقصورات الشعاعية. وقد رجّح بعض الباحثين أن وظيفة هذا البئر كانت مرتبطة بالوصول إلى الماء الجوفي، وهو ما يتسق مع الأهمية القصوى لإدارة الموارد المائية في بيئة شبه قاحلة كهذه، فيما يربط آخرون وجوده بوظيفة إنشائية محضة، كنقطة مرجعية مركزية لعملية المسح والتخطيط الهندسي قبل البدء بالبناء، إذ يسهل من خلاله رسم الدوائر المتحدة المركز التي تحدد مواقع الجدران والمقصورات بدقة.
الوظيفة الغامضة: جدل علمي مستمر
رغم عقود من التنقيب والدراسة، لا تزال الوظيفة الحقيقية لهذه الأبراج الضخمة محل جدل علمي مفتوح. وتشير منظمة اليونسكو نفسها إلى أنه رغم غياب الدليل القاطع على وظيفتها، يبدو أنها كانت بمثابة منصات (Platforms) حملت فوقها أبنية علوية لم يتبق منها أثر اليوم، سواء كانت مساكن أو معابد أو شيئاً آخر تماماً، وهو ما يلخص حالة عدم اليقين التي لا تزال تكتنف هذا الجانب من الدراسة الأثرية للموقع.
وتتلخص أبرز الفرضيات العلمية المطروحة لتفسير وظيفة هذه الأبراج فيما يلي:
- الفرضية الدفاعية: استناداً إلى ضخامة الجدران وانعدام الفتحات الخارجية في بعض المنشآت المشابهة، يرى بعض الباحثين أن الأبراج لعبت دوراً دفاعياً أو حصيناً، يحمي المستوطنة أو يخزن مواردها الثمينة من النحاس والمؤن.
- الفرضية الإدارية السياسية: ترى هذه الفرضية أن الأبراج كانت مراكز إدارية أو سياسية تتحكم بشؤون المستوطنة وتجارتها، باعتبار بات نقطة التقاء استراتيجية على طرق القوافل.
- الفرضية الزراعية المائية: ترتبط هذه الفرضية بوجود البئر المركزي، وترجّح أن وظيفة بعض الأبراج كانت متصلة بإدارة وتوزيع المياه لأغراض الزراعة المروية، في منطقة تعتمد بقاؤها على الإدارة الدقيقة لموارد مائية محدودة.
- الفرضية الطقسية الرمزية: لا يستبعد بعض الباحثين أن تكون هذه المنشآت قد حملت بعداً رمزياً أو طقسياً، باعتبارها تجسد المكانة الاجتماعية أو السلطة الجماعية للمستوطنة، بصرف النظر عن أي وظيفة عملية مباشرة.
ومن المرجح، بحسب أحدث الدراسات، ألا تكون هذه الفرضيات متنافية بالضرورة، بل قد تكون الأبراج المختلفة قد خدمت أغراضاً متعددة في آنٍ واحد، أو تطورت وظيفتها عبر الزمن مع تطور المجتمع الذي بناها واستخدمها.
الأبحاث الميدانية الحديثة وأدوات التوثيق الرقمي
شهد موقع بات منذ ستينيات القرن الماضي سلسلة من البعثات الأثرية الدولية، بدأت بمسوحات دنماركية في إطار البعثة الدنماركية لشبه الجزيرة العربية، تلتها بعثات ألمانية، ثم بعثة مشروع بات الأثري (Bat Archaeological Project) الأمريكية اليابانية المشتركة التي بدأت أعمالها عام 2007 بقيادة باحثين من جامعة بنسلفانيا (متحف بنسلفانيا للآثار والأنثروبولوجيا)، واستمرت لعدة مواسم تنقيب متتالية حتى السنوات الأخيرة.
وقد ركزت هذه البعثة الأمريكية اليابانية بشكل خاص على فهم متى وكيف ولماذا شُيدت الأبراج الحجرية الضخمة، عبر مزيج من التنقيب واسع النطاق، والمسح بنظم المعلومات الجغرافية (GIS)، وتحديد الأعمار بطريقة الكربون المشع (Radiocarbon Dating)، فيما وُصفت نتائجها بأنها أشمل دراسة أُجريت على الإطلاق للمنشآت غير الجنائزية من العصر البرونزي في شبه الجزيرة العُمانية.
ومن أبرز التقنيات الحديثة التي استُخدمت في توثيق هذه الأبراج، المسح الفوتوغرامتري (Photogrammetric Survey) الذي طُبّق على قصر السليمي (البرج رقم 1148)، حيث أتاح هذا الأسلوب إنشاء نماذج رقمية ثلاثية الأبعاد دقيقة لتلة البرج، ما أسفر عن اكتشاف غير متوقع لنقوش صخرية (Petroglyphs) لم تكن موثقة سابقاً، وهو ما يبرهن على القيمة المضافة لتقنيات التوثيق الرقمي الحديثة في الكشف عن تفاصيل يصعب رصدها بالعين المجردة أو بالمسح التقليدي.
كما استُخدمت تقنيات المسح الجيوفيزيائي غير التدخلي، مثل المغناطيسية الأرضية (Magnetometry) ورادار اختراق الأرض (Ground Penetrating Radar)، في المنطقة المحيطة بالموقع، بهدف تحديد المواقع المناسبة لإقامة منشآت الزوار والمتحف ومرافق الخدمات المستقبلية، دون المساس بالطبقات الأثرية غير المنقَّبة بعد، في مقاربة تحفظ سلامة الموقع وتراعي إمكانية إجراء أبحاث مستقبلية فيه.
تُظهر جميع الأبراج المبنية من الحجر استخدام كتل من الحجر الجيري المحلي المشذبة بعناية ومرصوصة بملاط طيني بسيط، وفي حين لا يزال الدليل القاطع على وظيفتها مفقوداً، يبدو أنها كانت منصات حملت فوقها أبنية علوية لم يبق منها أثر. — مركز التراث العالمي لليونسكو
موقع الخطم: البرج البيضاوي ومقابره المحيطة
يقع موقع الخطم على بعد كيلومترين تقريباً جنوب غرب مستوطنة بات، ويُعد الموقع المكمّل والمحوري الثاني ضمن منظومة التراث العالمي المسجلة. ويتميز الخطم باحتوائه على برج حجري ضخم ينتمي إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، يقع فوق ربوة صغيرة طبيعية تمنحه إشرافاً بصرياً على محيطه، وهو موقع استراتيجي يتكرر اختياره في عدد من الأبراج الأخرى بالمنطقة، ما يرجّح أن عامل الإشراف البصري والسيطرة على المشهد المحيط كان اعتباراً مقصوداً في اختيار مواقع هذه المنشآت.
ويتميز برج الخطم عن نظيراته في بات بشكله البيضاوي (Oval) بدلاً من الدائري التام، بقطر يقارب 20 متراً، وهو ما يفتح تساؤلات هندسية مثيرة حول مدى مرونة المخطط المعماري المعتمد لدى البنائين القدماء، وما إذا كان هذا الاختلاف ناجماً عن طبيعة الموقع الطبوغرافي للربوة التي بُني عليها البرج، أم عن تطور تقني أو زمني في تصميم الأبراج.
وتنتشر على سلسلة التلال المحيطة ببرج الخطم مجموعة من المدافن الركامية (Cairn Tombs) التي تعود إلى الفترة الزمنية ذاتها، في نمط مكاني متكرر يربط الأبراج الكبرى بحقول المدافن المحيطة بها، ويعكس على الأرجح علاقة وظيفية أو رمزية بين منشآت الأحياء ومدافن الموتى ضمن النسق الاجتماعي لمجتمع مجان القديم.
المنظومة الجنائزية: هندسة المقابر المصاحبة للأبراج
لا يكتمل فهم الأبعاد الهندسية لموقع بات والخطم دون النظر إلى المنظومة الجنائزية الواسعة المصاحبة للأبراج، والتي تضم أكثر من مئة قبر موزعة على مرتفعات صخرية وتلال محيطة. وتنقسم هذه المقابر، بحسب التصنيف الأثري المعتمد، إلى مجموعتين رئيسيتين تعكس كل منهما تقنية بناء وفلسفة معمارية مختلفة.
مقابر فترة حفيت (مقابر خلية النحل)
تقع هذه المقابر على قمم المنحدرات الصخرية المحيطة بالموقع، وهي مدافن دائرية أحادية الحجرة غالباً، مبنية بطريقة الرص الحجري الجاف (Dry Masonry) دون استخدام ملاط، بأسلوب يشبه بناء خلية النحل من حيث تدرج المداميك الحجرية إلى الداخل تدريجياً لتشكيل قبة مغلقة، وهي تقنية إنشائية تُعرف في الهندسة المعمارية باسم القبو الكاذب أو القبو بالزحف (Corbelled Vault)، حيث يتدرج كل صف من الحجارة بمقدار بسيط إلى الداخل عن الصف الذي تحته، دون الاعتماد على مفتاح قوس مركزي كما في القباب الحقيقية، إلى أن يلتقي الحجران الأخيران في القمة.
ويقدّر الباحث الأثري ساندرو سالفاتوري أن بعض هذه المقابر، كتلك الموجودة في موقع قبور جحال بالعين، كانت قادرة على استيعاب رفات نحو ثلاثين فرداً، رغم صغر حجمها الظاهري، ما يعكس استخداماً جماعياً ومتكرراً لهذه المدافن عبر أجيال متعاقبة، وليس دفناً فردياً لمرة واحدة.
مقابر فترة أم النار (المقابر متعددة الحجرات)
تطورت هذه المقابر لتصبح أكبر حجماً وأكثر تعقيداً هندسياً، بواجهات خارجية من الحجر الجيري الأبيض المشذب بدقة، وتصميم داخلي يضم حجرات متعددة تتسع لأعداد أكبر من الموتى، مع مرفقات جنائزية غنية ومتنوعة تشمل مواد محلية ومستوردة من حضارات بعيدة كبلاد الرافدين ووادي السند وإيران، وهو دليل مادي قاطع على شبكة العلاقات التجارية الواسعة التي شاركت فيها مجان خلال ذروة ازدهارها.
وتمتاز المقابر في موقعي بات والعين، بحسب تقارير ميدانية حديثة، بحالة حفظ استثنائية، إذ لا تزال تحتفظ بأكوام موادها الحجرية الأصلية، حتى إن بعضها يبدو وكأنه شُيّد حديثاً رغم مرور آلاف السنين، ويمتلك كل قبر مدخلاً واحداً صغيراً يصعب من خلاله رؤية ما بداخله بوضوح.
تحديات الحفظ والصون
على الرغم من القيمة العلمية والتراثية الفريدة لموقع بات والخطم والعين، يواجه الموقع عدداً من التحديات التي تستدعي جهوداً متواصلة للصون والحماية. فلم تخضع هذه المواقع لأي أعمال ترميم أو حفظ تذكر قبل حصولها على حماية اليونسكو، ما يعني أن عزلتها الجغرافية النسبية كانت تشكل خط الدفاع الوحيد عنها لقرون طويلة.
ومن أبرز المخاطر التي تهدد سلامة الموقع اليوم استمرار بعض السكان المحليين في أخذ مواد البناء الحجرية من المواقع الأثرية لأغراض البناء المعاصر، وهي ممارسة تتطلب تدخلاً توعوياً ورقابياً مستمراً من الجهات المعنية. كما شكّل التوسع العمراني للقرية الحديثة، بما في ذلك إنشاء مدرسة بالقرب من برج المطارية، وبناء سد لحماية الأراضي الزراعية من الفيضانات، عاملاً غيّر من المسار المائي الطبيعي للوادي، ما أدى إلى تآكل جانبي يهدد عدداً من المعالم الأثرية القريبة من مجرى الوادي الشمالي.
واستجابة لهذه التحديات، عهدت وزارة التراث والثقافة العُمانية بمراقبة الموقع إلى مفتش محلي مكلف بمتابعة أي أعمال بناء أو تطوير للبنية التحتية قد تشكل خطراً على المعالم الأثرية، فضلاً عن وضع خطط لإقامة سياج حماية كامل حول موقع المقابر الرئيسي بدأ تنفيذه منذ عام 2009، إلى جانب خطط لترميم البرج الأفضل حفظاً، قصر الرجوم، باعتباره نموذجاً تفسيرياً يمكن أن يساعد الزوار والباحثين على فهم الشكل الأصلي لهذه الأبراج بشكل أوضح.
خاتمة: إرث هندسي يتحدى الزمن
تمثل أبراج بات والخطم شاهداً مادياً استثنائياً على قدرة الإنسان القديم في شبه الجزيرة العُمانية على تطوير حلول هندسية معقدة ومتقنة، بأدوات بسيطة نسبياً، قبل خمسة آلاف عام من اليوم. فالدقة في التخطيط الدائري والشعاعي، والتدرج في تقنيات البناء من اللبن الطيني إلى الحجر المشذب، والتطور المرحلي عبر إضافة جدران دعم وتوسعة، كلها مؤشرات على عقل هندسي جمعي تراكمت خبرته جيلاً بعد جيل، وتفاعل مع بيئته الصحراوية القاسية ليطور أنظمة بناء قادرة على الصمود لآلاف السنين.
ورغم أن السؤال الجوهري حول الوظيفة الحقيقية لهذه الأبراج لا يزال بلا إجابة قاطعة، فإن استمرار جهود البحث الأثري، مدعومة بتقنيات التوثيق الرقمي الحديثة كالمسح الفوتوغرامتري والتأريخ بالكربون المشع والمسح الجيوفيزيائي، يبشر باكتشافات جديدة قد تكشف مزيداً من أسرار حضارة مجان وعبقريتها الهندسية. وتبقى بات والخطم والعين، بما تحمله من إرث معماري فريد، نافذة لا تُقدَّر بثمن لفهم فجر الحضارة الإنسانية في الجزيرة العربية، وتذكيراً دائماً بأن العظمة المعمارية لا تستلزم بالضرورة أدوات متطورة، بل رؤية هندسية واضحة وإرادة جماعية صلبة.
أهم المصادر والمراجع
- مركز التراث العالمي لليونسكو، صفحة المواقع الأثرية في بات والخطم والعين (whc.unesco.org).
- Thornton, C. P., Cable, C. M., & Possehl, G. L. (eds.), The Bronze Age Towers at Bat, Sultanate of Oman: Research by the Bat Archaeological Project, 2007-12, University of Pennsylvania Museum Monographs 143, Philadelphia.
- مشروع بات الأثري (Bat Archaeological Project)، متحف جامعة بنسلفانيا للآثار والأنثروبولوجيا.
- Cable, C. M., Bat and the Umm an-Nar Settlement Tradition، أبحاث منشورة حول الخفاجي ونمط الاستيطان.
- وزارة التراث والثقافة بسلطنة عُمان، التقارير والوثائق الرسمية الخاصة بموقع بات والخطم والعين.
- تقارير إعلامية وميدانية منشورة في جريدة عُمان ومجلة عُمان أوبزرفر حول مواقع بات والخطم والعين.