المسرح الجامعي العُماني: رصد للحركة المسرحية الشبابية والجوائز الإقليمية
حين يجد الشباب العُماني خشبة يقف عليها
في قلب كل جامعة عُمانية تنبضُ روحٌ إبداعية لا تهدأ، تجد تعبيرها الأعمق والأصدق على خشبة المسرح. فالمسرح الجامعي في سلطنة عُمان لم يكن يوماً مجرد نشاط ترفيهي هامشي يُمارَس في هوامش الجدول الدراسي، بل هو مشروع ثقافي متكامل يحمل في طياته هموم الهوية والانتماء والطموح نحو مستقبل أفضل. إنه الفضاء الذي يتحوّل فيه الطالب من متلقٍّ سلبي للمعرفة إلى صانع فاعل للجمال والمعنى.
منذ تأسيس مؤسسات التعليم العالي في عُمان، وتحديداً منذ افتتاح جامعة السلطان قابوس عام 1986م، أدركت القيادات التعليمية والثقافية أن الفنون المسرحية ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة حضارية. إذ لا يمكن بناء مواطن متكامل قادر على الإسهام في نهضة وطنه دون أن يمتلك قدرة على التعبير والتواصل والتفكير النقدي، وهي مهارات لا تُصقل في أي مختبر بشكل أكثر فاعلية مما تُصقل على الخشبة.
وقد شهدت السنوات الأخيرة طفرة نوعية ملحوظة في مستوى الإنتاج المسرحي الجامعي العُماني، سواء على صعيد النصوص المُقدَّمة، أو تقنيات الإخراج، أو مستوى الأداء التمثيلي. وترافق ذلك مع حضور متصاعد في المهرجانات والمسابقات الإقليمية والعربية، جعل من الشباب العُماني صوتاً مسرحياً متميزاً يصعب تجاهله على الخريطة المسرحية العربية.
تسعى هذه المقالة إلى رصد هذه الحركة المسرحية الجامعية بشكل موضوعي وشامل، من خلال استعراض نشأتها وتطورها، والمؤسسات المنخرطة فيها، والجوائز التي حصدها الشباب العُماني في المحافل الإقليمية، والتحديات التي تواجه هذه الحركة، وآفاق المستقبل التي تنتظرها.
الجذور التاريخية: نشأة المسرح في المؤسسات الجامعية العُمانية
البدايات الأولى في جامعة السلطان قابوس
لم يكن المسرح الجامعي العُماني وليد لحظة عفوية، بل نتاج تراكم تدريجي بدأت إرهاصاته الأولى في الثمانينيات من القرن الماضي. حين أسّست جامعة السلطان قابوس عام 1986م، كان من بين أولى الأنشطة التي انطلقت في أروقتها الفرق الأدبية والمسرحية الطلابية. وقد أدرك المسؤولون الأوائل عن التعليم الجامعي في عُمان أن الطالب الذي يقضي سنوات دراسته محصوراً بين جدران القاعات والمختبرات لن يكون قادراً على الانخراط الفاعل في مجتمعه بعد التخرج.
في تلك المرحلة التأسيسية، كانت العروض المسرحية الجامعية بسيطة في شكلها لكنها صادقة في مضمونها. اقتصرت في غالبها على إعادة تقديم نصوص عربية كلاسيكية من تأليف روّاد المسرح العربي كسعد الله ونوس وألفريد فرج، غير أن هذه العروض زرعت بذوراً من الشغف الفني في نفوس الطلاب، وأسهمت في تكوين جيل أول من المهتمين بالفن المسرحي في عُمان.
وشكّل إنشاء وحدة النشاط الثقافي والفني ضمن عمادة شؤون الطلاب منعطفاً مهماً في تاريخ المسرح الجامعي، إذ أصبحت هناك جهة مؤسسية معنية بتنظيم النشاط المسرحي ودعمه وتطويره، بدلاً من تركه رهين المبادرات الفردية المنقطعة.
التوسع المؤسسي: من جامعة وحيدة إلى منظومة متعددة
مع مطلع الألفية الثالثة، شهدت عُمان توسعاً ملحوظاً في منظومة التعليم العالي، فظهرت إلى الوجود عدة كليات وجامعات جديدة شملت كلية التقنية العليا، وجامعة نزوى، وجامعة صحار، والجامعة الجرمانية للتكنولوجيا، وكليات العلوم التطبيقية في مختلف محافظات السلطنة. وقد أسهم هذا التوسع في رفد الحركة المسرحية الجامعية بدماء جديدة من المواهب والأفكار.
لكن الأهم من مجرد التوسع الكمّي كان التطور النوعي الذي رافقه؛ إذ بدأت المؤسسات الجامعية تنظر إلى المسرح بعين مختلفة، ليس كنشاط ترفيهي ثانوي بل كأداة تربوية وتعليمية ذات قيمة عالية في تنمية مهارات القيادة والتواصل والإبداع لدى الطلاب.
المشهد الراهن: الفرق والمؤسسات المسرحية الجامعية
فرقة مسرح جامعة السلطان قابوس
تُمثّل فرقة المسرح في جامعة السلطان قابوس الواجهة الأبرز للمسرح الجامعي في عُمان، وقد استطاعت على مدى عقود من العمل المتراكم أن تبني لنفسها سمعة متميزة على المستويين المحلي والإقليمي. تنجز الفرقة سنوياً عرضاً مسرحياً رئيسياً يتطلب أشهراً من التحضير والبروفات، إلى جانب عروض أخرى أقصر في إطار الفعاليات والأسابيع الثقافية.
تميّزت هذه الفرقة بسعيها الدؤوب نحو التجديد، سواء على صعيد اختيار النصوص التي باتت تشمل نصوصاً معاصرة لكتّاب عُمانيين وعرب شباب، أو على صعيد تقنيات الإخراج التي استفادت من التطور التكنولوجي في مجالي الإضاءة والصوت. كما حرصت الفرقة على الانفتاح على تجارب مسرحية متنوعة من خلال دعوة مخرجين وممثلين متمرسين لتقديم ورش عمل وتدريبات للأعضاء.
فرق مسرحية في الكليات والمعاهد
لا يقتصر المشهد المسرحي الجامعي على جامعة السلطان قابوس، بل تنتشر الفرق المسرحية في كليات عديدة عبر مختلف محافظات السلطنة. ففي محافظة الداخلية تبرز جامعة نزوى بفرقتها المسرحية التي أبدعت في تناول الموروث الشعبي العُماني وتحويله إلى مادة درامية راقية، مستلهمةً من قصص الأجداد وحكاياتهم، ومعيدةً إنتاجها بأسلوب معاصر يجمع بين الأصالة والحداثة.
أما في محافظة شمال الباطنة، فتقدم فرقة جامعة صحار المسرحية تجربة مثيرة للاهتمام من خلال تركيزها على القضايا الاجتماعية الراهنة، والتي تجد صدىً واسعاً لدى الجمهور الشبابي. وقد خرجت من رحم هذه الفرقة مواهب تمثيلية وإخراجية عديدة مضى بعضها قُدُماً في مسيرة فنية مشرّفة بعد التخرج.
وتجدر الإشارة إلى الدور المتميز الذي تضطلع به كليات العلوم التطبيقية المنتشرة في مختلف أرجاء السلطنة، كالرستاق والسويق وصور وصلالة وعبري وسمائل وغيرها، في تقديم عروض مسرحية تعكس الهوية الثقافية لمناطقها وتُسهم في إغناء المشهد المسرحي الوطني بتنوعه الجغرافي والثقافي.
على منصة التكريم: الجوائز والمهرجانات الإقليمية
مهرجان المسرح الخليجي للشباب
يُعدّ مهرجان المسرح الخليجي للشباب المنصة الأكثر أهمية التي تتنافس عليها الفرق المسرحية الجامعية من دول مجلس التعاون الخليجي. وتُعدّ مشاركة الفرق العُمانية في هذا المهرجان مثار اهتمام وترقّب، إذ أثبتت على مدى سنوات أنها قادرة على المنافسة وتحقيق نتائج مشرّفة في مواجهة نظيراتها من الكويت والإمارات والبحرين وقطر والمملكة العربية السعودية.
تتجلى خصوصية الأداء المسرحي العُماني في هذه المهرجانات في طريقة توظيفه للموروث الشعبي المحلي توظيفاً ذكياً وغير نمطي، يجعل العروض العُمانية قادرة على التواصل مع الجمهور الخليجي بشكل عام في الوقت ذاته الذي تحتفظ فيه بهويتها العُمانية المتفردة. وهذا التوازن الدقيق بين الخصوصية والعمومية يُشكّل إحدى أبرز نقاط قوة المسرح الجامعي العُماني في المحافل الإقليمية.
ومن أبرز الإنجازات التي حققها الشباب المسرحي العُماني في هذا المهرجان، جوائز أفضل ممثل وأفضل إخراج وأفضل عرض متكامل التي كان نصيب الفرق العُمانية منها وافراً في دورات متعددة. وقد أسهمت هذه الجوائز في رفع منسوب الثقة لدى الشباب المسرحي وتحفيزه على مزيد من العطاء والإبداع.
مهرجان المسرح العربي
على الصعيد العربي الأشمل، تحظى المشاركة العُمانية في مهرجان المسرح العربي الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح باهتمام متزايد. وإن كانت الفرق المنافسة في هذه المحفل أكثر خبرة ومراناً بفضل تقاليد مسرحية أعرق في بلدانها، إلا أن الشباب العُماني استطاع أن يُثبت حضوره بأسلوبه الخاص الذي يجمع بين العمق الفكري والإتقان التقني.
وقد تميّزت بعض العروض العُمانية المشاركة في مهرجان المسرح العربي بجرأتها في تناول قضايا فكرية وفلسفية شائكة كالهوية والحرية والعلاقة بين الفرد والمجتمع والموروث والمعاصرة، وذلك بلغة مسرحية ناضجة تدل على عمق التكوين الفني لأبطالها من الشباب الجامعي العُماني.
مهرجان صلالة للمسرح
على الصعيد الوطني، يُمثّل مهرجان صلالة للمسرح فرصة ذهبية لتبادل التجارب المسرحية بين الفرق الجامعية العُمانية من مختلف المحافظات. وقد أسهم هذا المهرجان في دفع روح التنافس الإيجابي بين الفرق الجامعية وتحفيزها على تقديم أفضل ما لديها. كما أتاح فرصة نادرة لمشاهدة التنوع الثقافي والتعبيري الذي يتميز به كل إقليم عُماني.
تكشف عروض مهرجان صلالة عن ثراء لافت في الثيمات والأساليب المتبعة؛ ففيما تميل بعض الفرق نحو المسرح التراثي الذي يستلهم من الحكايات والأساطير الشعبية، تؤثر فرق أخرى المسرح الواقعي الذي يُعالج قضايا يومية ملموسة، فيما تذهب فرق ثالثة نحو التجريب وكسر المألوف البنيوي للعرض المسرحي التقليدي.
صفحات مضيئة: أبرز الأعمال والتجارب المسرحية الجامعية
العروض الموروثة المستلهَمة من التراث
شكّلت العروض المستلهمة من التراث الشعبي العُماني باباً واسعاً لانطلاق أجيال من الفنانين الشباب. ويتميز هذا النوع من الأعمال بقدرته على إحداث تواصل فطري بين العرض وجمهوره، نظراً لما تحمله الشخصيات والمواقف من دفء الألفة والمعرفة المسبقة لدى المتلقين. وقد استطاعت بعض هذه العروض أن تُقدّم قراءات جديدة وجريئة للموروث بما يكشف عن أبعاد دلالية غير مسبوقة في هذه الحكايات، وبما يجعلها ذات صلة ومعنى بالنسبة للإنسان العُماني المعاصر.
ومن أبرز ما يُحسب للعروض التراثية الجامعية أنها أسهمت في إنقاذ كثير من الموروثات الشفهية والممارسات التقليدية من الاندثار، عبر إعادة إحيائها في قالب فني جذاب يُمكّن الشباب من التعرف عليها والتعلق بها. وهذا الدور التوثيقي والتحفيظي يُضاف إلى الدور الجمالي المعتاد للمسرح كبُعد وظيفي ذي قيمة خاصة في السياق العُماني.
المسرح الاجتماعي النقدي
في المقابل، أبدى كثير من الشباب الجامعي العُماني شغفاً واضحاً بتناول القضايا الاجتماعية الراهنة من خلال العمل المسرحي. ولا تخلو عروض المسرح الجامعي من أعمال تُعالج إشكاليات حقيقية كالبطالة والعلاقات الأسرية والضغوط الاجتماعية وإدمان التكنولوجيا وتفكك الروابط الإنسانية التقليدية في زمن العولمة.
تُقدّم هذه الأعمال في الغالب بأسلوب يجمع بين الواقعية والرمزية، متجنباً المواجهة المباشرة حيناً، ذاهباً إليها حيناً آخر بحسب طبيعة الموضوع والسياق الذي يُقدَّم فيه العرض. وما يلفت الانتباه في هذه الأعمال هو النضج الفكري الذي يتجلى في طريقة معالجتها للقضايا، إذ نادراً ما تسقط في الوعظ المباشر أو التبسيط المُخِل.
التجارب التجريبية
لا يخلو المشهد المسرحي الجامعي العُماني من تجارب تجريبية جريئة تسعى إلى اختراق حدود الشكل المسرحي التقليدي والبحث في إمكانيات تعبيرية جديدة. بعض هذه التجارب يلجأ إلى المزج بين الفنون كالمسرح والرقص والموسيقى الحية والتشكيل البصري في تجربة كلية تتخطى الحدود الفاصلة بين الفنون. وبعضها الآخر يُجرّب في بنية السرد الدرامي نفسها، فيكسر الخط الزمني المألوف أو يُخيّر المشاهد بين نهايات متعددة أو يُزيل الحاجز التقليدي بين الممثلين والجمهور.
هذه التجارب، وإن لم تنل دوماً قبول الجمهور الواسع الذي اعتاد على المسرح التقليدي، إلا أنها تُشكّل ضرورة حيوية للحركة المسرحية الجامعية، لأنها تحمل بذور التجديد والتطور وتُبقي المسرح فناً حياً لا أكاديمياً متحجراً.
المسرح كأداة تعليمية: الإطار الأكاديمي والتربوي
المناهج وبرامج الدراسة المسرحية
على الصعيد الأكاديمي، لا تزال الدراسة الرسمية للفنون المسرحية ذات حضور محدود في برامج التعليم العالي العُمانية مقارنة بما هو معهود في بعض الدول العربية الأخرى كمصر والمغرب. غير أن مسارات تخصصية متخفية تحت مسميات أخرى كالآداب والفنون أو التعليم أو الإعلام باتت تتضمن مقررات ذات صلة بالأداء الدرامي والكتابة الإبداعية والإنتاج الفني.
وتُعدّ هذه الثغرة الأكاديمية من أبرز التحديات التي تواجه تطور المسرح الجامعي العُماني، إذ يجد كثير من الموهوبين في هذا المجال أنفسهم مضطرين إلى التخصص في حقول معرفية أخرى لا تُطوّر موهبتهم الفنية بالشكل المطلوب، مما يجعل ممارستهم المسرحية هواية موازية لا مساراً مهنياً متاحاً.
الورش التدريبية ودورها في التطوير
في مواجهة هذا الواقع الأكاديمي، لجأت الفرق المسرحية الجامعية إلى الاستثمار المكثف في الورش التدريبية كبديل عملي يُعوّض عن غياب التعليم الأكاديمي المتخصص. وقد شهدت السنوات الأخيرة تنظيم عشرات الورش التدريبية في مجالات التمثيل وفن الإلقاء والإخراج المسرحي وكتابة النص الدرامي والديكور المسرحي والتقنيات الضوئية والصوتية.
وكثيراً ما أُسندت هذه الورش إلى ممارسين مسرحيين متمرسين من داخل عُمان وخارجها، مما أتاح للشباب الجامعي الاحتكاك بتجارب متنوعة وأساليب مختلفة، وأسهم في تكسير الرتابة التقنية التي قد تُصيب أي حركة مسرحية تعمل في عزلة عن محيطها.
دور عمادات شؤون الطلاب
تضطلع عمادات شؤون الطلاب في المؤسسات الجامعية العُمانية بدور محوري في دعم النشاط المسرحي وتيسير ممارسته. وتتجلى هذه الدور في توفير الميزانيات والتجهيزات الضرورية للإنتاج المسرحي، وتخصيص القاعات والمسارح والفضاءات للبروفات والعروض، وتسهيل المشاركة في المهرجانات والمسابقات الخارجية، وإيفاد الطلاب لحضور مهرجانات وفعاليات مسرحية في الخارج.
بيد أن هذا الدعم يتفاوت من مؤسسة إلى أخرى ومن محافظة إلى أخرى، وقد يكون رهيناً بالتوجهات الإدارية المتغيرة والقيود المالية الدورية التي تُشكّل تحدياً دائماً أمام التخطيط المسرحي بعيد المدى.
التحديات والعقبات: في مواجهة الواقع
محدودية البنية التحتية
رغم الجهود المبذولة، تبقى البنية التحتية المخصصة للنشاط المسرحي في كثير من المؤسسات الجامعية العُمانية قاصرة عن تلبية الطموحات الفنية للشباب. فكثير من الجامعات والكليات تفتقر إلى مسرح احترافي مُجهَّز بمعايير تقنية حديثة، مما يضطر الفرق إلى الإنتاج في قاعات متعددة الأغراض لا تُتيح الاستغلال الكامل للإمكانيات الإخراجية.
كما تُشكّل محدودية المكتبة المسرحية المتاحة للاطلاع والدراسة عائقاً أمام الباحثين والكتّاب الشباب الساعين إلى التعمق في دراسة الموروث المسرحي العربي والعالمي. ويحدّ من هذه المعضلة جزئياً التوسع في المصادر الرقمية والمكتبات الإلكترونية، غير أنها لا تُغني تماماً عن البيئة المادية المثيرة للإلهام.
استمرارية الكوادر البشرية
تُعدّ إشكالية استمرارية الكوادر البشرية من أعقد التحديات التي يواجهها المسرح الجامعي في عُمان. ذلك أن طبيعة الحياة الجامعية تجعل من الطالب عضواً مؤقتاً في أي فرقة مسرحية، يُغادرها عند التخرج حاملاً معه خبراته ومهاراته وحضوره التمثيلي الذي يصعب إيجاد بديل عنه بسهولة. وهذا يعني أن كل فرقة مسرحية جامعية مضطرة إلى إعادة بناء نفسها من جديد بصورة شبه دورية.
وقد يُفضي هذا الواقع إلى انكسارات في مسيرة الفرق؛ فالفرقة التي حققت نجاحاً بارزاً في عرض ما قد تجد نفسها عاجزة عن تكراره بعد تخرج أعضائها المحوريين. ولعلّ الحل الجذري لهذه الإشكالية يكمن في بناء منظومة تطوير مستمرة تضمن اكتشاف المواهب الجديدة وصقلها قبل أن يتخرج العمود الفقري الحالي للفرقة.
ضغط الالتزامات الدراسية
لا يمكن تجاهل الضغط الكبير الذي تُمارسه الالتزامات الدراسية على الطلاب المنخرطين في النشاط المسرحي. فالطالب الذي يُنتج عرضاً مسرحياً محترفاً يحتاج إلى استثمار ساعات طويلة من وقته في البروفات والتحضير، وهو وقت ينتزع جزءاً من ساعات المذاكرة والراحة. ويتطلب ذلك درجة عالية من التنظيم والانضباط، وقدرة على إدارة التوازن بين الالتزامات الأكاديمية والفنية دون الإخلال بأي منهما.
وقد أدى هذا الضغط في بعض الحالات إلى إحجام الطلاب الموهوبين عن الانضمام إلى الفرق المسرحية أو الانتظام في نشاطها خشية التأثير السلبي على مسيرتهم الدراسية، وهو ما يُفسر جزئياً ظاهرة الانقطاع الموسمي عن النشاط خلال فترات الاختبارات والأشهر الحاسمة من العام الدراسي.
نحو غدٍ أكثر ازدهاراً: رؤى وتوصيات
التأسيس الأكاديمي
تبقى الخطوة الأهم نحو تطوير المسرح الجامعي العُماني هي الاعتراف الأكاديمي الرسمي به كتخصص دراسي مستقل، أو على الأقل إدراجه بشكل رسمي في برامج الآداب والتربية والفنون. فحين تُدرَّس الفنون المسرحية في قاعات الدرس كما تُدرَّس الرياضيات والأدب، تغدو في نظر الطلاب والمجتمع حقلاً معرفياً جديراً بالاحترام والاستثمار.
وهذا لا يعني بالضرورة فتح كليات مسرح متخصصة على غرار ما هو قائم في بعض الدول العربية، بل يمكن أن يتحقق من خلال إدراج مقررات في التمثيل وكتابة النص الدرامي والتاريخ المسرحي ضمن برامج تخصصات قائمة كالأدب والتربية والإعلام والترجمة.
بناء الشراكات الإقليمية
ثمة حاجة ماسّة إلى تعزيز الشراكات بين الفرق المسرحية الجامعية العُمانية ونظيراتها في دول الخليج والعالم العربي. ويمكن أن تتخذ هذه الشراكات أشكالاً عملية متنوعة كتبادل الزيارات والأفراد، وتقديم عروض مشتركة تُشارك فيها مواهب جامعية من أكثر من دولة، وإقامة مهرجانات ثنائية بين مؤسستين أو أكثر، وتشكيل فرق عمل مشتركة لكتابة النصوص وإخراجها.
وقد تُسهم هذه الشراكات في كسر جدران العزلة النسبية التي تعيشها بعض الفرق الجامعية، وفي نقل الخبرات والأساليب بين بيئات ثقافية متقاربة لكنها مختلفة، مما يُثري التجربة ويُوسّع آفاقها.
توظيف الرقمنة والتكنولوجيا
تُتيح التحولات الرقمية الراهنة فرصاً غير مسبوقة للمسرح الجامعي العُماني. فعبر منصات البث المباشر والتسجيل الرقمي، يمكن لعروض جامعية محدودة الإنتاج أن تصل إلى جمهور يتجاوز حدود القاعات الضيقة ليبلغ كل مكان في العالم. وهذا لا يعني إحلال المسرح الرقمي محل الخشبة الحقيقية، لكنه يُمثّل امتداداً ضرورياً يُعزّز حضور الفن المسرحي الجامعي العُماني في المشهد الثقافي الرقمي.
كما يمكن توظيف التكنولوجيا في تحسين تقنيات الإنتاج المسرحي نفسه، من خلال استخدام تقنيات الإسقاط المرئي والواقع المعزز في الديكور المسرحي، وتطوير التصميم الصوتي والضوئي باستخدام برمجيات متقدمة، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في بعض مراحل التخطيط والإنتاج.
الاستثمار في اكتشاف المواهب المبكرة
لضمان استمرارية التطور النوعي للمسرح الجامعي، لا بد من الاستثمار في اكتشاف المواهب وصقلها في مراحل مبكرة، أي قبل الوصول إلى الجامعة. ويتطلب ذلك تقوية الحلقة الرابطة بين المسرح المدرسي والمسرح الجامعي، وإقامة برامج اكتشاف الموهبة التي تُتيح للطلاب الموهوبين في مرحلة التعليم ما قبل الجامعي التعرف على المؤسسات والفرق الجامعية وبناء جسور التواصل معها مبكراً.
ويستدعي ذلك تنسيقاً وثيقاً بين المؤسسات الجامعية والمشرفين التربويين على مستوى المحافظات، مع إيلاء المسرح المدرسي الاهتمام الذي يستحقه في المناهج والأنشطة اللاصفية.
خاتمة: خشبة تتسع لأحلام الوطن
حين تُطفأ أنوار القاعة وتُشعل أضواء الخشبة، ويمشي الممثل الشاب نحو مركز الدائرة المضيئة، يحدث شيء استثنائي يتجاوز مجرد تمثيل دور أو أداء نص: يحدث خلق. إنه خلق الشخصية من العدم، وخلق الحوار من الصمت، وخلق المعنى من الحركة، وخلق اللحظة الجامعة بين الفنان وجمهوره في تجربة إنسانية مشتركة لا تُنسى.
المسرح الجامعي العُماني هو هذا الفضاء الخلاق الذي يُتيح للشباب العُماني أن يكون أكثر مما تُحدده الهويات الضيقة والأدوار المرسومة سلفاً. على الخشبة، يصبح الطالب الهادئ بطلاً مُقداماً، والخجول خطيباً مُفوَّهاً، والعادي استثنائياً. ولعل هذا التحرر هو ما يجعل المسرح الجامعي ضرورة وجودية لا ترفاً ثقافياً.
لقد قطع المسرح الجامعي العُماني شوطاً لا يُستهان به في مسيرته نحو النضج والاحتراف. ومن العروض البسيطة التي قُدِّمت في القاعات المتعددة الأغراض في الثمانينيات، إلى العروض المتكاملة التي تتنافس اليوم في مهرجانات عربية وإقليمية وتحوز على جوائز مرموقة، يُسجّل هذا التطور انتصاراً حقيقياً للإرادة الإبداعية لدى الشباب العُماني.
غير أن الوصول إلى ما حُقّق لم يكن كافياً، ولن يكون. فالمسيرة لا تزال طويلة أمام مسرح جامعي عُماني يطمح إلى أن يجلس في مقعد الريادة العربية، وليس فقط المشاركة الكريمة. وهذا الطموح ليس وهماً بعيد المنال، بل هو هدف قابل للتحقق متى توافرت الإرادة السياسية والمؤسسية اللازمة للاستثمار في هذا الفن الإنساني العريق.
وفي نهاية المطاف، تبقى خشبة المسرح الجامعي العُماني مساحة مفتوحة تتسع لأحلام كل شاب وكل شابة يحملان في صدريهما قصة تستحق أن تُروى، وصوتاً يستحق أن يُسمع، ورؤية تستحق أن تُضاء. وما أجمل أن تكون هذه الأحلام متكأها خشبة خضبتها خطى أجيال من العُمانيين الذين رأوا في المسرح مرآة لأجمل ما في الإنسان من قدرة على الخلق والتجاوز والتجدد.