من هو معالي الدكتور هلال السبتي وزير الصحة العماني؟
معالي الدكتور هلال بن علي بن هلال السبتي: رائد جراحة القلب العمانية وقائد المنظومة الصحية الوطنية
ولد الدكتور هلال بن علي بن هلال السبتي في 27 أكتوبر 1972، وهو اليوم أحد أبرز الشخصيات الطبية والقيادية في سلطنة عمان. يشغل منذ 16 يونيو 2022 منصب وزير الصحة، بعد مسيرة حافلة بالإنجازات كاستشاري أول في جراحة القلب والصدر بمستشفى جامعة السلطان قابوس، ورئيس تنفيذي للمجلس العماني للاختصاصات الطبية (OMSB) منذ مايو 2015 بموجب المرسوم السلطاني رقم 24/2015.
تجسد مسيرته نموذجاً للكفاءة العمانية التي جمعت بين التميز العلمي الدولي والالتزام الوطني العميق، فمن غرف العمليات الرائدة إلى قيادة السياسات الصحية الوطنية، ساهم في نقل الرعاية الصحية العمانية إلى آفاق جديدة من الجودة والابتكار، تماشياً مع رؤية عمان 2040.
هذه المقالة تستعرض بالتفصيل رحلته من النشأة والتعليم إلى الإنجازات الجراحية الرائدة، والأدوار القيادية، والتكريمات، وتأثيره المستمر على مستقبل الصحة في السلطنة.
النشأة والتعليم المبكر: أسس متينة في جامعة السلطان قابوس
نشأ هلال السبتي في بيئة عمانية تشهد تحولاً كبيراً في القطاع الصحي خلال عهد السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – الذي وضع أسس النهضة الصحية الحديثة. التحق بجامعة السلطان قابوس، حيث حصل على البكالوريوس في العلوم الصحية عام 1993، ثم درجة دكتور في الطب (MD) عام 1996.
خلال دراسته الجامعية، برز تفوقه الأكاديمي، فحصل على جائزة «أفضل طالب» في قسم علم الأدوية عام 1995. أكمل سنة الامتياز في مستشفى جامعة السلطان قابوس بين 1996 و1997، ثم التحق ببرنامج الجراحة العامة في الجامعة نفسها من 1997 إلى 1999.
كانت هذه الفترة حاسمة في صقل مهاراته الجراحية الأساسية وتعزيز شغفه بجراحة القلب، التي كانت آنذاك تخصصاً نادراً في السلطنة وتعتمد بشكل كبير على الإرساليات الخارجية للعلاج.
التدريب المتخصص في الخارج: رحلة نحو التميز العالمي
في عام 1999، سافر الدكتور السبتي إلى كندا ليبدأ رحلة تدريبية استثنائية في جامعة ماكجيل، إحدى أعرق الجامعات في مجال الجراحة. أكمل برنامج الإقامة في جراحة القلب من 1999 إلى 2005، وحصل خلالها على درجة الماجستير في علوم الجراحة التجريبية.
نال شهادة البورد في جراحة القلب من الكلية الملكية للأطباء والجراحين في كندا عام 2005، ليصبح أول جراح قلب عماني يُكمل تدريبه المتخصص في أمريكا الشمالية.
خلال فترة التدريب، حصد جوائز مرموقة: الجائزة الثانية لعروض المقيمين في البحث بجامعة ماكجيل عام 2002، وجائزة «أفضل مدرس مقيم» في جراحة القلب عام 2005. كما حصل على جائزة الأبحاث الوطنية/الدولية «Fraser Gurd Surgical Day».
أكمل زمالة في جراحة القلب محدودة التدخل (Minimally Invasive Cardiac Surgery) في مستشفى جامعة هامبورغ-إيبندورف بألمانيا بين 2005 و2006، مما أتاح له الاطلاع على أحدث التقنيات الجراحية طفيفة التوغل التي تقلل من المضاعفات وتسرّع التعافي.
في عام 2009، أصبح أول عماني يحضر دورة قيادة الأطباء التنفيذيين في كلية الطب بجامعة هارفارد، وفي نوفمبر 2013 كان أول طبيب عماني يلتحق ببرنامج القيادة الاستراتيجية في جامعة أكسفورد. هذه الدورات القيادية شكّلت نقطة تحول في رؤيته للجمع بين التميز الجراحي والإدارة الاستراتيجية للقطاع الصحي.
بناء قسم جراحة القلب والصدر في سلطنة عمان: من الصفر إلى الريادة
عاد الدكتور السبتي إلى عمان عام 2006، ليصبح رائداً في إنشاء قسم جراحة القلب والصدر بمستشفى جامعة السلطان قابوس (الذي أُسس رسمياً كقسم عام 2008). شغل منصب رئيس وحدة جراحة القلب والصدر، واستشاري أول، كما عمل استشارياً في المستشفى السلطاني.
بين 2010 و2013، تولى منصب نائب مدير عام مستشفى جامعة السلطان قابوس للشؤون الطبية، حيث ساهم في تعزيز التعاون الدولي والتدريب والبحث العلمي.
كان القسم في بداياته يعتمد على فرق محدودة وإمكانيات متواضعة، لكنه نجح في بناء فريق متخصص وتجهيز غرف عمليات متقدمة، بما في ذلك أول غرفة عمليات هجينة (Hybrid Operating Room) في السلطنة.
الإنجازات الجراحية الرائدة
قاد الدكتور السبتي وفريقه سلسلة من العمليات التاريخية التي غيرت وجه الرعاية القلبية في عمان:
- أول عمليات القلب المفتوح: أجرى الفريق أول عمليتين للقلب المفتوح في السلطنة، مما وضع الأساس لعلاج أمراض القلب المعقدة محلياً بدلاً من الإرسال للخارج.
- أول زراعة قلب صناعي (LVAD): في عام 2014، قاد فريق جراحة القلب أول عملية زراعة قلب صناعي في السلطنة لمريض يعاني من قصور قلبي متقدم. هذه التقنية تُستخدم كجسر للزراعة أو علاج داعم طويل الأمد، وأنقذت حياة مرضى كانوا يواجهون الموت المحتم.
- زراعة الصمام الأورطي عبر القسطرة (TAVI): في عام 2013، أجرى الفريق بمساعدة فريق التخدير القلبي عمليات TAVI ناجحة لأربعة مرضى تجاوزت أعمارهم 75 عاماً. هذه التقنية طفيفة التوغل تُناسب كبار السن الذين لا يتحملون الجراحة التقليدية.
- الجراحة الأولى عالمياً على امرأة حامل: في أبريل 2015، نجح الفريق في زرع صمام داخل صمام (Valve-in-Valve) في الشريان الأورطي والصمام الميترالي عبر القسطرة على امرأة حامل. هذه العملية الأولى من نوعها عالمياً أجريت تحت إشرافه المباشر، وأثبتت إمكانية إجراء تدخلات قلبية معقدة بأمان أثناء الحمل.
- مساهمة في أول عملية جراحية للصدر (Thoracab): ساهم في إجراء أول عملية من نوعها في سلطنة عمان والشرق الأوسط، مما فتح آفاقاً جديدة للجراحات طفيفة التوغل في المنطقة.
- عمليات حديثة: قاد فريقاً أنقذ حياة أم لثلاثة أطفال تعاني من تشريح تلقائي في الشرايين التاجية (نادر وخطير)، باستبدال ثلاثة شرايين قلبية بتقنية متقدمة. سيتم نشر الحالة في مجلة علمية دولية محكمة.
هذه الإنجازات لم تُنقذ أرواحاً فحسب، بل أسست لقدرة ذاتية عمانية في علاج أمراض القلب المعقدة، وقللت من تكاليف العلاج في الخارج، ورفعت مستوى التدريب المحلي.
الدور القيادي في تطوير التعليم الطبي: رئاسة المجلس العماني للاختصاصات الطبية
في مايو 2015، عُيّن الدكتور السبتي رئيساً تنفيذياً للمجلس العماني للاختصاصات الطبية (OMSB). خلال فترة قيادته حتى 2022، حقق إنجازات استراتيجية كبرى:
- تطوير 19 برنامجاً تدريبياً، منها 16 حصلت على الاعتماد الدولي من مجلس الاعتماد الدولي للتعليم الطبي العالي بالولايات المتحدة (ACGME-I).
- الحصول على شهادة ISO 9001، والاعتماد المؤسسي ACGME-I.
- إنشاء مسارات تخصصات نادرة، وبرامج زماه محلية.
- تطبيق التعليم المحاكي (Simulation)، والامتحانات التصديقية المحلية، والتحول الرقمي (منصة التعلم الإلكتروني، قاعدة بيانات HAKEEM).
- إعادة هندسة العمليات، وإنشاء وحدة الرفاهية للأطباء.
- إعداد الخطة الاستراتيجية 2040، وتخريج مئات المتخصصين سنوياً، مع برامج ابتعاث.
حصل خلال هذه الفترة على جائزة الطبيب القيادي من مجلس الاعتماد الدولي للتعليم الطبي العالي بالولايات المتحدة، تقديراً لدوره في رفع جودة التعليم الطبي المتقدم وجودة الرعاية الصحية في عمان.
التعيين وزيراً للصحة: قيادة جديدة للمنظومة الوطنية
في 16 يونيو 2022، أصدر جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم مرسوماً سلطانياً بتعيينه وزيراً للصحة، خلفاً لمعالي الدكتور أحمد بن محمد السعيدي.
كوزير، يركز على تعزيز الرعاية الصحية الشاملة، الاعتماد الدولي للمؤسسات، الابتكار الرقمي، والوقاية. من أبرز الإنجازات خلال فترته: نجاح أول عملية زراعة قلب من متبرع متوفى دماغياً في السلطنة عام 2025، مما يُعد إنجازاً تاريخياً يفتح باب التبرع بالأعضاء على نطاق أوسع.
يشغل أيضاً مناصب قيادية أخرى: رئيس مجلس أمناء المجلس العماني للاختصاصات الطبية، ورئيس مجلس أمناء كلية عمان للعلوم الصحية والمعهد العالي للتخصصات الصحية، ورئيس مجلس إدارة المدينة الطبية الجامعية.
التكريمات والجوائز: تقدير وطني ودولي
حظي الدكتور السبتي بتكريمات رفيعة:
- وسام عمان المدني من الدرجة الثالثة (نوفمبر 2015).
- ميدالية مجلس التعاون لدول الخليج في الخدمة المدنية والتنمية الإدارية (1 مايو 2019).
- الزمالة الفخرية من كلية أطباء التخدير في أيرلندا (مايو 2019).
- جائزة الطبيب القيادي (كما ذُكر).
- وسام عمان المدني من الدرجة الثانية (نوفمبر 2024).
المساهمات البحثية والمجتمعية
نشر الدكتور السبتي العديد من الأبحاث في مجلات علمية محكمة محلياً ودولياً، وشارك في أربع مجموعات بحثية مثمرة. قدم محاضرات وورش عمل في محافل محلية ودولية، ودُعي للمساهمة في مشروع مدينة الملك عبدالله الطبية بجامعة الخليج العربي في البحرين.
على الصعيد المجتمعي، يشارك في حملات التوعية الصحية عبر الإعلام وزيارات المدارس والمستشفيات، ويشرف على مبادرات خيرية في ولاية بدبد، وهو الراعي الرسمي لماراثون التوعية الصحية.
الخاتمة: إرث مستمر ومستقبل واعد
تمثل مسيرة معالي الدكتور هلال بن علي بن هلال السبتي قصة نجاح عمانية ملهمة، جمعت بين الدقة الجراحية والرؤية القيادية الاستراتيجية. من غرف العمليات التي أنقذت أرواحاً وفتحت آفاقاً جديدة، إلى قيادة التعليم الطبي وصياغة السياسات الصحية الوطنية، أثبت أن التميز الفردي يمكن أن يتحول إلى إنجاز جماعي يخدم الوطن.
في ظل رؤية عمان 2040، يواصل معاليه قيادة المنظومة الصحية نحو مزيد من الجودة والاستدامة والابتكار. إن إرثه ليس فقط في العمليات الجراحية التاريخية، بل في جيل جديد من الأطباء العمانيين المؤهلين، وفي منظومة صحية أكثر تقدماً وإنسانية.
«في مسيرتنا تقودنا قيم الإنسانية… نحن قوة إيجابية تصنع المستقبل ونعمل كفريق واحد لإحداث فارق ملموس في حياة الناس».
هذه الكلمات التي يرددها معالي الوزير تلخص فلسفته: الطب ليس مهنة فقط، بل رسالة وطنية وإنسانية. وسلطنة عمان اليوم تفخر بمثل هذه القامات التي تجمع بين العلم والقيادة والعطاء.