تاريخ عمان الحديث من عصر النباهنة الى البوسعيد
يمتد تاريخ عمان الحديث والمعاصر عبر نسيج معقد من الأحداث السياسية والعسكرية والارتباطات البحرية الفريدة، مشكلاً تجربة حضارية استثنائية في جنوب شرق الجزيرة العربية. إن دراسة هذا التاريخ من عصر مملكة النباهنة، مروراً بالدولة اليعربية، وصولاً إلى تأسيس ورسوخ الدولة البوسعيدية، تكشف عن حيوية مجتمع تمكن من تحويل التحديات الجغرافية والجيوسياسية إلى ركائز لبناء إمبراطورية بحرية عابرة للقارات. ولم يكن النشاط البحري العُماني مجرد وسيلة للتجارة العابرة، بل كان الأداة الاستراتيجية التي مكنت عمان من بسط سيطرتها على مياه الخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهندي، وحماية ثغورها ومدنها من الأطماع المتواصلة.
تأرجحت عمان عبر القرون بين الازدهار الداخلي القائم على استقرار الإمامة أو الملك، وبين التشرذم الذي فتح الباب أمام الغزوات الخارجية، لاسيما البرتغالية والفارسية والسعودية. غير أن السمة الغالبة على الشخصية التاريخية العمانية كانت تكمن دائماً في القدرة على الانبعاث والتحرر، وإعادة صياغة موازين القوى الإقليمية، وهو ما يتجلى في هذا البحث التفصيلي الممتد عبر المحاور الكبرى للتاريخ العُماني الحديث.
أولاً: مملكة النباهنة (1145م – 1626م)
يمثل حكم بني نبهان لعمان مرحلة انتقالية مهمة حفل بها التاريخ العماني، حيث استمرت هذه الإمارة أو المملكة لقرابة خمسة قرون، مقسمة تاريخياً إلى فترتين أساسيتين، تخللتهما صراعات داخلية وتغيرات في طبيعة النظام السياسي والاجتماعي.
1. الفترة الأولى (1145م – 1462م)
بدأت هذه الفترة بعد أفول مرحلة الأئمة الأوائل، وتحديداً عقب وفاة الإمام أبي جابر موسى بن أبي المعالي موسى بن نجاد في عام 1145م. تمكن النباهنة من فرض نظام حكم وراثي اتخذ من “الملك” لقباً لحكامه عوضاً عن لقب “الإمام” الذي ارتبط تاريخياً بالانتخاب الشوري من قبل أهل الحل والعقد.
تميزت هذه الفترة بالطول، إذ استمرت نحو أربعة قرون، وشهدت تحولات عاصمة الحكم بين نزوى وبهلا ومقنيات. وكان ملوك بني نبهان يمارسون حكماً مركزياً في فترات قوتهم، غير أن أواخر هذه الفترة شهدت ضعفاً متزايداً نتيجة الانقسامات العشائرية والتمردات الداخلية، وانتهت هذه الفترة بوفاة الملك سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني، الذي كان شاعراً وملحناً وسياسياً، وتعد قصائده مصدراً تاريخياً مهماً لتوثيق صراعات تلك الحقبة.
2. الفترة الثانية (1556م – 1626م)
بعد فترة من الاضطرابات وتداخل القوى، تمكن النباهنة من استعادة جزء من نفوذهم في المناطق الداخلية لعمان بدءاً من عام 1556م. ورغم أن التفاصيل التوثيقية لهذه الفترة يكتنفها الغموض مقارنة بالفترة الأولى، إلا أن الذاكرة التاريخية العمانية والشواهد الأثرية تذكر إنجازات اقتصادية وعمرانية بارزة نُسبت لملوكها.
- إدخال زراعة المانجو (الأنبج): يُسجل للملك فلاح بن محسن النبهاني أنه أول من أدخل زراعة أشجار المانجو إلى عمان، مما ساهم في تنويع المحاصيل الزراعية في الواحات الداخلية.
- الهندسة المعمارية العسكرية: يُعد حصن بهلا التاريخي الشاهد الأكبر على عظمة العمارة في عهد النباهنة. تم توسيع الحصن وتطوير أسواره الضخمة بالطين والآجر ليكون مركزاً دفاعياً وإدارياً هائلاً يشهد له التاريخ المعماري العالمي (حيث أُدرج لاحقاً كأول موقع عُماني في قائمة التراث العالمي لليونسكو).
- تطوير نظام الأفلاج: يعتقد المؤرخون أن نظام الأفلاج الداؤودية الحالي في عمان تلقى رعاية وتطويرًا هندسياً واسعاً في زمن النباهنة، حيث وضعوا القواعد والقوانين المنظمة لتوزيع المياه التي تتناسب مع البنية الزراعية العمانية حتى يومنا هذا.
ثانياً: السيطرة الفارسية على عمان والأدوار الإقليمية
شكلت السواحل العمانية والموقع الاستراتيجي المطل على مضيق هرمز محوراً دائمًا للأطماع الفارسية عبر السلالات الحاكمة المختلفة في إيران. وكان الحكام الفرس ينظرون إلى عمان باعتبارها امتداداً جغرافياً حيوياً للسيطرة على خطوط التجارة البحرية.
1. مملكة هرمز والدولة الجبرية
خلال ضعف مملكة النباهنة وانشغالها بالحروب الداخلية، تمكنت مملكة هرمز الثرية والتجارية من بسط سيطرتها على طول الساحل العماني المطل على بحر العرب وخليج عمان، مستغلة الموانئ العمانية كأوعية لتجارة التوابل والحرير. وفي المقابل، بقيت منطقة ظفار في الجنوب تحت حكم الرسوليين في اليمن لفترة من الزمن قبل أن تؤول إلى السلطنة الجبرية.
كان للدولة الجبرية (التي اتخذت من شرق الجزيرة العربية مركزاً لها) دور كبير في دعم القوى الداخلية الإباضية في عمان لإعادة التوازن السياسي. وساند الجبريون بقيادة الأمير أجود بن زامل الجبري تنصيب الأئمة في الداخل العماني، مثل:
- الإمام عمر بن الخطاب الخروصي سنة 1487م.
- الإمام محمد بن إسماعيل سنة 1500م.
ومع ذلك، لم تكن سلطة هؤلاء الأئمة شاملة لكل التراب العماني، بل تفتتت البلاد إلى ما يشبه دويلات المدن والمناطق؛ فكان الأئمة يسيطرون على أقسام من عمان الداخلية، والنباهنة على أجزاء أخرى، والجبريون يمدون نفوذهم إلى واحات معينة، في حين بقي الساحل تحت الهيمنة الهرمزية حتى مطلع القرن السادس عشر.
2. غزو نادر شاه وسقوط اليعاربة (1737م – 1741م)
في أواخر عهد الدولة اليعربية، دب الخلاف والنزاع الأهلّي بين أقطاب الأسرة اليعربية حول الإمامة. وفي عام 1737م، رفض سيف بن سلطان الثاني مبايعة بلعرب بن حمير للإمامة، وارتكب خطأ استراتيجياً باستنجاده بنادر شاه، ملك فارس، طالباً إرسال قوات عسكرية لإخضاع خصومه الداخليين.
أبحرت القوات الفارسية بقيادة لطيف خان في مارس 1737م ونزلت بالسواحل العمانية. ورغم نجاح زعماء القبائل في إتمام صلح مؤقت بين سيف بن سلطان وبلعرب بن حمير حقناً للدماء، إلا أن الصراع تجدد، وعزل العلماء سيف بن سلطان للمرة الثانية نتيجة سوء سيرته ومخالفته للشريعة، وبايعوا سلطان بن مرشد اليعربي إماماً عام 1741م.
أدى استنجاد سيف بالفرس مجدداً إلى غزو فارسي واسع وشامل، أسفر عن سقوط دولة اليعاربة تراجيدياً بعد وفاة الإمام سلطان بن مرشد (قائد المقاومة) متأثراً بجراحه داخل حصن صحار، ووفاة سيف بن سلطان الثاني نفسه في قلعة الحزم بالرستاق، مما ترك البلاد في حالة من الفوضى والاحتلال الفارسي المباشر للمدن الساحلية.
3. الصدام البوسعيدي – الفارسي (عهد الإمام أحمد بن سعيد وكريم خان زند)
مع صعود الإمام أحمد بن سعيد وتأسيس الدولة البوسعيدية، تحولت العلاقة مع فارس إلى التنافس الإستراتيجي الحاد من أجل السيادة البحرية. تميز الأسطول الفارسي في عهد نادر شاه بضعف الهوية المحلية، إذ اعتمد على المساعدات الأجنبية وافتقر للبحارة المتمرسين، مما دفع الفرس للاستعانة بالبحارة العرب قسراً أو طوعاً.
بعد مقتل نادر شاه وتولي كريم خان زند الحكم في فارس، حاول الأخير إحياء الطموحات التوسعية في الخليج العربي. أرسل كريم خان رسالة تهديد إلى الإمام أحمد بن سعيد يطالبه فيها بدفع الجزية السنوية بحجة تبعية عمان التاريخية لفارس. رفض الإمام أحمد هذه المطالب جملة وتفصيلاً بأسلوب سياسي حازم.
لجأ الإمام أحمد بن سعيد إلى الدبلوماسية الوقائية وتحالف مع العثمانيين (خصوم الفرس التقليديين). ومع ضعف المنافسين الفرس وموت كريم خان زند لاحقاً، تمكنت عمان من استعادة مركزها القوي في الخليج، مكرسةً خطاً دفاعياً بحرياً حمى الموانئ العربية من التمدد الإيراني.
ثالثاً: الغزو البرتغالي وحركات التحرير العمانية
شكل القرن السادس عشر نقطة تحول كبرى في تاريخ المحيط الهندي مع وصول السفن البرتغالية المسلحة بالمدافع، الساعية إلى احتكار تجارة التوابل الشرقية وكسر الاحتكار الإسلامي-العشاري للممرات البحرية.
1. حملة ألبوكيرك وتدمير السواحل العمانية (1507م)
في أبريل 1506م، غادر أسطول برتغالي لشبونة بقيادة ترستاو دا كونها وألفونسو دي البوكيرك. وانفصل ألبوكيرك متوجهاً بسبع سفن و500 جندي نحو مضيق هرمز، مبتدئاً بسلسلة من العمليات العسكرية الوحشية على طول الساحل العماني:
- قلهات: رسا الأسطول فيها، واستسلم أهلها ودفعوا التموين والجزية تجنباً للدمار.
- قريات: أبدت مقاومة شرسة؛ فاقتحمها البرتغاليون وقتلوا 80 من سكانها، ودمروا البلدة وأحرقوها بالكامل، مع إحراق 14 مركباً في مينائها.
- مسقط: حاول أهالي مسقط التفاوض ودفع ضريبة تماثل ما كانوا يدفعونه لملك هرمز تجنباً للخراب، إلا أن ألبوكيرك استشعر استعدادهم الخفي للمقاومة، فأمر بقصف المدينة بعنف واقتحامها. فرض غرامة قدرها 10 آلاف أشرفي ذهب، ولما عجز الأهالي عن تدبيرها في المهلة المحددة، أحرق مسقط ومسجدها الكبير وسفنها الراسية، وقام بجدع أنوف وصلم آذان الأسرى من النساء والرجال في سلوك ترهيبي بشع.
- صحار: اتجه إليها واستولى عليها، لكنه أبقى على حاكمها شريطة إعلان الولاء للملك عمانويل ودفع جزية سنوية قدرها 1500 دينار أشرفي.
هكذا تحولت عمان من دولة تعيش في رخاء زراعي وتجاري إلى منطقة خاضعة للاحتكار الاستعماري البرتغالي الذي شيد القلاع الحصينة مثل قلعتي (الجلالي والميراني) في مسقط على أنقاض الحصون القديمة، محولاً خطوط التجارة إلى طريق رأس الرجاء الصالح.
وصف ألبوكيرك لمسقط في رسائله:
“إن مسقط مدينة ضخمة كثيرة السكان.. وفيها بساتين وحدائق ومزارع للنخيل وبرك من الماء لريها بواسطة محركات خشبية، أما ميناؤها فصغير وله شكل حدوة الحصان، يوفر الوقاية من كل الرياح… كانت مسقط في الآونة الأخيرة سوقا لنقل الخيول والتمور. وهي مدينة على درجة كبيرة من الأناقة والجمال، ومنازلها بديعة جدا، تمون من المناطق الداخلية بكميات كبيرة من القمح والذرة والشعير والتمور، تكفي لتحميل كل السفن التي تأتي لابتياعها.”
2. التحرير وطرد البرتغاليين (عهد ناصر بن مرشد وسلطان بن سيف)
بدأت حركة الانبعاث العماني الحقيقية مع قيام دولة اليعاربة. قاد الإمام ناصر بن مرشد اليعربي (تولى 1624م) حملة لتوحيد القبائل العمانية وبناء جبهة داخلية صلبة. وجه ضربات متلاحقة للبرتغاليين وحرر معظم الحصون الساحلية، وتوفي في 23 أبريل 1649م قبل أن يشهد التحرير الكامل لمسقط.
واصل الإمام سلطان بن سيف الأول (1649م – 1679م) المهمة الوطنية التاريخية، حيث حشد القوات البرية والبحرية، وهاجم مسقط هجوماً استراتيجياً منسقاً، مما أجبر الحاكم البرتغالي على التخلي التام عن قلعتي الجلالي والميراني وتسليمهما للقوات العمانية في 23 يناير 1650م. كان هذا التاريخ بمثابة الأفول النهائي للنفوذ البرتغالي في الخليج العربي.
ولم تقتصر العمليات العمانية على الداخل، بل لاحق الأسطول العماني الناشئ فلول البرتغاليين إلى سواحل فارس، والهند، وشرق أفريقيا. ويذكر المؤرخ البريطاني “س.ب. مايلز” أن اليعاربة أصبحت لهم السيادة الفعلية على المحيط الهندي، وباتت سفنهم الحربية تبث الرعب في قلوب السفن الأوروبية لقرن ونصف من الزمان.
رابعاً: عهد دولة اليعاربة (1624م – 1744م) والحروب الأهلية
تعتبر دولة اليعاربة العصر الذهبي الأول للبحرية العمانية الحديثة، حيث تأسست على مبدأ الشورى الإسلامية وتوحيد الكلمة لمواجهة الخطر الخارجي.
1. التأسيس والازدهار الاقتصادي
اجتمع أهل الحل والعقد في الرستاق عام 1624م واختاروا ناصر بن مرشد اليعربي إماما لعمان بسبب الاضطرابات والاحتلال البرتغالي. تمكن اليعاربة من بناء قوة اقتصادية هائلة اعتمدت على:
- الغنائم البحرية من السفن البرتغالية.
- تطوير الزراعة وشق الأفلاج وإدخال محاصيل جديدة.
- بناء أسطول تجاري حربي فرض رسوماً وحماية على الملاحة في شمال المحيط الهندي.
2. الانقسام الداخلي والحرب الأهلية (الهناوية والغافرية)
عقب وفاة الإمام سلطان الثاني بن سيف اليعربي سنة 1718م، دخلت عمان في أزمة دستورية وسياسية عميقة حول اختيار الإمام الجديد نظراً لصغر سن ابنه سيف بن سلطان الثاني. أدت هذه الأزمة إلى انقسام المجتمع العماني عمودياً إلى حلفين قبليين متناحرين:
- الحلف الهناوي: بقيادة بني هناة والقبائل اليمنية (القحطانية).
- الحلف الغافري: بقيادة بني غافر والقبائل النزارية (العدنانية).
اشتعلت حرب أهلية ضروس استمرت زهاء خمسة وعشرين عاماً، دمرت البنية الاقتصادية للبلاد، وأحرقت المزارع، وفتحت الباب على مصراعيه للتدخل الخارجي (الفرنسي والفارسي). ورغم محاولات الصلح وتنازل بلعرب بن حمير عن الإمامة حقناً للدماء لصالح سيف بن سلطان الثاني عام 1737م، إلا أن التدخل الفارس أجهز على ما تبقى من هيبة الدولة اليعربية، لينتهي عهدهم بوفاة الإمام سلطان بن مرشد اليعربي في صحار وتفكك ممتلكات الدولة.
خامساً: الأطماع والاتفاقيات الإنجليزية والفرنسية في عمان
بسبب موقعها الاستراتيجي المطل على خطوط الملاحة المؤدية إلى الهند البريطانية، غدت عمان محوراً رئيسياً في التنافس الإنجلو-فرنسي الدولي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
1. شركة الهند الشرقية البريطانية والمعاهدات الأولى
تعود الجذور الأولى للعلاقات العمانية البريطانية إلى عام 1645م في عهد الإمام ناصر بن مرشد، حيث جرت مفاوضات مع مبعوث شركة الهند الشرقية “فيليب وايلد” في صحار، أسفرت عن اتفاقية في فبراير 1646م تمنح الإنجليز حرية التجارة والإعفاء من الضرائب في مسقط، غير أنها لم تترجم عملياً لركود التجارة البريطانية حينها أمام الهولنديين. وفي عهد الإمام سلطان بن سيف عام 1659م، عرض الإنجليز مشروعاً مشتركاً ضد فارس وإقامة حامية عسكرية مشتركة في مسقط، إلا أن وفاة المندوب البريطاني أوقفت المشروع.
في عهد الإمام أحمد بن سعيد (مؤسس الدولة البوسعيدية)، اتسمت العلاقات بالفتور والحياد الصارم لسببين:
- دعم بريطانيا للفرس أثناء غزوهم لعمان.
- دعم بريطانيا لحركة المزاريع في ممباسة الراغبين في الانفصال عن السيادة العمانية.التزم الإمام أحمد بن سعيد بالحياد التام أثناء “حرب السنوات السبع” (1756-1763م) ورفض بناء مصنع بريطاني في مسقط حفاظاً على استقلال عمان.
2. صدمة الحملة الفرنسية ومعاهدة 1798م
تغيرت الديناميكية الدولية بوصول الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت إلى مصر عام 1798م. كتب نابليون رسالة شهيرة إلى السيد سلطان بن أحمد البوسعيدي يدعوه فيها للتحالف ضد بريطانيا وإرسال سفنه إلى السويس:
نص رسالة نابليون بونابرت إلى السيد سلطان بن أحمد:
“اكتب اليكم هذا الكتاب لأبلغكم ما لاشك انكم علمتوه وهو وصول الجيش الفرنسي إلى مصر ولما كنتم اصدقاء لنا فعليكم ان تقتنعوا برغبتي في حماية جميع سفن دولكتم وعليكم ان ترسلوها إلى السويس تجد حماية لتجارتها.”
احتجز الوكيل البريطاني في جدة هذه الرسالة ولم تصل للسيد سلطان إلا متأخرة. وبسبب الذعر البريطاني من التمدد الفرنسي، سارعت بريطانيا عبر ممثل شركة الهند الشرقية في بوشهر لتوقيع معاهدة عام 1798م مع السيد سلطان بن أحمد.
نصت المعاهدة على منع تواجُد الفرنسيين في الموانئ العمانية والسماح للإنجليز بإنشاء قاعدة وحامية عسكرية في بندر عباس. تلتها معاهدة عام 1800م مع الكابتن جون مالكولم، والتي نصت على إقامة موظف إنجليزي دائم في ميناء مسقط كوكيل تجاري وسياسي.
3. معاهدة 1839م والتنازل عن جزر كوريا موريا
في عهد السيد سعيد بن سلطان، تعززت العلاقات العمانية البريطانية بفضل جهود العقيد “هنيل” المقيم البريطاني في الخليج، وتُوجت بـمعاهدة عام 1839م لتنظيم التجارة والملاحة، والتي حددت الضرائب بـ 5% ومنحت القنصل البريطاني حق الفصل في منازعات الرعايا البريطانيين بمسقط.
وفي عام 1854م (قبل وفاته بعامين)، تنازل السيد سعيد بن سلطان عن جزر كوريا موريا (الحلانيات) الواقعة على السواحل الجنوبية لعمان للملكة فيكتوريا البريطانية في عيد ميلادها. ويرى بعض المؤرخين أن هذا التنازل كان مناورة سياسية للحصول على دعم بحري بريطاني في حرب السيد سعيد ضد الفرس الذين استولوا على ميناء بندر عباس في تلك السنة.
4. التنافس الفرنسي وتطور العلاقات التجارية
بدأت العلاقات الفرنسية العمانية الفعلية منذ عام 1667م عندما اقترح المبعوث الفرنسي إلى فارس “دي لالين” السيطرة على مسقط كقاعدة بحرية، وهو مشروع لم ينفذ لإصرار الأئمة العمانيين على الحياد.
تطورت العلاقات التجارية بشكل ملموس مع فرنسا في عهد السيد سعيد بن سلطان عبر توقيع معاهدة صداقة وتبادل تجاري في 17 نوفمبر 1844م (صُدقت 1846م)، مما فتح الباب للتجارة المباشرة بين زنجبار وجزر الريونيون (بوربون) وفرنسا. وتجلى هذا النجاح في رحلة سفينة الشحن العمانية الشهيرة “كارولين” إلى ميناء مرسيليا الفرنسي عام 1849م، حيث زار مبعوث السيد سعيد (الحاجي درويش) مدينتي تولون وباريس واستقبله لويس نابليون بونابرت رئيس الجمهورية الفرنسية آنذاك.
سادساً: العلاقات العمانية مع الجوار العربي (القواسم، السعودية، البحرين)
تداخلت المصالح والحروب العمانية مع القوى الإقليمية الناشئة في شبه الجزيرة العربية والخليج خلال القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر.
1. الصراع مع القواسم
نجح الشيخ رحمة بن مطر القاسمي، أول زعيم بارز للقواسم، في تركيز نفوذه على شبه جزيرة مسندم مستغلاً الحروب الأهلية العمانية اليعربية. وخلال النزاع بين أحمد بن سعيد وبلعرب بن حمير، انحاز القواسم لبلعرب وهاجموا مسقط.
بعد انفراد الإمام أحمد بن سعيد بالحكم عام 1749م، واجه التحدي القاسمي في معركة متكافئة بصحار، ثم سير حملة عسكرية كبرى في عامي 1758-1759م لإخضاعهم حقق فيها انتصارات محدودة قبل أن تجبره الثورات الداخلية على سحب قواته، لتبدأ مرحلة طويلة من التنافس البحري بين أسطول مسقط وأسطول رأس الخيمة.
2. التمدد السعودي الأول والسيطرة على البريمي (1795م)
احتل السعوديون (الدولة السعودية الأولى) واحة البريمي الاستراتيجية سنة 1795م، وجعلوها قاعدة عسكرية وميدانية متقدمة لنشر المذهب السلفي والنشاط الحربي والسياسي في الداخل العماني والساحل السلوقي. شكل هذا التواجد ضغطاً عسكرياً مستمراً على الأئمة والسلاطين البوسعيديين في مسقط والرستاق، واضطروا في فترات معينة لدفع أموال لتجنب الغزو المباشر للعاصمة.
3. الحملات العمانية على البحرين
تعرضت جزيرة البحرين لعدة حملات عسكرية سيرها حكام مسقط (خاصة السيد سلطان بن أحمد والسيد سعيد بن سلطان) بين أعوام 1799م و1828م للاستحواذ على مركزها التجاري ومصائد اللؤلؤ. ونتيجة لهذه الحملات، اضطرت البحرين لدفع الجزية لحاكم مسقط لقرابة ثلاثين عاماً كوسيلة لتأمين استقلالها وتحريرها من المطامع الفارسية المشتركة.
سابعاً: قيام الدولة البوسعيدية ونظام الإمامة
تأسست الدولة البوسعيدية الحاكمة لعمان حتى اليوم على يد شخصية عسكرية برزت في أتون المحن والاحتلال الفارسي.
1. عهد الإمام أحمد بن سعيد (1744م – 1783م)
بعد وفاة الإمامين سلطان بن مرشد وسيف بن سلطان الثاني، تصدى والي صحار أحمد بن سعيد البوسعيدي للمقاومة الوطنية. قاد معارك شرسة ضد الحاميات الفارسية، واستخدم الحنكة السياسية لحصارهم وقطع إمداداتهم حتى طردهم نهائياً من عمان، وأوقف نزيف الحرب الأهلية.
تقديراً لجهوده، نادى به حبيب بن سالم أمبوسعيدي إماماً لعمان، وتمت مبايعته بالإجماع عام 1744م (وتذكر بعض المصادر استقرار الأمور عام 1749م). قام الإمام أحمد بتوحيد البلاد، وإنشاء قوة عسكرية وبحرية كبرى، وإعادة النشاط التجاري للسواحل.
ومن أبرز مواقفه القومية إرسال أسطول عماني ضخم يضم نحو مائة مركب تقوده السفينة الحربية الهائلة (الرحماني) عام 1775م إلى شمال الخليج لفك الحصار الفارس عن مدينة البصرة العثمانية بعد استنجاد مصطفى باشا والي بغداد به. نجح الأسطول في فك الحصار، وكافأه السلطان العثماني بتخصيص خراج ومكافأة سنوية صُرفت لذرية الإمام لسنوات طويلة.
توفي الإمام أحمد عام 1783م وخلفه ابنه سعيد بن أحمد الذي واجه معارضة داخلية، واضطر للتنازل عن الإدارة التنفيذية لصالح ابنه حمد بن سعيد عام 1792م، والذي قام بنقل العاصمة تجارياً وسياسياً من الرستاق في الداخل إلى مسقط الساحلية لتستقر فيها حتى اليوم. توفي حمد بالجدري في نفس العام، ليتوزع الحكم بين ثلاثة أقطاب: سعيد في الرستاق، وقيس في صحار، وسلطان في مسقط.
2. عهد السيد سلطان بن أحمد (1792م – 1804م)
تمكن السيد سلطان بن أحمد من بسط سيطرته على القلاع والحصون الرئيسية وتأمين مسقط. حقق قفزة استراتيجية بالحصول على مرسوم من الحكومة الفارسية يمنحه حق إدارة ومصادرة جمارك موانئ بندر عباس، وجوادر، وشهبار، وأخضع جزيرتي قشم وهرمز ووضع فيهما حاميات عمانية لتأمين مضيق هرمز. لقِي السيد سلطان حتفه غدراً في 30 نوفمبر 1804م برصاص قراصنة أثناء عودته بحراً من البصرة إلى عمان.
3. عهد السيد سعيد بن سلطان (سعيد الكبير) (1804م – 1856م)
ولد السيد سعيد بن سلطان في سمائل عام 1791م. عُين محمد بن ناصر الجبري وصياً عليه وعلى أخيه سالم بعد مقتل والدهما. حاول عمهما قيس بن أحمد الاستيلاء على السلطة، فاستعانت الأسرة (بمشورة السيدة موزة بنت الإمام أحمد) بالسيد بدر بن سيف البوسعيدي الذي كان لاجئاً في الدرعية. حكم بدر بن سيف كحاكم فعلي لعامين حتى قتله السيد سعيد بن سلطان الشاب في مبارزة بالسيف ببلدة بركاء عام 1806م، لينفرد سعيد بالحكم مكرساً عهداً إمبراطورياً تاريخياً استمر نصف قرن.
ثامناً: الإمبراطورية العمانية وشرق أفريقيا
وصل النفوذ العماني ذروته الإمبراطورية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ممتداً عبر قارتين بفضل التخطيط الاقتصادي والعسكري للسيد سعيد بن سلطان.
1. نقل العاصمة إلى زنجبار وتطوير الاقتصاد (1832م)
قاد السيد سعيد حملة عسكرية لشرق أفريقيا عام 1828م لترسيخ الوجود العماني الذي بدأ منذ عهد اليعاربة. أبهرته جزيرة زنجبار بمناخها وموقعها الملاحي المتميز وموانئها العميقة، فاتخذ عام 1832م قراره التاريخي بنقل عاصمته السياسية والإمبراطورية من مسقط إلى زنجبار، رغم بعد المسافة البالغة 2500 ميل واعتماد الرحلة على الرياح الموسمية.
حور السيد سعيد زنجبار من ميناء صغير إلى أعظم سوق تجارية ومستودع للبضائع الآسيوية والأفريقية في شرق المحيط الهندي. ويعود له الفضل في إثراء اقتصاد الجزيرة عبر إدخال زراعة القرنفل، حيث أمر عامله “عبد العلي العجمي” بجلب بذور القرنفل من جزيرة موريشيوس وغرسها أمام بيت المتوني، لتصبح زنجبار المصدر الأول للقرنفل في العالم. كما وضع نظاماً ضريبياً مرناً بفرض 5% فقط على الواردات وإعفاء الصادرات تماماً.
امتدت الإمبراطورية العمانية المترامية من بندر عباس في فارس وجوادر في بلوشستان حتى زنجبار ورأس دلغادو في موزمبيق، وتغلغل النفوذ التجاري والسياسي العماني في العمق الأفريقي حتى مملكة أوغندا وأعالي نهر الكونغو وغرب تنزانيا (تانجانيقا).
الإمبراطورية العمانية (عهد السيد سعيد)
├── الشطر الآسيوي: مسقط، الرستاق، صحار، بندر عباس (فارس)، جوادر (بلوشستان)
└── الشطر الأفريقي: زنجبار، ممباسا، بمبا، كيلوا، النفوذ الممتد إلى أوغندا والكونغو
2. الأسطول البحري العماني: القوة الثانية في المحيط الهندي
شهدت ترسانات الموانئ العمانية (مطرح، مسقط، صور) وترسانات بومباي في الهند طفرة هائلة في بناء الأسطول العماني الحربي والتجاري المسلح. ومن أشهر سفن هذا الأسطول الإمبراطوري:
- تاج بكس
- شاه علم
- كارولين (التي زارت مرسيليا عام 1849م)
- سلطانة
- ليفربول: بارجة ضخمة تحمل 74 مدفعاً، أهداها السيد سعيد للملك البريطاني وليام الرابع عام 1824م، والذي أسماها لاحقاً سفينة “الإمام” تكريماً له.
في منتصف القرن التاسع عشر، تكون الأسطول التجاري المسلح من 100 سفينة ضخمة يمتلك كل منها ما بين 10 إلى 74 مدفعاً، بالإضافة لمئات المراكب الصغيرة. واستقدم السيد سعيد خبراء بريطانيين وهولنديين وفرنسيين لتطوير المواصفات الفنية للسفن، حتى صنف الأسطول العماني بأنه ثاني أقوى أسطول في المحيط الهندي بعد الأسطول البريطاني، والأقوى من اليابان حتى رأس الرجاء الصالح.
3. السلك الدبلوماسي ورحلة السفينة “سلطانة” إلى أمريكا (1840م)
قامت العلاقات بين عمان والولايات المتحدة الأمريكية على أرضية المصالح التجارية المتبادلة (التبادل بين القرنفل والبن والمنسوجات الأمريكية). وتعتبر عمان ثاني دولة عربية تعترف بأمريكا وتقيم معها علاقات بعد المملكة المغربية.
وُقعت أول اتفاقية صداقة وتجارة بين السيد سعيد بن سلطان والمبعوث الأمريكي “إدموند روبرتس” في 21 سبتمبر 1833م، تمنح رعايا البلدين تسهيلات تجارية وحق تعيين القناصل. وبعث السيد سعيد برسالة ودية للرئيس الأمريكي أندرو جاكسون يؤكد فيها الالتزام بالمعاهدة.
ولتوثيق العلاقات، أرسل السيد سعيد مبعوثه الخاص الحاج أحمد بن النعمان الكعبي كأول دبلوماسي عربي يزور الولايات المتحدة على متن السفينة العمانية “سلطانة”. أبحرت السفينة من زنجبار، ومرت بسانت هيلانة، وحطت في ميناء نيويورك في 30 أبريل 1840م، حيث استُقبل الوفد العماني بترحاب رسمي وشعبي هائل، وقدم الكعبي هدايا السيد سعيد للرئيس الأمريكي، والتي تضمنت جوادين عربيين وسيفاً مطعماً بالذهب. ورغم الصعوبات الاقتصادية للرحلة، إلا أنها حققت نجاحاً دبلوماسياً تاريخياً فريداً.
تاسعاً: انقسام الإمبراطورية العمانية وآل سعيد في زنجبار
شكلت وفاة السيد سعيد بن سلطان نقطة الانهيار الجيوسياسي للإمبراطورية العمانية الموحدة.
1. تحكيم كاننج وانفصال الإمبراطورية (1861م)
في 19 أكتوبر 1856م، توفي السيد سعيد بن سلطان (سعيد الكبير) على متن سفينته “فكتوريا” قرب جزر سيشل أثناء عودته من مسقط إلى زنجبار عن عمر ناهز 66 عاماً. ترك وفاته فراغاً دستورياً كبيراً إذ لم يوصِ صراحة بمن يخلفه في الحكم الموحد، بل كان قد عين في حياته ابنه ثويني نائباً عنه في مسقط، وابنه ماجد نائباً في زنجبار.
دب الخلاف سريعاً بين الأخوين؛ أعلن ثويني في مسقط أنه الحاكم الشرعي لجميع ممتلكات عمان بما فيها زنجبار، بينما استأثر ماجد بثروات الجزيرة الأفريقية رافضاً التبعية لمسقط. جرد ثويني حملة عسكرية بحرية لإخضاع زنجبار، إلا أن بريطانيا تدخلت عسكرياً وأوقفت السفن العمانية، ودعت الأخوين للتحكيم الإلزامي.
شكلت الحكومة البريطانية في الهند لجنة تحقيق برئاسة اللورد “كاننج” أصدرت قرارها الشهير عام 1861م (بناءً على استراتيجية تفكيك القوى الإقليمية) بقسمة الإمبراطورية العمانية نهائياً إلى جزأين منفصلين:
- الشطر الآسيوي (سلطنة مسقط وعمان): تحت حكم ثويني بن سعيد.
- الشطر الأفريقي (سلطنة زنجبار): تحت حكم ماجد بن سعيد، على أن يدفع الأخير لمسقط معونة سنوية قدرها 40 ألف ريال نمساوي (ماريا تيريزا) لتعويض مسقط عن خسارة الموارد الإفريقية.
أدى هذا الانفصال إلى أزمة اقتصادية خانقة في مسقط، وهبط بعمان من أوج العالمية إلى العزلة والاضطرابات الداخلية لقرن من الزمان. ولحماية مصالحهما، أصدرت بريطانيا وفرنسا “التصريح الثنائي” في مارس 1862م، الذي أكد التزام القوتين باحترام استقلال عمان ومسقط ومنع أي طرف من السيطرة المباشرة عليها.
2. السلالة البوسعيدية في زنجبار (1556م – 1964م)
استمر حكم آل سعيد في زنجبار بعد الانفصال كدولة ذات سيادة وثقافة عربية إفريقية متميزة، وتوالى على حكمها الأ سلاطين التالية أسماؤهم:
| السلطان | فترة الحكم |
| ماجد بن سعيد | 1856م – 1870م |
| برغش بن سعيد (شهد عهده النهضة العمرانية وإدخال المطبعة والماء) | 1870م – 1888م |
| خليفة بن سعيد | 1888م – 1890م |
| علي بن سعيد | 1890م – 1893م |
| حمد بن ثويني بن سعيد | 1893م – 1896م |
| خالد بن برغش بن سعيد (حكم لبضعة أيام وشهد عهده أقصر حرب في التاريخ ضد بريطانيا) | 1896م |
| حمود بن محمد بن سعيد | 1896م – 1902م |
| علي بن حمود | 1902م – 1911م |
| خليفة بن حارب بن ثويني (صاحب أطول فترة حكم في زنجبار) | 1911م – 1960م |
| عبد الله بن خليفة | 1960م – 1963م |
| جمشيد بن عبد الله (آخر سلاطين زنجبار قبل قيام الثورة الماركسية الدموية) | 1963م – 1964م |
عاشراً: نظام الإمامة في الداخل والثورات الحديثة
يرتكز نظام الإمامة في عمان على الفقه السياسي الإباضي، حيث يتم اختيار الإمام عبر ترشيح من “أهل الحل والعقد” (العلماء والشيوخ) بناءً على شروط العدالة، والعلم الشرعي، والقدرة على إدارة شؤون البلاد، دون اعتبار للوراثة.
1. تاريخ الأئمة وحرب الجبل الأخضر
توالى على عمان مئات الأئمة في فترات متلاحقة، وكان أولهم الإمام الجلندى بن مسعود بن جيفر في عام 752م. وفي التاريخ المعاصر، تجدد نظام الإمامة في الداخل العماني عبر “اتفاقية السيب عام 1920م” التي منحت الإمامة حكماً ذاتياً في الداخل تحت سيادة سلاطين مسقط البوسعيديين.
في عام 1954م، بويع الإمام غالب بن علي الهنائي ليكون آخر أئمة عمان الداخل. دخلت الإمامة في صدام عسكري مباشر مع السلطان سعيد بن تيمور البوسعيدي وحلفائه البريطانيين إثر النزاع على امتيازات التنقيب عن النفط في واحة البريمي وعمان الداخلية.
اندلعت حرب الجبل الأخضر، وقاد الإمام غالب وشقيقه طالب بن علي والشيخ سليمان بن حمير النبهاني ثورة مسلحة عنيفة من معاقلهم الحصينة في الجبل الأخضر. انتهت الحرب عام 1959م بالتدخل العسكري البريطاني الكثيف (استخدام سلاح الجو الملكي)، وسقوط معاقل الثوار، ولجوء الإمام غالب بن علي إلى المملكة العربية السعودية حيث عاش في المنفى حتى وفاته في نوفمبر 2009م (13 ذو الحجة 1430هـ).
2. ثورة ظفار (1965م – 1975م) وانقلاب 1970م
في عام 1965م، اندلعت ثورة مسلحة أخرى في إقليم ظفار بالجنوب ضد حكم السلطان سعيد بن تيمور وحلفائه الإنجليز، مدفوعة بالأوضاع المعيشية الصعبة والانغلاق الذي فرضته السلطة، وتحولت الثورة لاحقاً إلى الأيديولوجية الماركسية بدعم من اليمن الجنوبي والكتلة الاشتراكية.
أمام تفاقم الأزمات العسكرية والاقتصادية، انطلق التحول الكاسح في التاريخ العماني الحديث في 23 يوليو 1970م عبر انقلاب أبيض نُظم بدعم من المستشارين البريطانيين، تولى بموجبه السلطان قابوس بن سعيد البوسعيدي مقاليد الحكم خلفاً لوالده سعيد بن تيمور. وضع السلطان قابوس استراتيجية شاملة قضت بإنهاء عُزلة عمان الدولية، وتوجيه عائدات النفط لبناء دولة عصرية، ونجح عسكرياً وتنموياً في إخماد ثورة ظفار نهائياً في منتصف السبعينيات، معلناً دمج البلاد تحت مسمى “سلطنة عمان” ونقلها من ربقة العصور الوسطى إلى العصر الحديث.
حادي عشر: النزاع الإقليمي المعاصر وتحديات مضيق هرمز (2026)
لم تنفصل عُمان في تاريخها المعاصر عن التوترات الجيوسياسية الإقليمية نظراً لإشرافها المباشر على مضيق هرمز، الممر المائي الأهم لتجارة الطاقة العالمية. وخلال تصاعد النزاع الأميركي–الإيراني في شهري فبراير ومارس من عام 2026، تعرضت السيادة والأصول الحيوية العُمانية لارتدادات أمنية خطيرة عكست عمق الأزمة الإقليمية.
1. استهداف ناقلة النفط SKYLIGHT في مسندم
في 1 مارس 2026، شهدت المياه المحيطة بمحافظة مسندم حادثة اعتداء مباشر؛ حيث تعرضت ناقلة النفط “SKYLIGHT”، التي تحمل علم جمهورية بالاو، لهجوم عسكري أثناء عبورها على بُعد خمسة أميال بحرية فقط شمال ميناء خصب الاستراتيجي. أسفر الهجوم عن إصابة أربعة من أفراد طاقم السفينة بجروح متفاوتة، واستجابت القوات البحرية وسلطات الدفاع المدني العُمانية فوراً للحادث، حيث تم إجلاء المصابين لتلقي العلاج في المستشفيات المحلية وتأمين بقية الطاقم وحماية السفينة من الغرق أو التسبب في كارثة بيئية.
2. الهجوم الإيراني بالمسيّرات على ميناء الدقم
تزامن هذا التصعيد البحري مع هجوم جوي استهدف البنية التحتية الاقتصادية للسلطنة؛ حيث أعلنت السلطات الأمنية العُمانية عن تعرض ميناء الدقم التجاري (المطل على بحر العرب والذي يمثل الركيزة الاقتصادية الكبرى لرؤية عمان المستقبلية) لهجوم بطائرتين مسيّرتين انتحاريتين ثبتت تبعيتهما العسكرية لإيران.
أصابت إحدى الطائرتين سكناً متنقلاً مخصصاً للعمال داخل الميناء، مما أسفر عن وقوع إصابة بشرية واحدة، في حين سقط حطام الطائرة المسيّرة الثانية على مقربة من خزانات الوقود الرئيسية للميناء دون أن ينفجر، مما جنب المنطقة كارثة اقتصادية وصناعية فادحة.
أدانت حكومة مسقط هذه الهجمات بلهجة حاسمة، واعتبرتها مساساً مباشراً بأمنها القومي وسلامة الملاحة الدولية الحرة، وأعلنت عن رفع درجة الاستعداد القتالي والتحصين الدفاعي للمنشآت الحيوية الساحلية ومحيط مضيق هرمز، مؤكدة تمسكها التاريخي بحماية حدودها وحيادها الإيجابي وسط محيط إقليمي مضطرب.
خاتمة: نسيج الاستمرارية والسيادة
إن قراءة وتفحص خمسة قرون من تاريخ عمان الحديث والمعاصر تُظهر بوضوح أن عمان لم تكن يوماً كياناً هامشياً في التاريخ العربي أو الدولي. فمن إسهامات النباهنة المعمارية والزراعية وتطويرهم للأفلاج، إلى الملحمة البحرية والوطنية لليعاربة في دحر الاستعمار البرتغالي، وصولاً إلى بناء الإمبراطورية البوسعيدية عابرة القارات في عهد السيد سعيد بن سلطان، تظل السيادة البحرية وحفظ التوازن بين القوى الدولية هي المفتاح لفهم السياسة العمانية. ورغم الأزمات والانقسامات التاريخية المريرة بين الساحل والداخل ونظام الإمامة، أثبتت عمان قدرتها العالية على إعادة التوحد والتكيف، مكرسةً نموذجاً فريداً للدولة المستقلة التي تجمع بين عراقة الأصالة ومتطلبات التحديث، ومواجهة التحديات الأمنية المعاصرة في عالم القرن الحادي والعشرين بثبات وحكمة سياسية متوارثة.