عام

اسباب تسمية قرى ومناطق ولاية سدح بهذه الاسماء

اسباب تسمية قرى ومناطق ولاية سدح بهذه الاسماء

في سلطنة عمان، التي تحظى بإرث حضاري ضارب في عمق التاريخ الإنساني، تبرز محافظة ظفار كواحدة من أغنى المناطق التي تزخر بتنوع طوبونيمي فريد. هذا التنوع يرجع في المقام الأول إلى التمازج اللغوي الرائع بين اللغة العربية الفصحى واللغات والآداب العربية الجنوبية القديمة، وفي مقدمتها اللغة الشحرية (التي تُعرف محلياً بالجبالية) واللغة المهرية.

وفي هذا السياق الحضاري، تقف ولاية سدح كشاهد عيان على هذا الثراء المعرفي والتاريخي. تقع ولاية سدح في الجزء الشرقي من محافظة ظفار، وتمتد كشريط ساحلي وجبلي ساحر يربط بين زرقة بحر العرب الشاسع وشموخ جبال ظفار الوعرة المنحدرة نحو الشاطئ. لقد جعل هذا الموقع الجغرافي الاستراتيجي من سدح مركزاً حضارياً قديماً، ارتبط تاريخه بطرق تجارة اللبان العالمية التي كانت تربط شواطئ جنوب الجزيرة العربية بحضارات العالم القديم في مصر الفرعونية، وبلاد الرافدين، والهند، والإمبراطورية الرومانية.

ومن هنا، فإن أسماء القرى والمناطق والأودية والعيون في ولاية سدح لا يمكن عزلها عن هذا السياق التاريخي، والاقتصادي، والبيئي الممتد. إن تتبع أسباب تسمية المناطق في ولاية سدح، بدءاً من مركز الولاية نفسه، مروراً بنيابتي حاسك وحدبين، وصولاً إلى مناطق جوفاء، وصوب، وفوشي، وشيرشت، يتطلب غوصاً عميقاً في الدلالات اللغوية والاشتقاقية، ومقارنة هذه المسميات بالسمات الجغرافية والتضاريسية والمناخية لكل منطقة، فضلاً عن استدعاء الموروث الشفهي والحكايات الشعبية التي يتداولها سكان المنطقة جيلاً بعد جيل.

لقد كانت الطبيعة الطبوغرافية لولاية سدح، والتي تجمع بين الشواطئ الرملية والصخرية، والأودية السحيقة الممتدة، والمنحدرات الجبلية الوعرة، والعيون المائية العذبة، هي الملهم الأول والأساسي للإنسان السدحي العماني في إطلاق هذه التسميات؛ بحيث يعبر الاسم بدقة متناهية عن صفة متجذرة في المكان، أو حدث تاريخي مفصلي وقع فيه، أو نبات يكثر في أرجائه، أو ميزة مناخية يتفرد بها عن غيره من المواقع.

المبحث الأول: مركز ولاية سدح – الجذور اللغوية والامتداد التاريخي

أولاً: التأصيل اللغوي والاشتقاقي لاسم “سدح”

عند البحث في المعاجم اللغوية العربية الكبرى عن الأصل الثلاثي لكلمة “سدح”، نجد أن المادة (س د ح) تدور في مجملها حول معاني الانبساط، والامتداد، والإلقاء المريح على الأرض. يقول ابن منظور في معجمه الشهير “لسان العرب”: سدح الشيء يسدحه سدحاً أي بسطه، وسدح الرجل إذا أضجعه على ظهره وبسطه، والمنطقة المسدوحة هي الأرض المنبسطة المستوية التي لا وعورة فيها.

ومن هذا المنطلق اللغوي والمعجمي الأصيل، يرى الكثير من الجغرافيين والمؤرخين أن تسمية “سدح” جاءت وصفاً طبيعياً ودقيقاً لطبيعة الأرض واليابسة التي تقع عليها المدينة. فبالرغم من أن ولاية سدح محاطة بسلسلة جبلية وعرة وشاهقة تشرف على البحر، إلا أن مركز الولاية نفسه (المدينة الساحلية) يقع على شريط شاطئي منبسط وممتد ومستوٍ نسيباً. هذا الانبساط الجغرافي سهل منذ القدم الاستيطان البشري، وبناء المساكن، وممارسة الأنشطة الاجتماعية والتجارية اليومية مقارنة بالمناطق الجبلية المحيطة ذات التضاريس الصعبة والمائلة.

ثانياً: الدلالة السوسيو-اقتصادية لاسم سدح

من زاوية أخرى ترتبط بالأنثروبولوجيا المحلية، يربط بعض الباحثين في التراث العماني بين اسم “سدح” وبين طبيعة الساحل البحري والنشاط الاقتصادي الرئيسي للمدينة عبر التاريخ. فالمدينة تتميز بشواطئها التي تنبسط وتتراجع أمامها الجبال، مما أتاح مساحة مستوية واسعة ومريحة للصيادين التقليديين من أجل “سدح” وبسط شباك صيدهم الطويلة لتجفيفها تحت أشعة الشمس، أو “سدح” وتجفيف الأسماك (مثل أسماك السردين والشارخة والصفيلح) التي تجود بها مياه بحر العرب الغنية. هذا التفسير يمنح الاسم دلالة اجتماعية واقتصادية تربط بشكل وثيق بين اللفظ والنشاط البشري والحرفي اليومي الذي توارثته الأجيال في الولاية.

ثالثاً: التفسير الجغرافي والمناخي وحماية السواحل

تتميز مدينة سدح بموقعها الاستراتيجي المحمي طبيعياً بفعل المنعطفات التضاريسية للجبال المجاورة. ويعتقد بعض كبار السن والمؤرخين المحليين أن الكلمة قد تحمل في الذاكرة الشعبية دلالة ترتبط بالحماية، مثل “سد البحر” أو الملاذ الطبيعي الذي يحمي الساحل من الرياح الشديدة والأمواج العاتية، خاصة في مواسم الرياح الموسمية (الخريف). فالمدينة القديمة نشأت وتطورت في بقعة توفر مرسى آمناً للسفن والمراكب التجارية التقليدية (مثل السفن من نوع السنبوق والبدن) التي كانت تجوب بحر العرب محملة بالبضائع واللبان، وبذلك يكون الاسم تعبيراً عن حالة الطمأنينة والاستقرار والاستواء التي تمنحها تضاريس هذه الأرض المنبسطة.

المبحث الثاني: نيابة حاسك – بوابة الشرق وعمق التاريخ الاقتصادي

أولاً: حاسك في التاريخ والجغرافيا القديمة

تعتبر نيابة حاسك واحدة من أقدم المواقع الجغرافية المأهولة بالسكان في شرق محافظة ظفار، ولها مكانة مرموقة للغاية في كتب الرحالة والجغرافيين والخرائط التاريخية القديمة. تقع حاسك في أقصى الجزء الشرقي من ولاية سدح، وتتميز ببيئتها الطبيعية الفريدة والمهيبة؛ حيث تلتقي المنحدرات الجبلية الشاهقة ب مياه البحر مباشرة دون وجود شريط ساحلي متسع في كثير من أجزائها. اسم “حاسك” ارتبط في التاريخ القديم بكونه واحداً من أهم الموانئ والمحطات التاريخية لتصدير وتجارة اللبان “الحوجري”، وهو أجود وأنقى أنواع اللبان في العالم، والذي كان يُجمع من الأودية القريبة المحيطة بنيابة حاسك مثل وادي ركوت الشهير.

ثانياً: أسباب التسمية ودلالة اللفظ بين العربية والشحرية

عند تفكيك اسم “حاسك” من الناحية اللغوية في اللغة العربية الفصحى، نجد أن لفظ “الحَسَك” يشير إلى النباتات البرية التي تعلق ثمرتها بصوف الغنم وريش الطيور ويكون لها شوك صلب ومدبب. ويرى العديد من الباحثين أن هذه التسمية قد أُطلقت على المنطقة تشبيهاً لطبيعة صخورها وجبالها الكلسية والحجرية المدببة والحادة، والتي تشبه في نتوءاتها الحادة شوك الحسك. إن عوامل التعرية والنحت المستمر بفعل الرياح البحرية والأمطار في جبال حاسك أدت إلى تشكيل تضاريس مسننة صعبة المسالك، تتطلب من السائر فيها حذراً شديداً، وهو ما يتطابق بدقة مع الوصف اللغوي للحسك.

أما من منظور اللغات العربية الجنوبية القديمة (كاللغة الشحرية)، فإن لفظ حاسك يحمل دلالات ترتبط بالوفرة المائية، والخصوبة، أو الموقع الطبيعي الحصين. تشير الروايات الشفهية المتوارثة إلى أن حاسك كانت تمثل دائماً نقطة الالتقاء والمصب النهائي لأكبر أودية المحافظة وهو “وادي ركوت”. هذا الوادي السحيق يصب مياهه الفيضية في بحر حاسك، وتتوفر في جنباته عيون مائية عذبة دائمة الجريان. وجود هذه المياه العذبة وسط بيئة جبلية صخرية قاسية جعل من حاسك واحة طبيعية ومحطة استراحة رئيسية لقوافل اللبان ورعاة الماشية، ومن هنا جاء الاسم ليشير إلى بقعة النماء والخصوبة والملاذ المائي الآمن.

المبحث الثالث: نيابة حدبين – قصة المرتفعات المحدبة والشواطئ الصخرية

أولاً: الموقع والطبيعة الطبوغرافية لنيابة حدبين

تقع نيابة حدبين في موقع وسيط ساحر بين مركز ولاية سدح ونيابة حاسك. وتجمع حدبين في تكوينها الجغرافي الفريد بين شاطئ بحري ممتد وغني بالثروات البحرية، ومرتفعات جبلية شاهقة تقترب من البحر وتشرف عليه بشكل مباشر. هذا التمازج التضاريسي المباشر منح حدبين خصوصية بيئية ومناخية لافتة، وجعل منها منذ القدم مستقراً بشرياً ممتازاً يجمع بين مهنتي الصيد البحري ورعي الماشية في الجبال المجاورة.

ثانياً: التحليل الاشتقاقي لاسم “حدبين”

يحمل اسم “حدبين” صبغة لغوية واضحة الدلالة في اللسان العربي، فالاسم يأتي على صيغة التثنية (مثنى) مشتقاً من الجذر الثلاثي (ح د ب). والحدب في لغة العرب هو كل ما ارتفع من الأرض وغلظ وتحدب، ويُقال اِحدَودَبَ الشيء إذا انحنى وارتفع وسطه بارزاً نحو الأعلى، والجمع حِداب.

عند إسقاط هذا المفهوم اللغوي الأصيل على جغرافية نيابة حدبين، يتضح لنا السبب المباشر وراء إطلاق هذه التسمية بشكل جلي؛ فالمنطقة تتميز بوجود مرتفعين جبلين بارزين للغاية وهضبتين محدبتين تحيطان بالمنطقة الساحلية المستقرة، أو تشكلان نسقاً تضاريسياً بارزاً للمبحرين والقادمين عبر مياه بحر العرب. البحارة والصيادون التقليديون القدامى كانوا يستدلون على موقع نيابة حدبين من مسافات بعيدة في عرض البحر عبر النظر إلى هذين الارتفاعين الشاهقين اللذين يظهران على خط الأفق الساحلي كـ “حدبتين” طبيعيتين واضحتين.

وفي تفسير آخر لا يبتعد عن جوهر المعنى، يرى بعض الباحثين أن التسمية قد تعود إلى انحناء الشاطئ البحري نفسه في تلك المنطقة؛ حيث يشكل خط الساحل في حدبين قوسين طبيعيين بارزين أو انحناءين مائيين داخل اليابسة يشبهان الحدبتين، مما يجعل تسمية “الحدبين” وصفاً دقيقاً لجغرافية الشاطئ والبحر والتواءاته الطبيعية. وفي كلتا الحالتين، تظل التسمية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بعنصر تضاريسي وبصري بارز شكل الهوية الجغرافية للمكان.

المبحث الرابع: منطقة جوفاء – الانخفاضات الجغرافية والمنخفضات والمغارات الطبيعية

أولاً: الدلالة اللغوية لاسم “جوفاء”

كلمة “جوفاء” هي الصفة المؤنثة من اللفظ “أجوف”، وهي مشتقة لغوياً من المادة (ج و ف) التي تدور معانيها في المعاجم العربية حول الفراغ الداخلي، والاتساع، والانخفاض في عمق الشيء. ويُقال في اللغة أرض جوفاء أي أرض واسعة منخفضة تحتوي في داخلها على أودية غائرة، أو كهوف ومغارات عميقة تحت الأرض. وتعتبر منطقة جوفاء التابعة لولاية سدح تجسيداً حياً ومثالاً واقعياً دقيقاً لهذا المعنى اللغوي الفصيح.

ثانياً: التوافق البنيوي بين الاسم والتضاريس في منطقة جوفاء

عند زيارة منطقة جوفاء، يلاحظ المرء على الفور وبشكل تلقائي أنها تقع في حوض تضاريسي منخفض تحيط به السلاسل الجبلية المرتفعة من عدة جهات، وتخترق هذا المنخفض مجموعة من الأودية والشعاب العميقة التي تنحدر بقوة لتصب في البحر. هذا الانخفاض الطبيعي المستعرض، الذي يجعل المنطقة تبدو كالحوض أو التجويف الأرضي الضخم وسط المرتفعات الشاهقة، هو السبب المباشر والأساسي لتسميتها بـ “جوفاء”.

بالإضافة إلى ذلك، تزخر جبال منطقة جوفاء بوجود العديد من الكهوف والمغارات الطبيعية العميقة والتجاويف الصخرية التي تشكلت عبر العصور الجيولوجية المختلفة بفعل عوامل النحت الكيميائي والمياه الجوفية والخارجية. وقد لعبت هذه المنطقة الجوفاء دوراً حيوياً بالغ الأهمية في التاريخ الاجتماعي للولاية؛ حيث كانت الكهوف والتجاويف الصخرية العميقة تمثل ملاذاً طبيعياً آمناً ومأوى ممتازاً للرعاة وسكان المناطق المجاورة ومواشيهم خلال فترات الأنواء المناخية الشديدة والأعاصير والأمطار الغزيرة التي تشهدها المنطقة بين الحين والآخر، مما رسخ اسم “جوفاء” في الذاكرة الجمعية كرمز للمكان الذي يجوف ويحتوي ويحمي في داخله الإنسان والحيوان.

المبحث الخامس: منطقة صوب – منابع الخير الفياض واتجاهات الرياح والأمطار

أولاً: التحليل المعجمي والدلالي لاسم “صوب”

تحمل كلمة “صوب” في المعاجم اللغوية العربية معانٍ متعددة ومحمودة، وكلها ترتبط بـ النزول، والتدفق، والخير، والاتجاه. فالصَّوبُ في اللغة هو المطر الساكب الغزير، ويُقال صابَ المطر يصوب صَوباً أي نزل وتدفق وسال بوجاهة وغزارة. والصوب أيضاً يعني الناحية والاتجاه المستقيم، فيقال سار المرء صوب المكان أي اتجه نحوه مباشرة ودون التواء. وتعتبر منطقة صوب الجبلية الساحرة التابعة لولاية سدح بقعة جغرافية فريدة يمتزج فيها اللفظ اللغوي بالواقع البيئي والمناخي بشكل مثير للإعجاب.

ثانياً: الأسباب والمؤثرات المناخية والبيئية لتسمية منطقة صوب

تعود تسمية منطقة “صوب” بهذا الاسم إلى تضافر مجموعة من العوامل الطبيعية والمناخية التي تميز هذه البقعة المرتفعة:

  1. انصباب ومصب المياه والأمطار الفياضة: تقع منطقة صوب في موقع جبلي مرتفع ومتميز يشكل نقطة تجميع رئيسية ومحوراً جغرافياً للأمطار التي تهطل على جبال ولاية سدح. وبسبب طبيعة التكوين الصخري والميلان التضاريسي لجبال صوب، فإن مياه الأمطار تصوب (أي تتدفق وتنحدر وتنسكب) منها بغزارة شديدة وسرعة عالية لتغذي الأودية الكبيرة والعيون المائية الواقعة في المنحدرات والسهول الأسفل منها. هذا التدفق والانصباب المستمر والدائم للمياه جعلها تُعرف وتشتهر بين السكان بالمنطقة التي يصوب ويسيل منها الخير والنماء.
  2. مواجهة اتجاه الرياح الموسمية (الخريف): يرى العديد من الباحثين والمهتمين بدراسة المناخ المحلي لظفار أن تسمية منطقة صوب ترتبط ارتباطاً وثيقاً بـ “صوب الرياح”، أي اتجاه الرياح. فمنطقة صوب تقع في موقع مرتفع ومواجه بشكل مباشر ومستقيم لاتجاه الرياح الموسمية الجنوبية الغربية المحملة بالرذاذ الكثيف والغيوم الماطرة القادمة من عرض بحر العرب خلال فصل الخريف الفلكي. هذا الموقع المباشر في “صوب” أو في مواجهة اتجاه الرياح المناخية يجعلها أولى المناطق الجبلية التي تكتسي بالغطاء النباتي الأخضر الكثيف، وتتحول إلى مراعي جبلية غنية تعج بالحياة والحركة الرعوية.

المبحث السادس: المناطق الجبلية والمحلية ذات الإرث اللغوي القديم (شيرشت، فوشي، وغيرها)

تضم ولاية سدح في جنباتها الشاسعة العديد من المناطق والتجمعات السكانية الصغيرة والقرى الجبلية المنتشرة في أعالي الأودية، والتي تحمل أسماءً ذات دلالات عميقة ترتبط باللغة الشحرية (اللغة العربية الجنوبية القديمة). إن فهم أسباب تسمية هذه المناطق يتطلب بالضرورة إدراكاً واسعاً للبعد الثقافي واللغوي المحلي الذي يعبر عن التناغم المطلق بين الإنسان وتفاصيل طبيعته الجبلية.

أولاً: منطقة شيرشت والقرى المرتبطة بلفظ “شير”

اسم “شيرشت” أو المناطق التي يدخل في تركيبها لفظ “شير” يعود في أصله وجذره الصوتي إلى الكلمة في اللغة الشحرية المحكية التي تعني “الجبل” أو تشير إلى “أهل الجبل وسكانه”. وفي تفسيرات مأثورة أخرى من التراث الشفهي للمنطقة، ترتبط التسمية بأنواع معينة من النباتات والأشجار البرية المحلية التي تكثر في تلك الأودية المرتفعة والممرات الجبلية الضيقة. إن إطلاق اسم “شيرشت” على هذه المنطقة يعد تعبيراً صريحاً وتأكيداً على هويتها الجبلية الخالصة، وتميزها التاريخي كمركز رعوي هام وتقليدي يرتاده أصحاب الإبل والماشية للاستفادة من وابل المراعي الخصبة التي تجود بها جبال سدح الشرقية.

ثانياً: منطقة فوشي ودلالات الأصوات الطبيعية

تعتبر منطقة “فوشي” من القرى والمناطق الجبلية الهادئة والجميلة في ولاية سدح. وتعود أسباب تسميتها بحسب الروايات المنقولة عن كبار السن إلى دلالات ترتبط بالسكينة والهدوء، أو بأسلوب انتشار وتشتت التجمعات المائية الصغيرة والغدران الصافية التي تتركها الأمطار الغزيرة بين الشقوق والوجار الصخرية الجبلية. ففي اللغات المحلية القديمة، كثيراً ما تشتق أسماء المواقع والتضاريس الدقيقة من محاكاة الأصوات الطبيعية (كصوت خرير الماء أو هبوب الرياح بين الممرات الصخرية الضيقة) أو من الأشكال الهندسية التي يتخذها الماء أثناء تدفقه، وهو الأمر الذي ينطبق تماماً على منطقة فوشي الغنية بتكوينات صخرية فريدة ومسارات مائية متميزة.

المبحث السابع: التفاعل الثقافي والبيئي في صياغة الطوبونيميا السدحية (خلاصة تحليلية)

من خلال هذا الاستعراض المعمق والمفصل لأسماء القرى والمناطق في ولاية سدح، يتضح لنا جلياً وبما لا يدع مجالاً للشك أن الإنسان العماني المستقر في هذه البقعة الغالية من الوطن لم يكن يطلق الأسماء على المواقع جُزافاً أو بشكل عشوائي، بل كان يمتلك حساً جغرافياً، وبيئياً، ولغوياً مرهفاً وعبقرياً. ويمكن لنا تصنيف وتلخيص أسباب التسمية في ولاية سدح برمتها إلى عدة محاور رئيسية تعكس بنية العلاقة الجدلية والتكاملية بين الإنسان وأرضه:

  1. المحور التضاريسي والطبوغرافي: ويتمثل هذا المحور بوضوح في مسميات مثل “سدح” التي تعبر عن الانبساط والاستواء الساحلي، و”حدبين” التي تشير إلى المرتفعات المحدبة والمنحنيات الطبيعية، و”جوفاء” التي تجسد المنخفضات والأحواض الأرضية والمغارات. يعكس هذا المحور الاعتماد البصري الكبير والملاحظة الدقيقة لأشكال الأرض وعناصرها الجيولوجية كوسيلة لتمييز الحدود والمواقع وإرشاد السابلة.
  2. المحور المائي والمناخي: ويظهر بوضوح في مسميات مثل “صوب” التي ترتبط بانصباب المطر الشديد واتجاه الرياح الموسمية، فضلاً عن المسميات المرتبطة بمسارات الأودية الكبرى كـ “وادي ركوت” ووادي شير ووادي غضن. ونظراً لأن الماء هو عصب الحياة الأساسي في هذه البيئات، فإن تسمية المواقع بدلالات مائية كانت وسيلة حيوية وحاسمة لضمان البقاء وإرشاد المسافرين وقوافل التجارة القديمة إلى منابع العيون العذبة الآمنة.
  3. المحور النباتي والاقتصادي: حيث ارتبطت مسميات بعض المناطق والنيابات مثل “حاسك” بنوعية الصخور والبيئة النباتية المحيطة، وبأشجار اللبان الحوجري الثمين الذي شكل العمود الفقري للاقتصاد العماني القديم وتجارته الدولية الصاعدة. يعكس هذا المحور الارتباط المهني واليومي للسكان بموارد بيئتهم الطبيعية ومصادر رزقهم.
  4. المحور اللغوي والتاريخي المتوارث: إن التمازج اللغوي الفريد بين مفردات العربية الفصحى وجذور اللغة الشحرية (الجبالية) يمنح أسماء المواقع والقرى في ولاية سدح نكهة تاريخية وحضارية خاصة للغاية، ويدل دلالة قاطعة على عمق الاستيطان البشري العتيق في هذه المنطقة، وتواصل الهوية الثقافية والاجتماعية عبر الآلاف من السنين دون انقطاع أو اندثار.

خاتمة: الحفاظ على الطوبونيميا كإرث حضاري وطني غير مادي

في ختام هذه الدراسة التوثيقية المعمقة والموسعة، يمكن القول بثقة إن أسماء قرى ومناطق ولاية سدح بمحافظة ظفار هي بمثابة قصيدة شعرية تاريخية وجغرافية خطتها يد الطبيعة البكر، ووقعها وفسرها الإنسان العماني بعرقه وفكره وفلسفته عبر العصور. إن كل اسم من هذه الأسماء لا يمثل مجرد لفظ نطق به اللسان، بل يحمل في طياته قصة كفاح، وتحدٍ، وأمل، وقدرة فائقة على التكيف مع تضاريس الطبيعة المتنوعة وتحويلها إلى واحات ومستقرات مأهولة بالعطاء والنماء والأمان.

إن دراسة وتوثيق أسباب هذه التسميات، وشرح جذورها اللغوية ومقارنتها بالواقع التضاريسي والموروث الشفهي، ليس مجرد ترف فكري أو بحث تاريخي عابر، بل هو واجب وطني ومعرفي أصيل يهدف إلى صون التراث الثقافي غير المادي لسلطنة عمان، ويربط جيل الحاضر والمستقبل بجذورهم التاريخية العميقة ليعتزوا بها ويفخروا بأصالتها.

وتثبت ولاية سدح، من خلال أسماء أجزائها ونواحيها، أنها كانت وستظل حلقة وصل محورية بالغة الأهمية في التاريخ العماني المجيد؛ تجتمع وتتآلف فيها أصالة الإرث اللغوي، وعبقرية الموقع الجغرافي الاستراتيجي، وجمال الطبيعة العذراء الأخاذة، مما يجعل من كل قرية، ووادٍ، ومنحدر فيها، حكاية مجد تستحق أن تروى، وتُدرس، وتُوثق بفخر واعتزاز للاستلهام منها في مسيرة البناء والنماء المستمرة.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *