عام

سيرة المختار بن عوف السليمي (أبو حمزة الشاري): أبعادها الفكرية، السلوكية، العسكرية والبلاغية

سيرة المختار بن عوف السليمي (أبو حمزة الشاري): أبعادها الفكرية، السلوكية، العسكرية والبلاغية

تبرز شخصية أبي حمزة الشاري، المختار بن عوف السليمي، كواحدة من أعظم الشخصيات التي جمعت بين عمق الفقه، وصلابة المبدأ، وبلاغة المنبر، وحنكة القيادة العسكرية، مغيراً وجه الخارطة السياسية في جزيرة العرب أواخر العصر الأموي، حيث قاد حركة امتدت من عمان والبصرة لتسيطر على الحجاز واليمن.

القسم الأول: الجذور والنشأة في البيئة العُمانية

1. جغرافية عُمان كحاضنة للفكر الحر

تحتل عُمان الجزء الجنوبي الشرقي من جزيرة العرب، متمتعة بموقع استراتيجي فريد يضعها في أقصى الجبهة الشرقية للعالم العربي، حيث تمثل منطقة رأس الحد القريبة من صور آخر نقطة تراب شرقية فيه. تشرف عُمان على مساحات مائية شاسعة تشمل بحر العرب، والمحيط الهندي، وبحر عُمان، والخليج العربي عبر مضيق هرمز. وتتميز جغرافيتها بتنوع تضاريسي مذهل يجمع بين المتناقضات؛ من جبال حجر عُمان الممتدة من مسندم شمالاً حتى رأس الحد جنوباً، إلى السهول المنبسطة، والوديان الخصبة المستقرة بين المنحدرات الشاهقة. هذا التنوع الجغرافي والبعد عن مراكز الخلافة الأموية أتاح لعُمان أن تكون حاضنة طبيعية للأفكار التحررية والسياسية المستقلة، وملاذاً آمناً لرفض الظلم والاستبداد.

2. صحار وبلدة مَجَز: مهد القائد

في هذا الإطار الجغرافي، برزت مدينة صحار كأحد أعظم المراكز الاقتصادية والحضارية؛ إذ وصفها الجغرافيون القدامى كالمقدسي والاصطخري بأنها “دهليز الصين وخزانة الشرق” لعمرانها الممتد وتجارتها الواسعة. ومن أعمال صحار، تقع قرية مَجَز (مجلس) في الجانب الشرقي منها، ويحدها وادي مجز شرقاً ووادي صلان غرباً. في هذه البلدة تحديداً، التي كانت مقراً لقبيلة بني سليمة بن مالك بن فهم، ولد ونشأ أبو حمزة الشاري رفقة زميل دربه بلج بن عقبة الفراهيدي.

3. الهوية القبلية والنسب الشريف

ينتمي أبو حمزة إلى أرومة عربية أزدية قحطانية راسخة، ووفقاً لما ضبطته المصادر التاريخية فإن نسبه هو:

المختار بن عوف بن عبد الله بن يحيى بن مازن بن مخاشن بن سعد بن صامت بن مخاشن بن سليمة بن مالك بن فهم الأزدي.

وكان جده عبد الله بن يحيى من وجهاء وأعيان قبيلة بني سليمة التي كانت لها الرئاسة والتقدم في بلدة مجز. وقد ذكره ابن دريد في رجالات القبيلة البارزين بكنيته الشهيرة (أبو حمزة)، إلا أن تاريخ ولادته الدقيق ظل مجهولاً في بطون المخطوطات.

4. التعليم الأول والقرآن الكريم

لم تقف المصادر على كيفية ووقيت اِبتداء أبي حمزة في الدراسة بصورة تفصيلية. غير أن السير العامة تؤكد أن بدايته كانت من منطلق الإطار العام للحياة الإسلامية في ذلك الأوان، حيث كان المسلمون يبدأون تعليم أولادهم كتاب الله عملاً بالتوجيهات النبوية الشريفة. وبناءً على ذلك، درس أبو حمزة في بلدته “مجز” القرآن الكريم وشيئاً من مبادئ الدين وأصوله، وتشرب روح العدالة والشعور بالمسؤولية قبل أن تؤهله قدراته للارتحال نحو مراكز العلم الكبرى.

القسم الثاني: الأطوار الفكرية والسلوكية في البصرة

1. البصرة كمركز علمي وسياسي

تعتبر مدينة البصرة، التي تمصرت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند ملتقى دجلة والفرات، فرضة حيوية للعراق وواسطة بين الشام وفارس. وفي عهد الدولة الأموية، كانت البصرة مقراً لإمارة العراق ومركزاً للصراعات السياسية والفكرية الكبرى. ونظراً للعلاقات الاقتصادية والقبلية المتينة بين عُمان والبصرة، توالى قدوم العُمانيين إليها في بعثات دراسية متلاحقة لطلب العلم، وكان من بين أولئك القادمين أبو حمزة المختار بن عوف السليمي وصاحبه بلج بن عقبة الفراهيدي.

2. الملازمة الفكرية للإمام أبي عبيدة

التحق أبو حمزة في البصرة بمدرسة الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، وهو المرجع الفكري والروحي الدقيق الذي تولى التدريس بعد الإمام جابر بن زيد. تلقى أبو حمزة علوم الحديث والرواية والفقه السياسي على يد أبي عبيدة، الذي تخرجت على يديه تجمعات “حملة العلم”. ظل أبو حمزة لازماً لشيخه ولغيره من الأعلام كمثل حاجب الطائي وضمام بن السائب، مستفيداً من بيئة تربوية تحث على العمل بما عُلم، والاجتهاد الصارم في العبادة.

3. أبعاد السلوك الفردي لأبي حمزة في البصرة

أ. الزهد والعيش على الكفاف

أثناء وجوده في البصرة، اختار أبو حمزة حياة الزهد الشديد، متحملاً ضنك العيش، متعففاً عن حطام الدنيا فكان قانعاً بما في اليد راجياً ما عند الله. ويُروى عن أبي سفيان عن سلمة بن أبي سنان قوله: «لأبي نجائب يحمل عليها مشايخ المسلمين ممن لا سعة له إلى مكة شبه المختار ابن عوف وغيره». ويوضح هذا النص بجلية وضع أبي حمزة المادي الضيق، حيث لم يكن يملك حتى نفقات السفر إلى الحج، وكان ينتقل بواسطة الركائب التي يهيئها ميسورو أهل الدعوة تقديراً لظروف شباب العلماء.

ب. ملازمة العبادة والقيام

أظهر أبو حمزة تفوقاً سلوكياً في الطاعات؛ فكان يلازم مشايخ العلم والأخيار لأن مجالسهم تعين على طاعة الله وتجعل القلوب خاشعة. ويروى عنه أنه كان يصلي بالمسلمين في رمضان في منزل حاجب فيقرأ بهم سورة المائدة في ثلاث ركعات. ووصف المعاصرون تلامذة تلك المدرسة بأنهم كانوا:

“أنضاء عبادة وأطلاح سهر، قد نظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقاً إليها، وإذا مر بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم بين أذنيه”.

ج. الأمانة والجرأة والمسؤولية

غدت أمانة المختار بن عوف السليمي مضرباً للأمثال وموضعاً بثقة الناس؛ ومن الشواهد التاريخية على ذلك ما حدث عندما ذهب أنس بن المعلا إلى فارس لزيارة ابن عمه الوالي، وفي تلك الأثناء عُزل الوالي وطولب بما عنده من ممتلكات. فخاف أنس على أموال العطاء التي بحوزته فخرج مستخفياً في مركب، ولم يجد في البصرة من يستأمنه على ماله المهدد بالمصادرة من السلطات سوى أبي حمزة المختار بن عوف. وضعه هذا المال عنده حتى سكنت المخاوف. وتعكس هذه الحادثة ليس فقط أمانته العظيمة بل جرأته وقدرته العالية على تحمل المسؤولية، إذ لم يبالِ بعواقب غضب السلطة الأموية وملاحقتها في سبيل حفظ الحقوق.

د. التدريب والتمكين الخطابي

كانت الخطابة من أهم وسائل التعبير والإعلام في ذلك العصر. ولم يبلغ أبو حمزة مستواه البياني الرفيع اعتباطاً، بل كان نتيجة للجد والمثابرة الفائقة؛ إذ يروي أبو سفيان عن المليح قوله إن مشايخ عُمان كانوا يجتمعون في منزل حاجب مجلساً، فإذا صلو العتمة أخذوا في الكلام والخطابة، فيقوم أحدهم فيتكلم ثم يجلس ليقوم الآخر، مستمرين على هذا التدريب الصارم حتى إضاءة الفجر. هذا الصقل المستمر هو الذي فجّر طاقات أبي حمزة الخطابية ليصبح لاحقاً الخطيب المفوه الذي زلزل عروش الظالمين ببيانه.

القسم الثالث: الفلسفة الفكرية والسياسية (عقيدة الشَّرَى)

انطلق أبو حمزة الشاري من فلسفة دينية وسياسية متكاملة ترى الإسلام عقيدة وشريعة، وديناً ودولة، ترفض الطقوس الدينية المجردة إذا فصلت عن واقع الأمة.

1. حراسة الإسلام ورفض الطواغيت

كان أبو حمزة حريصاً كل الحرص على الدفاع عن أحكام الإسلام التي أُنهكت في مجالس الظلمة والطواغيت، وعُطلت لدى بعض الفرق. وكان يرى أن المسلم يجب أن يجعل نفسه حارساً لشرع الله، ثائراً إذا انتهكت محارمه، لا يخاف في الله لومة لائم.

2. مفهوم الشرى والتضحية

تجسد هذا الفكر في مفهوم “الشرى” المستمد من الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾. فالشاري عند أبي حمزة هو من يبيع نفسه لله تعالى لنصرة الحق ومحاربة الجور والمنكر. ويروى عن عبد الملك الطويل قوله: «أدركت المسلمين أن كان الرجل منهم ما يستزاد في صلاة ولا في صيام ولا في حج ولا في اعتمار ولا في وجه من الوجوه، فإن عرف أنه ليس بشديد الحرص في الشرى سقط من أعينهم وتسقط منزلته عندهم». ومن هنا، التصق لقب “الشاري” باسم أبي حمزة لشدة تمسكه بهذا المبدأ وتضحيته في سبيله.

القسم الرابع: التوجه إلى اليمن والثورة المسلحة

1. دواعي التحرك: واقع الأمة المرير

عصفت بالأمة الإسلامية في أواخر العصر الأموي فتن شديدة، وساد نظام استبدادي قائم على القهر والاستعلاء البغيض بين الحاكم والمحكوم. وانقلب مفهوم المسؤولية السياسية الذي كان سائداً في عهد عمر بن الخطاب إلى استهانة بكرامة الإنسان وسفك للدماء الحرام. وصار الحكام يتخذون مال الله دولاً وعباده خولاً، وانقلبت الموازين فصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً.

ولم تكن بلاد اليمن بمعزل عن هذا الظلم الحاصل؛ بل نالها قسط وافر من سوء تصرفات الولاة الثقفيين الذين تعاقبوا عليها، وكان آخرهم القاسم بن عمر الثقفي، حيث بكى الأيتام والأرامل وقوبل ذلك بالاستهزاء والجور. حرك هذا الواقع المؤلم قريحة العلامة القاضي عبد الله بن يحيى الكندي (طالب الحق)، فأنشد متألماً:

كوى بالأسى قلبي وأبكى نواظري … بكاء اليتامى وابتسام الجبابر

وكلّفني حمل القواضب والقنا … وسفك الدما إسراف أهل الكبائر

2. التنسيق والبيعة والشهادة العلمية

أمام هذا الوضع، كتب طالب الحق إلى مرجع المسلمين في البصرة الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة يستشيره في إعلان الخروج رفضا للجور. فأجابه الإمام بمباركته الفورية قائلاً: «إن استطعت أن لا تقيم يوماً واحداً فافعل، فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل». وزودهم الإمام بنصائحه السياسية والعسكرية مذكراً إياهم بسيرة السلف الصالح في السلم والحرب: «إذا خرجتم فلا تغلو ولا تغدروا ولا تقتلوا واقتدوا بسلفكم الصالحين».

ولأجل قيادة هذا العمل العسكري والسياسي الجسيم، لم يجد الإمام أبو عبيدة رجلاً أكفأ ولا أعلم من تلميذه المختار بن عوف السليمي؛ فأرسله إلى اليمن لمؤازرة طالب الحق. وكتب الإمام أبو عبيدة شهادته التاريخية الكبرى في حق أبي حمزة قائلاً:

«وقد بعثنا لك برجل إنجيله في صدره».

وهي شهادة عظيمة تدل على رسوخه العلمي الفذ والمنزلة الرفيعة التي تبوأها نتيجة جهده وسهره في تحصيل معارف الشريعة. وبوصول القائد أبي حمزة إلى حضرموت والتحاقه بالإمام طالب الحق الكندي، دخلت حركته مرحلة جديدة غيرت موازين القوى وسيطرت على مكة والمدينة واليمن.

القسم الخامس: التحليل المقارن لأبعاد السيرة

لتسهيل استيعاب السمات القيادية المتعددة التي ميزت شخصية أبي حمزة الشاري، يوضح الجدول التالي ملامح شخصيته وتجلياتها العملية:

البُعد الشخصيمظاهره وتجلياتها في السيرة التاريخيةالأثر الناتج
البُعد الفكري والشرعيملازمة كبار مشايخ البصرة، وحفظ الأحكام، وحمل العلم حتى وُصف بأن “إنجيله في صدره”.صياغة مشروع سياسي يستند إلى العدالة والشورى وتطبيق السنن الدارسة.
البُعد السلوكي التعبديالزهد الشديد، والعيش على الكفاف، والقيام الطويل بالقرآن الكريم وصلاة رمضان.التفاف الأتباع حوله لثقتهم في ورعه وإخلاصه وبعده عن الأطماع المادية.
البُعد الأخلاقي (الأمانة)جرأته في قبول حفظ أموال أنس بن المعلا الملاحقة من السلطة الأموية.تعزيز اعتباره ملجأً آمناً وحصناً للحقوق والودائع وثقة الجماهير فيه.
البُعد البلاغي والخطابيالتدريب المتواصل طوال الليل، وخطبه الشهيرة على منابر الحرمين الشريفين.إفحام الخصوم سياسياً وتعبئة الجماهير ونشر الدعوة وإيقاظ الوعي.
البُعد العسكري والسياسيقيادة جيوش ثورة طالب الحق، وإخضاع اليمن والحجاز لحكم العدالة.تقويض أركان النفوذ الأموي وإثبات نجاعة التنظيم وكسر شوكة الولاة المستبدين.

القسم السادس: البلاغة السياسية (خطبته في أهل المدينة نموذجاً)

تجلت قدرة أبي حمزة الشاري البلاغية والخطابية بأبهى صورها عندما اعتلى منبر رسول الله ﷺ في المدينة المنورة فخطب خطبته البليغة المأثورة التي تعد معجزة من معجزات الكلام العربي.

لقد فند أبو حمزة في خطابه المفاهيم الخاطئة التي روجت لها السلطة الأموية الحاكمة (مروان بن محمد) لتشويه حركتهم ووصفهم بالخوارج والمارقين. فخاطب أهل المدينة مواجهاً تقاعسهم الفكري والسياسي بقوله:

«يا أهل المدينة سألناكم عن ولاتكم فأسأتم لعمر الله فيهم القول، وسألناكم هل يستحلون المال الحرام والفرج الحرام فقلتم نعم، فقلنا لكم تعالوا نحن وأنتم فنناشدهم الله أن يتنحوا عنا وعنكم ليختار المسلمون لأنفسهم فقلتم لا نفعل، فقلنا لكم تعالوا نحن وأنتم نقاتلهم فإن ظهرنا نحن وأنتم نأتِ بمن يقيم فينا كتاب الله وسنة نبيه، وإن نظهر نعدل في أحكامكم ونحملكم على سنة نبيكم، ونقسم فيئكم بينكم فإن أبيتم وقاتلتمونا فقاتلناكم فأبعدكم الله وأسحقكم».

وفي موضع آخر من خطبته، عاتب تقاعس أهل المدينة عن نصرة السنن واندراس معالم الدين في واقعهم قائلاً:

«يا أهل المدينة مالي رأيت رسم الدين فيكم باقياً وآثاره دارسة لا تقبلون عليه عظة ولا تفقهون من أهله حجة، قد بليت فيكم جدته وانطمست عنكم سنته ترون معروفه منكراً والمنكر من غيره معروفاً، فإذا انكشفت لكم العبر وأوضحت لكم النذر، عميت عنها أبصاركم، وصمت عنها أسماعكم، ساهين في غمرة، لاهين في غفلة تنبسط قلوبكم للباطل إذا نشر، وتنقبض عن الحق إذا ذكر، مستوحشة من العلم مستأنسة بالجهل، كلما وقعت عليها موعظة زادتها عن الحق نفوراً».

تبين هذه الخطاب قوة برهانه، وصدق فكره، وعمق تحليله لعلل المجتمع السياسية والنفسية؛ فلم يكن قائداً عسكرياً جافاً بل كان داعية ومصلحاً يبتغي إيقاظ وعي الأمة الحسي والشرعي.

القسم السابع: تفصيل المسار العسكري والملاحم الميدانية

بعد اكتمال بناء التنظيم الفكري في البصرة، أثمر التنسيق بين الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة والقاضي عبد الله بن يحيى الكندي (طالب الحق) تحولاً استراتيجياً نوعياً. كانت الخطة تقضي بأن ينطلق أبو حمزة الشاري بصفته القائد العسكري والموجه الفكري الميداني لإدارة شؤون الحرب والتعبئة في حضرموت واليمن. وبوصوله إلى هناك، خضعت له البلاد سريعاً نتيجة لعدالة الطرح السياسي الذي قدمه ولحالة السخط الشعبي السائد من مظالم العمال الأمويين.

ولم تقتصر انتصارات أبي حمزة على السيطرة على صنعاء وتأمين ثغور اليمن، بل اندفعت قواته بإحكام نحو الشمال بهدف تحرير الحرمين الشريفين وإعادة الحكم للشورى. فدخل مكة المكرمة دون ممانعة تذكر، واعتلى منبر المسجد الحرام خطيباً وموجهاً، مكرساً مفاهيم الزهد ونصرة المظلوم. وتلا ذلك تقدمه المظفر نحو المدينة المنورة حيث ألقى خطبته التاريخية المذكورة. هذا المسار العسكري السريع أقلق القيادة الأموية المركزية في الشام، مما دفع مروان بن محمد لتجهيز جيوش ضخمة لاستعادة السيطرة على الحجاز، وهو ما قاد إلى ملاحم عسكرية طاحنة استبسل فيها أبو حمزة الشاري دافعاً ثمن مبادئه وقيمه حتى استشهاده في ميادين الشرف.

خاتمة وتقييم تاريخي

إن سيرة المختار بن عوف السليمي (أبو حمزة الشاري) تقدم نموذجاً متكاملاً للقائد المسلم الذي لم تفصله ميادين الحروب عن محاريب التعبد، ولم يشغله عمق الفقه عن فصاحة البيان وبلاغة المنبر. ورغم النهاية البطولية واستشهاده في ميادين الدفاع عن مبادئه، تظل تجريدته الفكرية والعسكرية محط دراسة وتحليل عميقين لدى الباحثين لجوانبها الفكرية، السلوكية، العسكرية، والبلاغية التي تركت أثراً ممتداً في تاريخ عمان والمشرق الإسلامي.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *