تراث

صناعة الحلوى العمانية: أسرار المكونات، درجات الحرارة، والفروق بين المصانع

صناعة الحلوى العمانية: أسرار المكونات، درجات الحرارة، والفروق بين المصانع

كنز في قِدر نحاسية

في زاوية هادئة من مطبخ عُماني عتيق، تتصاعد أبخرة كثيفة ذات رائحة تأسر الحواس — خليط من الهيل والزعفران والورد وشيء آخر لا يُوصف، شيء يشبه الزمن نفسه وهو يتكاثف في قِدر نحاسية ثقيلة تُحرَّك بإيقاع لا يتوقف. هذا هو مشهد صناعة الحلوى العُمانية؛ ذلك الإرث الغذائي الضارب بجذوره في أعماق التاريخ، والذي لا يزال يحتفظ بروحه الأصيلة رغم كل ما أحدثه العصر الحديث من تحولات.

الحلوى العُمانية ليست مجرد حلوى، إنها هوية. إنها لغة ضيافة لا تحتاج إلى ترجمة، وهي الهدية الأولى التي يُقدَّمها في المناسبات السعيدة والحزينة على حدٍّ سواء. في سلطنة عُمان، لا يكتمل استقبال الضيف بدون قهوة عربية وحلوى، ولا تُختتم مناسبة فرح أو عزاء دون أن تمر القِدر النحاسية بين الجالسين. غير أن هذه البساطة في الطقوس تخفي وراءها علمًا دقيقًا وفنًا معقدًا تتشابك فيه الكيمياء والموروث والمهارة اليدوية.

هذه المقالة رحلة في عمق صناعة الحلوى العُمانية: من أسرار المكونات وما تحمله من قصص جغرافية وتاريخية، إلى دقائق درجات الحرارة التي تُفرِّق بين حلوى تذوب في الفم وأخرى تصبح قاسية لا يُؤكَل، وصولًا إلى الفروق الخفية والظاهرة بين المصانع الكبرى والأسر المنزلية التي لا تزال تصنع الحلوى بأيديها كما كان يفعل أجدادها.

الفصل الأول: تاريخ الحلوى العُمانية — من الموانئ إلى الموائد

لفهم الحلوى العُمانية، لا بد أن نفهم عُمان نفسها. كانت مسقط لقرون طويلة مركز تقاطع تجاري بين الشرق والغرب، حيث رست السفن القادمة من الهند وزنجبار وفارس وخليج البنغال في مينائها المتفرد. ومع هذه السفن لم تأتِ البضائع وحدها، بل جاءت التوابل والأفكار والتقنيات وطرق الطهي.

يرى المؤرخون أن الحلوى العُمانية بصيغتها الحالية تطورت خلال القرون الثلاثة الأخيرة، وإن كانت إشارات إلى حلوى مطبوخة بالسكر والنشا موجودة في المصادر العربية القديمة من القرن العاشر الميلادي. غير أن الحلوى العُمانية بمعناها المعاصر — بمزيجها الفريد من الدقيق المحمَّص والسكر والسمن والتوابل والمكسرات — يبدو أنها نضجت في حضن شبكة التجارة العُمانية الواسعة التي امتدت من ساحل أفريقيا الشرقية إلى السواحل الهندية.

الهيل جاء من الهند، والزعفران من فارس، والسكر من زنجبار والبنغال، والورد من المزارع العُمانية وبخاصة من محافظة الداخلية وجبل الأخضر. أما النشا والدقيق فمحليان، والسمن كان يُستخلَص من أبقار عُمان وأغنامها. كانت الحلوى في جوهرها تلخيصًا عطريًا لخريطة العالم كما كانت تراه عُمان.

واليوم لا يزال الجيل الجديد من صانعي الحلوى يحمل هذا الإرث، لكن مع تحولات جوهرية فرضها التصنيع الحديث، ومع اختلافات واضحة في الأساليب والمكونات والفلسفات الإنتاجية.

الفصل الثاني: المكونات الأساسية — وراء كل مادة قصة

أولًا: الدقيق — الهيكل الخفي

الدقيق في الحلوى العُمانية ليس مجرد مادة ملء، بل هو العمود الفقري لقوامها. يُستخدم في الغالب نوعان: دقيق القمح العادي ودقيق الأرز، وفي بعض الوصفات الأكثر تقليدية يُستخدم دقيق الذرة الرفيع أو خليط من نوعين أو ثلاثة.

السر الحقيقي يكمن في عملية التحميص. لا يُضاف الدقيق نيئًا أبدًا في الوصفات التقليدية، بل يُحمَّص مسبقًا على نار هادئة حتى يكتسب لونًا ذهبيًا ورائحة مائلة إلى الجوزية تشبه رائحة الخبز الطازج. هذه الخطوة ليست مجرد تقليد، بل لها مبرر كيميائي واضح: التحميص يُفجِّر جزيئات النشا ويكسر جزءًا من بنيتها البلورية، مما يجعلها أكثر قابلية للامتصاص ويمنع الحلوى من الانفصال أو التفتت عند التبريد.

تحميص الدقيق يُطيل أيضًا عمر الحلوى، إذ يُقلِّل من فرص نمو الكائنات الدقيقة التي تجد في الدقيق الخام بيئة أكثر ملاءمة.

ثانيًا: السكر — معادلة الذوبان والتبلور

النسبة الذهبية بين السكر وبقية المكونات هي أكثر ما يختلف فيه صانعو الحلوى، وهي السر الأكثر حراسة في هذه الصناعة. السكر في الحلوى لا يُضاف مجرد تحلية، بل يؤدي وظائف متعددة: فهو يُحدد القوام من خلال عملية التبلور، ويُحافظ على رطوبة الحلوى من خلال خاصيته الاسترطابية، ويُساهم في اللون الذهبي البني من خلال تفاعل كرملة.

المصانع الكبرى تستخدم السكر الأبيض المكرر ذا النقاء العالي، بينما تُفضِّل بعض الأسر التقليدية استخدام السكر البني أو ما يُعرف بـ”الجاغري” (عصارة قصب السكر غير المكررة)، وهو ما يمنح الحلوى طابعًا أعمق وأقل حلاوة أحادية البعد.

ثالثًا: السمن — الروح الدهنية

السمن هو الرابط الذي يجمع المكونات معًا. السمن العُماني التقليدي كان يُصنَع من حليب الأبقار أو الأغنام بعد عملية تكرير تقليدية تُعرف محليًا بـ”الغلي” أو “الوضح”، وهو سمن ذو نكهة أكثر تعقيدًا من السمن الصناعي المكرر.

وظيفة السمن لا تقتصر على النكهة. فهو يُضفي على الحلوى تلك الملمسية الحريرية التي تُميزها، ويمنع جزيئات السكر المتبلرة من الالتصاق ببعضها أكثر مما ينبغي. يعمل السمن كحاجز يُنظِّم توزيع الرطوبة داخل الحلوى، وهو ما يُفسِّر لماذا تصبح الحلوى ذات السمن القليل قاسية بعد يومين أو ثلاثة.

في المصانع الحديثة يُضاف السمن النباتي المُهدرَج كبديل جزئي لخفض التكاليف، وهو ما يُنتج حلوى أقل غنى في النكهة وإن كانت قد تكون أطول عمرًا على الرف.

رابعًا: الماء والورد — سائل يحمل الروح

الماء في صناعة الحلوى ليس ماءً عاديًا في أغلب الوصفات التقليدية. يُستخدم ماء الورد وفي بعض الوصفات ماء الزعفران المنقوع. ماء الورد العُماني — المُستخلَص من وردة الطائف أو من ورد الجبل الأخضر — يحمل خاصية فريدة: روائحه المركبة لا تتبدد بالحرارة كما تتبدد روائح أغلب الأعشاب، بل تنتشر وتتعمق.

كمية الماء المستخدمة حاسمة للقوام النهائي. الماء الزائد يُفضي إلى حلوى طرية تنهار، وقليله يجعل الحلوى ترفض الالتحام. والمحترفون يعرفون المقدار الصحيح بالعين وليس بالميزان وحده.

خامسًا: الزعفران — الخيط الذهبي

الزعفران في الحلوى العُمانية ليس مجرد لون أو نكهة، إنه مؤشر على الجودة والكرم. الزعفران الإيراني أو الكشميري كان يُجلَب عبر طرق التجارة القديمة، وكان ثمنه الباهظ يجعله مقياسًا لمستوى الضيافة.

يُنقع الزعفران في كمية صغيرة من الماء الدافئ قبل إضافته، وهذا يُساعد على استخلاص مركباته النشطة — الكروسين والكروسيتين والبيكروكروسين — التي تمنح اللون الأصفر الذهبي المميز والنكهة المرّة المتوازنة مع الحلاوة.

سادسًا: الهيل — نبض القوامة

يُعد الهيل الروح الشمية للحلوى العُمانية. الهيل الأخضر الطازج الحبوب الكاملة يمنح نكهة أكثر نضارة وأكثر تعقيدًا مما يمنحه الهيل المطحون المُعبَّأ. ولهذا يُصرّ صانعو الحلوى التقليديون على طحن الهيل في اللحظة الأخيرة قبل إضافته للقِدر.

التوقيت في إضافة الهيل يُؤثر على النكهة النهائية: إضافته مبكرًا تُعطي نكهة أعمق وأكثر دفئًا لأن التسخين المطوّل يُحرر الزيوت العطرية الأثقل، بينما إضافته في النهاية تُبقي على الأثر الأمامي المنعش.

سابعًا: المكسرات — لمسة الأرستقراطية

المكسرات الأكثر استخدامًا في الحلوى العُمانية هي اللوز والجوز وحبة الحلاوة (السمسم) والفستق. تُضاف أحيانًا بصورة متكاملة لتُشكِّل نقاط قرمشة داخل الحلوى، وأحيانًا أخرى مطحونة لتُضاف إلى عجينة الحلوى نفسها. المكسرات ليست زينة فقط، بل تُضيف دهونًا غير مشبعة تُثري نكهة الحلوى وتمنح شعورًا بالشبع والتماسك.

الفصل الثالث: علم الحرارة — بين الشعلة والقِدر

لو سألت أي صانع حلوى عُماني متمرس ما هو أصعب جزء في الصنعة، فلن تتفاجأ بإجابته: “الحرارة”. درجة الحرارة في صناعة الحلوى ليست رقمًا على ميزان، إنها علاقة مستمرة تتطلب انتباهًا دائمًا وحساسية حسّية مكتسبة بالتجربة.

المراحل الحرارية الأساسية

المرحلة الأولى: إذابة السكر (85–100 درجة مئوية) في هذه المرحلة يُذاب السكر في الماء مع التحريك اللطيف. الهدف هو الحصول على محلول سكري متجانس دون أن تبدأ بلورات السكر بالظهور على جوانب القِدر. الخطأ الشائع هو رفع الحرارة بسرعة مما يُسبب تبخرًا سريعًا للماء وتشكّل بلورات السكر المبكر.

المرحلة الثانية: إضافة الدهون (100–110 درجات مئوية) عند هذه الدرجة يُضاف السمن تدريجيًا. الإضافة التدريجية ضرورية لأن السمن المُضاف دفعة واحدة قد يُسبب “فصل الطور” — أي انفصال الدهون عن المحلول السكري وتعوّمها فوق السطح. التحريك المستمر في هذه المرحلة ليس خيارًا، بل ضرورة.

المرحلة الثالثة: إضافة الدقيق (110–120 درجة مئوية) هذه المرحلة هي قلب الصنعة وأكثرها حرجًا. الدقيق يُضاف تدريجيًا مع التحريك المتواصل. في هذه الدرجة تبدأ جزيئات النشا في الحلقة الجيلاتينية (gelatinization)، وهي العملية التي تمتص فيها جزيئات النشا الماء وتنتفخ وتُحكم شبكة الحلوى. درجة الحرارة المنخفضة جدًا تُعيق هذه العملية وتُبقي الدقيق طيًّا في الخليط؛ والمرتفعة جدًا تُحرق الدقيق قبل أن ينتفخ.

المرحلة الرابعة: النضج (120–130 درجة مئوية) في هذه المرحلة تكون الحلوى قد أخذت شكلها شبه النهائي. التحريك المستمر ضروري لضمان انتقال الحرارة المتجانس. الحلوى تبدأ بالانفصال عن جدران القِدر، وتُصبح لامعة القوام كثيفة. يُحكم الصانع المتمرس حكمه من لون الحلوى وملمسها على الملعقة وصوت احتكاكها بجوانب القِدر.

مرحلة إضافة العطور (تحت 100 درجة مئوية) هذه نقطة خلافية بين الصانعين. إضافة ماء الورد والزعفران والهيل في أعلى درجات الحرارة تُبدد جزءًا من روائحها المتطايرة. لذلك يُؤخِّر الصانعون المتقنون إضافة العطور حتى تبدأ الحلوى بالبرودة النسبية، أو يُضافون بعضها في منتصف الطهي وبعضها في نهايته.

اختبارات الحرارة التقليدية

قبل الميزان الحراري الرقمي، اعتمد صانعو الحلوى على اختبارات حسّية:

اختبار الماء البارد: يُسقَط قطرة من الحلوى في ماء بارد. إذا تشكّلت كرة طرية تعني أن الحلوى لا تزال تحتاج وقتًا. الكرة الصلبة التي تتشقق تُشير إلى أن الحلوى وصلت إلى درجتها المثلى.

اختبار الملعقة: يُرفع الخليط بملعقة — الحلوى الجيدة تتدفق ببطء وتُشكّل خيطًا ثقيلًا لا ينقطع بسرعة.

اختبار اللمس: لا تُمارَس اليوم هذه التقنية إلا من قِبل الأكثر خبرة. يُجرَّب قطرة صغيرة بالأصابع لتحديد قوامها.

الرطوبة والبيئة

ما لا يعرفه كثيرون هو أن الرطوبة الجوية تُؤثر تأثيرًا مباشرًا على صناعة الحلوى. في الأيام عالية الرطوبة — وعُمان تعرف صيفًا رطبًا ثقيلًا — تحتاج الحلوى إلى وقت أطول لتصل إلى قوامها المطلوب لأن السكر يمتص الرطوبة من الهواء. هذا ما يجعل الحلوى المصنوعة في أشهر الشتاء الجافة أكثر استقرارًا وأطول عمرًا من تلك المصنوعة في مواسم الخريف.

الفصل الرابع: فلسفة القِدر النحاسية

القِدر النحاسية ليست مجرد إناء. إنها موروث تقني حكيم. النحاس موصل حراري ممتاز يُوزِّع الحرارة بتجانس فائق مقارنةً بالحديد أو الألومنيوم. هذا التوزيع المتجانس يُقلِّل من خطر احتراق الحلوى في نقاط بعينها. فضلًا عن ذلك، يتفاعل النحاس كيميائيًا مع بعض مركبات السكر بصورة تُعزز اللون البني الذهبي للحلوى.

غير أن للنحاس سلبيته. النحاس الخام يتفاعل مع الأحماض وقد يُعطي طعمًا معدنيًا. لذلك كانت قِدَر الحلوى التقليدية تُطلى من الداخل بطبقة رقيقة من القصدير يُجدَّد طلاؤها بانتظام — وهو تقليد صنعي عريق لا يزال قائمًا في أسواق مسقط.

في المصانع الحديثة استُبدلت قدور النحاس بخلاطات كبيرة ذات تسخين بالبخار أو مقاومات حرارية. هذه التقنية أكثر دقة في التحكم بالحرارة وأكثر صحة من حيث المعايير الغذائية، لكنها تُفقد الحلوى جزءًا من شخصيتها.

الفصل الخامس: الفروق بين المصانع — صناعة وراء كل علامة

عُمان اليوم تضم عشرات المصانع ومئات الأسر المنتجة للحلوى. والفروق بينها ليست مجرد فروق في العلامة التجارية، بل فروق في الفلسفة والموروث والمعيار.

كبار المصانع: الدقة والتوحيد

المصانع الكبرى في مسقط وصلالة وصحار تُنتج آلاف الكيلوغرامات يوميًا بعمليات إنتاج مُوحَّدة تضمن اتساق الجودة. هذه المصانع تستخدم:

محطات تحكم إلكترونية: تتيح مراقبة درجة الحرارة والرطوبة والوزن في كل مرحلة.

خطوط تعبئة آلية: تُعبأ الحلوى في ظروف معقمة تُطيل العمر التخزيني إلى أربعة أشهر أو أكثر مقارنةً بأسبوعين أو ثلاثة للحلوى المنزلية.

معامل جودة داخلية: تتحقق من معايير كيميائية دقيقة كمحتوى الرطوبة والأكسدة الدهنية ونسبة السكر.

غير أن هذا التوحيد يكون أحيانًا على حساب الروح. بعض المصانع الكبرى تستخدم نكهات اصطناعية لضمان الاتساق في غياب المكونات الطبيعية الموسمية، وتلجأ إلى المستحلبات الصناعية لضمان التماسك. الناتج حلوى جيدة بكل معنى الكلمة لكنها تفتقر أحيانًا إلى تلك الطبقات العطرية التي تميز الحلوى التقليدية.

المنتجون الحرفيون: صناعة اليد والذاكرة

في مقابل المصانع الكبرى، توجد شريحة متنامية من المنتجين الحرفيين الذين يُعرِّفون أنفسهم بالولاء للمكونات الطبيعية والأساليب القديمة. هؤلاء غالبًا ما:

يستخدمون سمن البقر الطازج أو السمن العُماني التقليدي بدلًا من السمن النباتي. يُحمِّصون الدقيق يدويًا ويُراقبون لونه ورائحته لا درجة الحرارة وحدها. يُضيفون ماء الورد العُماني المُقطَّر من ورود جبل الأخضر التي تُزهر بين مارس وأبريل. يُنتجون كميات محدودة مما يتيح مرونة أكبر في التخصيص.

الحلوى الحرفية لها عمر تخزيني أقصر وسعر أعلى، لكن قاعدة مشتريها مخلصة تُؤمن بأن ما يأتي من يد إنسان واعٍ لا يُضاهيه شيء.

الفروق الجغرافية: كل منطقة تحكي

لا تعرف كل عُمان حلوى واحدة. الاختلافات الجغرافية حقيقية وملموسة:

حلوى مسقط: ذات قوام وسطي، مرنة قليلًا، غنية بالزعفران والهيل، اللون الذهبي العميق علامتها.

حلوى الباطنة: تميل إلى الحلاوة الأكثر كثافة ونسبة السكر الأعلى، وأقل اعتمادًا على الزعفران.

حلوى صلالة: تدخل فيها أحيانًا لمسات من الهيل الأبيض والقرفة نتيجة القرب الجغرافي من التوابل اليمنية والحضرمية.

حلوى الداخلية والشرقية: أقرب إلى الوصفات القديمة الأكثر اعتدالًا في الحلاوة وأكثر اعتمادًا على الزيوت الطبيعية المحلية.

هذه الفروق ليست صدفة. هي انعكاس للمكونات المتاحة محليًا وللتذوق المكتسب عبر الأجيال في كل منطقة.

الفصل السادس: تحديات الصناعة الحديثة

صناعة الحلوى العُمانية تواجه اليوم تحديات من نوع مختلف تمامًا عما عرفه أجداد الصانعين.

تحدي المكونات

الزعفران الأصلي يزداد غلاءً وتزداد عمليات التغشيش. المستهلك العادي لا يستطيع التمييز بين الزعفران الحقيقي والزعفران المغشوش بأوردة الكاليندولا المصبوغة. المصانع الكبرى تلجأ إلى كميات ضئيلة من الزعفران الأصيل وتُعوِّض الكمية بالزعفران الاصطناعي أو الكركم.

ماء الورد الأصيل — المُقطَّر محليًا من ورود الجبل الأخضر — ينتج بكميات محدودة موسميًا. المصانع التي تُنتج طوال العام تلجأ أحيانًا إلى استيراد ماء الورد التركي أو الهندي، والفرق في النتيجة محسوس للحنك المُدرَّب.

تحدي اليد العاملة

فن صنع الحلوى يتطلب خبرة تراكمية لا تُكتسب بالكتاب بل بالممارسة. الجيل الشاب أقل ميلًا للانخراط في هذه المهنة التي تتطلب ساعات طويلة أمام الحرارة. كثير من المصانع تعتمد على عمالة وافدة من الهند وباكستان وبنغلاديش، وهؤلاء مهرة في أساليب الطهي الآلي لكنهم لا يحملون الذاكرة الحسية لما يجب أن تبدو عليه الحلوى العُمانية الأصيلة.

تحدي التوثيق والمعرفة

كثير من الوصفات التقليدية لا تزال حبيسة الذاكرة الشفهية في بيوت عائلات بعينها. الوصفة الكاملة لا تُكتَب، لأن صانعيها يؤمنون بأنها إن كُتبَت فقدت سرّها، ولأن الكتابة لا تستطيع نقل “الخبرة الحسية” التي تُميز بين التحريك الصحيح والتحريك الخاطئ، بين اللون الذهبي المطلوب واللون الذهبي الزائد.

هذه المعرفة مُهدَّدة فعلًا بالاندثار. بعض المبادرات بدأت في توثيقها كمشاريع أكاديمية في جامعة السلطان قابوس وبعض الجمعيات التراثية، لكن العمل ضخم ويحتاج إلى جهد مؤسسي منظم.

الفصل السابع: الحلوى في السياق الثقافي — أكثر من طعام

لا يمكن فهم الحلوى العُمانية خارج سياقها الاجتماعي والثقافي. إنها ليست منتجًا غذائيًا وحسب، بل هي رمز يُشحن بالمعنى في كل مناسبة يُقدَّم فيها.

في الأعراس، تُقدَّم الحلوى في أطباق نحاسية كبيرة تُمرَّر بين الحاضرين. الكرم في تقديمها — وفرتها وجودتها — يُعكس قدر صاحب البيت. في مجالس العزاء، تحمل الحلوى رمزية مختلفة: هي حلاوة تُقدَّم في مواجهة المرارة، ذكرٌ بأن الحياة تُكمل دورتها. في المساجد والأحياء خلال رمضان والأعياد، تُصنَع الحلوى وتُوزَّع مجانًا في إشارة إلى الكرم الجماعي.

قهوة عُمان — القهوة العربية بالهيل والزعفران — لا تُقدَّم منفردة. إنها مكتملة مع الحلوى فقط. العلاقة بينهما علاقة توازن: مرارة القهوة تُبرز حلاوة الحلوى، وحلاوة الحلوى تُخفف مرارة القهوة. هذا التوازن ليس عشوائيًا بل هو حكمة تذوقية متراكمة عبر قرون.

الفصل الثامن: مستقبل الحلوى العُمانية

المشهد يتغير. جيل جديد من العُمانيين — درسوا علوم الغذاء والطهي، سافروا، تذوقوا العالم — بدأوا يُعيدون النظر في الحلوى العُمانية بعيون مختلفة. بعضهم يقترح إضافات حديثة كالشوكولاتة والقهوة الإسبريسو والفانيليا وإن كان هذا التوجه يستقطب جدلًا واسعًا بين محبي الأصالة.

بعض الشركات الناشئة تطرح الحلوى العُمانية بتغليف عصري يستهدف الأسواق الدولية، متجاوزة السوق المحلية إلى أوروبا وأمريكا الشمالية حيث يتزايد الاهتمام بالنكهات “الشرقية الأصيلة”. هذا التصدير يضع الحلوى أمام تحديات جديدة: متطلبات تخزين ونقل أطول، وملصقات تركيبية مفصلة، ومعايير صحية صارمة.

في الوقت ذاته، تتصاعد أصوات تطالب بتسجيل الحلوى العُمانية ضمن منظمة اليونسكو كتراث غير مادي للإنسانية، على غرار ما حدث مع الشاي الصيني وخبز الخمير اللافاش الأرمني وغيرها. هذا التوجه لو نجح سيُعطي الحلوى حمايةً دولية وسيُضخ اهتمامًا سياحيًا وأكاديميًا إضافيًا بها.

خاتمة: الحلوى التي تحمل الزمن

القِدر النحاسية لا تزال تدور. المحرك يتغير — من اليد الإنسانية إلى الماكينة الكهربائية — لكن الدوران لا يتوقف. والحلوى في جوهرها لا تزال ما كانت دائمًا: محاولة إنسانية لتحويل مواد بسيطة — دقيق ودهن وسكر وماء — إلى شيء يتجاوز مجموع أجزائه. شيء يحمل الذاكرة ويُمرِّر المحبة ويُؤكِّد الانتماء.

أسرار المكونات ليست أسرارًا بالمعنى الحرفي للكلمة. يعرفها كل من أراد أن يتعلم. لكن الأسرار الحقيقية تكمن في شيء آخر: في عدد دورات التحريك التي يجريها صانع يعرف متى تكفي، وفي اللحظة التي يُقرر فيها أن يُضاف ماء الورد بيده ليشم رائحته قبل أن يُلقيه في القِدر، وفي تلك اللحظة الهادئة التي يرفع فيها الملعقة ويُراقب الخيط المتدفق منها — خيط ذهبي يحمل قرونًا من الحكمة المتراكمة في يديه.

الحلوى العُمانية ليست وصفة. إنها ممارسة. وما لم تُمارَس، فإنها مجرد كلمات على ورق.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية