حكومة سلطنة عُمان: البنية والسلطات وآليات الحكم
تُعدّ سلطنة عُمان واحدة من أبرز الدول العربية التي تتبنّى نظام الحكم الملكي المطلق الوراثي، حيث يجمع السلطان في شخصه رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة، ويقف على رأس السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية. ورغم هذا التمركز الواسع للصلاحيات في يد السلطان، فقد نشأت على مدى العقود الماضية منظومة مؤسسية متكاملة تضم مجلس الوزراء، ومجلس عُمان بغرفتيه، وجهازاً قضائياً مستقلاً نسبياً، إلى جانب عشرات الوزارات والهيئات والأجهزة الحكومية التي تدير شؤون البلاد اليومية. وقد جاء “النظام الأساسي للدولة”، الصادر عام 1996 والذي يعمل بمثابة الدستور العُماني، ليؤطر هذه المنظومة ويحدد اختصاصات كل سلطة وعلاقتها بالسلطات الأخرى. تسعى هذه المقالة إلى استعراض بنية الحكومة العُمانية وتطورها، وصولاً إلى أحدث التعديلات والتشكيلات الوزارية التي أقرّها السلطان هيثم بن طارق.
الإطار الدستوري: النظام الأساسي للدولة
يشكّل النظام الأساسي للدولة، الذي أصدره السلطان الراحل قابوس بن سعيد بمرسوم سلطاني عام 1996، حجر الزاوية في المنظومة القانونية العُمانية، إذ يقوم مقام الدستور المكتوب رغم عدم تسميته صراحة بهذا الاسم. ينص هذا النظام على أن عُمان دولة عربية إسلامية مستقلة كاملة السيادة، عاصمتها مسقط، ودين الدولة الإسلام، والشريعة الإسلامية أساس التشريع، واللغة الرسمية هي العربية. كما يؤكد أن سيادة القانون هي أساس الحكم، وأن استقلال القضاء مكفول.
لم يخضع هذا النظام إلا لتعديلين رئيسيين منذ صدوره: الأول عام 2011 في أعقاب موجة الاحتجاجات التي شهدتها المنطقة، والثاني في يناير 2021 في عهد السلطان هيثم بن طارق. وقد حسم التعديل الأخير قضية توارث الحكم بشكل أكثر وضوحاً، إذ نصّ على أن نظام الحكم سلطاني وراثي يقتصر على الذكور من سلالة السيد تركي بن سعيد بن سلطان، وأن يكون الابن الأكبر للسلطان ولياً للعهد، فإن لم يوجد فالابن الأكبر لابنه الأكبر، بصرف النظر عن وجود إخوة للسلطان أو لولي العهد. كما تناول النظام آلية اختيار السلطان في حال شغور المنصب، حيث يتولى مجلس العائلة الحاكمة، خلال ثلاثة أيام، تحديد من تنتقل إليه ولاية الحكم، فإن تعذر الاتفاق، يجتمع مجلس الدفاع مع رئيسي مجلسي الدولة والشورى ورئيس المحكمة العليا وأقدم نائبين له لإعلان اسم من رشّحه السلطان السابق في رسالته إلى مجلس العائلة.
السلطان: رأس الدولة والسلطة العليا
بموجب النظام الأساسي، يُعدّ السلطان رئيس الدولة والسلطة العليا والنهائية فيها، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، ورئيس مجلس الوزراء في آن واحد. فهو من يتولى إصدار القوانين والمراسيم السلطانية، وتعيين كبار المسؤولين والقضاة، ورسم السياسات العامة للدولة، وتمثيلها في العلاقات الخارجية. وقد آلت سلطة الحكم إلى هيثم بن طارق آل سعيد في 11 يناير 2020 عقب وفاة السلطان قابوس بن سعيد الذي حكم البلاد قرابة خمسين عاماً منذ عام 1970. ونظراً لعدم وجود أبناء أو إخوة للسلطان الراحل يخلفونه، عمل مجلس الدفاع، بعد تعذر اجتماع مجلس العائلة الحاكمة على اختيار فوري، على فتح رسالة السلطان قابوس التي أوصى فيها باسم هيثم بن طارق سلطاناً للبلاد، فأدّى الأخير اليمين الدستورية وألقى خطاب التنصيب في اليوم ذاته، ليصبح السلطان الرابع عشر من أسرة آل بوسعيد.
ولد السلطان هيثم بن طارق في مسقط، وتلقى تعليمه الجامعي في جامعة أكسفورد البريطانية، وشغل قبل توليه الحكم عدة مناصب رفيعة، من بينها وزير التراث والثقافة، ورئيس اللجنة الرئيسية المشرفة على “رؤية عمان 2040″، كما عمل في وزارة الخارجية أميناً عاماً ووكيلاً للشؤون السياسية، وتولى مهام المبعوث الخاص للسلطان قابوس في عدد من المناسبات.
مجلس الوزراء: الهيئة التنفيذية الرئيسية
يُعرَّف مجلس الوزراء بأنه الهيئة المنوط بها صياغة وتنفيذ السياسات العامة للدولة، وهو بذلك الجهاز التنفيذي الأعلى في السلطنة، ويرأسه السلطان شخصياً. ومن أبرز اختصاصات المجلس، وفق النظام الأساسي، رفع التوصيات إلى السلطان في الشؤون التي تهم الدولة، بما فيها اقتراح مشروعات القوانين والمراسيم، ورعاية مصالح المواطنين وتوفير الخدمات الأساسية لهم، وتحديد أهداف وسياسات التنمية الشاملة والإجراءات الكفيلة بتنفيذها، ومناقشة خطط التنمية بعد عرضها على مجلس عُمان ورفعها للسلطان للاعتماد، فضلاً عن مناقشة مقترحات الوزارات المختلفة واتخاذ القرارات المناسبة بشأنها.
شهد تشكيل مجلس الوزراء تحولاً جوهرياً في 18 أغسطس 2020، حين أصدر السلطان هيثم بن طارق حزمة من 28 مرسوماً سلطانياً في وقت واحد، تضمنت إعادة هيكلة شاملة للحكومة، من خلال إلغاء عدد من القوانين القائمة، ودمج بعض الوزارات في كيانات جديدة، واستحداث وزارات أخرى لم تكن موجودة من قبل، إلى جانب إعادة تشكيل مجلس الوزراء بأكمله برئاسة السلطان وتعيين طاقم وزاري جديد. وقد جاءت هذه الخطوة في إطار مساعي السلطان الجديد لتحديث الجهاز الحكومي وجعله أكثر انسجاماً مع متطلبات المرحلة، ولا سيما مع استراتيجية “رؤية عُمان 2040” التي تستهدف تنويع مصادر الدخل وتحسين كفاءة الإنفاق العام.
وتواصلت عمليات إعادة الهيكلة في السنوات اللاحقة، إذ صدر الأمر السلطاني رقم 34 لسنة 2022 بتاريخ 16 يونيو 2022 بشأن إعادة تشكيل مجلس الوزراء من جديد، شمل تعديلات على عدد من الحقائب الوزارية. ثم جاء المرسوم السلطاني رقم 17 لسنة 2026 ليعيد تشكيل مجلس الوزراء مرة أخرى، متضمناً، إلى جانب الوزراء، تعيين ثلاثة وزراء دولة يشغلون في الوقت ذاته مناصب محافظين، من بينهم السيد بلعرب بن هيثم آل سعيد الذي عُيّن وزير دولة ومحافظاً لمسقط. وتعكس هذه التعديلات المتكررة نهجاً حكومياً يميل إلى المراجعة الدورية للهيكل الوزاري بما يواكب الأولويات الاقتصادية والتنموية المتغيرة.
السلطة التشريعية: مجلس عُمان
على الصعيد التشريعي، يتولى مجلس عُمان، وهو الهيئة التي تجمع بين مجلس الدولة ومجلس الشورى، مهمة مراجعة التشريعات ورفعها إلى السلطان للحصول على الموافقة النهائية عليها. ولكل من المجلسين شخصية اعتبارية مستقلة، ويتمتعان باستقلال إداري ومالي، ويقع مقرهما في محافظة مسقط، بينما تمتد مدة العضوية في كل منهما أربع سنوات ميلادية تبدأ من تاريخ التعيين أو الانتخاب.
يتألف مجلس الدولة، وهو الغرفة العليا، من نحو سبعين عضواً يعينهم السلطان مباشرة، ويقتصر دوره على تقديم المشورة دون أن يملك سلطة تشريعية ملزمة. أما مجلس الشورى، الغرفة الأدنى، فيُنتخب أعضاؤه بالاقتراع الشعبي المباشر من قبل المواطنين في مختلف الولايات، غير أن السلطان هو من يعيّن رئيسه من بين الأعضاء الفائزين. وتقتصر صلاحيات مجلس الشورى بدورها على اقتراح القوانين ومناقشة السياسات العامة للوزارات الخدمية، إذ يُلزم النظام الأساسي وزراء الخدمات بتزويد المجلس بتقرير سنوي عن سير تنفيذ مشروعات وزاراتهم، ويحق للمجلس استدعاء أي وزير لتقديم بيان حول مسائل تدخل ضمن اختصاص وزارته ومناقشته فيها. ومع ذلك، تبقى صلاحيات مجلس عُمان بشقّيه استشارية في مجملها، إذ لا يملك أي من المجلسين حق التشريع المستقل أو الاعتراض الملزم على قرارات السلطان، ما يجعل السلطة التشريعية الفعلية متمركزة إلى حد بعيد في يد السلطان ومجلس الوزراء.
السلطة القضائية واستقلالها
يكفل النظام الأساسي للدولة استقلال السلطة القضائية، وينص على أن المحاكم بمختلف أنواعها ودرجاتها هي من يتولى إصدار الأحكام وفق القانون، وأنه لا سلطان على القضاة في عملهم إلا للقانون، وأنهم غير قابلين للعزل إلا في الحالات التي يحددها القانون صراحة. وتُعدّ المحكمة العليا أرفع جهة قضائية في السلطنة، وتختص من بين ما تختص به بالفصل في النزاعات المتعلقة بمدى مطابقة القوانين واللوائح لأحكام النظام الأساسي، وهي بذلك تمارس نوعاً من الرقابة على دستورية التشريعات، وإن كانت هذه الرقابة، بحسب الدارسين، تختلف عن نموذج المحكمة العليا الأمريكية من حيث المصدر، إذ منحها النظام الأساسي هذا الاختصاص صراحة بدلاً من أن تنتزعه لنفسها.
ولتعزيز استقلال القضاء وتطوير أدائه، أُنشئ المجلس الأعلى للقضاء الذي يتولى رسم السياسة العامة للقضاء والإشراف على حسن سير العمل في المحاكم وجهات الادعاء العام، واقتراح مشروعات القوانين والمراسيم المتعلقة بالشأن القضائي، وتيسير إجراءات التقاضي وتقريبها من المواطنين والمقيمين. ويرأس السلطان هذا المجلس بنفسه، فيما يتولى رئيس المحكمة العليا منصب نائب الرئيس، ويقتصر تشكيله على أعضاء من السلطة القضائية دون أي تدخل من السلطة التنفيذية، بما يعزز مبدأ الفصل بين السلطات نظرياً. كما توجد إلى جانب القضاء المدني جهة قضائية مستقلة هي القضاء العسكري، وتختص وحدها بالفصل في الجرائم العسكرية التي يرتكبها منتسبو القوات المسلحة وقوات الأمن.
الوزارات والأجهزة الحكومية
تضم الحكومة العُمانية عشرات الوزارات والهيئات المتخصصة التي تدير قطاعات الدولة المختلفة، من بينها وزارة الخارجية، ووزارة المالية، ووزارة الداخلية، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، ووزارة الثقافة والرياضة والشباب، ووزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، وغيرها من الحقائب التي أعيد تشكيل بعضها أو دمجها ضمن مسار التطوير المؤسسي الذي انطلق منذ عام 2020. وإلى جانب الوزارات، توجد مؤسسات وهيئات حكومية مستقلة نسبياً تلعب دوراً محورياً في إدارة الاقتصاد والاستثمار، من أبرزها البنك المركزي العُماني الذي يتولى السياسة النقدية، وجهاز الاستثمار العُماني الذي يدير أصول الدولة السيادية، وصندوق عُمان للاستثمار، والشركة العُمانية للتنمية السياحية “عُمران”، والمركز الوطني للإحصاء والمعلومات الذي يوفر البيانات الرسمية اللازمة لصنع القرار.
التوجهات المستقبلية: رؤية عُمان 2040
لا يمكن فهم إعادة الهيكلة الحكومية المتكررة التي شهدتها السلطنة منذ عام 2020 بمعزل عن “رؤية عُمان 2040″، وهي الخطة الاستراتيجية طويلة المدى التي تستهدف تنويع الاقتصاد الوطني بعيداً عن الاعتماد على النفط، وتطوير القطاعات الإنتاجية والخدمية، وتحسين بيئة الأعمال والاستثمار. وقد سبق للسلطان هيثم بن طارق، قبل توليه الحكم، أن ترأس اللجنة الرئيسية المشرفة على إعداد هذه الرؤية، ما يفسر إلى حد بعيد الزخم الذي اتخذته عمليات الإصلاح الإداري والمؤسسي في عهده، سواء من خلال دمج الوزارات وتقليص عددها في المرحلة الأولى، أو من خلال التعديلات الوزارية اللاحقة التي استهدفت مواءمة الهيكل الحكومي مع أولويات التنمية المستدامة ومكافحة الفساد وتحسين جودة الخدمات العامة.
خاتمة
تعكس بنية الحكومة العُمانية نموذجاً فريداً يجمع بين الطابع التقليدي للملكية المطلقة الوراثية وبين محاولات تحديث تدريجي للمؤسسات العامة. فالسلطان يبقى مركز القرار الأول في الدولة، يجمع بين رئاسة السلطة التنفيذية والقيادة العليا للقوات المسلحة ورئاسة مجلس الوزراء، فيما تلعب مؤسسات مثل مجلس عُمان والمحكمة العليا والمجلس الأعلى للقضاء أدواراً استشارية ورقابية محدودة نسبياً لكنها آخذة في التوسع تدريجياً. ومنذ انتقال الحكم إلى السلطان هيثم بن طارق عام 2020، شهدت السلطنة موجة من إعادة الهيكلة الوزارية والإدارية، توّجتها التعديلات المتعاقبة على تشكيل مجلس الوزراء في الأعوام 2020 و2022 و2026، في مسعى لبناء جهاز حكومي أكثر كفاءة وانسجاماً مع تطلعات “رؤية عُمان 2040” ومتطلبات المرحلة الاقتصادية والتنموية المقبلة.