المرأة العمانية في الدبلوماسية: مسيرة السفيرات والوزيرات في المحافل الدولية
لم يكن حضور المرأة العمانية في ميادين الدبلوماسية والعمل الوزاري وليد لحظة عابرة، بل كان نتاج مسار طويل من الإصلاح والتمكين رافق نهضة السلطنة الحديثة منذ مطلع السبعينيات. فمنذ أن أعلى جلالة السلطان الراحل قابوس بن سعيد – رحمه الله – من شأن دور المرأة، وأكد في أكثر من محفل أنها شريك أساسي للرجل في بناء الوطن، بدأت عمان رحلة متدرجة ولكنها ثابتة نحو فتح الأبواب أمام المرأة العمانية للمساهمة في كل مفاصل الدولة، وعلى رأسها الحقل الدبلوماسي الذي يمثل واجهة البلاد أمام العالم.
واليوم، حين نستعرض المشهد الدبلوماسي العماني، نجد المرأة حاضرة بقوة: سفيرات يرفعن علم السلطنة في عواصم القرار حول العالم، ودبلوماسيات يتقلدن مناصب قيادية داخل وزارة الخارجية، ووزيرات يشاركن في صنع القرار الوطني ويمثلن بلادهن في القمم والمحافل الدولية. هذا المقال يستعرض مسيرة هذا الحضور، من البدايات الأولى وحتى المكانة التي بلغتها المرأة العمانية اليوم، في ظل دعم متواصل من قيادة السلطنة، وعلى رأسها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – الذي واصل نهج التمكين ورسّخه بمزيد من الفرص والمبادرات.
الجذور التاريخية: كيف بدأت المرأة العمانية طريقها في العمل العام
لفهم حجم الإنجاز الذي حققته المرأة العمانية في الدبلوماسية، لا بد من العودة إلى نقطة البداية. فقبل عام 1970، كانت فرص التعليم والعمل العام محدودة جدًا أمام المرأة العمانية، إذ لم تكن هناك بنية مؤسسية تستوعب طاقاتها أو تتيح لها فرص الانخراط في الشأن العام. ومع انطلاق النهضة المباركة، تغير المشهد جذريًا.
في عام 1971، شهدت السلطنة تأسيس أول جمعية نسائية رسمية في مسقط، وكانت تلك الخطوة بداية تحول نوعي في العمل المؤسسي النسائي العماني، حيث توالت بعدها الجمعيات النسائية حتى بلغ عددها اليوم ما يقارب ثمانٍ وخمسين جمعية تنتشر في محافظات السلطنة المختلفة، وتهدف إلى توفير الفرص والإمكانات لتطوير قدرات المرأة العمانية ومهاراتها.
وقد واكب هذا التحول المؤسسي توسعًا في حقوق المرأة السياسية، فمنحت المرأة العمانية حق التصويت في الانتخابات، كما مُنحت حق الترشح لعضوية مجلس الشورى في عام 2000، وهي خطوة مهدت الطريق لمشاركتها السياسية الفاعلة في السنوات اللاحقة. وبالتوازي مع هذا المسار، بدأت المرأة العمانية تدريجيًا تأخذ موقعها في الجهاز الدبلوماسي للدولة، وإن كانت الخطوات الأولى متواضعة في عددها، إلا أنها كانت عميقة الأثر في كسر الصورة النمطية وفتح الطريق لمن أتت بعدهن.
ومن أبرز محطات هذا المسار التأسيسي، تكريم السفيرة المتقاعدة خديجة بنت حسن بن سلمان اللواتية بصفتها أول سفيرة عمانية في عصر النهضة الحديثة، حيث شكلت تجربتها الرائدة نقطة انطلاق رمزية لكل من جاء بعدها من الدبلوماسيات العمانيات. وقد احتفت وزارة الخارجية العمانية بهذا الإرث في فعالياتها الخاصة بيوم المرأة العمانية، حين تولت السفيرة اللواتية رعاية حفل خاص استعرض، من خلال فيلم وثائقي، الحاضر الزاهر للمرأة العمانية في السلك الدبلوماسي.
يوم المرأة العمانية: مناسبة وطنية تجسد الاهتمام الرسمي
يحتفل العمانيون في السابع عشر من أكتوبر من كل عام بيوم المرأة العمانية، وهو ليس يومًا احتفاليًا عابرًا بقدر ما هو ترجمة فعلية للاهتمام الذي أولاه جلالة السلطان الراحل قابوس بن سعيد لدور المرأة، حيث أكد في كل مناسبة ممكنة أهمية شراكتها مع الرجل في تنمية البلاد. وقد توّج هذا الاهتمام بتخصيص هذا التاريخ سنويًا تقديرًا لإنجازات المرأة العمانية وعطاءاتها الكبيرة في مسيرة التنمية المستدامة وبناء الوطن.
ولم تخذل المرأة العمانية الثقة التي وُضعت فيها، فأثبتت جدارة لافتة جعلت من سيدات عمان مثالًا يحتذى به في الداخل والخارج، حاملة شهادات عليا وحقائب وزارية ومقاعد في مجلس الشورى، إلى جانب مناصب دبلوماسية حملت من خلالها رسالة السلام العمانية إلى مختلف دول العالم.
وفي كل عام، تستحضر المناسبة رسائل التهنئة والتقدير من القيادة العمانية، وعلى رأسها رسائل تُرفع لسيدة عمان الأولى، السيدة الجليلة عهد بنت عبدالله البوسعيدية – حرم حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – تعبيرًا عن الفخر والامتنان لدعمها الكريم للمرأة العمانية وتمكينها في مختلف الميادين، باعتبار رعايتها مصدر إلهام لكل عمانية تسعى للعطاء والبناء في ظل النهضة المتجددة.
المرأة العمانية في وزارة الخارجية: أرقام تعكس التمكين
تشير الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية العمانية إلى تطور لافت في حضور المرأة داخل الجهاز الدبلوماسي. فقد بلغ عدد العاملات في السلك الدبلوماسي ما يقارب 249 امرأة، وهو ما يمثل نسبة 31% من إجمالي عدد الموظفين في وزارة الخارجية، في حين تبلغ نسبة العاملات في بعثات السلطنة بالخارج نحو 20% من إجمالي موظفي تلك البعثات.
هذه النسب لم تتحقق من فراغ، بل هي نتاج سياسات ممنهجة انتهجتها السلطنة لتمكين المرأة من الإسهام بفاعلية في جميع المجالات، ومنها العمل الدبلوماسي. وقد أكدت المستشارة الدكتورة حنان بنت إبراهيم الشحية، رئيسة دائرة أمريكا بوزارة الخارجية، أن الإرادة السياسية هي التي مكّنت المرأة العمانية من العمل سفيرات ورئيسات وفود، مشيرة إلى أن المرأة العمانية أثبتت عبر الأعوام جدارتها في تولي مهام العمل الدبلوماسي، وأن مشاركتها في هذا المجال تشهد تناميًا مطّردًا.
ولم يقف الأمر عند حدود التمثيل الرقمي، بل تجاوزته المرأة العمانية إلى تولي مواقع قيادية فعلية، فأصبحت تعمل دبلوماسية، بل وترأس بعثة بلادها، في العديد من البلدان المهمة اقتصاديًا وسياسيًا، كما تتقلد مناصب قيادية داخل الوزارة نفسها، من خلال رئاسة دوائر ومكاتب مهمة، على غرار ما تتولاه الدكتورة حنان الشحية في رئاسة دائرة أمريكا، وهو موقع يعكس ثقة القيادة في الكفاءة العمانية النسائية في التعامل مع ملفات بالغة الحساسية والأهمية الاستراتيجية.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا التمكين الدبلوماسي يتجاوز التعيين الوظيفي إلى دعم نوعي أوسع، حيث امتدت جهود وزارة الخارجية لتشمل التوجيه والتدريب الهادف إلى تعزيز مشاركة المرأة في المنظمات الدولية، بما يمكّنها من قيادة المشاريع والمبادرات العالمية بفعالية، وهو ما عكسته الجهود الاستراتيجية للوزارة على مدى السنوات الماضية.
ومع ذلك، تبقى رئيسة دائرة أمريكا واضحة في تقييمها للمسار المستقبلي، حين أشارت إلى أن الطريق لا يزال طويلًا، وأن المجال يظل متسعًا سعة السماء لكل امرأة طموحة ومؤهلة للتميز وارتقاء سلم النجاح الدبلوماسي، داعية النساء العمانيات، سواء المنخرطات حاليًا في السلك الدبلوماسي أو من هن على طريق الالتحاق به، إلى تكثيف الجهود والتسلح بالمهارات والكفاءات المطلوبة ليكنّ خير واجهة لبلادهن.
رائدات فتحن الطريق: نماذج ملهمة من السفيرات العمانيات
عند الحديث عن مسيرة المرأة العمانية في الدبلوماسية، لا يمكن تجاوز محطات بعينها شكلت سوابق تاريخية مهمة، وفتحت الباب لمن جاء بعدها.
حنينة المغيرية: أول سفيرة عربية في واشنطن
تمثل السفيرة حنينة المغيرية أحد أبرز الأمثلة على الريادة العمانية في الدبلوماسية الاقتصادية. فهي أول سفيرة عربية تُمثل بلادها في العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث شغلت منصب سفيرة فوق العادة ومفوضة لسلطنة عمان لدى الولايات المتحدة الأمريكية منذ ديسمبر 2005، إضافة إلى تمثيل السلطنة لدى المكسيك وكندا بصفة غير مقيمة ابتداءً من أكتوبر 2007.
وقد جاء تعيينها امتدادًا لمسار مهني عريق، إذ تحمل السفيرة المغيرية شهادة البكالوريوس في تجارة الاتصالات من معهد البوليتكنيك في القاهرة، وشهادة الماجستير في الاقتصاد من جامعة نيويورك، كما عملت ممثلة للمركز العماني لتشجيع الاستثمار وتطوير الصادرات في مدينة نيويورك، قبل أن تتقلد منصب المدير العام للمركز لشؤون تشجيع الاستثمار، وعملت أيضًا مستشارة لوكيل وزارة التجارة والصناعة، ومساعدة للمستشار الاقتصادي للسلطان قابوس.
ولعبت السفيرة المغيرية دورًا محوريًا في إنجاز اتفاقية التجارة الحرة بين سلطنة عمان والولايات المتحدة الأمريكية، التي دخلت حيز التنفيذ في عام 2006، حيث كانت سلطنة عمان ثالث دولة عربية تحرر عقداً تجاريا مع أمريكا في هذا الباب، وهو ما وصفه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش بأنه خطوة نحو إقامة منطقة تجارة حرة في الشرق الأوسط. وقد نالت إنجازاتها تقديرًا واسعًا من المسؤولين ورجال الأعمال الأمريكيين، الذين أشاروا إلى الدور الذي لعبته في إثبات أن المرأة العربية والعمانية قادرة على الإسهام الفاعل في التجارة والدبلوماسية على أعلى المستويات.
رؤى الزدجالي: تمثيل عمان في القلب الأوروبي
من بين الأسماء التي برزت في المشهد الدبلوماسي الحديث، تأتي السفيرة رؤى الزدجالي التي تمثل سلطنة عمان لدى المملكة البلجيكية، وهي إحدى الشخصيات التي شاركت برسائل ملهمة بمناسبة يوم المرأة العمانية، معبرة عن دلالة الدور الذي تضطلع به الدبلوماسية العمانية في تعزيز العلاقات مع القارة الأوروبية، خاصة في ظل أهمية بروكسل كمقر للعديد من المؤسسات والمنظمات الدولية والإقليمية الأوروبية.
السفيرة المتقاعدة خديجة اللواتية: شاهدة على مسيرة كاملة
تظل السفيرة المتقاعدة خديجة بنت حسن بن سلمان اللواتية رمزًا للريادة المؤسسية، بصفتها أول سفيرة عمانية في عصر النهضة، وقد تواصل حضورها رمزًا ومرجعًا حتى بعد تقاعدها، حيث تولت في إحدى المناسبات رعاية حفل وزارة الخارجية الخاص بيوم المرأة العمانية، لتؤكد من خلال خبرتها العميقة على دور المرأة العمانية في العمل الدبلوماسي وتمثيل السلطنة في المحافل الدولية.
الوزيرات العمانيات: حضور في صنع القرار الوطني والدولي
لم يكن الحضور النسائي العماني مقصورًا على السلك الدبلوماسي وحده، بل امتد ليشمل الحقائب الوزارية، وهو ما يعكس عمق التمكين الذي تحقق على مستوى صنع القرار الوطني، بما له من انعكاسات مباشرة على التمثيل الدولي لسلطنة عمان في القمم والمنتديات العالمية.
راوية البوسعيدية: أول من حملت حقيبة وزارية
تحتل الدكتورة راوية بنت سعود بن أحمد البوسعيدية مكانة تاريخية بصفتها أول امرأة عمانية تتولى حقيبة وزارية، حيث عُينت وزيرة للتعليم العالي بموجب مرسوم سلطاني صدر عام 2004. ولم يكن هذا الإنجاز معزولًا، بل ترافق مع مسيرة حافلة بالمشاركة في المحافل الدولية، فقد مثلت السلطنة في منظمة التنمية الصناعية للأمم المتحدة، وشاركت في وفد السلطنة إلى القمة العربية وقمة الدول العربية ودول أمريكا الجنوبية التي عُقدت في الدوحة عام 2009، إضافة إلى عضويتها في مجالس إدارة عدة مؤسسات إقليمية كمؤسسة المرأة العربية ومجلس التعليم العالي.
مديحة الشيبانية: استمرارية القيادة النسائية في التعليم
أكملت الدكتورة مديحة بنت أحمد بن ناصر الشيبانية مسار التمكين النسائي حين صدر المرسوم السلطاني رقم 13 لعام 2011 بتعيينها وزيرة للتربية والتعليم، منصب استمرت في شغله لسنوات طويلة، ما جعلها أحد الوجوه النسائية الثابتة في الحكومة العمانية، وممثلة دائمة لقطاع التعليم في المحافل والمؤتمرات التربوية الدولية.
رحمة المحروقية: قيادة التعليم العالي والبحث العلمي
في إطار استمرارية حضور المرأة في الحقائب التعليمية والبحثية، أصدر جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم مرسومًا سلطانيًا بتعيين معالي الدكتورة رحمة بنت إبراهيم المحروقية وزيرة للتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، في خطوة تؤكد استمرار نهج التمكين في عهد جلالته، وتعكس أهمية الدور النسائي في قطاع حيوي يرتبط مباشرة بالابتكار والشراكات البحثية الدولية.
سيدات في مواقع وزارية ومجتمعية متنوعة
إلى جانب الوزيرات في قطاع التعليم، برزت أسماء نسائية أخرى تولت حقائب وزارية ومناصب رفيعة في مجالات متعددة، من أبرزها من تولت منصب وزيرة شؤون الفنون بين عامي 2019 و2020، وسبق لها أن شغلت منصب نائبة لرئيس مجلس الدولة بين عامي 2015 و2019، لتكون أول عمانية تتولى هذا المنصب، كما تولت رئاسة اللجنة الاجتماعية في المجلس نفسه، وحصلت على وسام المرأة القيادية المسؤولة اجتماعيًا في عام 2017 من خلال مؤتمر المرأة الثاني للمسؤولية المجتمعية الذي نظمته الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية في مملكة البحرين.
كذلك تجدر الإشارة إلى دور إحدى الشخصيات النسائية العمانية التي ترأست الوفد العماني في مؤتمر منظمة المرأة العربية عام 2016، حين اختيرت السلطنة لرئاسة المنظمة حتى عام 2019، وهو موقع يعكس الثقة الإقليمية في القدرة العمانية على قيادة الملفات النسائية على المستوى العربي.
وبحسب البيانات الرسمية الأحدث، فإن مشاركة المرأة في الحقيبة الوزارية بلغت نسبة 13% من أصل 23 وزيرًا، فضلًا عن وجود 18 عضوة في مجلس عمان (الشورى والدولة)، وهي مؤشرات واضحة على انتقال التمكين النسائي العماني من المجالين الاجتماعي والاقتصادي إلى دائرة صنع القرار، وعلى قدرة المرأة العمانية على تمثيل بلادها في الداخل والخارج بكفاءة واقتدار.
التعليم: الأساس الذي بُني عليه التمكين الدبلوماسي
لا يمكن فهم هذا الصعود النوعي للمرأة العمانية في الدبلوماسية بمعزل عن الجهود التعليمية الكبيرة التي بذلتها السلطنة على مدار العقود الماضية. فوفقًا لبيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات لعام 2021، بلغ عدد العمانيات الحاصلات على مستوى الدبلوم العام نحو 313,745 عمانية، وبلغ عدد الحاصلات على دبلوم التعليم العالي نحو 53,232 عمانية، فيما بلغ عدد الحاصلات على درجة البكالوريوس فأعلى نحو 152,422 عمانية.
هذا الرصيد التعليمي الضخم هو الذي مكّن وزارة الخارجية ومؤسسات الدولة الأخرى من الاستقطاب المستمر للكفاءات النسائية المؤهلة لتولي المناصب الدبلوماسية والقيادية، حيث لم يعد التحدي يتمثل في غياب الكفاءة، بل في توفير الفرص المؤسسية المناسبة لاستثمار هذه الكفاءة، وهو ما عملت عليه السلطنة من خلال سياساتها التمكينية المتعددة.
الأكاديمية الدبلوماسية ودورها في صقل الكفاءات النسائية
تلعب الأكاديمية الدبلوماسية التابعة لوزارة الخارجية العمانية دورًا محوريًا في تأهيل الكوادر النسائية وإعدادها للعمل في الحقل الدبلوماسي، عبر دورات تدريبية متخصصة تستهدف رفع الكفاءة المهنية للدبلوماسيين والدبلوماسيات على حد سواء. وفي إحدى دوراتها، التي حملت الرقم الرابع والأربعين، استضافت الأكاديمية الإعلامية العمانية القديرة الدكتورة منى بنت محفوظ المنذرية، التي تحدثت عن إنجازات المرأة العمانية وتطلعاتها المستقبلية، في لقاء يعكس الحرص على ربط الخبرات النسائية المتراكمة في مجالات أخرى، كالإعلام، بمسار التطوير الدبلوماسي.
وتُعد منى المنذرية نفسها رمزًا تاريخيًا في الإعلام العماني، فهي صاحبة أول صوت نسائي نطق به الإعلام العماني عبر عبارة “هنا عمان”، وقد مثلت المرأة العمانية أحسن تمثيل في المجال الإعلامي، في مسار موازٍ ومكمّل لمسيرة التمكين الدبلوماسي والسياسي.
نموذج فريد: المرأة العمانية في الدبلوماسية البحرية والثقافية
لم يقتصر التمثيل الدبلوماسي للمرأة العمانية على الأطر الرسمية التقليدية كالسفارات والوزارات، بل امتد إلى أشكال أخرى من الدبلوماسية الناعمة، من أبرزها المشاركة في رحلات سفينة شباب عمان، التي تُعد أحد أهم أدوات الدبلوماسية الثقافية والبحرية العمانية حول العالم.
فقد شاركت عناصر نسائية من الطاقم البحري في رحلة “أمجاد البحار 2025” لسفينة شباب عمان الثانية، حاملة على عاتقها رسالة مد أواصر الصداقة والإخاء بين سلطنة عمان ودول العالم. وتروي إحدى المشاركات من وزارة التربية والتعليم تجربتها، مؤكدة أن انضمامها للطاقم البحري كان يعني أن تكون السفيرة الأمثل لعمان، ومثالًا يحتذى به في الكرم والأصالة، ورمزًا للعطاء الذي يرفع اسم الوطن في كل محفل.
وتؤكد المشاركات في هذه التجربة أن المرأة العمانية تعكس صورة مكتملة للوطن، إذ تحمل في سلوكها وثقافتها وحوارها ملامح عمان الحضارية، وتجسد روحها في التواصل مع الشعوب الأخرى، عبر زيها التقليدي العماني الذي يعزز صورة السلطنة كدولة منفتحة على الحوار الحضاري والثقافي، فيما تتفاوت انطباعات المشاركين الدوليين من مختلف السفن الأخرى بين الإعجاب بدور المرأة العمانية والانبهار بقدراتها، وهو ما يمثل حافزًا إضافيًا لمواصلة هذا الدور التمثيلي الفريد.
التحديات التي لا تزال قائمة
رغم الإنجاز الكبير الذي تحقق، فإن الصورة لا تكتمل دون الإشارة إلى التحديات التي لا تزال قائمة أمام توسيع مشاركة المرأة العمانية في الدبلوماسية. فحين سُئلت الدكتورة حنان الشحية عن أبرز التحديات التي تواجه المرأة العمانية في هذا المجال، أكدت في مستهل حديثها على أهمية مناسبة يوم المرأة العمانية كفرصة للاحتفاء بالإنجازات، قبل أن تشير إلى أن طريق التمكين الدبلوماسي لا يزال يحتاج إلى مزيد من الجهد، خصوصًا في ما يتعلق بتكثيف برامج التأهيل والتدريب، وتوسيع قاعدة المشاركة في المناصب القيادية رفيعة المستوى داخل البعثات الدبلوماسية في الخارج.
ويبرز من بين هذه التحديات أيضًا، طبيعة العمل الدبلوماسي نفسه الذي يتطلب التنقل المستمر بين الدول والمدن، وما يفرضه ذلك من ضرورة التوازن بين المسؤوليات المهنية والأسرية، إلى جانب الحاجة المستمرة لتطوير المهارات اللغوية والتفاوضية والقانونية التي يتطلبها العمل في المحافل الدولية المتشعبة، وهي تحديات لا تختلف كثيرًا عن تلك التي تواجهها الدبلوماسيات في مختلف دول العالم، لكن تجاوزها يبقى مرهونًا باستمرار الدعم المؤسسي والسياسي الذي طالما حظيت به المرأة العمانية.
رؤية عمان 2040 ومستقبل التمكين الدبلوماسي للمرأة
تأتي مسيرة تمكين المرأة العمانية في الدبلوماسية متناسقة مع محاور رؤية “عمان 2040″، التي تضع تكافؤ الفرص والمشاركة المجتمعية الشاملة في صدارة أولوياتها التنموية. فالرؤية الوطنية لا تنظر إلى تمكين المرأة بصفته هدفًا اجتماعيًا منفصلًا، بل باعتباره جزءًا أساسيًا من منظومة التنمية المستدامة التي تسعى السلطنة إلى ترسيخها في جميع مفاصل الدولة، ومنها العلاقات الخارجية والتمثيل الدولي.
وفي ظل قيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – تستمر مسيرة الدعم المؤسسي للمرأة العمانية في الدبلوماسية، عبر مضاعفة فرص التأهيل والتدريب، وتوسيع نطاق تمثيلها في المنظمات الدولية الكبرى، بما يمكّنها من قيادة المشاريع والمبادرات العالمية بفعالية أكبر، تماشيًا مع الدعم الاستراتيجي الذي توفره وزارة الخارجية لهذا المسار.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن المسار التصاعدي لحضور المرأة العمانية في الدبلوماسية لن يتوقف عند الأرقام القائمة، بل من المتوقع أن يتسع نطاقه ليشمل مزيدًا من المناصب القيادية رفيعة المستوى، خصوصًا في ظل الزخم الذي اكتسبته قضايا تمكين المرأة على المستويين الإقليمي والدولي، وما تحظى به السلطنة من مكانة دبلوماسية متميزة كدولة جسر للحوار والتفاهم بين الشعوب والحضارات، وهي السمة التي تنعكس بدورها في الدور الذي تؤديه المرأة العمانية في صياغة وتجسيد هذه الصورة الدبلوماسية على الأرض.
الدبلوماسية الاقتصادية والتجارية: حضور نسائي في ملفات حيوية
من أهم تجليات تطور الدور الدبلوماسي للمرأة العمانية، انتقالها من التمثيل البروتوكولي التقليدي إلى قيادة ملفات اقتصادية وتجارية بالغة التعقيد. فتجربة السفيرة حنينة المغيرية في واشنطن لم تكن استثناءً عابرًا، بل نموذجًا يُحتذى لما يمكن أن تحققه الدبلوماسية الاقتصادية النسائية حين تُمنح الثقة والصلاحيات الكاملة. فمفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين عمان والولايات المتحدة لم تكن مجرد توقيع رمزي، بل عملية تفاوضية طويلة تطلبت فهمًا عميقًا للتشريعات التجارية الأمريكية، وقدرة على التواصل مع دوائر صنع القرار في الكونغرس والإدارة الأمريكية، وهي مهارات أثبتت المغيرية تمكنها منها على أعلى مستوى.
وقد علّق على هذه التجربة عدد من المسؤولين والمستثمرين الأمريكيين الذين تعاملوا معها مباشرة، حيث وصفها أحد السفراء الأمريكيين السابقين في مسقط بأنها ستبقى نقطة مضيئة في العلاقات العمانية الأمريكية، لكونها أول سفيرة من العالم العربي تُمثل بلادها في واشنطن بهذا النشاط والحيوية. كما أشارت مسؤولة مصرفية أمريكية إلى أن نجاحها في ملف التجارة الحرة جمع بين القوة الهادئة والتأثير الدبلوماسي الفعّال، في إشارة إلى الأسلوب المتميز الذي انتهجته في إدارة الملفات الاقتصادية الحساسة.
هذا النموذج من الدبلوماسية الاقتصادية يعكس تطورًا مهمًا في فهم السلطنة لدور المرأة في الدبلوماسية، حيث لم يعد الأمر يقتصر على التمثيل السياسي أو الثقافي، بل توسع ليشمل قيادة الملفات الاستراتيجية التي تخدم المصالح الاقتصادية الوطنية بشكل مباشر، وهو نهج يُتوقع أن يتعزز أكثر في ضوء الانفتاح الاقتصادي المتزايد لسلطنة عمان على الأسواق العالمية، وما يتطلبه ذلك من تمثيل دبلوماسي قادر على إدارة مفاوضات الاستثمار والتجارة بكفاءة عالية.
أصوات نسائية عمانية في المنظمات الدولية والإقليمية
إلى جانب التمثيل الثنائي بين الدول، تزايد حضور المرأة العمانية في أطر العمل المتعدد الأطراف، من خلال تمثيل السلطنة في المنظمات الدولية والإقليمية المتخصصة. فقد شهدت هذه المنظمات مشاركة نسائية عمانية فاعلة في وفود تمثل السلطنة في القمم العربية والمؤتمرات الدولية المتخصصة بقضايا التنمية والتعليم والمرأة، بما يعكس قدرة الكادر النسائي العماني على التكيف مع طبيعة العمل المتعدد الأطراف الذي يختلف في تعقيداته عن العمل الدبلوماسي الثنائي التقليدي.
ومن أبرز الأمثلة على هذا الحضور، رئاسة السلطنة لمنظمة المرأة العربية لفترة استمرت حتى عام 2019، وهي رئاسة تولت قيادتها شخصية نسائية عمانية، في إشارة إلى الثقة العربية المتجددة بالكفاءة العمانية في قيادة الملفات النسائية الإقليمية. كما تشارك دبلوماسيات عمانيات بشكل منتظم في اجتماعات الأمم المتحدة المتعلقة بقضايا المرأة والتنمية المستدامة، حاملات معهن خبرة وطنية تراكمية يمكن البناء عليها في الحوارات الدولية المتعلقة بهذه الملفات.
ويُظهر هذا التوسع في نطاق التمثيل المتعدد الأطراف أن المرأة العمانية لم تعد تقتصر على الأدوار التقليدية في السفارات الثنائية، بل أصبحت جزءًا فاعلًا من صياغة المواقف العمانية في القضايا الدولية الكبرى، بما في ذلك قضايا السلام والأمن والتنمية، بما يتسق مع السياسة الخارجية العمانية القائمة على رؤية عميقة ودائمة تتبنى الحوار والتسامح كمبادئ توجيهية في معالجة جميع القضايا الدولية.
خاتمة
تروي مسيرة المرأة العمانية في الدبلوماسية قصة تحول حقيقي، بدأت من نقطة محدودة الفرص في مطلع السبعينيات، ووصلت اليوم إلى حضور لافت يتجلى في 249 دبلوماسية يمثلن نسبة تقارب ثلث موظفي وزارة الخارجية، وفي وزيرات يتقلدن حقائب حساسة كالتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي وشؤون الفنون، وفي سفيرات يرفعن اسم عمان في عواصم القرار الكبرى من واشنطن إلى بروكسل.
هذه المسيرة ليست محطة نهائية، بل هي جزء من رحلة تنموية مستمرة، تستلهم من تراث النهضة المباركة التي أسسها السلطان الراحل قابوس بن سعيد، وتتجدد بدعم جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، وتتطلع إلى آفاق أوسع تتسق مع رؤية عمان 2040. وكما عبّرت إحدى الدبلوماسيات العمانيات، فإن الجدارة هي معيار النجاح لا النوع، وهذه هي الرسالة التي تحملها كل سفيرة ووزيرة عمانية في كل محفل دولي تمثل فيه بلادها، لتؤكد أن المرأة العمانية شريك فعّال يقدم صورة مشرفة ومضيئة لعمان في صناعة المستقبل.