فنون البادية العُمانية: “الطارق” و”الهمبل” على ظهور الإبل
مدخل: حين تتكلم الصحراء بصوت الإنسان
لم تكن البادية العُمانية يومًا فضاءً صامتًا تبتلع فيه الرمال كل صوت؛ بل كانت، على العكس من ذلك، مسرحًا حيًا تتردد فيه الأصوات البشرية بقدر ما تتردد فيه أصداء الريح وخطى الهجن. فحين يطول الدرب، ويتقاسم الإنسان والناقة وحدة الصحراء وعزلتها، تتحول الحاجة إلى الكلام والغناء من ترفٍ إلى ضرورة وجودية؛ ضرورة تُبقي الراحلة هادئة الخطو، وتُبقي صاحبها متماسك الروح أمام اتساع الأفق وامتداد الصمت.
من هذا التماس اليومي بين الإنسان والجمل والمكان، وُلدت طائفة واسعة من الفنون الشعبية العُمانية التي تصنَّف عادة تحت مسمى “فنون البدو” أو “فنون البادية”، وهي فنون تختلف جوهريًا عن فنون الحضر والمدن من حيث الأداة والمناسبة والروح؛ فهي لا تحتاج غالبًا إلى آلة موسيقية معقدة، ولا إلى مسرح أو احتفال منظم، بل تكفيها رفقة الناقة، وصوت الإنسان، وقصيدة ترتجل أو تُستعاد من ذاكرة جمعية طويلة. ومن أبرز هذه الفنون التي ما زالت تحمل عبق ذلك العالم القديم: فن “الطارق”، وفن “الهمبل”، وهما فنّان متجاوران في المكان (ظهر الناقة)، متباعدان في الروح والغرض، يكشفان معًا عن مدى التنوع الذي بلغته القريحة الشعرية البدوية وهي تتعامل مع رفيقها الأبدي: الجمل.
تحاول هذه المقالة أن تقترب من هذين الفنين بوصفهما نصًا أدبيًا شفهيًا قبل أن يكونا مجرد عرض استعراضي، وأن تتلمس بنيتهما، وأغراضهما، وما تكشفه كلماتهما عن علاقة الإنسان العُماني بصحرائه وناقته وذاكرته.
التغرود: المظلة الكبرى لغناء الهجن
قبل الدخول إلى تفاصيل “الطارق” و”الهمبل”، لا بد من الإشارة إلى أن كثيرًا من فنون الغناء على ظهور الإبل في عُمان يندرج تحت مظلة أوسع تُعرف بـ”التغرود”، وهو فن غنائي بدوي عريق، يُؤديه الرجل منفردًا أو في جماعة وهو على ظهر ناقته أثناء السفر، أو وهو جالس للسمر في مضارب البادية. ويتميز التغرود بكونه نمطًا غنائيًا خاصًا يُلقى فيه الشعر النبطي بوزن وإيقاع يتناسب مع خبب الناقة، إذ تتراءى في صوته نبرة الترحال ذاتها: ارتفاع وانخفاض، وتمطيط في المقاطع، يحاكي اهتزاز جسد الراحلة وهي تخبّ بصاحبها عبر الكثبان.
والمتأمل في تراث هذا الفن يجد أنه ينقسم في الذاكرة الشعبية العُمانية إلى عدة ألوان فرعية، أبرزها: “البوش”، و”الطارق”، و”الونّة”؛ وهي ثلاثة أوجه لروح واحدة، يختلف كل منها في طريقة الأداء وفي الغرض الذي يطرقه الشاعر، لكنها تشترك جميعًا في كونها وليدة بيئة واحدة: ظهر الجمل، وامتداد الصحراء، وحاجة الإنسان إلى أن يُسمع الفراغ صوته كي لا يبتلعه.
من هنا يمكن فهم “الطارق” بوصفه أحد أوجه هذه المظلة الكبرى، وليس فنًا منعزلًا تمامًا عنها، وإن كان قد اكتسب ملامح خاصة جعلته يُذكر أحيانًا باسمه المستقل في قوائم الفنون الشعبية العُمانية، إلى جانب “العازي” و”الرزحة” و”الونّة” و”الهمبل” وغيرها.
الحِداء: الجذر العربي القديم لغناء الراحلة
لا يمكن قراءة “الطارق” و”الهمبل” بمعزل عن تقليد أقدم وأعمق يمتد بجذوره إلى صدر الجزيرة العربية، وهو “الحِداء”؛ ذلك التقليد الشفهي الذي توارثته الأجيال منذ زمن بعيد، وارتبط بالسير مع القوافل في الرحلات الصحراوية الطويلة، إذ كان الحادي يرفع صوته بإيقاع منتظم يهدئ من روع الإبل ويوجه خطاها، فتسير على وقعه أسرع وأهدأ في آن واحد. وقد ظل هذا الفعل الصوتي البسيط -الإنشاد الموزون فوق ظهر الراحلة- هو الخلية الأم التي تفرعت عنها لاحقًا أنماط أكثر تخصصًا من الغناء البدوي، فحين أضاف الراكب إلى نداء التحكم بالناقة مضمونًا وجدانيًا من غزل وذكريات، تشكّل ما نعرفه اليوم بـ”الطارق”؛ وحين تحول الإيقاع ذاته إلى أداة لحشد الجماعة والاحتفاء بنسب الهجين، تشكّل ما نعرفه بـ”الهمبل” في صورته الراكبة. وهكذا فإن الفنين، على اختلاف روحيهما، يحملان في عمقهما ذاكرة ذلك الحادي القديم الذي لم يكن يغني للمتعة وحدها، بل كان يغني لأن صوته جزء من آلية السفر نفسها، لا زخرفًا يعلوها.
فن الطارق: نجوى الراحل ووجدان المسافر
التسمية والمعنى
يحمل اسم “الطارق” في حد ذاته دلالة على طبيعة هذا الفن؛ فهو غناء “يطرق” الأذن في عتمة السفر وسكون الليل، أو هو صوت “يطرأ” على الراحلة وصاحبها في لحظة من لحظات الترحال الطويل، حين يتسلل الشجن إلى النفس فلا يجد منفذًا له سوى الصوت المرتفع الممدود. وقد عُرف هذا الفن في بعض مناطق عُمان، كولايات الظاهرة، باسم آخر هو “الردحة”، في إشارة إلى الترديد الذي يقوم عليه أداؤه، بينما حافظ في مناطق أخرى كالشرقية والداخلية ومسندم على اسمه الأصلي “الطارق”.
طريقة الأداء
يتميز فن الطارق بطابعه التفاعلي الثنائي؛ إذ يشترك في أدائه عادة مغنيان اثنان، يبدأ أحدهما بإلقاء الشطر الأول من البيت الشعري بلحن ممدود رخيم، ثم يتلقّف الآخر الطرف الثاني من البيت أو يردد نهايته باللحن نفسه، فتنشأ من هذا التبادل موجة صوتية متصلة تشبه التحاور أو التناغم بين صوتين يتقاسمان عبء الطريق. وقد يُؤدَّى هذا الفن وصاحبه فوق ظهر ناقته وهي تخب به في الفلاة، كما قد يُؤدَّى جالسًا على الأرض في مجلس سمر بدوي، حين يجتمع الرجال حول نار أو في ظل خيمة يتسامرون بعد يوم طويل من الترحال أو الرعي.
وفي الأداء التقليدي للطارق، تُلاحظ سمة جوهرية تميزه عن الفنون الجماعية الصاخبة كالرزحة أو العيالة؛ فهو فن لا يعتمد على آلة إيقاعية، ولا على حشد كبير من المؤدين، ولا على استعراض السلاح أو القوة الجسدية، بل يقوم بكليته على عذوبة الصوت، وامتداد النَّفَس، وقدرة المغني على ضبط اللحن وهو يتنقل بين علو الصوت وانخفاضه بما يحاكي إيقاع السفر الرتيب الطويل. إنه، بهذا المعنى، فن “داخلي” أكثر منه استعراضيًا؛ فن يتجه إلى النفس قبل أن يتجه إلى الجمهور.
الأغراض الشعرية والصور الفنية
أما من حيث المضمون، فإن قصيدة الطارق تنحاز في الغالب إلى أغراض وجدانية حميمة؛ يتصدرها الغزل والذكريات، حيث يستعيد المغني صورًا من ماضيه العاطفي، أو يخاطب محبوبة بعيدة لا يفصله عنها سوى امتداد الرمال. كما يأتي في هذا الفن مديح الناقة وفضائلها، في صورة تكشف عن العلاقة الرمزية العميقة التي تربط البدوي براحلته؛ فالناقة في شعر الطارق ليست مجرد وسيلة تنقل، بل رفيقة درب، وموضع ثقة، وأحيانًا مرآة يسقط عليها الشاعر مشاعره ووحدته.
هذا التماهي بين الإنسان والناقة في النص الشعري ليس أمرًا عابرًا، بل هو من أعمق ما يميز الأدب الشفهي البدوي بعامة؛ إذ تتحول الراحلة، عبر القصيدة، من كائن صامت إلى طرف في الحوار الوجداني، تُخاطَب وتُوصف وتُشكَر على صبرها وثباتها في قطع المسافات. وحين يضع المغني، بحسب الصورة المتوارثة في وصف أدائه، إحدى راحتيه على خده ويُغمض عينيه أثناء الإنشاد، فإن هذه الهيئة الجسدية ذاتها تتحول إلى لغة موازية للكلمات؛ فهي تجسيد بصري للانغماس الداخلي، وكأن المغني يُخرج صوته من عالمٍ سفلي من الذكريات لا يريد لأحد أن يقتحمه.
الانتشار الجغرافي وتعدد الأسماء
تكشف قوائم الفنون الشعبية العُمانية أن “الطارق” ليس حكرًا على منطقة بعينها، بل هو فن منتشر في عدة محافظات: في الشرقية، حيث يُذكر إلى جانب “العازي” و”التغرود” و”الرزحة”؛ وفي الظاهرة، حيث يُعرف أيضًا باسم “الردحة”؛ وفي محافظة مسندم، حيث يحضر ضمن نسيج الفنون المحلية المتأثرة بطبيعة الجبل والساحل معًا. هذا الانتشار الواسع يدل على أن “الطارق” لم يكن خاصًا بقبيلة أو بقعة جغرافية واحدة، بل كان جزءًا من لغة مشتركة طورتها مجتمعات الترحال العُمانية المختلفة للتعبير عن حالة إنسانية واحدة: عزلة الطريق وحاجة النفس إلى البوح.
فن الهمبل: من خطو الرجال إلى خبب الهجن
الهمبل بوصفه مسيرة جماعية
على خلاف فردية “الطارق” أو ثنائيته، يحضر “الهمبل” في جانب كبير من التراث العُماني بوصفه فنًا جماعيًا بامتياز. فالهمبل، في أحد أبرز تجلياته المعروفة، هو “المسيرة الغنائية” التي ينتقل بها الرجال جماعاتٍ وهم في طريقهم إلى مكان انعقاد “الرزحة” أو في عودتهم منها، ويُعرف في بعض المناطق بأسماء أخرى مثل “المشية” أو “الهبية” أو “رزحة الدرب”. يتقدم هذه المسيرة حملة السيوف والبنادق، ويتصدرها عادة طبالان: أحدهما يقرع الطبل “الكاسر” والآخر “الرحماني”، وقد يرافقهما نافخ في آلة “البرغم” يطلق نداءات متقطعة تدعو أبناء العشيرة للانضمام إلى الموكب. ويسير المشاركون في صفوف متراصة، يحمل كل منهم سلاحه مرفوعًا في وضع مائل إلى الأمام، بخطى سريعة ثابتة تتناغم مع إيقاع ثنائي نشط يُيسِّر مشية الجماعة ويمنحها طابعًا حماسيًا، بينما يتبادل المشاركون ترديد “شلات” من الشعر الشعبي في أغراض السلام والتحية أو الفخر والمديح.
في هذا السياق، يصبح “الهمبل” أقرب إلى طقس مرافِق لفن “الرزحة” الكبير، يُمهّد له ويُنهيه، وهو في الأصل فن يقتصر أداؤه على الرجال، وإن كانت بعض المناسبات الاجتماعية المفرحة، كالاحتفال بمولود جديد أو ختان أو عرس، قد تسمح بمشاركة النساء والأطفال في مؤخرة الموكب، خلف صفوف الرجال.
وهذا الحضور المشروط للمرأة -في مؤخرة الصفوف، وفي مناسبات محددة دون سواها- ليس تفصيلًا هامشيًا، بل هو في حد ذاته نص اجتماعي موازٍ للنص الشعري؛ إذ يكشف عن طبيعة التراتبية التي حكمت توزيع الأدوار في فنون البادية عمومًا، حيث ظل الفضاء العلني للإنشاد الجماعي والاستعراض بالسلاح فضاءً ذكوريًا بامتياز، بينما احتفظت المرأة بحضورها الفني في فنون موازية أكثر خصوصية، تُؤدَّى داخل البيوت أو في مناسبات نسائية مغلقة كحفلات الحناء والولادة، بعيدًا عن مسرح الهمبل والرزحة المفتوح.
الهمبل على ظهور الإبل: فخر الأصالة
غير أن للفظ “الهمبل” دلالة أخرى لا تقل حضورًا في الذاكرة الشعبية العُمانية، وهي تلك المرتبطة مباشرة بظهر الجمل، لا بخطو الأقدام؛ إذ يُذكر في بعض مناطق عُمان ما يُعرف بـ”همبل البوش”، أو “لقيا الركاب”، في إشارة إلى نمط من الغناء يُؤدَّى احتفاءً بقدوم القوافل أو استقبالًا للراكبين العائدين. وفي صورته الأكثر حضورًا في المشهد المعاصر، يبرز “فن الهمبل على ظهور الإبل” بوصفه فنًا غنائيًا تقليديًا يؤديه الرجال وهم فوق صهوات الهجن، ارتبط تاريخيًا بسباقات الهجن ومواسمها، حيث تُنشد فيه قصائد الفخر والاعتزاز بأصالة الناقة ونسبها وسلالتها.
هذا النمط من “الهمبل” يحتفظ بالروح الجماعية ذاتها التي يتسم بها الهمبل المرافق للرزحة، لكنه ينقل مسرح الأداء من الأرض الصلبة إلى ظهر الراحلة المتحركة، ومن سياق التأهب للمبارزة الشعرية في حلقة الرزحة، إلى سياق آخر يحتفي بالهجين ذاته بوصفه موضوعًا للفخر؛ فالقصيدة هنا لا تتغنى بشجاعة الرجل وحدها، بل تتغنى أيضًا بنبل أصل الناقة، وقوة سلالتها، وجمال خِلقتها، في تماهٍ واضح بين فخر الإنسان بنفسه وفخره بما يملك من هجن أصيلة. ولعل هذا ما يفسر استمرار حضور هذا الفن حتى اليوم في المهرجانات الإقليمية المتخصصة بالإبل، حيث تواصل فرق تراثية عُمانية، وفي مقدمتها فرق الهجانة الرسمية، تقديم “الهمبل” بوصفه أحد أبرز الفنون المغناة على ظهور الهجن، إلى جانب فنون شقيقة كـ”الطارق” و”العازي” و”التغرود”.
الإيقاع واللغة الشعرية
من الناحية العروضية، يرتبط شعر الهمبل، في صورته المرافقة للرزحة، ببحر شعري يوصف بأنه من “البحر البسيط” المتناسب مع حركة المسيرة وانتظام خطاها، وهو وزن يمنح الكلمات إيقاعًا متماسكًا يسهل ترديده جماعيًا دون تعثر. أما لغته فهي لغة الفخر والمدح والسلام في الغالب؛ شعر مباشر، قوي البنية، يخلو من التورية الزخرفية المعقدة، لأنه شعر يُراد له أن يُفهم فور سماعه وأن يُردَّد فورًا من قبل الجماعة، لا أن يُتأمل في عزلة كما هو الحال في قصيدة “الطارق” الانفرادية.
وهذا الفارق في اللغة والوزن بين النمطين -الجماعي الحماسي، والفردي الوجداني- يعكس في جوهره فارقًا في الوظيفة الاجتماعية لكل فن: فبينما يخدم “الهمبل” حشد الجماعة وتوحيد إيقاع حركتها، سواء كانت تمشي نحو ساحة الرزحة أو تركب نحو ميدان السباق، يخدم “الطارق” حاجة الفرد إلى ملء فراغ الطريق الطويل بصوته الخاص، بعيدًا عن أي وظيفة جمعية مباشرة.
بين الطارق والهمبل: قراءة مقارنة
حين نضع الفنّين جنبًا إلى جنب، يتبدى لنا تباين جوهري في الروح، وإن اشتركا أحيانًا في المسرح ذاته: ظهر الناقة. فـ”الطارق” فن انكفاء داخلي، يتقدم فيه الحنين والغزل والذكريات على ما عداها، وصوته صوت واحد أو اثنان يتبادلان النجوى أكثر مما يخاطبان جمهورًا؛ بينما “الهمبل”، في صورتيه الأرضية والراكبة على حد سواء، فن انفتاح وحشد، يتقدم فيه الفخر والاعتزاز والحماسة، وصوته صوت جماعة تتقاسم الكلمة والإيقاع في آن واحد.
ولو شئنا تمثيل هذا الفرق بصورة بصرية، لقلنا إن “الطارق” أشبه بهمسة تتسلل في عتمة الليل البدوي، بينما “الهمبل” أشبه بهتاف يعلو في وضح النهار، حين تجتمع القبيلة أو الجماعة على هدف مشترك: الوصول إلى ساحة الرزحة، أو الاحتفاء بأصالة الهجين في موسم السباق. ومع ذلك، فإن الفنين يلتقيان في نقطة جوهرية واحدة: كلاهما وليد العلاقة العضوية بين الإنسان البدوي وناقته؛ فحتى حين يبتعد “الهمبل” عن ظهر الجمل ليصبح مسيرة على الأقدام، يظل اسمه وإيقاعه محتفظين بصدى ذلك الأصل المرتبط بالترحال والركوب، وكأن جذر الكلمة نفسها لا تنفك عن استحضار صورة الخبب والمشية المتناغمة، سواء كانت لرجل يمشي أو لجمل يخب.
ويمكن قراءة هذا التباين أيضًا من زاوية الزمن النفسي الذي يحكم كل فن؛ فقصيدة “الطارق” زمنها زمن ممتد، دائري، يشبه طول الطريق نفسه؛ لا غاية واضحة لها سوى ملء الفراغ والتعبير عن حالة داخلية متصلة، ولذلك تميل لغته إلى التكرار اللحني والاسترسال في الصورة الواحدة. أما “الهمبل” فزمنه زمن غائي، خطي، يتجه نحو لحظة محددة -الوصول إلى ساحة الرزحة، أو بلوغ خط السباق- ولذلك تميل لغته إلى التركيز والإيجاز والتصاعد التدريجي في الحماسة كلما اقتربت الجماعة من غايتها. وهذا الفارق بين الزمن الدائري والزمن الخطي يفسر، من زاوية أدبية، لماذا ظل “الطارق” أقرب إلى الشعر الغنائي الوجداني، بينما ظل “الهمبل” أقرب إلى الشعر الملحمي الجمعي، رغم اشتراكهما في الأداة الإيقاعية والمسرح الصحراوي ذاته.
الإبل: الشريك الصامت في الفنين
يصعب فهم أي من هذين الفنين بمعزل عن مكانة الإبل في الوجدان العُماني؛ فالناقة، في الثقافة البدوية، لم تكن يومًا مجرد أداة نقل أو مصدر رزق، بل كانت كائنًا ذا حضور وجداني واضح، تُنسب إليها صفات إنسانية في كثير من الأحيان، وتُروى عنها حكايات الوفاء والصبر والذكاء. وقد أظهرت دراسات اجتماعية حديثة حول علاقة أبناء البادية العُمانية بالإبل أن هذا الكائن يحتل في نفوس كثير منهم مكانة عاطفية عميقة، إذ يصفه بعضهم بأنه يشاركهم مشاعر الحزن والتعاطف، بل ويصبح أحيانًا بديلًا رمزيًا عمن فقدوه من أحبتهم.
من هذا الحضور العاطفي العميق للناقة، يصبح مفهومًا لماذا تحتل في شعر “الطارق” موقع المخاطَب الحميم الذي يُسرّ إليه الراكب بأشواقه، ولماذا تتحول في شعر “الهمبل” إلى موضوع فخر يضاهي فخر الرجل بنسبه وقبيلته. فالفنّان معًا، وإن اختلفا في الإيقاع والغرض، يشتركان في الاحتفاء بهذا الكائن الذي حمل الإنسان العُماني عبر قرون من التنقل بين الواحات والموانئ والمراعي، وصاغ معه، خطوة خطوة، لغة شعرية خاصة لا تُفهم إلا في سياق تلك العلاقة الفريدة.
من الخيمة إلى المهرجان: حضور معاصر
لم تعد هذه الفنون اليوم حكرًا على مضارب البادية أو رحلات الترحال التقليدية، بل انتقلت، مع تحوّل نمط الحياة وانحسار التنقل الفعلي على ظهور الهجن، إلى فضاءات جديدة: المهرجانات الوطنية، والمناسبات الرسمية، وسباقات الهجن المعاصرة. وتحرص جهات رسمية عُمانية، وفي مقدمتها فرق الهجانة، على إحياء هذا الموروث وتقديمه في محافل إقليمية ودولية، حيث تُعرض فنون “الطارق” و”الهمبل” إلى جانب “التغرود” و”العازي” وغيرها، في لوحات استعراضية تجمع بين الأصالة والإبهار البصري، وتُظهر للجمهور مهارة الفرسان في “تطبيع” الهجن وضبط حركتها أثناء الإنشاد.
وقد اكتسب هذا الحضور المعاصر بُعدًا إضافيًا حين أُدرجت فنون قريبة من هذا النسيج، كـ”التغرود” و”الرزفة”، في القائمة التمثيلية لليونسكو للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، في ملفات مشتركة جمعت عُمان بدول خليجية شقيقة، وهو ما يعكس إدراكًا متناميًا لقيمة هذا التراث الشفهي بوصفه ملكية إنسانية مشتركة تستحق التوثيق والصون، لا مجرد فلكلور محلي عابر.
وفي السياق ذاته، تتبنى جهات ثقافية عُمانية مبادرات تسعى إلى إعادة ربط الأجيال الجديدة بهذا الموروث عبر تجربة حية لا نظرية فحسب؛ من ذلك قوافل صحراوية يرافقها رحالة عُمانيون عبر رمال الشرقية، يلتقون خلالها بزوار وضيوف من خارج السلطنة، ليُطلعوهم بأنفسهم، وعلى ظهور الهجن ذاتها، على هذا النمط من الغناء الذي لا يمكن فهم كامل أبعاده من خلال الكتابة وحدها، بل يحتاج إلى تجربة الصوت وهو يتردد فعليًا فوق ظهر راحلة تخبّ بين الكثبان. وتمثل هذه المبادرات محاولة لإعادة إنتاج السياق الأصلي للفن، ولو بشكل رمزي، بعد أن تراجعت الحاجة الفعلية للترحال على الجمل في الحياة اليومية المعاصرة.
القيمة والتحديات: صون فنون البادية
رغم هذا الحضور المتجدد، تواجه فنون مثل “الطارق” و”الهمبل” تحديات حقيقية في استمراريتها؛ فهي فنون نشأت أصلًا من حياة يومية قائمة على الترحال الفعلي والاعتماد المباشر على الجمل، وهي حياة تراجعت كثيرًا أمام موجات الاستقرار الحضري والتحديث. ومع غياب السياق الأصلي الذي ولّدت فيه هذه الفنون -رحلة طويلة، وسكون ليلي، وحاجة فعلية إلى مرافقة الناقة بالصوت- يصبح أداؤها اليوم أقرب إلى إعادة تمثيل ثقافي منه إلى ممارسة حياتية يومية، وهو تحول طبيعي تمر به معظم الفنون الشفهية حين تنتقل من “وظيفة” إلى “ذاكرة”.
ولعل أهم ما تحتاجه هذه الفنون اليوم هو الانتقال من حيز الأداء الاستعراضي السريع في المهرجانات إلى حيز التوثيق العميق: تسجيل النصوص الشعرية كاملة بلهجاتها المحلية المختلفة، وتدوين الألحان وتحليلها موسيقيًا، وربط الأشعار بأسماء قائليها ورواتها متى أمكن ذلك، بحيث لا يبقى “الطارق” و”الهمبل” مجرد عنوانين يُذكران في قوائم الفنون الشعبية، بل يتحولان إلى مادة أدبية موثقة يمكن للأجيال القادمة أن تعود إليها وتفهم من خلالها كيف فكّر أجدادهم، وكيف أحبوا، وكيف افتخروا، وهم على ظهور رفيقهم الأبدي: الجمل.
وتزداد إلحاحية هذا التوثيق إذا تذكرنا أن النص في هذين الفنين لم يكن يومًا نصًا مكتوبًا بطبعه، بل نصًا يحيا في الذاكرة والصوت وحدهما، ينتقل من راوٍ إلى آخر دون وسيط ورقي يحفظه من التحريف أو النسيان. وهذا ما يجعل كل مغنٍ يرحل دون أن يُسجَّل صوته أو تُدوَّن قصائده خسارة فعلية لا تُعوَّض، إذ تذهب معه نسخته الخاصة من الفن، بكل ما فيها من تنويعات لحنية ولهجية قد لا تتكرر. ومن هنا فإن صون “الطارق” و”الهمبل” لا يعني فقط الحفاظ على عرضهما في المناسبات الرسمية، بل يعني -أولًا وقبل كل شيء- إنقاذ النص نفسه من احتمال الذوبان في صمت الزمن، كما ذابت قبله نصوص كثيرة لم يكتب لها راوٍ ولا مدوّن.
خاتمة
في النهاية، يمثل فنّا “الطارق” و”الهمبل” وجهين متكاملين لتجربة إنسانية واحدة عاشها البدوي العُماني على مدى أجيال طويلة: تجربة العلاقة العضوية بين الإنسان وناقته وصحرائه. فبينما يفتح “الطارق” نافذة على العالم الداخلي للفرد، بحنينه وغزله وذكرياته الهامسة، يفتح “الهمبل” نافذة أخرى على الروح الجماعية للقبيلة، بفخرها وحماستها واعتزازها بأصالة هجنها. وما بين الهمس والهتاف، بين فردية الراحل وجماعية الموكب، تتشكل صورة متكاملة لأدب شفهي ثري، صاغته خطى الجمال على الرمال قبل أن تصوغه أقلام الشعراء، وما زال، رغم تحولات الزمن، يحمل في طيات كلماته شيئًا من ذلك الصمت الصحراوي العميق الذي علّم الإنسان العُماني كيف يتكلم حين لا أحد حوله سوى الريح وناقته والأفق البعيد.
وإذا كان كثير من الفنون الشعبية يندثر حين تندثر وظيفته العملية، فإن ما يمنح “الطارق” و”الهمبل” فرصة للبقاء هو أنهما لم يكونا يومًا مجرد وظيفة، بل كانا تعبيرًا عن حاجة إنسانية أعمق من السفر نفسه: الحاجة إلى أن يُسمَع الإنسان صوته في وجه الاتساع، وأن يحوّل الفراغ إلى لحن، والوحدة إلى مخاطَبة، والمسافة إلى حكاية تُروى. ولهذا، فإن من يستمع اليوم إلى صدى “الطارق” يتردد في مهرجان حديث، أو يرى صفوف “الهمبل” تتقدم في ميدان استعراضي مضاء بالأنوار، إنما يستمع، في جوهر الأمر، إلى نسخة معاصرة من صوت قديم جدًا؛ صوت إنسان الجزيرة العربية وهو يحاول، منذ فجر تاريخه، أن يجعل من الصحراء بيتًا لا منفى، ومن الناقة رفيقًا لا مجرد مَركب، ومن القصيدة جسرًا يصل به وحدته بوحدة من يشاركونه الدرب.