من قلب الجبل الأخضر: المحلب والياس والورود الجبلية في زينة المرأة العمانية التقليدية
لم تكن المرأة العمانية في الأزمنة الغابرة بحاجة إلى صالات التجميل ولا إلى علب مساحيق مستوردة لتُبرز جمالها وتعتني ببشرتها وشعرها. فقد كانت الطبيعة نفسها، بكل سخائها، صيدليتها ومختبر عطورها؛ تطلّ من سفوح الجبل الأخضر وهضابه المرتفعة، وتمدّ يدها إلى ثمار الأشجار وأوراقها وأزهارها، فتحوّلها بخبرة متوارثة جيلاً بعد جيل إلى مساحيق ودهانات وعطور تحمل بصمة الأرض العمانية وعبق تاريخها. وفي قلب هذا الإرث الجمالي العريق، تبرز ثلاثة عناصر نباتية ظلت لقرون رفيقة المرأة العمانية في مناسباتها وأفراحها وحياتها اليومية: المحلب، والياس، والورود الجبلية.
هذه العناصر الثلاثة ليست مجرد مكوّنات تجميلية عابرة، بل هي شواهد حيّة على علاقة عميقة بين الإنسان العماني وبيئته الجبلية القاسية والجميلة في آن واحد. فالجبل الأخضر، بارتفاعه الذي يقترب من ثلاثة آلاف متر فوق سطح البحر، وبمناخه المعتدل النادر في شبه الجزيرة العربية، وفّر بيئة فريدة لنمو نباتات لا توجد غالباً إلا في تلك البقعة من الأرض، فصارت هذه النباتات جزءاً من هوية المرأة العمانية وذاكرتها الجمالية. وفي هذا المقال، نأخذ القارئ في رحلة مفصّلة إلى عالم هذه الزينة التقليدية، لنتعرّف على كل عنصر من عناصرها الثلاثة، وطريقة تحضيره واستخدامه، وما يحمله من رمزية اجتماعية وثقافية، وكيف يجتمع كل ذلك في وصفات جمالية متكاملة صنعتها المرأة العمانية بيديها منذ مئات السنين، وكيف تتجدد اليوم بثوب عصري ضمن موجة الاهتمام العالمي بمستحضرات التجميل الطبيعية والعضوية.
أولاً: المحلب – عجينة الجبل التي تتزين بها الخدود
حين يُذكر المحلب في كثير من البلدان العربية، يتبادر إلى الذهن أولاً ذلك التابل العطري الذي يُضاف إلى الكعك والحلويات في موسم الأعياد. لكن في سلطنة عمان، وتحديداً في القرى المرتفعة من الجبل الأخضر، يحمل المحلب معنى آخر أعمق وأقدم، إذ يتجاوز كونه توابلاً للطعام ليصبح عنصراً أساسياً في طقوس الزينة والتجميل النسائية.
تنمو شجرة المحلب في مناطق محدودة جداً من العالم، ومن أبرزها إقليم بلوشستان في جنوب غرب باكستان، أما في شبه الجزيرة العربية فلا توجد هذه الشجرة إلا في سلطنة عُمان، وتحديداً في قمم الهضاب والجبال المرتفعة من سلسلة الجبل الأخضر، حيث ترتفع بعض المناطق التي تنمو فيها إلى ما بين 2300 و3000 متر فوق مستوى سطح البحر. ولأهمية هذه الشجرة وارتباطها الوثيق بالمكان، أُطلق اسمها على إحدى القرى هناك، فعُرفت باسم “سيح المحلب”، في دلالة واضحة على عمق هذه العلاقة بين النبتة وأرضها.
تُستخرج مادة المحلب التجميلية من بذور هذه الشجرة، حيث تُطحن البذور طحناً ناعماً لتتحول إلى مسحوق دقيق القوام. وهنا تبدأ المرحلة الأهم في الطقس الجمالي: يُعجن هذا المسحوق، وفي بعض الطرق التقليدية يُمزج مع ماء الورد المقطر محلياً أو مع مكونات نباتية أخرى، لتتشكل عجينة ناعمة قابلة للفرد على البشرة. وتضع النساء هذه العجينة، التي تحمل أيضاً اسم “المحلب” سواء قبل العجن أو بعده، على الخدود والجبهة وأحياناً على الأنف، فتترك على الجلد طبقة رقيقة تميل إلى اللون البرتقالي الفاتح، في مشهد جمالي مميز يمنح الوجه إشراقة خاصة لا تخطئها العين.
ولا تقتصر فوائد هذه العجينة على الجانب الجمالي الظاهري فحسب، بل تحمل في طياتها منافع للبشرة ذاتها، إذ يُعتقد تقليدياً أنها تساعد على تنقية البشرة وترطيبها وإنعاشها، كما تُستخدم في بعض الأحيان كعلاج شعبي للصداع عن طريق دهن الجبهة بها. وقد جرت العادة أن تُستخدم هذه الزينة بشكل خاص في المناسبات الكبرى كالأعراس والأعياد، حين تحرص الأمهات والجدّات على تزيين بناتهنّ وأحفادهنّ بها، في طقس اجتماعي حميمي يتكرر من جيل إلى جيل. بل إن من عادات بعض النساء العمانيات أن يُكرمن ضيفاتهنّ بهذه المادة، فتُقدَّم لهنّ كنوع من الترحيب وإظهار الود، تماماً كما تُقدَّم القهوة العمانية والحلوى للضيوف.
وقد وثّق هذا التراث الجمالي مؤخراً المصور العماني محمود الجابري، الذي رصد بعدسته مجموعة من اللقطات الآسرة لأمهات وجدّات وهنّ يزيّنّ بناتهنّ بالمحلب، في مشاهد تعكس أكثر من مجرد فعل تجميلي عابر؛ إذ تحمل هذه اللحظات معاني الرعاية والانتماء، وتجسّد امتداداً حياً لتراث جمالي أصيل توارثته نساء عمان عبر الأجيال. ولم يقتصر استخدام المحلب على الجانب التجميلي فقط في الموروث العماني، بل عُرف أيضاً بفوائده الصحية حين يُستخدم كمكوّن طبيعي يساعد على الهضم عند تناوله، كما يدخل في تحضير بعض الأطعمة كنوع من التوابل، في تأكيد على أن هذا النبات كان جزءاً متكاملاً من حياة المرأة العمانية اليومية، يجمع بين الزينة والصحة والضيافة في آن واحد.
ثانياً: الياس – خلطة الرأس التي تهدئ وتعطّر
إذا كان المحلب هو زينة الوجه في التراث العماني، فإن “الياس” هو سيد خلطات الشعر والرأس. وشجرة الياس، التي تنتشر هي الأخرى على سفوح الجبل الأخضر وضفافه، شجرة دائمة الخضرة، صغيرة الأوراق وكثيفتها، يصل ارتفاعها إلى نحو أربعة أمتار، وتُزيّنها أزهار بيضاء ناعمة، وتحمل ثماراً كروية الشكل. وتُعدّ هذه الشجرة من النباتات التي توفر فرصاً استثمارية واعدة لأهالي المنطقة، إذ تدخل منتجاتها في صناعات عطرية وتقطيرية محلية إلى جانب الورد المعروف.
تبدأ رحلة “الياس” التجميلية من أوراقه، حيث تُسحق هذه الأوراق سحقاً ناعماً جداً حتى تتحول إلى مسحوق دقيق يُستخدم بحدّ ذاته كمادة عطرية تُضاف إلى مستحضرات أخرى أو تُستعمل منفردة لتعطير الجسم والملابس. أما في استخدام آخر أكثر ارتباطاً بالعناية بالشعر، فيُضاف الماء إلى هذا المسحوق لعجنه، فتتشكل خلطة تُعرف محلياً بـ”الخلطة الياسية”، تضعها النساء على فروة الرأس والشعر. ويُعتقد في الموروث الشعبي أن هذه الخلطة مفيدة لصحة الشعر وكثافته ولمعانه، كما أنها تمنح إحساساً بالراحة والاسترخاء عند فروة الرأس، فضلاً عن استخدامات أخرى للياس في علاج الصداع والحمى بالطرق الشعبية، إلى جانب استعماله كمادة للتطيب بشكل عام.
ما يميز نبتة الياس في الذاكرة الجمعية العمانية هو هذا الدور المزدوج الذي تلعبه: فهي من جهة عنصر عناية وجمال يرتبط بالشعر وفروة الرأس، ومن جهة أخرى عنصر علاجي وعطري يدخل في طقوس الراحة والاسترخاء. وقد ظلّ تقطير أوراق الياس وأزهاره، إلى جانب نبات الجعداء وأشجار الكيذا الأخرى المنتشرة في الجبل الأخضر، من الصناعات التقليدية التي توارثتها الأسر القاطنة هناك، في موازاة صناعة تقطير ماء الورد الأكثر شهرة، لتشكّل معاً منظومة متكاملة من المنتجات العطرية والتجميلية التي تستمد مكوناتها الأساسية من البيئة الجبلية المحيطة.
ولأن نبات الياس يُزهر ويُثمر في فصول معينة من السنة، فإن جمع أوراقه وتجهيزها كان – وما زال في بعض القرى – نشاطاً موسمياً تشارك فيه النساء بشكل خاص، إذ يخرجن في الصباحات الباكرة لجمع ما يحتجن إليه من الأوراق الطازجة، قبل أن يبدأن عملية السحق والعجن في منازلهنّ بطرق توارثنها عن أمهاتهنّ وجداتهنّ، دون كتب أو وصفات مكتوبة، بل عبر الملاحظة والممارسة والتلقين الشفهي الذي يُعدّ من أهم وسائل حفظ هذا النوع من المعرفة الشعبية في المجتمعات الجبلية.
ثالثاً: الورود الجبلية – جوهرة الجبل الأخضر العطرية
لا يكتمل الحديث عن الزينة العمانية التقليدية دون التوقف مطولاً عند الورد الجبلي، الذي يُعدّ بحق العلامة الأكثر شهرة وانتشاراً من بين عناصر هذا التراث الجمالي، ليس فقط داخل سلطنة عُمان بل على المستوى الإقليمي والعالمي أيضاً. فالجبل الأخضر، الذي يقع في ولاية نزوى بمحافظة الداخلية، ويبعد نحو 150 كيلومتراً عن العاصمة مسقط، اشتهر منذ قديم الزمان بزراعة الورد وصناعة تقطيره، حتى صار هذا المنتج أحد أبرز رموز الهوية الزراعية والتراثية لتلك المنطقة الجبلية الوعرة.
تنتشر بساتين الورد في عدة قرى من قرى الجبل الأخضر، من أبرزها قرية العين التي تشتهر بزراعة الورد ضمن مدرجاتها الزراعية المتدرجة على سفوح الجبال، وقرية المناخر التي تجمع بين زراعة الورد والرمان وبراعة أهلها في تقطير ماء الورد، إلى جانب مناطق أخرى مثل وادي بني حبيب. وتشير التقديرات إلى أن عدد أشجار الورد المزروعة في الجبل الأخضر يبلغ نحو ستة آلاف شجرة، ينتج عنها سنوياً ما يقارب ثلاثين ألف لتر من ماء الورد، بقيمة سوقية تُقدَّر بمئتين وعشرة آلاف ريال عُماني تقريباً، وهو ما يعكس الأهمية الاقتصادية المتنامية لهذا القطاع الزراعي المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالموروث الثقافي للمنطقة.
أما عن موسم الورد، فهو مشهد سنوي ينتظره أهالي الجبل الأخضر بشغف، حيث تتفتح الأزهار الوردية الفاتحة لتغطي مساحات شاسعة من المنطقة الصخرية الوعرة، فتتحول الجبال إلى لوحة من اللون والعطر معاً. وفي فجر كل يوم من أيام موسم القطاف، تمتلئ بساتين الورد برجال ونساء يجمعون الأزهار ذات الرائحة الزكية قبل أن تشتد حرارة الشمس وتفقد الزهرة بعض زيوتها العطرية، إذ تُقطف الأزهار في ساعات الصباح الأولى تحديداً للحفاظ على أعلى تركيز ممكن من الزيوت الطيارة المسؤولة عن الرائحة المميزة لماء الورد العماني.
تتم عملية تقطير الورد بطرق تقليدية توارثتها الأجيال أباً عن جد، إلى جانب بعض الأساليب الحديثة التي دخلت لاحقاً لتطوير الصناعة دون أن تُلغي الطابع الأصيل لها. ففي الطريقة التقليدية المنزلية، يبدأ أهالي الجبل بحرث الأرض وتقليم الأشجار وتسميد التربة وسقيها بانتظام طوال العام استعداداً لموسم الإزهار، وعندما تبدأ الزهور بالتفتح تُقطف كل صباح وتُنقل إلى المنازل لبدء عملية التقطير اليدوي، التي تستغرق نحو ساعتين ونصف الساعة للدفعة الواحدة، وتتكرر هذه العملية ليل نهار طوال أيام الموسم، ثم يُجمع ماء الورد الناتج في أوانٍ كبيرة ويُحفظ لأشهر عدة قبل أن يُعبأ في زجاجات للبيع أو الاستخدام المنزلي. أما في الطريقة الحديثة، فتُضاف أزهار الورد إلى جهاز تقطير خاص مع الماء، وتُترك لمدة ساعتين تقريباً تحت مصدر حراري، لينتج في النهاية سائل شفاف عديم اللون يحمل رائحة الورد الزكية، ويُعرف ماء الورد العماني بصفائه العالي ونقائه ورائحته الفريدة التي تميّزه عن نظرائه في الأسواق الإقليمية الأخرى.
ولا يقتصر استخدام ماء الورد الجبلي على المجال التجميلي وحده، بل يمتد ليشمل مجالات متعددة من الحياة العمانية اليومية والاحتفالية، فهو يدخل في صناعة الحلوى العمانية الشهيرة التي تُعدّ من أبرز رموز الضيافة في عُمان والخليج العربي، كما يُضاف إلى القهوة والشاي العماني التقليدي لإضفاء نكهة عطرية محببة، ويُستخدم في إحياء المناسبات الاجتماعية والأفراح، وله أيضاً استخدامات طبية شعبية للتداوي من بعض الآلام والأوجاع. أما على الصعيد التجميلي تحديداً، فيُستخدم ماء الورد عطراً يُوضع مباشرة على الجسم لمنحه رائحة جذابة تدوم طويلاً، كما يدخل كمكوّن أساسي في تحضير عجينة المحلب كما ذكرنا سابقاً، إضافة إلى استخدامه كمنقّ ومرطّب طبيعي للبشرة، بعيداً عن أي إضافات صناعية أو كيميائية، وهي خاصية يقدّرها كثير من النساء العمانيات في وردهنّ الجبلي مقارنة بمستحضرات التجميل التجارية الحديثة.
ولم يقتصر اهتمام المرأة العمانية على الورد الجبلي العادي وحده، بل امتد إلى استخدام “ورد الجوري” أيضاً، حيث كانت تطحن بتلاته وتمزجها مع مكونات أخرى ضمن خلطات عطرية ودهانات فاخرة، في دلالة على أن الورد بمختلف أنواعه كان حاضراً بقوة في صندوق أدوات الزينة العمانية التقليدية، سواء كزهرة تُقطّر ماؤها، أو كبتلات تُطحن وتُمزج، أو كرائحة تُضاف إلى عطور أخرى لتكتمل نكهتها.
رابعاً: حين يلتقي الثلاثة – وصفة الزينة العمانية المتكاملة
ما يجعل هذا التراث الجمالي العماني فريداً حقاً ليس استخدام كل عنصر من هذه العناصر الثلاثة بمفرده فحسب، بل في كيفية اجتماعها معاً ضمن وصفات تجميلية متكاملة طوّرتها المرأة العمانية بحسّها الفطري وخبرتها المتوارثة. فلم تكن زينة المرأة العمانية تكتمل بالعطور الطبيعية وحدها، بل كان لشعرها أيضاً نصيب وافر من هذا الاهتمام، خصوصاً في الأفراح والمناسبات الكبرى، حين كانت المرأة تبتدع بنفسها خلطات خاصة من مسحوق زهور الريحان، وحبوب المحلب المطحونة، والمسك الأبيض، وورد الجوري.
وكان الدهان الناتج عن مزج هذه المكونات الجافة مع ماء الورد الجبلي المقطّر محلياً، أو في بعض الأحيان مع العود والمخمرية، يُعدّ من أفخر العطور المتوفرة آنذاك، فحرصت المرأة العمانية على التعطر بهذا الدهان لإضفاء رائحة طيبة وعطرة تلازمها في مناسباتها الاجتماعية. ولم يكن هذا الاهتمام بالعطر والزينة مجرد رفاهية عابرة، بل ترك أثره حتى في الموروث الشعري العماني، حيث تغزّل الشعراء بجمال المرأة العمانية ووصفوا عيونها المكحّلة في أبيات لا تزال تُروى حتى اليوم، مما يعكس عمق الارتباط بين الزينة التقليدية والهوية الثقافية والوجدانية للمجتمع.
وإذا أردنا تخيّل “وصفة” تقليدية كانت تستخدمها جدّاتنا، يمكن تصورها على النحو التالي: تُطحن بذور المحلب وأوراق الياس كل على حدة حتى تصبحا مسحوقاً ناعماً، ثم تُمزج كميات مناسبة من كل منهما مع قليل من مسحوق ورد الجوري المجفف، وتُعجن جميعها بماء الورد الجبلي المقطّر حديثاً حتى تتشكل عجينة متجانسة القوام. تُستخدم هذه العجينة بطرق متعددة: فجزء منها يُوضع على الخدين والجبهة كزينة للوجه تشبه ما كان يُفعل بالمحلب وحده، وجزء آخر يُمزج بمزيد من الماء ليصبح أكثر سيولة فيُستخدم لتدليك فروة الرأس والشعر استفادة من خصائص الياس المهدئة والمنعشة، وجزء ثالث يُترك كعطر جاف أو يُذاب في مزيد من ماء الورد ليُستخدم كعطر للجسم والملابس في المناسبات. وبهذا، كانت العناصر الثلاثة – المحلب والياس والورود الجبلية – تتكامل فيما بينها لتغطي كل احتياجات الزينة من العناية بالبشرة، إلى العناية بالشعر، وصولاً إلى التعطير، في منظومة جمالية شاملة لا تحتاج إلى أي مكوّن مستورد أو صناعي.
خامساً: ما وراء الزينة – الأبعاد الاجتماعية والثقافية
يصعب فهم هذا التراث الجمالي العماني بمعزل عن سياقه الاجتماعي والثقافي الأوسع. فطقوس الزينة بالمحلب والياس وماء الورد لم تكن أبداً مجرد إجراءات فردية تقوم بها المرأة لنفسها في عزلة، بل كانت في جوهرها فعلاً جماعياً واجتماعياً بامتياز. فالأم تُزيّن ابنتها، والجدّة تُزيّن حفيدتها، في مشهد متكرر يحمل دلالات الرعاية والمحبة والانتماء إلى نسيج عائلي واحد يمتد عبر الأجيال. وحين تُكرم المرأة ضيفتها بالمحلب، فإن هذا الفعل يتجاوز كونه هدية بسيطة ليصبح رسالة ضيافة وترحيب، تماماً كما هو الحال مع تقديم القهوة العمانية أو الحلوى للضيوف، إذ تتشارك هذه العناصر جميعاً في كونها وسائل تعبير اجتماعي عن الكرم والاحتفاء بالآخر.
كذلك ارتبطت هذه الزينة بشكل وثيق بالمناسبات الكبرى في حياة المرأة العمانية، وعلى رأسها الأعراس والأعياد. ففي ليالي الحناء وأيام الزفاف، كانت العروس وقريباتها يتزيّن بالمحلب على وجوههنّ، ويستخدمن خلطات الياس لشعرهنّ، ويتعطرن بدهانات الورد والمسك، في طقوس تحضيرية تسبق المناسبة وتستمر خلالها، وتُشكّل في مجموعها جزءاً لا يتجزأ من احتفالية الزفاف العمانية التقليدية. وإلى جانب المحلب والياس والورد، استكملت المرأة العمانية زينتها بعناصر أخرى لا تقل أهمية، كالحناء التي خضّبت بها شعرها ويديها، والكحل بأنواعه وأشكاله المختلفة الذي زيّنت به عينيها وأكسبهما ذلك البريق الذي خلّده الشعراء في قصائدهم، وكذلك الحلي الفضية التقليدية التي تحمل بدورها رمزية اجتماعية ودينية غنية بشفراتها الثقافية الخاصة. كل هذه العناصر مجتمعة شكّلت منظومة جمالية متكاملة، عبّرت عن هوية المرأة العمانية وذوقها الفني الخاص، وارتبطت بالزي الشعبي العماني للنساء بشكل لا ينفصل.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الزينة لم تكن مقصورة على الجانب الجمالي البحت، بل حملت أبعاداً صحية وعلاجية موازية، فالمحلب استُخدم لعلاج الصداع، والياس عُرف باستخداماته لعلاج الصداع والحمى أيضاً إلى جانب فوائده للشعر، وماء الورد استُخدم للتداوي من بعض الآلام. وهذا التداخل بين الجمال والصحة يعكس فلسفة شاملة في التعامل مع الجسد، لا تفصل بين العناية بالمظهر والعناية بالصحة، بل تنظر إليهما كوجهين لمنظومة واحدة من العناية الذاتية المستمدة من الطبيعة المحيطة.
سادساً: من الإرث إلى الحاضر – إحياء التجميل العضوي العماني
في السنوات الأخيرة، بدأت هذه الأساليب التقليدية في الزينة ومستحضرات التجميل تعود إلى الواجهة من جديد، بعد أن تركتها كثير من النساء العمانيات لسنوات طويلة لصالح المنتجات التجميلية الحديثة المستوردة. فمع الاهتمام العالمي المتنامي بما يُعرف بـ”مستحضرات التجميل العضوية”، التي تتميز باعتمادها على المواد الطبيعية الخالصة بعيداً عن المركبات الكيميائية الصناعية، وجدت كثير من شركات التجميل في هذا الإرث العماني العريق – من المحلب والياس وماء الورد إلى الحناء والكحل – مادة خصبة يمكن استثمارها وتقديمها بصورة عصرية تواكب أذواق المستهلك الحالي، لتصبح هذه العناصر التقليدية رمزاً للترف والأصالة في آن واحد.
ويبرز في هذا السياق الاهتمام الحكومي والمجتمعي المتنامي بالحفاظ على صناعة تقطير ماء الورد التقليدية في الجبل الأخضر باعتبارها ثاني أهم منتج زراعي في المنطقة بعد الرمان، حيث تحظى هذه الصناعة بدعم من الجهات المعنية بالحرف التقليدية، التي تعمل على وضع خطط لتطويرها دون المساس بأصالتها وطابعها التراثي. كما أصبح موسم الورد في الجبل الأخضر، الذي يتزامن عادة مع فصل الربيع، مناسبة سياحية تجذب الزوار من داخل سلطنة عُمان وخارجها، الذين يأتون لمشاهدة بساتين الورد المتفتحة، وتجربة ماء الورد الطازج، والاستمتاع برائحة الورود الجبلية الزكية، في مزيج يعكس توازناً جميلاً بين الحفاظ على التراث وتطويره ليصبح مورداً اقتصادياً وسياحياً مستداماً.
ولعل أحد أبرز مظاهر هذا الإحياء هو الاهتمام المتزايد بتوثيق هذا التراث بصرياً ومرئياً، كما فعل المصور العماني محمود الجابري في سلسلة صوره الموثقة لطقس تزيين المحلب، والتي لاقت تفاعلاً واسعاً لكونها تُجسّد جزءاً أصيلاً وأخّاذاً من التراث التجميلي النسائي في سلطنة عُمان، وتُذكّر الأجيال الجديدة بجمال وعمق هذه الممارسات التي قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها في حقيقتها تحمل طبقات غنية من المعرفة البيئية والاجتماعية والجمالية المتراكمة عبر قرون من التعايش مع البيئة الجبلية العمانية.
خاتمة
تمثّل ثلاثية المحلب والياس والورود الجبلية أكثر من مجرد وصفات تجميلية قديمة استُبدلت بمستحضرات حديثة؛ إنها في جوهرها سردية كاملة عن علاقة المرأة العمانية بأرضها وجبالها، وعن قدرتها الفطرية على تحويل عطايا الطبيعة المحيطة بها إلى أدوات للجمال والعناية والتواصل الاجتماعي. فمن قمم الجبل الأخضر الباردة المرتفعة، حيث تنمو شجيرات المحلب النادرة وأشجار الياس المعطرة وبساتين الورد الجبلي الفوّاحة، نسجت الأجيال المتعاقبة من النساء العمانيات منظومة جمالية متكاملة، حملت في طياتها معاني الرعاية الأمومية، والضيافة الكريمة، والاحتفال بالمناسبات، والعناية بالصحة والجمال معاً.
واليوم، ومع تجدد الاهتمام العالمي بالطبيعة والمنتجات العضوية، تجد هذه الكنوز التجميلية العمانية القديمة فرصة جديدة لتتألق من جديد، لا كذكرى من الماضي وحسب، بل كإرث حي قابل للتطوير والاستثمار، يحمل في طياته قصة أرض وشعب وامرأة عرفت، منذ زمن بعيد، كيف تصنع جمالها بيديها من قلب الجبل الأخضر.