الحكومة

مجلس عمان: البنية والصلاحيات

مجلس عمان: البنية والصلاحيات

تُمثل تجربة المشاركة السياسية وصناعة القرار في سلطنة عمان نموذجاً متميزاً يتسم بالتدرج والموازنة الدقيقة بين الحفاظ على الأصالة والهوية العمانية العريقة، وبين تلبية متطلبات التحديث والمؤسساتية المعاصرة. وفي قلب هذه التجربة الفريدة يبرز مجلس عمان كأعلى مؤسسة تشريعية ورقابية في البلاد.

تأسس مجلس عمان ليكون المظلة الكبرى التي تجمع تحتها جناحي العمل الشوري والتشريعي: مجلس الدولة (المعيّن) ومجلس الشورى (المنتخب). ويعكس هذا النظام الثنائي (Dual-Chamber System) رؤية سياسية عميقة تهدف إلى مزج حكمة وصلاحيات المعرفة والخبرات النخبوية بالنبض الحي للشارع العماني وتطلعات المواطنين. وفي ظل النهضة المتجددة التي يقودها جلالة السلطان هيثم بن طارق، يشهد مجلس عمان قفزات تشريعية ورقابية نوعية تتواكب بمرونة وثبات مع مستهدفات “رؤية عمان 2040” لتطوير الجهاز الإداري للدولة وتحديث القوانين.

الجذور التاريخية وفلسفة التدرج

لم تكن الشورى في سلطنة عمان وليدة اللحظة أو نتاجاً لتقليد أنظمة سياسية مستوردة، بل هي امتداد لثقافة راسخة متجذرة في التاريخ العماني، حيث اعتمد الأئمة والسلاطين على مدار القرون العرف الشوري والتحاور مع أعيان المجتمع وعلماء الأمة في تسيير شؤون البلاد.

ومع انطلاق نهضة عمان الحديثة عام 1970 بقيادة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه-، اتخذ الفكر السياسي العماني من “التدرج المدروس” استراتيجية أساسية لبناء دولة المؤسسات. بدأت هذه الرحلة بالخطوات المتزنة التالية:

  • المجلس الاستشاري للدولة (1981): مثّل اللبنة المؤسسية الأولى، وكان يهدف إلى إشراك المواطنين من مختلف القطاعات في تقديم الآراء والمقترحات للحكومة.
  • إنشاء مجلس الشورى (1991): جاء بديلاً للمجلس الاستشاري، ليفتح الباب أمام تمثيل أوسع لولايات السلطنة عبر آلية الترشيح والانتخاب.
  • ولادة مجلس عمان (1997): بموجب النظام الأساسي للدولة الصادر عام 1996، أُعلن عن تأسيس “مجلس عمان” بصيغته الثنائية الحالية، حيث أُضيف “مجلس الدولة” كغرفة تشريعية ثانية تعنى بمراجعة القوانين بعين الخبرة الفنية والأكاديمية.

لقد أثبتت هذه الفلسفة التدرجية نجاحها؛ إذ جنبت المجتمع الهزات السياسية المفاجئة، وساهمت في إنضاج الوعي الانتخابي والتشريعي لدى المواطن والمؤسسات على حد سواء، وصولاً إلى إصدار قانون مجلس عمان بالمرسوم السلطاني رقم (7/2021) الذي حدد بدقة الصلاحيات والأدوار في العهد الجديد.

الهيكل البنيوي لمجلس عمان

يتكون مجلس عمان من غرفتين تشريعيتين تعملان بتناغم وتكامل، مع تمتع كل مجلس بالشخصية الاعتبارية المستقلة إدارياً ومالياً:

1. مجلس الدولة

هو مجلس معين يضم نخبة من الكفاءات الوطنية العمانية. يتولى جلالة السلطان تعيين أعضائه ورئيسه بموجب مراسيم سلطانية، على ألا يتجاوز عددهم الإجمالي عدد أعضاء مجلس الشورى. ويتم اختيار الأعضاء بدقة من فئات محددة قانوناً تشمل:

  • الوزراء والوكلاء والسفراء السابقين.
  • القضاة المتقاعدين وكبار الضباط المتقاعدين.
  • أساتذة الجامعات والكليات والمعاهد العليا المشهود لهم بالكفاءة العلمية.
  • الأعيان ورجال الأعمال والشخصيات التي قدمت خدمات جليلة للوطن.
  • تستمر فترة المجلس لمدة 4 سنوات ميلادية.

2. مجلس الشورى

هو المجلس الممثل للشعب، ويتكون من أعضاء منتخبين يمثلون كافة ولايات سلطنة عمان. يتم انتخابهم بواسطة الاقتراع السري المباشر من قِبل المواطنين الذين تزيد أعمارهم عن 21 عاماً. وتُحدد الكثافة السكانية لكل ولاية حجم تمثيلها:

  • عضو واحد: للولاية التي لا يتجاوز عدد سكانها 30 ألف نسمة.
  • عضوان: للولاية التي يتجاوز عدد سكانها هذا الحد.
  • تستمر فترة مجلس الشورى كذلك 4 سنوات ميلادية، وينتخب المجلس من بين أعضائه رئيساً له ونائبين للرئيس في أول جلسة إجرائية له.

الصلاحيات والوظائف التشريعية والرقابية

بموجب التحديثات التشريعية الأخيرة وقانون مجلس عمان، يمارس المجلس أدواراً حيوية تضمن التوازن والمرونة في إقرار السياسات العامة للدولة:

الدور التشريعي ومسار القوانين

تتمتع الغرفتان بصلاحيات واسعة في دراسة وإقرار مشروعات القوانين المحالة من الحكومة، أو اقتراح مشروعات قوانين جديدة. ويمر مقترح القانون بالدورة التشريعية الرصينة التالية:

[الحكومة أو اقتراح من مجلس الشورى] 
                 ↓
      [دراسة مجلس الشورى وإقراره]
                 ↓
      [الإحالة إلى مجلس الدولة للمراجعة]
                 ↓
[رفع القانون مباشرة إلى جلالة السلطان للاعتماد]

وفي حال وجود تباين أو اختلف المجلسان حول مواد في مشروع قانون ما، تُعقد جلسة مشتركة بدعوة من رئيس مجلس الدولة للتصويت على المواد محل الخلاف والوصول إلى صيغة موحدة تُرفع مباشرة إلى جلالة السلطان، مما يضمن كفاءة العملية التشريعية وسرعة البت فيها.

مراجعة الميزانية العامة وخطط التنمية

تُحال مشروعات الخطط التنموية الخمسية والميزانية العامة السنوية للدولة من مجلس الوزراء إلى مجلس الشورى أولاً لمناقشتها وإبداء مرئياته وتوصياته عليها، ثم تُحال إلى مجلس الدولة لمراجعتها بالتكامل مع الشورى، قبل أن ترفع التوصيات النهائية إلى الحكومة. هذا الدور يضمن مراجعة الخطط الاقتصادية من منظور شعبي وفني شامل.

الصلاحيات وأدوات المتابعة الرقابية

يملك أعضاء مجلس الشورى حزمة من الأدوار الرقابية لمتابعة أداء الوزارات الخدمية والقطاعات التنفيذية بالدولة، ومن أبرز هذه الأدوات القانونية:

  • البيان العاجل: لطرح قضية طارئة ومهمة تمس المصلحة العامة تحت قبة المجلس.
  • طلب الإحاطة: للاستفسار من أحد الوزراء عن موضوع يقع في نطاق اختصاصه.
  • إبداء الرغبة: توجيه مقترحات وتوصيات للحكومة لتطوير قطاع خدمي أو تعديل إجراء إداري معين.
  • الأسئلة البرلمانية والاستجواب: لطلب حضور الوزراء ومناقشتهم علناً في خطط وزاراتهم وبياناتهم السنوية.

مجلس عمان ورؤية “عمان 2040”

تعد سلطنة عمان في مرحلة مفصلية من تاريخها الاقتصادي والاجتماعي مع تنفيذ خطط “رؤية عمان 2040” التي ترتكز على التنويع الاقتصادي، الاستدامة المالية، وتطوير التعليم والبحث العلمي. وهنا يبرز دور مجلس عمان كشريك استراتيجي للحكومة؛ إذ يتولى المجلس:

  1. تحديث المنظومة التشريعية والقانونية الجاذبة للاستثمارات الأجنبية وتسهيل بيئة الأعمال.
  2. مراجعة قوانين الحماية الاجتماعية وتطوير شبكات الأمان للمواطنين بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية العالمية والتضخم.
  3. التركيز على القوانين البيئية وقضايا الحياد الكربوني ومواجهة التغيرات المناخية بما يدعم ملف الاستدامة.

ومن خلال اللجان الدائمة في كلا المجلسين (مثل: اللجان الاقتصادية، واللجان القانونية، ولجان التعليم والبحث العلمي)، تحولت أروقة مجلس عمان إلى ورش عمل مستمرة لإنتاج الدراسات المعمقة وتقديم الحلول المبتكرة للتحديات التنموية.

خاتمة

يمثل مجلس عمان تجربة سياسية ناضجة صِيغت بخصوصية عمانية خالصة، فلم تنجرف وراء الشعارات الجاهزة، ولم تنكفئ على الأنماط التقليدية الجامدة. إن هذا النموذج القائم على ثنائية الغرف التشريعية (المعينة والمنتخبة) يعبر بدقة عن عبقرية الفكر العماني في إدارة شؤون الدولة.

وبينما تمضي السلطنة بخطى واثقة نحو المستقبل، يظل مجلس عمان الحصن التشريعي الذي يحمي مكتسبات الوطن، ويوطد أواصر الثقة بين القيادة والحكومة والمواطن، مساهماً بفاعلية في رسم ملامح الغد المشرق لعمان الغالية.

فريق الموسوعة العمانية

فريق الموسوعة العمانية

محرر الموسوعة العُمانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *