جيولوجيا أفيوليت عمان: لماذا تُعدّ السلطنة المختبر المفتوح الأول لعلماء الأرض؟
جبال من قاع المحيط في قلب الصحراء
حين يقود السائح أو الباحث سيارته من مسقط باتجاه الداخلية، عبر طرقات تتلوّى بين جبال الحجر، فإنه لا يعبر مجرد تضاريس صحراوية قاحلة. إنه يقطع، خطوة بخطوة، مقطعًا عرضيًا كاملًا لقاع محيط قديم اختفى منذ نحو مئة مليون سنة. الصخور السوداء والخضراء الداكنة التي تكسو سفوح هذه الجبال ليست صخورًا قارية عادية، بل هي بقايا قشرة محيطية ووشاح علوي اقتُلعا من أعماق الأرض ورُفعا إلى سطحها بفعل حركة الصفائح التكتونية، ليصبحا اليوم أكبر وأوضح “أفيوليت” مكشوف على وجه الكوكب.
هذا التشكيل الصخري الاستثنائي، المعروف علميًا باسم “أفيوليت السمائل” (Samail Ophiolite)، يمتد على مسافة تقارب 500 كيلومتر موازيًا لساحل خليج عمان، من منطقة مسندم شمالًا حتى محافظة الشرقية جنوبًا. وهو ليس مجرد منظر جبلي خلّاب، بل سجل صخري كامل وشبه غير منقوص لعملية تكوّن المحيطات نفسها، مكشوف على السطح بوضوح لا تضاهيه أي بقعة أخرى في العالم. لهذا السبب بالتحديد، تحوّلت عمان على مدى نصف قرن إلى وجهة لا غنى عنها لعلماء الجيولوجيا، وإلى ما يصفه كثير من الباحثين بـ”المختبر المفتوح” الذي تُختبر فيه نظريات تكوّن القشرة المحيطية والوشاح الأرضي بأدوات الحقل المباشرة، بعيدًا عن أعماق المحيطات التي يصعب الوصول إليها.
ما هو الأفيوليت؟ تعريف لظاهرة نادرة
لفهم أهمية عمان الجيولوجية، لا بد أولًا من فهم معنى كلمة “أفيوليت” ذاتها. المصطلح مشتق من الكلمة اليونانية “أوفيس” بمعنى ثعبان، في إشارة إلى المظهر الأخضر المتموّج لبعض صخور السربنتينايت التي تشبه جلد الثعبان. لكن المعنى العلمي للمصطلح تطور كثيرًا منذ استخدامه الأول، ليصبح اليوم يدل على شريحة كاملة من القشرة المحيطية والوشاح العلوي للأرض، انتُزعت من مكانها الأصلي تحت قاع البحر، ثم دُفعت ووُضعت فوق صخور القارة المجاورة في عملية تُعرف بـ”الانغراز” أو “الإقحام” (Obduction).
في الوضع الطبيعي، حين تتصادم صفيحتان تكتونيتان، فإن الصفيحة المحيطية الأثقل عادة ما تغوص تحت الصفيحة القارية الأخف في عملية تُعرف بالاندساس (Subduction)، وتُسحب إلى أعماق الوشاح حيث تنصهر وتختفي إلى الأبد. هذا هو المصير الطبيعي لمعظم القشرة المحيطية على كوكب الأرض. لكن في حالات نادرة جدًا، حين تكون ظروف الاصطدام مواتية، تنقلب الآلية: فبدلًا من أن تغرق الصفيحة المحيطية، تُدفع شريحة منها إلى أعلى فوق حافة القارة المجاورة، فتُحفظ بذلك بعيدًا عن الانصهار وتُعرَض على سطح الأرض لتدرسها أجيال من العلماء. هذه الندرة بالذات هي ما يجعل كل أفيوليت مكتشف كنزًا علميًا، وما يجعل أفيوليت عمان، بحجمه واكتماله الاستثنائيين، كنزًا لا مثيل له.
أفيوليت السمائل: الأكبر والأكثر اكتمالًا على وجه الأرض
من بين عشرات الأفيوليتات المعروفة حول العالم، من جبال الألب إلى نيوفاوندلاند إلى قبرص، يحتل أفيوليت السمائل في عمان مكانة فريدة لثلاثة أسباب رئيسية تجعله موضع إجماع علمي على كونه الأفضل لدراسة عمليات القشرة المحيطية.
السبب الأول هو الحجم. يغطي الأفيوليت مساحة تتجاوز 15 ألف كيلومتر مربع، موزعة على عدة كتل جبلية رئيسية أبرزها كتلة وادي طيين في الجنوب وكتلة الحجار في الشمال، ما يجعله من أكبر الكشوفات الأفيوليتية المعروفة على الإطلاق. هذا الاتساع يمنح الباحثين مساحة هائلة لتتبع التغيرات الجانبية في بنية القشرة المحيطية، ولرصد كيف تتغير سماكة الطبقات وتركيبها من منطقة إلى أخرى ضمن النظام المحيطي الواحد.
السبب الثاني، والأكثر أهمية ربما، هو الاكتمال شبه التام للتتابع الصخري. يمثّل أفيوليت السمائل واحدًا من أقل الأفيوليتات تشوهًا في العالم، إذ حافظ على ترتيبه الطبقي الأصلي بصورة تكاد تكون متطابقة مع النموذج النظري للقشرة المحيطية كما ترسمه الكتب الدراسية. ومن الأسفل إلى الأعلى، يمكن للزائر أن يرى بأم عينه: صخور البريدوتايت الممثلة للوشاح العلوي، ثم منطقة انتقالية تُعرف بمنطقة انتقال الموهو، تليها طبقة الغابرو الطبقي السميكة التي تشكلت من تبلور غرفة الصهارة، ثم مجمع الدايكات الورقية التي مثّلت قنوات صعود الصهارة نحو السطح، وأخيرًا الحمم البركانية الوسائدية التي تكونت عند تلامس الصهارة بمياه البحر على قاع المحيط القديم. هذا التسلسل الكامل، من أعماق الوشاح إلى قاع البحر، مكشوف اليوم على سفوح الجبال العمانية بوضوح يندر أن يتكرر في أي بقعة أخرى من الكوكب.
أما السبب الثالث فهو ظروف الكشف الجغرافي والمناخي. فالمناخ الصحراوي الجاف في عمان، مع ندرة الأمطار وقلة الغطاء النباتي، يعني أن عوامل التجوية الكيميائية والتعرية الحيوية التي تطمس الصخور وتغطيها بالتربة في المناطق الرطبة تكاد تكون غائبة هنا. الصخور مكشوفة عاريةً تقريبًا، نظيفة من الغطاء النباتي والتربة، ما يتيح للجيولوجيين دراسة العلاقات الحقلية بين الوحدات الصخرية المختلفة بدقة متناهية، ورسم خرائط جيولوجية تفصيلية يستحيل تحقيق مثلها في مناطق مغطاة بالغابات أو التربة السميكة.
كيف وُلد أفيوليت عمان: من قاع المحيط إلى قمم الجبال
تعود قصة تكوّن هذا الأفيوليت إلى نحو 95 مليون سنة مضت، خلال العصر الطباشيري المتأخر، حين كان جزء من محيط طيثيس القديم (Tethys) يمتد بين الجزيرة العربية وبقية قارة آسيا. في تلك الحقبة، كانت توجد قشرة محيطية شابة تتكون باستمرار عند مركز انتشار محيطي، أي ما يشبه سلسلة الجبال البركانية المغمورة التي نراها اليوم في وسط المحيط الأطلسي. عند هذا المركز، كانت الصهارة المنصهرة تندفع من الوشاح العلوي إلى الأعلى، فتتبلور جزئيًا في غرف صهارية لتكوّن الغابرو، ثم تتابع صعودها عبر شبكة من الدايكات الورقية لتنفجر أخيرًا على قاع البحر مكوّنة الحمم الوسائدية المميزة.
لكن بعد فترة وجيزة نسبيًا من تكوّن هذه القشرة المحيطية، حدث تحوّل جذري في نظام الصفائح التكتونية في المنطقة. فبدلًا من أن تستمر هذه القشرة في الابتعاد عن مركز الانتشار لتغرق لاحقًا في منطقة اندساس بعيدة، بدأت عملية اندساس جديدة تنشأ داخل المحيط ذاته، بالقرب من حافة الصفيحة العربية. هذه العملية دفعت بشريحة سميكة من القشرة المحيطية والوشاح العلوي، يصل سمكها إلى نحو 12 كيلومترًا في بعض المواضع، إلى أن “تزحلقت” فوق الهامش القاري للجزيرة العربية بدلًا من أن تنغمس تحته. هذه هي عملية الانغراز التي أشرنا إليها سابقًا، وهي الآلية الجيولوجية النادرة التي أنقذت هذه الشريحة من المصير المعتاد للقشرة المحيطية وحفظتها لتُدرس اليوم على سطح الأرض.
بعد عملية الانغراز هذه، استمرت حركة الصفائح التكتونية وما تلاها من اصطدام أكبر بين شبه الجزيرة العربية والصفيحة الأوراسية، في رفع هذه الكتلة الصخرية تدريجيًا، مع تشكّل سلسلة جبال عمان الحالية، وما يصاحبها من تعرية كشفت الطبقات الصخرية العميقة التي نراها اليوم. هذه السلسلة من الأحداث، الممتدة عبر عشرات الملايين من السنين، هي ما يدرسه الباحثون اليوم حين يحاولون فهم ليس فقط كيف تتكون المحيطات، بل أيضًا كيف تنتهي حياتها الجيولوجية.
الموهو: حدود لا يمكن الوصول إليها إلا في عمان
من أكثر الجوانب إثارة في أفيوليت عمان هو إمكانية رؤية حدود جيولوجية أساسية يستحيل عمليًا الوصول إليها في أي مكان آخر على الكوكب بهذه السهولة، وهي حدود “موهو” (Moho)، أو ما يُعرف باسم انقطاع موهوروفيتش، نسبة إلى عالم الزلازل الكرواتي الذي اكتشف وجودها عبر دراسة موجات الزلازل في مطلع القرن العشرين. تمثّل هذه الحدود الفاصل بين القشرة الأرضية والوشاح العلوي، وتقع تحت المحيطات على عمق يتراوح بين 5 و10 كيلومترات تحت قاع البحر، وتحت القارات على عمق أكبر بكثير قد يصل إلى 30 أو 40 كيلومترًا.
الوصول إلى هذه الحدود تحت المحيط الحقيقي يتطلب حفر آبار بحرية بالغة التعقيد والتكلفة، وقد بقي هذا أحد أهم الأهداف غير المُحققة في تاريخ علوم الأرض رغم عقود من المحاولات الدولية، أبرزها مشروع “موهول” الأمريكي في الستينيات الذي لم يُستكمل، ومشروعات لاحقة ضمن برنامج الحفر العلمي للمحيطات لم تنجح بعد في اختراق هذه الحدود فعليًا تحت قاع البحر. لكن في عمان، وبفضل عملية الانغراز التي رفعت هذا القطاع الكامل من القشرة المحيطية إلى سطح الأرض، يمكن للجيولوجي أن يمشي حرفيًا عبر منطقة انتقال الموهو، وأن يضع يده على الصخور التي تمثل الانتقال التدريجي من صخور الغابرو القشرية إلى صخور الدونايت والهارزبورجيت الوشاحية. هذا الامتياز الفريد جعل من عمان موقعًا مرجعيًا عالميًا لفهم طبيعة هذا الانتقال الجيوكيميائي والبنيوي، وللإجابة عن أسئلة ظلت محل نقاش علمي طويل حول كيفية تفاعل الصهارة الصاعدة مع صخور الوشاح المحيطة بها أثناء عبورها نحو السطح.
مشروع الحفر العلمي الدولي: علم متقدم في صحراء عمانية
في السنوات الأخيرة، انتقلت دراسة أفيوليت عمان إلى مستوى جديد من العمق العلمي مع إطلاق “مشروع حفر عمان” (Oman Drilling Project)، وهو مبادرة بحثية دولية كبرى نُفذت ضمن البرنامج الدولي للحفر العلمي القاري (ICDP)، بمشاركة مؤسسات علمية من الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وعمان نفسها، وبإشراف علماء بارزين من جامعات كولومبيا وساوثهامبتون وغيرها. هدف المشروع إلى حفر سلسلة من الآبار العميقة عبر مختلف وحدات الأفيوليت، لاستخراج عينات صخرية متصلة وغير مشوهة بفعل التجوية السطحية، يمكن تحليلها بأحدث الأساليب المخبرية.
أحد أبرز إنجازات المشروع كان حفر آبار اخترقت منطقة انتقال الموهو ذاتها في كتلة وادي طيين، حيث جرى استخراج عينات متصلة من نحو 150 مترًا من هذه المنطقة الانتقالية الحرجة، فضلًا عن حفر آبار أخرى اخترقت حدود انتقال السدود إلى الغابرو لفهم دور غرف الصهارة المحورية في تراكم القشرة السفلية. وقد جرى وصف هذه العينات وتحليلها على متن سفينة الحفر العلمية اليابانية “تشيكيو”، باستخدام تقنيات تصوير مقطعي وقياسات جيوفيزيائية دقيقة، في تعاون نادر بين علم حفر المحيطات وعلم الحفر القاري.
لم يقتصر المشروع على دراسة الصخور النارية وحدها، بل امتد ليشمل حفر آبار في منطقة القاعدة الانزلاقية لقطعة الأفيوليت، حيث تكشّفت صخور تحمل بصمات عملية الانغراز نفسها، وآبار أخرى في صخور “الليستفنايت”، وهي صخور بريدوتايتية تحولت كليًا إلى كربونات نتيجة تفاعلها مع موائع غنية بثاني أكسيد الكربون أثناء عملية الاندساس القديمة. هذه الصخور باتت اليوم موضع اهتمام علمي خاص، كما سيتضح لاحقًا، لعلاقتها المباشرة بأبحاث احتجاز الكربون.
مياه قلوية وميكروبات غريبة: عمان كنظير أرضي للمريخ
من أكثر جوانب أفيوليت عمان إثارة للدهشة هو ما يحدث تحت سطحه، حيث تتفاعل المياه الجوفية باستمرار مع صخور البريدوتايت الغنية بالمعادن الوشاحية في عملية كيميائية تُعرف بالتسربنت (Serpentinization). حين تتسرب مياه الأمطار عبر الشقوق والكسور في صخور الدونايت والهارزبورجيت، فإنها تتفاعل مع معادن الزبرجد الزيتوني والبيروكسين لتنتج معادن السربنتين، مع إطلاق غاز الهيدروجين وارتفاع شديد في درجة قلوية المياه قد تصل إلى مستويات تفوق 11 على مقياس الأس الهيدروجيني، أي قلوية تقارب قلوية منظفات صناعية قوية.
هذه الينابيع الفائقة القلوية، التي تظهر على السطح في عدة مواقع عبر الجبال العمانية، تخلق بيئة كيميائية شديدة الغرابة تشبه إلى حد بعيد الظروف التي يُعتقد أنها كانت سائدة في المحيطات البدائية على الأرض القديمة، بل وتُقارَن أيضًا بالظروف الكيميائية المحتملة في أعماق محيطات جليدية مفترضة تحت سطح أقمار مثل أوروبا التابع للمشتري أو إنسيلادوس التابع لزحل، وكذلك تحت سطح المريخ القديم. ولهذا السبب، أصبحت هذه المواقع محطة أساسية لباحثي علم الأحياء الفلكي الباحثين عن أدلة على كيفية احتمال نشوء الحياة أو استمرارها في بيئات قاسية بعيدة عن ضوء الشمس.
والمثير أن هذه البيئة القلوية الشديدة ليست عقيمة كما قد يُتوقع، بل تستضيف مجتمعات ميكروبية متخصصة تستمد طاقتها من غاز الهيدروجين الناتج عن التسربنت، في عملية أيض كيميائي مستقل تمامًا عن ضوء الشمس. وقد رصدت أبحاث حديثة مرتبطة بمشروع الحفر العلمي نشاطًا ميكروبيًا داخل عينات الصخور نفسها وليس فقط في المياه المحيطة بها، بمعدلات نشاط فاقت أحيانًا ما يُرصد في الماء الجوفي ذاته، وهو ما يُعزز الاهتمام بهذه المواقع كنظائر أرضية مباشرة لدراسة احتمالات الحياة المجهرية تحت سطح أجرام أخرى في النظام الشمسي.
من الفضول العلمي إلى حل مناخي: تمعدن الكربون في عمان
ربما يكون أكثر ما يجعل أفيوليت عمان موضوع اهتمام عالمي اليوم، خارج الأوساط الأكاديمية البحتة، هو دوره الناشئ كأحد أبرز المواقع المرشحة عالميًا لمواجهة أزمة المناخ. فالعملية الطبيعية نفسها التي تحول صخور البريدوتايت إلى سربنتين تنتج أيضًا، في ظروف معينة، تفاعلًا موازيًا يحوّل ثاني أكسيد الكربون الذائب في المياه إلى معادن كربوناتية صلبة وآمنة، مثل الكالسيت والمغنيسيت، في عملية تُعرف بالتمعدن الكربوني (Carbon Mineralization). والدليل على هذه العملية مرئي بوضوح في الحقل، حيث تنتشر عروق بيضاء من الكالسيت داخل صخور البريدوتايت العمانية، شاهدة على أن الصخر كان، وما زال، يمتص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي والمياه الجوفية منذ ملايين السنين.
لاحظ الجيولوجيون منذ عقود أن هذه العملية الطبيعية، لو أمكن تسريعها، يمكن أن توفر آلية دائمة وآمنة تقريبًا لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون، إذ إن المعدن الكربوناتي الناتج مستقر كيميائيًا لملايين السنين ولا يحمل أي خطر تسرب الغاز مجددًا إلى الغلاف الجوي، خلافًا لطرق الاحتجاز التقليدية التي تعتمد على ضخ الغاز في تكوينات جيولوجية مسامية يبقى فيها بحالته الغازية أو السائلة تحت رقابة طويلة الأمد. وقد قدّر باحثون من جامعة كولومبيا، من بينهم العالم بيتر كيليمن أحد أبرز الباحثين في أفيوليت عمان، أن المساحة الهائلة من صخور البريدوتايت المكشوفة في السلطنة تحمل قدرة استيعابية نظرية ضخمة لثاني أكسيد الكربون، لو أمكن تسريع وتيرة التفاعل الطبيعي البطيء بمقدار كبير عبر تدخل هندسي مدروس.
هذه الفكرة انتقلت بالفعل من حيز البحث الأكاديمي إلى التطبيق التجاري، عبر شركة عمانية ناشئة تحمل اسم “44.01”، نسبة إلى الكتلة الجزيئية لثاني أكسيد الكربون، أسسها رائد أعمال عماني بالتعاون مع علماء من بينهم باحثون شاركوا في الدراسات الأساسية حول الأفيوليت. تعتمد تقنية الشركة على إذابة ثاني أكسيد الكربون الملتقط من الهواء أو من مصادر صناعية في الماء، ثم ضخ هذا الماء الغني بالكربون إلى أعماق تتجاوز الكيلومتر داخل تكوينات البريدوتايت، حيث يتفاعل مع الصخر ليتحول إلى معدن صلب خلال أشهر معدودة بدلًا من عشرات السنين التي تستغرقها العملية الطبيعية. وقد نفذت الشركة مشروعًا تجريبيًا ناجحًا في منطقة عبري بمحافظة الداخلية، تلاه اتفاق مع وزارة الطاقة والمعادن العمانية لتطوير مشروع تجاري في جبال الحجر يُعد من أكبر مشروعات تمعدن البريدوتايت في العالم، إضافة إلى مشروعات موازية في دولة الإمارات بالتعاون مع شركات نفطية كبرى، باستخدام مياه البحر كوسيط لضخ الكربون.
هذا التحوّل من البحث الجيولوجي البحت إلى الحل المناخي التطبيقي يجسّد بدقة معنى وصف عمان بـ”المختبر المفتوح”: فالصخور التي تُدرس هنا لفهم كيفية تكوّن المحيطات قبل مئة مليون سنة، باتت اليوم تُختبر أيضًا كأداة محتملة لمعالجة أزمة المناخ في القرن الحادي والعشرين.
ثروات معدنية وتراث جيولوجي
إلى جانب القيمة العلمية البحتة، يحمل أفيوليت عمان أيضًا أهمية اقتصادية تاريخية وحاضرة. فقد استُخرج النحاس من عروق الكبريتيدات الموجودة ضمن وحدات الحمم البركانية الوسائدية في هذا الأفيوليت منذ آلاف السنين، وتشير الأدلة الأثرية إلى أن عمان كانت أحد أهم مصادر النحاس في حضارات الشرق الأدنى القديم، بما في ذلك ما يُعتقد أنه أرض “مجان” التي وردت الإشارة إليها في النصوص السومرية القديمة كمصدر للنحاس. كما تحتوي بعض وحدات الأفيوليت على ترسبات الكروميت، التي استُغلت تجاريًا في مواقع متعددة، إضافة إلى وجود مؤشرات على معادن أخرى ذات قيمة اقتصادية ضمن منظومة الصخور فوق المافية.
وفي السياق ذاته، تتحرك السلطنة في السنوات الأخيرة نحو تعزيز مكانة هذا الإرث الجيولوجي على المستوى الدولي، عبر جهود ساعية إلى توثيق المواقع الجيولوجية الأبرز وتطويرها كوجهات للسياحة العلمية والتعليمية، بما يشمل مواقع مثل منطقة وادي الجزي ومنطقة المضيبي وجبل شمس، حيث يمكن للزوار، من هواة الجيولوجيا إلى السياح العاديين، مشاهدة طبقات الحمم الوسائدية والدايكات الورقية ومنطقة الموهو بأعينهم المجردة دون الحاجة إلى أي تجهيزات خاصة.
لماذا “المختبر المفتوح”؟ خلاصة العوامل مجتمعة
حين يجمع الباحثون هذه العناصر كلها: الحجم الهائل والاكتمال الطبقي النادر، والكشف الصخري شبه الكامل بفضل المناخ الجاف، وإمكانية الوصول الفعلي إلى حدود الموهو سيرًا على الأقدام، والاستقرار السياسي والانفتاح العلمي الذي مكّن من تنفيذ مشروعات حفر دولية معقدة على مدى سنوات، والقيمة المضافة المتجددة بفعل أبحاث علم الأحياء الفلكي وتمعدن الكربون، يتضح لماذا يصف كثير من علماء الأرض حول العالم جبال عمان بأنها أقرب ما يكون إلى “كتاب مفتوح” لتاريخ القشرة المحيطية. فما يحتاج الباحث في أي مكان آخر إلى حفر آلاف الأمتار تحت قاع المحيط لرؤيته، أو محاكاته في نماذج حاسوبية مجردة، يمكنه في عمان أن يراه ويلمسه ويأخذ منه عينة بيده.
هذا الدور المعرفي المتراكم على مدى عقود من البحث العلمي، منذ الدراسات الرائدة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وصولًا إلى مشروعات الحفر العلمي الحديثة، جعل من السلطنة محطة لا غنى عنها في تكوين أي جيولوجي متخصص في علوم القشرة المحيطية، ومنحها مكانة فريدة تتجاوز قيمتها العلمية المجردة لتلامس اليوم قضايا راهنة بحجم أزمة المناخ العالمية. وبين الصخور الصامتة التي شهدت ولادة محيط واختفاءه، وبين الجهود البشرية المستمرة لفك رموزها، تواصل جبال عمان أداء دورها كمختبر طبيعي مفتوح، لم تُغلق صفحاته بعد، وما زال أمام العلماء فيه الكثير ليكتشفوه.