تراث فنون

فن الرزحة والمديما: الفروق الإيقاعية والحركية بين فنون البحر والبر

فن الرزحة والمديما: الفروق الإيقاعية والحركية بين فنون البحر والبر

تزخر سلطنة عُمان بتراث شعبي غنائي وحركي يُعدّ من أعمق وأقدم أشكال التعبير الجماعي في الجزيرة العربية، نشأ هذا التراث من رحم البيئة الجغرافية المتنوعة التي شكّلت ملامح الإنسان العُماني؛ فمن الجبال الشاهقة والسهول الداخلية، إلى السواحل الممتدة على بحر العرب وخليج عُمان، تولّدت فنون شعبية حملت بصمة كل بيئة وطابعها الخاص. وفي هذا السياق، يبرز فنّان من أعرق الفنون الشعبية العُمانية: فنّ الرزحة الذي يمثل وجه البرّ والصحراء والجبل، وفنّ المديمة الذي يجسّد روح البحر والملاحة والسفن. هذان الفنّان، على اختلاف منشأهما وبيئتهما، يتشاركان في كونهما تعبيرًا جماعيًا عن الهوية، لكنهما يفترقان جذريًا في الإيقاع والحركة والأداة والمضمون، بما يعكس الفلسفة المختلفة لكل بيئة من البيئتين في صياغة علاقتها بالزمن والمكان والجسد.

يهدف هذا المقال إلى دراسة هذين الفنّين دراسة مقارنة، تتجاوز السرد الوصفي إلى تحليل الفروق الإيقاعية والحركية بينهما، وربط هذه الفروق بالسياق البيئي والاجتماعي والتاريخي الذي أنتجهما، وصولًا إلى فهم أعمق لما يمكن تسميته “جدلية البر والبحر” في الفنون الشعبية العُمانية.

أولًا: فنّ الرزحة – نبض الأرض وصوت السيف

نشأته وامتداده الجغرافي

تُعد الرزحة من أعرق الفنون التقليدية في سلطنة عُمان، وهي فن قديم قدم الإنسان العُماني نفسه، نشأ في كنف الحياة البرّية والصحراوية حيث القبيلة والمسيرة والمواجهة. ويرتبط أصل الكلمة لغويًا بالفعل “رزَح”، وهو مرادف لمعنى “زجّ” أي الرمي والدفع، في إشارة إلى حركة رفع السيوف ودفعها التي تتكرر في أداء هذا الفن، وهي حركة ترمز إلى المواجهة الرمزية والتقاتل التمثيلي الذي يجسده الراقصون.

تنتشر الرزحة في معظم محافظات وولايات السلطنة، وتحظى بحضور خاص في محافظة مسقط ومناطق الباطنة والشرقية والداخلية وبعض ولايات المنطقة الوسطى، بينما تقل بشكل ملحوظ في المنطقة الجنوبية (ظفار)، حيث يحل محلها فن مماثل يُعرف بـ”الهبّوت”، وهو فن مناظر لها في الوظيفة والشكل العام مع اختلافات محلية. وتجدر الإشارة إلى أن فن الرزحة، إلى جانب فن “العازي” المرتبط به في الإمارات، قد أُدرج ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، تقديرًا لقيمته التراثية وعمقه التاريخي.

الوظيفة الاجتماعية للرزحة

لم تكن الرزحة في الأصل مجرد رقصة احتفالية، بل كانت أداة اجتماعية متعددة الوظائف، فقد استُخدمت قديمًا وسيلة للتعبير الجماعي عن مطالب الناس أمام الولاة والحكام، وأداة لإعلان الحرب وحشد المحاربين، وإعلان الانتصار، بل وحتى وسيلة للتوسط والمصالحة بين المتخاصمين. هذا التعدد الوظيفي يكشف عن طبيعة الرزحة كفعل جماعي ذي حمولة سياسية واجتماعية، لا مجرد أداء فني بحت، وهو ما يفسر طابعها الحماسي وارتباطها بالسيف والمواجهة الرمزية. ومع تطور المجتمع، تحوّلت هذه الوظيفة الصراعية إلى وظيفة احتفالية بالأساس، فأصبحت تؤدّى في الأعياد الوطنية وحفلات الزفاف ومناسبات استقبال الضيوف، مع احتفاظها بمفرداتها الحركية القديمة القائمة على السيف والمبارزة.

البنية الحركية للرزحة

يقوم الأداء التقليدي للرزحة على هيكل حركي واضح المعالم؛ يصطف المؤدّون في صفّين متقابلين متوازيين، يمثل أحدهما “المضيف” والآخر “الضيف”، تاركين بينهما مسافة كافية يتقدم فيها مبارزان، أحد من كل فريق، يتقابلان بالسيوف في حركة تمثيلية ترمز إلى المواجهة والشجاعة دون أن تصل إلى أذى حقيقي. وبين الصفين أيضًا يتحرك ضاربو الطبول، الذين يمثلون المحور الإيقاعي الذي تتوافق عليه بقية الحركات.

أما من حيث الحركة الجسدية، فتتسم الرزحة عمومًا بالقوة والصلابة، فحركات الجسد فيها مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالإيقاع السريع والمتسارع للطبول، وكذلك بالبحر الشعري الذي يُلقى أثناء الأداء. والملاحظ أن الرزحة، رغم كونها رقصة جماعية، تحتفظ بمساحة فردية للمتبارزين بالسيف وللشعراء المرتجلين، وهو ما يجعلها مزيجًا بين الأداء الجماعي المنضبط والإبداع الفردي اللحظي.

الأدوات والآلات الموسيقية

ترتكز الرزحة على عدد من الآلات الإيقاعية التقليدية أبرزها الطبول بأنواعها المختلفة، وفي مقدمتها طبلا “الكاسر” و”الرحماني”، اللذان يشكلان القاعدة الإيقاعية لأغلب أنواع الرزحة. وتختلف أعداد الطبول المستخدمة من منطقة لأخرى؛ ففي ولايات المنطقة الداخلية، قد يصل عدد الطبول المشتركة إلى أربعة طبول، وقد تكون جميعها من نوع الرحماني. إلى جانب الطبول، تُستخدم السيوف والعصي كأدوات أساسية في الأداء، فالسيف يرمز إلى الشجاعة والقوة، بينما تُستخدم العصا كبديل له في بعض المناسبات الاجتماعية الأقل حدة.

أنواع الرزحة وتمايزها الإيقاعي

من أهم ما يميز فن الرزحة أنه ليس قالبًا إيقاعيًا واحدًا، بل ينقسم إلى أنواع متعددة تختلف في سرعة الإيقاع ووظيفته الاجتماعية، ومن أبرزها:

الهمبل (أو رزحة الدرب أو المشية): وهو الشكل الذي يؤدّى في أثناء المسيرة، أي حين يتحرك الرجال نحو مكان إقامة الرزحة أو عند الانصراف منها. يتقدم هذا الموكب حاملو السيوف والبنادق والطبالون في صفوف متراصة تضم عددًا محدودًا من الأفراد، يتقدمون بخطى سريعة تتوافق مع الإيقاع الحماسي النشط لهذا النوع. هذا النوع يجسد الرزحة في حالتها “الانتقالية”، حيث يكون الإيقاع مصاحبًا للحركة المكانية وليس أداءً ثابتًا في موضع واحد.

القصافي (أو القصافية): وهو النوع الذي يُستخدم لافتتاح لقاء الرزحة، ويتميز بإيقاع سريع ينسجم مع طبيعته كمدخل حماسي للأداء. يقوم على إيقاع طبلَي الكاسر والرحماني في غالب المناطق، وقد يصل عدد الطبول فيه إلى أربعة في بعض الولايات الداخلية. والشعر المصاحب له قصير البحر والتفعيلة، ويتمحور حول الفخر والمدح والشجاعة والإقدام، وقد يتطرق إلى النصح والإرشاد.

اللال العود (رزحة الكبير): وهي رزحة كبار الزافنين (المتبارزين بالسيف)، وكذلك رزحة كبار الشعراء الذين يتطارحون بها الشعر في الفخر والمدح والأحاجي والألغاز. ويتميز إيقاع هذا النوع بكونه ثلاثيًا وئيدًا، أي بطيئًا ومتزنًا، إذ ينسجم مع وقار المشاركين فيه وحركتهم الهادئة الموزونة، بخلاف سرعة القصافي وحماسة الهمبل. ويُستهل هذا النوع عادة بصياح طبل الرزحة الذي يجتمع له الرجال، ثم يبدأ الشاعر بتلقين الصفين المتقابلين أبيات الشعر، مفتتحًا غالبًا بتنغيم كلمة “لال”، وهي الكلمة التي تفتتح بها مساجلات هذا النوع وتتكرر بين فقرات القصيدة، في صيغة شبيهة بـ “يي لالي يي لالي يي لالي”.

هذا التنوع الثلاثي – من السريع الانتقالي، إلى السريع الافتتاحي، إلى البطيء الوقور – يكشف أن الرزحة ليست بنية إيقاعية جامدة، بل منظومة مرنة تتوزع على مراحل الحدث الاجتماعي بأكمله، من الوصول إلى الافتتاح إلى المرحلة الكبرى من المساجلة الشعرية.

الشعر والوزن في الرزحة

يرتبط فن الرزحة ارتباطًا وثيقًا بالشعر النبطي والشعبي، حيث تُكتب أبياته غالبًا على وزن “البحر البسيط” (مستفعلن فاعلن مستفعلن فعْلن)، كما تُكتب بعض القصائد على بحر الرجز/الحدا (مستفعلن مستفعلن)، وأحيانًا على البحر المديد (فاعلاتن فاعلن فاعلاتن). ويدور موضوع هذا الشعر حول المديح والفخر والشجاعة والإقدام، وقد يمتد إلى الهجاء والنصح والإرشاد، بل وإلى الأحاجي والألغاز في بعض الأنواع كاللال العود. وتُعرف القطعة الشعرية التي يلقيها الشاعر باسم “الشلّة”، وهي وحدة شعرية يتناوب الصفان المتقابلان على ترديدها وتلقينها.

ثانيًا: فنّ المديمة – نبض البحر وذاكرة السفن

نشأته وارتباطه بالملاحة

على النقيض من الرزحة التي ولدت من رحم البر والقبيلة والمواجهة، نشأ فن المديمة من رحم البحر والملاحة والسفر؛ فهو فن من فنون التسلية التي كان يمارسها البحّارة العُمانيون، سواء كانوا على ظهر السفن أثناء رحلاتهم البحرية الطويلة، أو على الساحل في أوقات الراحة بين الرحلات. ويعود أصل هذا الفن إلى ممارسات البحارة العُمانيين على مر العصور، حين كانت السفن العُمانية تجوب سواحل المحيط الهندي وشرق أفريقيا والخليج، حاملة معها التجارة والتبادل الثقافي. وتشتهر ولاية صور، الميناء البحري التاريخي الذي اشتهر ببناء السفن العُمانية التقليدية، بأداء هذا الفن وحفظه، إلى جانب انتشاره في ولايات ساحلية أخرى كقريات.

ويُلاحظ من اسمه ومن المسمى البديل المتداول له في بعض المناطق وهو “الليوا”، وجود تقارب وتشابك مع الفنون السواحلية ذات الجذور الأفريقية، نتيجة التواصل التجاري والبحري الطويل بين سواحل عُمان وشرق أفريقيا، وهو ما يفسر إيقاعاته المميزة التي تحمل طابعًا “سواحليًا” واضحًا في كثير من تسجيلاته وأدائه الشعبي.

الوظيفة الاجتماعية للمديمة

بخلاف الرزحة التي كانت أداة للحرب والمصالحة والمطالب الجماعية، نشأت المديمة في الأساس كفن للتسلية والترفيه عن النفس في أوقات الفراغ البحري، حيث كان البحارة يستعرضون مهارتهم في الأداء وفق أصول وتقاليد ونظام متوارث، أثناء الانتظار الطويل في عرض البحر أو في فترات الراحة على الساحل بعد العودة من الرحلات. هذا الأصل الترفيهي البحت يفسر إلى حد كبير الطابع الأخف والأكثر مرونة لحركات هذا الفن مقارنة بالطابع الحماسي القتالي للرزحة.

ومع مرور الزمن، تحوّل هذا الفن من ممارسة بحرية بحتة إلى فن شعبي يؤدّى في المناسبات الاجتماعية والاحتفالية، محتفظًا بجوهره البحري في الإيقاع والأداء، ليصبح اليوم أحد عناصر التراث الثقافي غير المادي الذي تسعى السلطنة للحفاظ عليه عبر إدراجه في المهرجانات الثقافية والمناهج المدرسية وتشجيع الأجيال الجديدة على تعلمه.

الأدوات والآلات الموسيقية

تستخدم المديمة مجموعة من الآلات الإيقاعية المتميزة عن تلك المستخدمة في الرزحة، ومنها طبل “المسيندو”، وطبلا “الكاسر” و”الرحماني” (وهما مشتركان مع الرزحة في الاسم لكنهما يُستخدمان بطريقة وسياق مختلفين)، وطبل “التنك”، إضافة إلى آلة “الباتو” (أو الجم). هذا التنوع في الآلات، وبالأخص استخدام طبل “التنك” المعدني، يعكس طبيعة الموارد المتاحة على متن السفن وفي البيئة الساحلية، إذ كان البحّارة يستخدمون ما يتوفر لديهم من أوعية وأدوات معدنية لإصدار الإيقاعات، بخلاف بيئة البر التي توفر مواد الطبول الجلدية التقليدية بشكل أكثر تنظيمًا وثباتًا.

البنية الحركية للمديمة

يختلف الأداء الحركي للمديمة جذريًا عن الرزحة، فهو لا يقوم على المبارزة بالسيف أو المواجهة الرمزية بين صفّين متقابلين بالمعنى القتالي، بل يقوم على حركات جماعية متناغمة ترتبط بطبيعة العمل البحري وحياة السفينة. ويغلب على حركة هذا الفن طابع الانسجام الجماعي بدلًا من المبارزة الفردية، فالمؤدّون يتحركون في تناغم يحاكي طبيعة العمل الجماعي على متن السفن، حيث كان البحارة يعملون معًا في حركات منضبطة ومتزامنة لتنفيذ المهام البحرية (كشدّ الحبال أو رفع الشراع)، وهذا الطابع الجماعي التعاوني انتقل بشكل طبيعي إلى الأداء الفني.

مقارنة بفنون بحرية أخرى مشابهة

لفهم خصوصية المديمة بشكل أعمق، يفيد وضعها في سياق منظومة الفنون البحرية العُمانية الأوسع، التي تضم فنونًا أخرى نشأت من نفس البيئة الساحلية، مثل فن “الونة” وفن “الخيبعن”، وهو فن غنائي كان يؤدّى عندما تنقطع أخبار المسافرين عبر السفن، فيجتمع الأهالي على الشاطئ ويؤدون طقوسًا فنية معينة تعبيرًا عن القلق والانتظار. وهناك أيضًا فن “اللانزيه” المنتشر في مرباط بمحافظة ظفار، والذي يستخدم طبولًا تراثية محلية كـ”القيرقيرات” و”الجعبوب” و”الكاسر”. هذه الفنون البحرية، على تنوعها، تتشارك في كونها انعكاسًا لعلاقة الإنسان العُماني بالبحر كمصدر رزق وكقدر مرتبط بالغياب والانتظار والعودة، وهي علاقة مختلفة جوهريًا عن علاقة الإنسان بالأرض والصحراء التي شكّلت فنون البرّ.

ثالثًا: الفروق الإيقاعية بين فنون البر وفنون البحر

إيقاع المواجهة في مقابل إيقاع التناغم

يكمن الفارق الجوهري بين إيقاع الرزحة وإيقاع المديمة في الوظيفة التي يخدمها كل منهما؛ فإيقاع الرزحة، وبخاصة في أنواعها السريعة كالقصافي والهمبل، هو إيقاع “استنهاضي” بالأساس، يهدف إلى تحفيز الحماسة وشحذ الهمم، وهو ما يفسر سرعته وحدته، نظرًا لارتباطه التاريخي بسياقات الحرب وحشد المحاربين. أما إيقاع المديمة، فهو إيقاع “تناغمي” يهدف إلى خلق حالة من الانسجام الجماعي والترويح عن النفس، بما يعكس طبيعة الحياة البحرية القائمة على العمل الجماعي المتكرر والمنضبط على متن السفينة، حيث لا مجال للفردية الحادة التي تسمح بها مساحة المبارزة في الرزحة.

تعدد الطبقات الإيقاعية

تتميز الرزحة بتعدد طبقاتها الإيقاعية تبعًا لنوعها؛ فهي تتدرج من الإيقاع السريع جدًا في الهمبل المصاحب للمسيرة والحركة المكانية، إلى الإيقاع السريع المنضبط في القصافي الذي يفتتح اللقاء، إلى الإيقاع الثلاثي البطيء والوقور في اللال العود الذي يصاحب كبار الشعراء والزافنين. هذا التدرج الإيقاعي الثلاثي يمنح الرزحة مرونة كبيرة تسمح لها بمواكبة مختلف مراحل المناسبة الواحدة، من الوصول إلى الذروة الاحتفالية. وفي المقابل، يغلب على إيقاع المديمة طابع أكثر استقرارًا واتساقًا يتناسب مع طبيعتها كفن ترفيهي يؤدّى في سياق محدود الزمن والمناسبة (أثناء السفر أو الراحة)، دون الحاجة إلى التدرج الحاد بين مراحل متعددة كما هو الحال في الرزحة المرتبطة بحدث اجتماعي متكامل الأركان.

الآلات ومصدر الإيقاع

من الناحية الآلية، يتشارك الفنّان في استخدام بعض الطبول كالكاسر والرحماني، إلا أن السياق الذي تُستخدم فيه هذه الآلات يختلف بحسب البيئة؛ فبينما تتمحور آلات الرزحة حول الطبول الجلدية التقليدية المرتبطة بالبيئة البرية، تضيف المديمة إلى منظومتها الإيقاعية آلات ذات منشأ بحري واضح كطبل “التنك” المعدني وآلة “الباتو”، وهو ما يعكس الموارد المتاحة في البيئة الساحلية والسفن، وربما أيضًا أثر التبادل الثقافي مع السواحل الأفريقية المجاورة عبر طرق التجارة البحرية القديمة.

رابعًا: الفروق الحركية بين فنون البر وفنون البحر

المبارزة الفردية في مقابل التناغم الجماعي

يتمثل الفارق الحركي الأكثر وضوحًا بين الفنّين في وجود عنصر المبارزة الفردية بالسيف في الرزحة، حيث يتقدم متبارزان من الصفّين المتقابلين لأداء مشهد تمثيلي للمواجهة، بما يحمله ذلك من حركات قوية، وقفزات، ودوران، ورفع للسيف ورمي رمزي له، في تعبير جسدي عن القوة والشجاعة الفردية ضمن سياق جماعي. هذا النموذج الحركي القائم على “الثنائي البارز داخل الجماعة” لا نجد له مقابلًا مباشرًا في المديمة، التي تغلب عليها الحركة الجماعية المتناغمة الخالية من عنصر المواجهة أو الإبراز الفردي الحاد، بما يعكس طبيعة العمل البحري الجماعي الذي لا يحتمل الانفراد أو التمايز الحاد بين أفراد الطاقم في لحظة الأداء.

ثنائية الصفوف المتقابلة

تتأسس الرزحة بصريًا وحركيًا على ثنائية “الصفّين المتقابلين”، وهي بنية مكانية تحمل دلالة رمزية عميقة، فهي تجسد فكرة “المضيف والضيف”، أو “الفريقين”، في حالة من التوازن والتقابل المتبادل الذي يُحاكي منطق المواجهة المنضبطة المؤدّية في النهاية إلى الوفاق والاحتفال المشترك. هذا التقابل الهندسي الصارم بين صفّين متوازيين يمنح الرزحة طابعًا “احتفاليًا تنظيميًا” واضح المعالم. وفي المقابل، فإن الحركة في فنون البحر، كما تنعكس في المديمة وما يقاربها من فنون ساحلية، تنحو غالبًا نحو تشكيلات أكثر مرونة وانسيابية، أقرب إلى محاكاة حركة العمل الجماعي على متن السفينة أو حول مكان التجمع الساحلي، دون التزام صارم بثنائية المواجهة المكانية التي تطغى على الرزحة.

سرعة الحركة وثقلها

تتفاوت سرعة الحركة في الرزحة بحسب نوعها، فهي سريعة وحماسية في الهمبل والقصافي، حيث تتقدم الصفوف بخطى سريعة متوافقة مع الإيقاع، بينما تنحو حركة اللال العود نحو الثقل والوقار، بما يلائم مكانة كبار الشعراء والزافنين المشاركين فيها. وعمومًا، يمكن القول إن الحركة في فنون البرّ، نظرًا لارتباطها بالسيف والمشية الجماعية الطويلة (المسيرة)، تحمل طابعًا أكثر “صلابة” وقوة عضلية ظاهرة، تتناسب مع طبيعة الأرض الصلبة الثابتة التي تؤدّى عليها هذه الفنون. أما الحركة في فنون البحر، فتميل إلى مرونة أكبر وتموّج أقرب إلى محاكاة حركة الموج والسفينة، وهو فارق دقيق لكنه جوهري في فهم الفلسفة الجسدية الكامنة وراء كل من الفنّين، حيث يستحضر كل فن طبيعة بيئته في أسلوب حركته حتى وإن لم يكن ذلك مقصودًا بشكل واعٍ من المؤدّين.

غياب السلاح كعنصر حركي مركزي

يُعد السيف عنصرًا حركيًا مركزيًا في الرزحة، فهو محور المشهد البصري في لحظة المبارزة، وأداة رمزية تتكرر حركتها (الرفع، الرمي، التصادم التمثيلي) عبر مختلف أنواع هذا الفن. وفي المقابل، لا يحضر السلاح كعنصر حركي مركزي في فن المديمة، التي تستمد حركتها بشكل أساسي من الإيقاع الجماعي والغناء المتبادل، دون الحاجة إلى أداة بصرية مهيمنة كالسيف. هذا الغياب لعنصر السلاح في فنون البحر، مقارنة بحضوره القوي في فنون البر، يعكس فارقًا جوهريًا في الوظيفة التاريخية لكل فن؛ فبينما حملت الرزحة في جذورها طابعًا قتاليًا واستعراضيًا مرتبطًا بالحرب والمواجهة القبلية، لم تحمل المديمة هذا البعد، إذ نشأت في الأساس كفن للتسلية الجماعية في بيئة عمل تعاونية لا تحتمل المنطق القتالي الفردي.

خامسًا: الشعر والمضمون اللغوي – مرآة البيئتين

لا تقف الفروق بين الفنّين عند حدود الإيقاع والحركة، بل تمتد إلى المضمون الشعري واللغوي المصاحب لكل منهما، وهو امتداد طبيعي للفارق البيئي الأساسي بينهما. فشعر الرزحة، كما رأينا، يدور حول الفخر والمديح والشجاعة والهجاء والنصح، أي حول قيم القبيلة والمواجهة والشرف الفردي والجماعي، وهي قيم تتصل مباشرة بحياة البرّ القائمة على العلاقات القبلية والدفاع عن الأرض والعرض. وقد لاحظ بعض الباحثين أن الرزحة من الفنون المعبرة بشكل خاص عن المناطق الصحراوية وأهلها، حيث يميل أهل البادية في أشعارهم إلى الثناء على الصحراء وحياتها، بخلاف ساكني السواحل الذين يتحدثون في أشعارهم وأغانيهم عن الحياة في البحر وتفاصيلها.

أما المضمون المصاحب لفن المديمة، فيرتبط بحياة البحارة وتفاصيل رحلاتهم، وما يحملونه من ذكريات السفر والانتظار والغياب والعودة، وهي مضامين تختلف جوهريًا عن مضامين الفخر القبلي والمبارزة التي تطبع شعر الرزحة. هذا الفارق في المضمون الشعري يؤكد أن الاختلاف بين الفنّين ليس مجرد اختلاف في الشكل الإيقاعي أو الحركي السطحي، بل هو اختلاف جذري ينبع من اختلاف فلسفة الحياة ذاتها بين مجتمع البرّ القائم على الأرض الثابتة والمواجهة المباشرة، ومجتمع البحر القائم على الترحال والتجارة والعمل الجماعي المتناغم.

سادسًا: قراءة في دلالة الفروق – البيئة تصنع الجسد والإيقاع

يمكن قراءة الفروق بين فنّ الرزحة وفنّ المديمة بوصفها نموذجًا مصغرًا لكيفية تشكّل الفنون الشعبية وفقًا لمنطق البيئة الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية التي تنشأ فيها. فالرزحة، بوصفها فن البرّ، تحمل في بنيتها الإيقاعية والحركية إرث المساحة المفتوحة، الأرض الثابتة التي تسمح بالمسيرة الطويلة والمواجهة المباشرة بين صفّين، وإرث القبيلة التي تحتاج إلى مناسبات لتأكيد التماسك الداخلي عبر استعراض القوة (السيف) والكلمة (الشعر). من هنا جاء إيقاعها المتدرج بين السرعة الحماسية والوقار الرزين، وحركتها القائمة على التقابل والمبارزة.

في المقابل، تحمل المديمة، بوصفها فن البحر، إرث المساحة المحدودة على ظهر السفينة، حيث لا مجال لمسيرة طويلة أو لمبارزة فردية حادة، بل فقط لحركة جماعية متناغمة ومنضبطة تُحاكي طبيعة العمل البحري التعاوني، وإرث الترحال والانتظار الذي يستدعي فنًا للتسلية يخفف وطأة الغياب الطويل عن الأهل والأرض. من هنا جاء إيقاعها الأكثر استقرارًا وتناغمًا، وحركتها الخالية من السلاح والمواجهة الفردية.

وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن هذا التمايز بين فنون البرّ وفنون البحر ليس مطلقًا أو معزولًا، فالباحثون يشيرون إلى أن مناطق التقاء البرّ والبحر، كمحافظة الباطنة الممتدة على الساحل العُماني، شهدت تمازجًا بين فنون البدو وفنون أهل الساحل، أدى إلى تولّد إيقاعات وأشكال حركية جديدة تحمل ملامح من كل الجانبين، وهو ما يؤكد أن هذا التصنيف الثنائي (بر/بحر) هو أداة تحليلية مفيدة لفهم الجذور والاتجاهات العامة، لا قاعدة صارمة تمنع التفاعل والتبادل بين الفنون.

سابعًا: الزمن والمناسبة كمحدّد للإيقاع

من الزوايا التحليلية المهمة التي تساعد على فهم الفروق بين الفنّين، زاوية العلاقة بين الإيقاع والزمن الذي يُؤدّى فيه كل فن. فالرزحة، بحكم نشأتها المرتبطة بمناسبات اجتماعية ووطنية واسعة كالأعياد والأعراس والمواسم الكبرى، تتطلب بنية إيقاعية متدرجة تمتد على مراحل زمنية طويلة نسبيًا، تبدأ بمرحلة المسيرة (الهمبل)، فمرحلة الافتتاح الحماسي (القصافي)، ثم تتوّج بمرحلة المساجلة الشعرية الكبرى بين الشعراء الكبار (اللال العود) التي قد تستمر لساعات طويلة من الليل، تتبادل فيها الصفوف الأبيات والردود الشعرية المرتجلة. هذا التمدد الزمني يفرض على الإيقاع أن يكون متنوعًا قادرًا على مواكبة تحوّل الحالة الجماعية من الحركة والترحال إلى التمركز والتأمل الشعري.

أما المديمة، فبحكم نشأتها في سياق أكثر تحديدًا من الناحية الزمنية والمكانية – وهو زمن الفراغ القصير نسبيًا بين مهام العمل البحري، أو فترة الراحة على الساحل بعد الرحلة – فإنها لا تحتاج إلى هذا التدرج الطويل، بل تنحو نحو بنية إيقاعية أكثر تكرارًا واتساقًا، تخدم وظيفتها الأساسية كفنّ تسلية يمكن أداؤه وإيقافه بسهولة بحسب توافر الوقت والظروف على متن السفينة أو الميناء. وهذا الفارق الزمني ينعكس بشكل مباشر على الجسد المؤدّي؛ فجسد الراقص في الرزحة مُهيّأ للاستمرار لفترات طويلة عبر التبديل بين درجات الحماسة، بينما جسد المؤدّي في المديمة أقرب إلى الأداء المكثف القصير المتكرر، الذي يلائم لحظة الراحة العابرة بين عمل وعمل.

ويمكن أيضًا ملاحظة أن غياب عنصر “الانتظار الطويل” في بنية المديمة، مقارنة بحضوره القوي في الرزحة، يعكس أيضًا فارقًا في طبيعة الزمن البحري نفسه؛ فزمن البحّار مرتبط بدورة العمل اليومية المتكررة على متن السفينة، في حين أن زمن أهل البرّ في مناسباتهم الاجتماعية مرتبط بدورة المناسبة الكبرى التي قد لا تتكرر إلا في فترات متباعدة (عيد، عرس، زيارة كبيرة)، وهو ما يستدعي استثمارًا إيقاعيًا وحركيًا أكبر يتناسب مع أهمية المناسبة وندرتها.

خاتمة

يكشف هذا الاستقراء المقارن بين فنّ الرزحة وفنّ المديمة عن غنى التراث الشعبي العُماني وتعدد مصادره، فما يبدو في ظاهره اختلافًا في سرعة الطبل أو شكل الصفوف، هو في جوهره ترجمة حيّة لفلسفتين متمايزتين في العلاقة مع المكان: فلسفة البرّ القائمة على الثبات والمواجهة والمسيرة الطويلة، وفلسفة البحر القائمة على الترحال والتناغم الجماعي والانتظار. وبينما تستمد الرزحة قوتها من إيقاع السيف وحركة المبارزة، تستمد المديمة سحرها من تناغم الجماعة وذاكرة الموج والسفر.

والمحافظة على هذين الفنّين، إلى جانب سائر الفنون الشعبية العُمانية الأخرى، لا تمثل فقط حفاظًا على تراث جمالي وموسيقي، بل هي أيضًا حفاظ على وثيقة حيّة تروي كيف شكّلت الجغرافيا العُمانية المتنوعة – من الجبل والصحراء إلى الساحل والبحر – شخصية الإنسان العُماني وتعبيره الجسدي والشعري عن نفسه على مرّ القرون. وهذا ما يجعل الجهود المستمرة في توثيق هذه الفنون وتعليمها للأجيال الجديدة، عبر المناهج الدراسية والمهرجانات الثقافية، استثمارًا حقيقيًا في استمرارية الهوية الوطنية العُمانية بكل تنوعها وثرائها.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية